المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ما الذي يعجزنا؟ نظرات حول التخلف والتقدم


ماهر بودية
20-10-2011, 04:35 PM
ما الذي يعجزنا؟
نظرات حول التخلف والتقدم
بقلم أخي مالك بوديّة-

سؤال يطرح في أعماق وجداننا وفكرنا ويلحّ علينا كلما تقادم الزمان: «لماذا تقدم غيرنا وتخلفنا في وقت من الأوقات؟ وهل أن تخلفنا ثابت ومستقر أم أنه يفاجئنا بتحوّلات عميقة؟
إن قضية التقدم والتخلف تعاد باستمرار وتطرح على منابر الفكر بتكرار. لكن جذورها ضاربة في التاريخ العربي الإسلامي. أما التركيز على هذه البنية العميقة فيحتاج إلى خطب وعملية سرد وجرد لمؤلفات وقراءات عديدة لا مجال إلى الخوض فيها وليس ذلك شحّا أو إخلالا بقدر ما تمثله من أبعاد شتى ومواقف متباينة ولكن العمل سيسلط عل فترة المعاصرة باعتبارها فترة حبلى بمعالجات دقيقة تهم شخصية المنتمي إلى المجتمع العربي الإسلامي.
1/ كيفية التخلف:
يعبّر عن التخلف بتعابير مختلفة تحوم حول حالة النقص المادي والنقص النفسي (مركب التخلف). فنحن ننظر من موقعنا الخاص ولا نقارن أنفسنا بالأقل قيمة أو مركزا بل بالأكثر سباقا في ميدان العلوم والتكنولوجيا ونعني به تفوق الغرب علينا طبقا للتحولات الفكرية والحضارية والجغراسياسية الذي اجتهد في سعيه المحموم حو إثبات هذا التفوق فطور الابتكار الفكري والتصنيعي مذ سقوط غرناطة سنة 1492م وهي نفس سنة اكتشاف القارة الجيدة ومع الاكتشافات الكبرى انبرى الغربي حو إعلاء شأنه تجسّد في بروز قرن 17 و 18 قرن الأنوار في أوربا Les siècle de lumièreحتى حل الاستعمار لتقسّم أمتنا إلى قطع من اللحم يلتهمنا الأعداء من كل جانب حينها وقعنا فيما يسمّى "بصدمة الحداثة" عندما وطئت أقدام جيوش بونابرت أرض مصر سنة 1798م فشعرنا بالإخفاق والعجز وكانت أول لقاء بين الطرفين : «الغرب الشرق» مع الفارق الحضاري بينهما.
لا نشكّ في كون التخلف تحكمه أسباب غيبية إذ لكل حضارة فترة تألق وفترة وهن وسقوط كما أكّد ذلك "ابن خلدون" في مقدمته الشهيرة إلا أن هذا المفهوم قد تغلغل إبّان الاستعمار حيث مثلت هذه الفترة قمة التراجع الفكري والحضاري فتعمق في نفوسنا هذا التخلف نظرا لانتشار الجهل في صفوف المجتمع وحاول المستعمر بطريقته الإفعوانية أن يجعلنا مهمّشين فكان حسب زعمهم أن الإسلام هو مصدر التخلف وأن التقدم رهين الانفتاح الكلي بلا قيد أو شرط فمصيرنا حسب ما تمليه ترّهاتهم مرتبط بهم لا بنا.
كان عامل التجهيل عاملا هدّاما ولولا الزيتونة والقرويين والأزهر لتمّ القضاء على شعلة النور الوقادة ولصار مصيرنا كالأندلس السليبة لكن بعد أن نالت شعوبنا الاستقلال الكامل لم تبرأ من داء التخلف بعد أن ظهرت عوامل كالسياحة المديونية والغزو الفكري تبرز كون التخلف ليس لجهل العلمي والفكري فقط بل أيضا الفراغ الروحي والانحطاط الأخلاقي وغياب التصرف الحكيم ومن أهم الوسائل التي استعملها الأعداء نذكر منها:
- التحكم في البرامج التعليمية لإفساد الأجيال خلقيا وفكريا.
- انتشار الجهل على المستوى الفقهي والشرعي وجعل الفرد أقرب إلى الغرب منه إلى الشرى فأصبح حاذقا للسان الفرنسي والانكليزي والألماني...ولا يعرف من لغته الأمّ إلا القليل.
- طمس هوية الشعوب العربية الإسلامية وفرض هذا الأمر بالقوة وهو ما تفعله الصهيونية العالمية وسياسة الأمركة.
- التحكم في اقتصاد هذه الدول وهذا من شأنه أن يقوّي التبعية للغرب ويجعلنا متخلفين على الصعيد الاقتصادي.
- إقامة القواعد العسكرية والانضمام إلى حلف الناتو جبرا لا اختيارا وعدم بيع التكنولوجيا الدقيقة حتى نكون ضعافا أمنيا فتسهل عملية احتوائنا.
- تنصيب زعماء موالين للغرب لتنفيذ هذه السياسات وإغداق الأموال عليهم فهم ألعوبة تبيّن أيديهم إن شاؤوا نصّبوهم وإن شاؤوا خلعوهم.
فالتخلف ليس مسلّطا علينا من أنفسنا إن كانت لنا يد في ذلك بل هو إجراء لدفع تلك الشعوب نحو إذابة الهوية العربية الإسلامية تمهيدا لهضمها وإبعادها عن محيطها الروحي والفكري.
2/ مظاهر تقدّمنا:
إن الغرب نفسه يعيش في مستنقع آسن من الفساد الأخلاقي والاجتماعي حيث نجد لديهم الإدمان على الخمور والمخدّرات والإباحية البغيضة مع موجات التحرر والتسيّب اللامحدود في حين أن الإسلام (شكّل عامل وحدة وأخوة بين المسلمين. قال تعالى: «إنما المؤمنون إخوة» (الحجرات/10) وهذه الأخوة تكفل لهم التعامل الحسن والتضامن المشترك فيما بينهم فالإسلام هو مدعّم إلى التطوّر العلمي والسلوكي ويقف ضد التخلف ويشجع على طلب العلم لو بالصين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اطلبوا العلم لو بالصين»، «طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة» فنحن أمة غير فاشلة ولا متخلفة وإنما الزعامات التي أميط اللثام عنها بعد هذه الثورات هم سبب فشلنا رغم ما نمتلكه من ثروات مادية وفكرية.
فما الذي يعجزنا كشعوب عربية إسلامية أن نؤسس نموذجنا الحضاري بأنفسنا بعيدا عن التبعية الخارجية لأوربا وأمريكا التي تعيش حالة إفلاس مالي وأزمة خانقة على كل المستويات؟
طالما كان الإيمان في صدورنا وإرادتنا قوية فإن ذلك لا يعجزنا على البروز في العالم كما كنا في القرون الماضية.
ـــــــــــ

مالك بوديّة- المرسى - تونس 05/10/2011