معتصم الحارث الضوّي
19-02-2008, 01:13 AM
د . محمد مندور
( 1907 – 1965 )
- أكمل دراسة الدكتوراة في فرنسا عام 1939 م و من ثم قفل عائداً إلى مصر .
- تنقل أستاذاً محاضراً بين جامعتي القاهرة و الإسكندرية ، و استقال من الجامعة عام 1944 م ليتفرغ للكتابة و التأليف بل المحاماة .
- تنقل ما بين مجلتي الثقافة و الرسالة ثم الأهرام و المصري و الوفد المصري المسائية ، و أصدر مجلة البعث الأسبوعية . كما تولى تحرير صوت الأمة بعد سقوط إسماعيل صدقي .
- افتتح مكتباً للمحاماة و ُرشِّح للبرلمان ، و في ثنايا ذلك دخل الحبس الاحتياطي أكثر من عشرين مرة ، و سجن في زنزانة إنفرادية لمدة 46 يوماً بتهمة الشيوعية.
- شارك في العديد من الخصومات السياسية الحادة و القضايا التي رفعها على خصومه ، بالإضافة إلى معاركه الفكرية النقدية المحتدمة و مواجهة إغلاق أكثر من مجلة و جريدة كتب فيها أو رأس تحريرها .
- أصدر العديد من الكتب و المراجع التي تعتبر أساسية في تأطير مفهوم النقد العربي الحديث .
- مع ثورة 1952 م انتقل إلى مرحلة أخرى من نقد الشعر ، ركَّز فيها على دراسة الشعر المصري الحديث ابتداء من ولي الدين يكن و انتهاء بروافد حركة أبوللو التجديدية و حركة الشعر الحر ، و ذلك من خلال محاضراته التي ألقاها في معهد الدراسات العربية منذ إنشائه عام 1953 م .
- قَّدم في تلك المحاضرات محاولة لتأريـخ الشعر العربي الحديث في مصـر ، و التمييز بين مراحله التاريخية و اتجاهاته الفنية .
- ركَّز في مطلع الستينيات على المسرح مع ما صاحب هذا التركيز من حوار مع الاشتراكيين و الجماليين من النقاد ، و أدى تأثره بالتطورات الاجتماعية في مصر خلال تلك السنوات إلى تبنيه لمفهوم الواقعية الاشتراكية ، و إلى الإيمان بأن للأدب بوجه عام وظيفة سياسية متصلة باستخلاص القيّم المحركة التي تكمن خلف مظاهر التطور الاقتصادي و الاجتماعي و الكشف عنها ، مما يحول هذه القيّم إلى قوة إيجابية فاعلة .
- تصاعد تركيزه على الوظيفة الاجتماعية للأدب تدريجياً في تناسب طردي مع خطى المجتمع المصري في مجال التطبيق الاشتراكي الذي أصبح شعاراً رسمياً للقيادة السياسية ، حتى يصل هذا التركيز إلى أقصى درجة في أواخر حياته.
إذا كان مندور قد أصّل لمنهجه عبر دراسة الأدب من الداخل، فإن فعل هذا التأصيل قد جعله يطبق على النصوص المعالجة نقدا تأثرياً ذوقياً يجمع بين التحليل والرؤية التاريخية والتقييم الجمالي مع اعتماد التراث النقدي العربي القديم الذي تبلورت قيمته لديه في شخصية عبد القاهر الجرجاني ونظريته حول النظم التي تعتبر اللغة منظومة من العلائق لا مجموعة من الألفاظ. و انطلاقاً من تأثره بهذا الناقد، اعتبر الأدب فناً لغوياً في الأساس يلزم الناقد باستعمال منهج يستمد أدواته من فقه اللغة لكي يتمكن من تحليلي الأساليب وتمييزها.
بعبارة أخرى، إذا كانت واقعية مندور غائمة القسمات، فإن كتاباته تحرص في الأساس على دراسة العمل الأدبي والفني في مستوياته المختلفة، من حيث قيمه الإنسانية والعقلية وكذا من حيث أساليبه التعبيرية. وقد كانت حصيلة ذلك ابتكاره لنظرية «الشعر المهموس» التي أصلت ممارسته النقدية انطلاقا من الخلفية الجمالية التي تروج لها: وهي ضرورة تخلص الشعر من كل تعبير يقوم على التسطيع والخطابة واعتماده الهمس، «أي الإيحاء عن طريق الصورة والرمز والصورة والموسيقى باعتبارها عناصر أساسية تحقق وظيفة الشعر (أو فلسفته)، وتجعل المتلقي يتأمل بمحض الإحساسات التي تثيرها القصيدة في نفسه».
وإذا كانت هذه النظرية نابعة من دراسته للأدب المهجري، فإن كتابه «فن الشعر» يعتبر عملا تقييمياً للفن الشعري عبر مدارسه ونظرياته. ولأنه يحتوي على مقارنات وآراء شخصية فإنه يقوم على أصالة منهجية حددها مندور كما يلي وهي «أن الشعر لا بد أن يثير فنيا إحساسات جمالية وانفعالات وجدانية، وإلا فقد صفته. ولتحقيق هذه الأهداف هناك عدة وسائل أو خصائص لا بد من توافرها فيه: كالوجدان في مضمونه والصور البيانية في تعبير وموسيقى اللغة في وزنه».
كما يرى محمد مندور أن الشعر العربي القديم قد تميز بسمتين أساسيتين هما: النغمة الخطابية والوصف الحسي، وهاتان السمتان لا تنتجان شعر الدراما، لأن شعر الدراما يقوم ـ كما يقول ـ (على الحوار المختلف النغمات، لا على الخطابة الرنانة، كما يقوم على خلق الحياة والشخصيات وتصور المواقف والأحداث، لا مجرد الوصف الحسي الذي يستقي مادته من معطيات الحواس المباشرة، ولا يلعب فيها الخيال إلا في التماس الأشباه والنظائر، ومدّ العلاقات بين عوالم مختلفة ـ عن طريق اللغة بفضل التشبيهات والاستعارات، و المجازات المختلفة).و يبدو ذلك جلياً في رأيه المشهور عن كتاب "دلائل الإعجاز" للجرجاني، فهو في نظره رائد علم اللسان الحديث ومكتشف الرمزية اللغوية.
وقد قارن مندور بين الأساطير العربية وأساطير اليونان. فوجد أن نموها لم يكن مطرداً، ولم يتوفر عنصر الدراما في الأساطير العربية، كما توفر ذلك في أساطير اليونان، ويحيل السبب مرة أخرى إلى الشعر العربي لأنه ظل غنائياً لم ينفصل عن قائله، لذا فقد نفى مندور أية معرفة لعرب ما قبل الإسلام بالفن المسرحي، أو الفن الملحمي، على الرغم مما وصفوا من أيام وحروب، ومن معارك ومغامرات، علماً بأن مندور قد أشاد بقدرة التصور عند العرب القدماء واعتبر السمات المميزة للشخصية العربية هي من نتاج الطبيعة المميزة لبيئتهم .
تعد فترة الخمسينيات مرحلة ترسيخ النقد الواقعي الاشتراكي في الحقل الثقافي العربي بعد أن عرف حضورا متعدد المفاهيم فيما بين الحربين وذلك في كتابات تمهيدية لفرح أنطون (الحياة في الأدب) شبلي شميل: (فكرة النشوء والارتقاء) وسلامة موسى: (الاشتراكية) وغيرهم.
وإذا كانت هذه الكتابات قد ارتكزت على روافد غربية مثل الاشتراكية الفابيانية Fabianism والاشتراكية الديموقـراطية La Salle ثم الاشتراكية العلمية (ماركس أنجلز)، فإن النقد الواقعي الاشتراكي العربي قد عرف مع ذلك انحرافات في توجهاته نظرا لغياب تصور متكامل لمفهوم الجمالية الماركسية. وهذا لا يعني أنه وقف عند حدود التطبيق الميكانيكي للمنهج حينما أكد على البعد الاجتماعي للأدب، بل أمكن له إنتاج خطابات نقدية هامة كما هو الشأن لدى محمد مندور ولويس عوض، ومحمود أمين العالم و غيرهم ممن اهتموا بأجناس أدبية أخرى غير الشعر، ونعني بذلك القصة والمسرحية والرواية والتراث الأدبي.
وهكذا، فإذا كان هذا النقد قد أفرز خصومات ومناقشات عديدة حول علاقة الأدب بالمجتمع، فلأن عملية تغريبه قد خضعت في أغلب الأحيان لاقتباس مقولات جاهزة عن الغرب، كما أنها خضعت لتغييرات في العقيدة أو القناعة الشخصية جعلت بعض النقاد يرفضون مفاهيم المدارس المادية التي تجرد الإنسان من كل إرادة ذاتية وترغمه على أن يذوب في شخصية الجماعة. وهذا ما دفع محمد مندور إلى ابتداع منهجه الإيديولوجي الذي يعتبر «الأدب انعكاسا لواقع الحياة وتطورها، ولكنه ليس انعكاسا سلبيا، بل انعكاس إيجابي يرتد ثانية إلى تلك الحياة ليحث خطاها وليدفعها نحو مزيد من التطور والتقدم، وبذلك يأخذ من الحياة ثم يعطيها أكثر مما أخذ»
في نطاق الخصومات التي أثارها النقد الواقعي الاشتراكي ، كان الإبداع الأدبي قد حقق طفرات وتحولات بعيدة في ميدان تحديث الكتابة ؛ وكان لزاما على النقد أن يكون شاهد إثبات على هذه التحولات من خلال تجديد أدواته ومناهجه.
إن هذا الاهتمام بالصياغة الفنية للإبداع سيقود محمد مندور بدوره إلى اعتبار الأدب «نقدا للحياة وصياغة فنية لتجربة بشرية». وبحكم مرجعياته الثقافية، وتربيته الدينية، وتجربته الحياتية السياسية، فقد اتخذت واقعية مندور الاشتراكية توجهات عديدة إلى درجة أن البحث عنها في نقوداته كما يقول فيصل دراج «سرعان ما يتوقف عندما ندرك أنها غائمة القسمات أو أنها هامش صغير في كتابات تحاول رصد الأدب من الداخل وتحليل علاقاته المنطقية دون أن تعير أي اهتمام إلى مفهوم الانعكاس / الوظيفة / المعرفة / التحريض».
من هنا، إذا كان مندور قد أصّل منهجه عبر دراسة الأدب من الداخل، فإن فعل هذا التأصيل قد جعله يطبق على النصوص المعالجة نقدا تأثرياً ذوقيا يجمع بين التحليل والرؤية التاريخية والتقييم الجمالي مع اعتماد التراث النقدي العربي القديم الذي تبلورت قيمته لديه في شخصية عبد القاهر الجرجاني ونظريته حول النظم التي تعتبر اللغة منظومة من العلائق لا مجموعة من الألفاظ. وانطلاقا من تأثره بهذا الناقد، اعتبر الأدب فنا لغويا في الأساس يلزم الناقد باستعمال منهج يستمد أدواته من فقه اللغة لكي يتمكن من تحليلي الأساليب وتمييزها.
بعبارة أخرى، إذا كانت واقعية مندور غائمة القسمات، فإن كتاباته تحرص في الأساس على دراسة العمل الأدبي والفني في مستوياته المختلفة، من حيث قيمه الإنسانية والعقلية وكذا من حيث أساليبه التعبيرية. وقد كانت حصيلة ذلك ابتكاره لنظرية «الشعر المهموس» التي أصّلت ممارسته النقدية انطلاقا من الخلفية الجمالية التي تروج لها: وهي ضرورة تخلص الشعر من كل تعبير يقوم على التسطيع والخطابة واعتماده الهمس، «أي الإيحاء عن طريق الصورة والرمز والصورة والموسيقى باعتبارها عناصر أساسية تحقق وظيفة الشعر (أو فلسفته)، وتجعل المتلقي يتأمل بمحض الإحساسات التي تثيرها القصيدة في نفسه».
وإذا كانت هذه النظرية نابعة من دراسته للأدب المهجري، فإن كتابه «فن الشعر» يعتبر عملا تقييمياً للفن الشعري عبر مدارسه ونظرياته. ولأنه يحتوي على مقارنات وآراء شخصية فإنه يقوم على أصالة منهجية حّددها مندور كما يلي وهي «أن الشعر لا بد أن يثير فنيا إحساسات جمالية وانفعالات وجدانية، وإلا فقد صفته. ولتحقيق هذه الأهداف هناك عدة وسائل أو خصائص لا بد من توافرها فيه: كالوجدان في مضمونه، والصور البيانية في تعبيره، وموسيقى اللغة في وزنه».
( 1907 – 1965 )
- أكمل دراسة الدكتوراة في فرنسا عام 1939 م و من ثم قفل عائداً إلى مصر .
- تنقل أستاذاً محاضراً بين جامعتي القاهرة و الإسكندرية ، و استقال من الجامعة عام 1944 م ليتفرغ للكتابة و التأليف بل المحاماة .
- تنقل ما بين مجلتي الثقافة و الرسالة ثم الأهرام و المصري و الوفد المصري المسائية ، و أصدر مجلة البعث الأسبوعية . كما تولى تحرير صوت الأمة بعد سقوط إسماعيل صدقي .
- افتتح مكتباً للمحاماة و ُرشِّح للبرلمان ، و في ثنايا ذلك دخل الحبس الاحتياطي أكثر من عشرين مرة ، و سجن في زنزانة إنفرادية لمدة 46 يوماً بتهمة الشيوعية.
- شارك في العديد من الخصومات السياسية الحادة و القضايا التي رفعها على خصومه ، بالإضافة إلى معاركه الفكرية النقدية المحتدمة و مواجهة إغلاق أكثر من مجلة و جريدة كتب فيها أو رأس تحريرها .
- أصدر العديد من الكتب و المراجع التي تعتبر أساسية في تأطير مفهوم النقد العربي الحديث .
- مع ثورة 1952 م انتقل إلى مرحلة أخرى من نقد الشعر ، ركَّز فيها على دراسة الشعر المصري الحديث ابتداء من ولي الدين يكن و انتهاء بروافد حركة أبوللو التجديدية و حركة الشعر الحر ، و ذلك من خلال محاضراته التي ألقاها في معهد الدراسات العربية منذ إنشائه عام 1953 م .
- قَّدم في تلك المحاضرات محاولة لتأريـخ الشعر العربي الحديث في مصـر ، و التمييز بين مراحله التاريخية و اتجاهاته الفنية .
- ركَّز في مطلع الستينيات على المسرح مع ما صاحب هذا التركيز من حوار مع الاشتراكيين و الجماليين من النقاد ، و أدى تأثره بالتطورات الاجتماعية في مصر خلال تلك السنوات إلى تبنيه لمفهوم الواقعية الاشتراكية ، و إلى الإيمان بأن للأدب بوجه عام وظيفة سياسية متصلة باستخلاص القيّم المحركة التي تكمن خلف مظاهر التطور الاقتصادي و الاجتماعي و الكشف عنها ، مما يحول هذه القيّم إلى قوة إيجابية فاعلة .
- تصاعد تركيزه على الوظيفة الاجتماعية للأدب تدريجياً في تناسب طردي مع خطى المجتمع المصري في مجال التطبيق الاشتراكي الذي أصبح شعاراً رسمياً للقيادة السياسية ، حتى يصل هذا التركيز إلى أقصى درجة في أواخر حياته.
إذا كان مندور قد أصّل لمنهجه عبر دراسة الأدب من الداخل، فإن فعل هذا التأصيل قد جعله يطبق على النصوص المعالجة نقدا تأثرياً ذوقياً يجمع بين التحليل والرؤية التاريخية والتقييم الجمالي مع اعتماد التراث النقدي العربي القديم الذي تبلورت قيمته لديه في شخصية عبد القاهر الجرجاني ونظريته حول النظم التي تعتبر اللغة منظومة من العلائق لا مجموعة من الألفاظ. و انطلاقاً من تأثره بهذا الناقد، اعتبر الأدب فناً لغوياً في الأساس يلزم الناقد باستعمال منهج يستمد أدواته من فقه اللغة لكي يتمكن من تحليلي الأساليب وتمييزها.
بعبارة أخرى، إذا كانت واقعية مندور غائمة القسمات، فإن كتاباته تحرص في الأساس على دراسة العمل الأدبي والفني في مستوياته المختلفة، من حيث قيمه الإنسانية والعقلية وكذا من حيث أساليبه التعبيرية. وقد كانت حصيلة ذلك ابتكاره لنظرية «الشعر المهموس» التي أصلت ممارسته النقدية انطلاقا من الخلفية الجمالية التي تروج لها: وهي ضرورة تخلص الشعر من كل تعبير يقوم على التسطيع والخطابة واعتماده الهمس، «أي الإيحاء عن طريق الصورة والرمز والصورة والموسيقى باعتبارها عناصر أساسية تحقق وظيفة الشعر (أو فلسفته)، وتجعل المتلقي يتأمل بمحض الإحساسات التي تثيرها القصيدة في نفسه».
وإذا كانت هذه النظرية نابعة من دراسته للأدب المهجري، فإن كتابه «فن الشعر» يعتبر عملا تقييمياً للفن الشعري عبر مدارسه ونظرياته. ولأنه يحتوي على مقارنات وآراء شخصية فإنه يقوم على أصالة منهجية حددها مندور كما يلي وهي «أن الشعر لا بد أن يثير فنيا إحساسات جمالية وانفعالات وجدانية، وإلا فقد صفته. ولتحقيق هذه الأهداف هناك عدة وسائل أو خصائص لا بد من توافرها فيه: كالوجدان في مضمونه والصور البيانية في تعبير وموسيقى اللغة في وزنه».
كما يرى محمد مندور أن الشعر العربي القديم قد تميز بسمتين أساسيتين هما: النغمة الخطابية والوصف الحسي، وهاتان السمتان لا تنتجان شعر الدراما، لأن شعر الدراما يقوم ـ كما يقول ـ (على الحوار المختلف النغمات، لا على الخطابة الرنانة، كما يقوم على خلق الحياة والشخصيات وتصور المواقف والأحداث، لا مجرد الوصف الحسي الذي يستقي مادته من معطيات الحواس المباشرة، ولا يلعب فيها الخيال إلا في التماس الأشباه والنظائر، ومدّ العلاقات بين عوالم مختلفة ـ عن طريق اللغة بفضل التشبيهات والاستعارات، و المجازات المختلفة).و يبدو ذلك جلياً في رأيه المشهور عن كتاب "دلائل الإعجاز" للجرجاني، فهو في نظره رائد علم اللسان الحديث ومكتشف الرمزية اللغوية.
وقد قارن مندور بين الأساطير العربية وأساطير اليونان. فوجد أن نموها لم يكن مطرداً، ولم يتوفر عنصر الدراما في الأساطير العربية، كما توفر ذلك في أساطير اليونان، ويحيل السبب مرة أخرى إلى الشعر العربي لأنه ظل غنائياً لم ينفصل عن قائله، لذا فقد نفى مندور أية معرفة لعرب ما قبل الإسلام بالفن المسرحي، أو الفن الملحمي، على الرغم مما وصفوا من أيام وحروب، ومن معارك ومغامرات، علماً بأن مندور قد أشاد بقدرة التصور عند العرب القدماء واعتبر السمات المميزة للشخصية العربية هي من نتاج الطبيعة المميزة لبيئتهم .
تعد فترة الخمسينيات مرحلة ترسيخ النقد الواقعي الاشتراكي في الحقل الثقافي العربي بعد أن عرف حضورا متعدد المفاهيم فيما بين الحربين وذلك في كتابات تمهيدية لفرح أنطون (الحياة في الأدب) شبلي شميل: (فكرة النشوء والارتقاء) وسلامة موسى: (الاشتراكية) وغيرهم.
وإذا كانت هذه الكتابات قد ارتكزت على روافد غربية مثل الاشتراكية الفابيانية Fabianism والاشتراكية الديموقـراطية La Salle ثم الاشتراكية العلمية (ماركس أنجلز)، فإن النقد الواقعي الاشتراكي العربي قد عرف مع ذلك انحرافات في توجهاته نظرا لغياب تصور متكامل لمفهوم الجمالية الماركسية. وهذا لا يعني أنه وقف عند حدود التطبيق الميكانيكي للمنهج حينما أكد على البعد الاجتماعي للأدب، بل أمكن له إنتاج خطابات نقدية هامة كما هو الشأن لدى محمد مندور ولويس عوض، ومحمود أمين العالم و غيرهم ممن اهتموا بأجناس أدبية أخرى غير الشعر، ونعني بذلك القصة والمسرحية والرواية والتراث الأدبي.
وهكذا، فإذا كان هذا النقد قد أفرز خصومات ومناقشات عديدة حول علاقة الأدب بالمجتمع، فلأن عملية تغريبه قد خضعت في أغلب الأحيان لاقتباس مقولات جاهزة عن الغرب، كما أنها خضعت لتغييرات في العقيدة أو القناعة الشخصية جعلت بعض النقاد يرفضون مفاهيم المدارس المادية التي تجرد الإنسان من كل إرادة ذاتية وترغمه على أن يذوب في شخصية الجماعة. وهذا ما دفع محمد مندور إلى ابتداع منهجه الإيديولوجي الذي يعتبر «الأدب انعكاسا لواقع الحياة وتطورها، ولكنه ليس انعكاسا سلبيا، بل انعكاس إيجابي يرتد ثانية إلى تلك الحياة ليحث خطاها وليدفعها نحو مزيد من التطور والتقدم، وبذلك يأخذ من الحياة ثم يعطيها أكثر مما أخذ»
في نطاق الخصومات التي أثارها النقد الواقعي الاشتراكي ، كان الإبداع الأدبي قد حقق طفرات وتحولات بعيدة في ميدان تحديث الكتابة ؛ وكان لزاما على النقد أن يكون شاهد إثبات على هذه التحولات من خلال تجديد أدواته ومناهجه.
إن هذا الاهتمام بالصياغة الفنية للإبداع سيقود محمد مندور بدوره إلى اعتبار الأدب «نقدا للحياة وصياغة فنية لتجربة بشرية». وبحكم مرجعياته الثقافية، وتربيته الدينية، وتجربته الحياتية السياسية، فقد اتخذت واقعية مندور الاشتراكية توجهات عديدة إلى درجة أن البحث عنها في نقوداته كما يقول فيصل دراج «سرعان ما يتوقف عندما ندرك أنها غائمة القسمات أو أنها هامش صغير في كتابات تحاول رصد الأدب من الداخل وتحليل علاقاته المنطقية دون أن تعير أي اهتمام إلى مفهوم الانعكاس / الوظيفة / المعرفة / التحريض».
من هنا، إذا كان مندور قد أصّل منهجه عبر دراسة الأدب من الداخل، فإن فعل هذا التأصيل قد جعله يطبق على النصوص المعالجة نقدا تأثرياً ذوقيا يجمع بين التحليل والرؤية التاريخية والتقييم الجمالي مع اعتماد التراث النقدي العربي القديم الذي تبلورت قيمته لديه في شخصية عبد القاهر الجرجاني ونظريته حول النظم التي تعتبر اللغة منظومة من العلائق لا مجموعة من الألفاظ. وانطلاقا من تأثره بهذا الناقد، اعتبر الأدب فنا لغويا في الأساس يلزم الناقد باستعمال منهج يستمد أدواته من فقه اللغة لكي يتمكن من تحليلي الأساليب وتمييزها.
بعبارة أخرى، إذا كانت واقعية مندور غائمة القسمات، فإن كتاباته تحرص في الأساس على دراسة العمل الأدبي والفني في مستوياته المختلفة، من حيث قيمه الإنسانية والعقلية وكذا من حيث أساليبه التعبيرية. وقد كانت حصيلة ذلك ابتكاره لنظرية «الشعر المهموس» التي أصّلت ممارسته النقدية انطلاقا من الخلفية الجمالية التي تروج لها: وهي ضرورة تخلص الشعر من كل تعبير يقوم على التسطيع والخطابة واعتماده الهمس، «أي الإيحاء عن طريق الصورة والرمز والصورة والموسيقى باعتبارها عناصر أساسية تحقق وظيفة الشعر (أو فلسفته)، وتجعل المتلقي يتأمل بمحض الإحساسات التي تثيرها القصيدة في نفسه».
وإذا كانت هذه النظرية نابعة من دراسته للأدب المهجري، فإن كتابه «فن الشعر» يعتبر عملا تقييمياً للفن الشعري عبر مدارسه ونظرياته. ولأنه يحتوي على مقارنات وآراء شخصية فإنه يقوم على أصالة منهجية حّددها مندور كما يلي وهي «أن الشعر لا بد أن يثير فنيا إحساسات جمالية وانفعالات وجدانية، وإلا فقد صفته. ولتحقيق هذه الأهداف هناك عدة وسائل أو خصائص لا بد من توافرها فيه: كالوجدان في مضمونه، والصور البيانية في تعبيره، وموسيقى اللغة في وزنه».