معتصم الحارث الضوّي
25-02-2008, 06:40 PM
الناصرية فكرة ونظام قيم وليست ولعاً طفوليا بزهو المناسبات وزيارة الأضرحة: الحلم وصواب الطريق
عبد الحليم قنديل
25 شباط/فبراير 2008 - القدس العربي اللندنية
امتنعت ـ عمداً ـ عن المشاركة في وقفة الناصريين عند ضريح عبد الناصر في الذكري الخمسين لوحدة مصر وسوريا، ليس لأن الاحتفال بالذكري العزيزة ليس مما يجب، بل لأن ظهور الناصريين علي هذه الصورة ـ في مناسبة تاريخ ـ قد يصورهم علي أنهم جماعة من مريدي الأضرحة، جماعة عواطف تحول الناصرية إلي خرق دراويش!.
وربما أتفهم وجهة النظر الأخري، وهي أن اجتماع الناصريين بفصائلهم وفرقهم المتكاثرة علي شيء، أي شيء، وبأي صورة، هو غاية المراد، وأن القصة قد تتعدي واجب الاحتفال بذكري، وقد تكون مناسبة لبحث أحوال الناصريين الآن، والبحث عن راية تجمع وتوحد، ودرس الذي جري ويجري، وهي وجهة نظر تبدو بريئة وغاية في الإخلاص، وأحسب أنها كذلك عند البعض علي الأقل، ربما المشكلة في براءتها الطفولية بالذات، والتي لا تربطها صلة حس بجريان التاريخ من حولها، فالناصرية لم تولد بالأمس، حتي نرتب لها المهد، ونساعدها علي المشي حبوا، وفي رفق وحنو يحمي من خطر الاصطدام بكسرة زجاج أو بعثرة طريق، الناصرية ـ فيما أعتقد ـ ليست كذلك، الناصرية فكرة ومشروع ونظام قيم، وليست ولعا طفوليا بزهو المناسبات وورودها الحمر، واستعادة حكايات الذي كان، وتعليق علم للوحدة العربية ـ في قلبه الأبيض خريطة للوطن الممزق ـ لا يعني أن الوحدة تمت، أو حتي أنها علي الطريق السالك، وربما يشير ـ فقط ـ إلي استبقاء بعض حلم في الحنايا والصدور، وبما يليق بحالم فرد تدهسه قسوة الواقع المحبط، لكن الحركات والجماعات شيء آخر، ربما يستهويها الحلم، لكنه لا يهديها ـ بالضرورة ـ إلي صواب الطريق، وبالذات إن لم تكن علي قدر من استعداد التنظيم ووضوح البرنامج وشبكة التحالفات، وإن لم تكن موحدة علي هدف في المستقبل لا علي الاحتفال بذكري.
والقصد : أنه ليس بهذه الطريقة نسترد المعني ـ لا الضريح ـ في سيرة جمال عبد الناصر، فعبد الناصر ليس رفاتا في كوبري القبة، وقدره ليس معلقا علي زيارة الناصريين لضريح، ولا علي قسم وفاء بالنصوص ـ لا بالفصوص ـ بعد صلاة الجمعة في مسجده بشرق القاهرة، فقيمة جمال عبد الناصر أوسع وأرسخ وأبقي بما لا يقاس، وميراثه ملك شائع للأمة العربية كلها، وعلي اتصال أجيالها وتيارات الحلم والعلم فيها، وليس للناصريين بظنون الحصر، تماما كما أن هدف الوحدة العربية ليس مسجلا باسم الناصريين في الشهر العقاري، وقد يصح أن تتقدم لحمله تيارات وقوي شعبية أخري أكثر وعيا واستعدادا وتنظيما، ودون إنكار أن الناصريين هم أكثر التيارات إخلاصا لهدف الوحدة، لكن الإخلاص بالقلب قد يبرئ ضمائر الأفراد، والإخلاص بالعمل ـ وحده ـ هو الذي يعطي مصداقية الأيادي للحركات، والتي قد لا تفيدها براءة الضمائر بذاتها، فأصل الإيمان ـ بدين أو بهدف ـ هو ما وقر في القلب وصدقه العمل، والوحدة ليست جمع أقطار ولا أرقام، الوحدة مكافئ طبيعي لفكرة خلق أمة في صدام العصر، الوحدة مكافئ طبيعي لفكرة الثورة والتغيير الاجتماعي والحضاري، والوحدة مكافئ طبيعي لاستعادة دور مصر بالذات، وهو ما قد يصح أن يلتفت إليه الناصريون أولا، ليس الناصريون في مصر فقط، بل عموم الناصريين في مشرق الوطن العربي ومغاربه، فلم يكن ممكنا لدور جمال عبد الناصر ان يكون بهذا الحجم في التاريخ، لم يكن للدور أن يجري بفصوله لولا أنه استند علي تحرير القاعدة المصرية أولا، ولولا أنه أنشأ تنظيم الضباط الأحرار عقب النكبة العربية الجامعة في حرب 1948، وقد لا نريد الآن ولا نرغب ولا نقدر علي بناء تنظيم للضباط الأحرار، فقد انتهت دورة ثورات الضباط الأحرار قبل ثلاثة عقود وأكثر، وبجوانب الإيجاب والنقص فيها، والمطلوب الآن: ثورة للناس الأحرار، وتبدأ من مصر بالذات، وهو ما يجب أن نقيس إليه وضع الناصريين في مصر، فإن كانوا أقرب لمعني الاندماج بفعل التغيير الجاري في مصر، فهم أقرب لمعني الانتساب لثورة وقيمة جمال عبد الناصر، وإن لم يكونوا، وبعضهم ليس كذلك، فهم الأبعد عن معني الولاء للناصرية ذاتها، حتي وإن أقسموا ألف يمين علي المصحف والإنجيل، وحتي إن استقبلوا صباحهم كل يوم بزيارة إلي ضريح كوبري القبة، فهذا نوع من التطفل علي حضرة جمال عبد الناصر، وليس الاستعادة لمعني وقيمة الرمز في سيرة الرجل العظيم حقا.
وقد يكون من دواعي الإنصاف أن نقرأ خريطة الناصريين في مصر كما هي، وبغير رتوش للتزويق أو أقنعة للتخفي، فليست الصورة كلها مضيئة، وليست كلها باعثة علي إحباط فقنوط، وعلينا ـ
للإنصاف ـ أن نقر بالحداثة النسبية للتيار الناصري، فليس له التاريخ الطويل لحركة التيار الإسلامي علي تضخمه الراهن، وليست له كثافة تجارب التيار الشيوعي علي تداعيه الراهن، وليس له مدد التيار الليبرالي الممتد بأصوله إلي زمن ثورة 1919، فعمر التيار الناصري المستقل عن جهاز الدولة لا يزيد عن ثلاثين سنة، وليس ثمانين سنة وأكثر كما هي حال الإسلاميين والشيوعيين، وحداثة التيار الناصري ـ هنا ـ تعني طراوة التقاليد التنظيمية والسياسية وصغر عمر الوجدان المعنوي الخاص، وربما قضي التيار الناصري نصف عمره المرئي في تبرير انفصاله وتمايزه عن سلطة ظلت تحكم بشعار ثورة تموز (يوليو) في الظاهر، وقد بدا تمييز الذات عن الآخرين سهلا ميسورا للتيار الناصري، خاصة أن السلطة السارقة لشعار الثورة كانت تخونها بوضوح، وانقلبت علي اختيارات جمال عبد الناصر إلي المدي المفضوح، وإن ظل السادات فمبارك ـ بالشخص أو بالإنابة ـ علي عادته في زيارة ضريح عبد الناصر، وفي طقوس ولاء منقوض علي طريقة يكاد المريب يقول خذوني ، فيما بدا التيار الناصري بصوته العالي في خانة المعارضة الأكثر جذرية، لكن رحلة تحول التيار إلي تنظيم صادفت عقبات توالت بصخورها تسد الطريق إلي النضج السياسي الكامل، ففي كل وقت وجدت جماعات ناصرية أقرب إلي المعني الطليعي أو التبشيري، لكن تنظيم التيار ككل انتهي إلي الإخفاق مرتين، مرة في تجربة الحزب الإشتراكي العربي الناصري ، والتي بدأت أواسط الثمانينيات، وبلا ترخيص رسمي ، وخرجت منها ـ علي نحو ما ـ تجربة التقدم بحزب إلي لجنة الأحزاب الرسمية، جري رفض الحزب إداريا، ثم حصل علي حكم قضائي لصالحه أوائل التسعينيات، وباسم الحزب العربي الديمقراطي الناصري ، وعانت التجربتان ـ أو التجربة الواحدة ذات المرحلتين ـ من عسر التفاعل بين الأجيال والمفاهيم، ومن غياب قيادة ملهمة قادرة علي الصهر والتأسيس الموحد، وأهم من مصاعب الداخل المبررة جزئيا بحداثة عهد التيار الناصري ، كانت مصاعب الحالة الحزبية في مصر أكثر ظهورا، نجا التيار الإسلامي من التهلكة الحزبية لأنه لم يرخص له بحزب، بينما تحولت الأحزاب المرخص بها إلي مقابر لتياراتها، وحجز عن هذه الأحزاب حق العمل بالسياسة أصلا، وبدأ طلب المجتمع علي السياسة إلي انحسار مع ركود التطور وضعف دواعي الثقة العامة، وكلها عناصر أثرت بالسلب علي الآخرين في التيار الليبرالي والتيار الشيوعي في أحزاب التجمع والوفد والغد وغيرها، ضعفت الأحزاب إلي حد الموات، وبدا التأثير باستبداد السلطة وانصراف المجتمع واصلا بالسلب ـ ربما بالاستلاب ـ في حالة الناصريين بالذات، ربما لأن حزب الناصريين تأخر ظهوره إلي مرحلة ذبول التجربة الحزبية وتلاشي وهجها الأول، وفي وقت تآكل الأحزاب واختناق أصواتها إلا من صحف تصدر وتصادر أحيانا، وهو ما ضاعف من عمق الأزمة بالالتفات عن فكرة التنظيم وتجاربها، وانتهي بالتآكل حتي إلي جماعات الناصريين وشرانقهم الطليعية والتبشيرية، ودفع بعناصر بدت لوقت أكثر صلابة ووعيا إلي قدر من التكيف السلبي، والخروج من الحزب المرخص لمحاولات لترخيص أحزاب علي مثاله، تكرر سيرته، وتنتهي نهايته.
وربما ولد عسر التحول من تيار إلي تنظيم نوعا من الطفولة المستعادة، وسري بتيار العواطف إلي أصل غائر في التاريخ عوضا عن تآكل الأصول في الواقع، أو قل: ان بعض الناصريين كفر بالناصريين وسنينهم، ومال للاحتماء العاطفي بصورة عبد الناصر شخصيا، وتكررت دعوات توحيد الناصريين و ناصريون معا ، ليس للحشد في معركة تجري ، بل للاحتشاد في مناسبات الميلاد والثورة والرحيل، بدا هؤلاء في سباق عواطف تريح، وبعيدا عن عواصف تزيح، وبدت ذكري الوحدة ـ في خمسينيتها ـ مناسبة صالحة لاصطفاف عند قبر غارق في الدموع، وكأن الناصريين ـ أو بعضهم علي الأقل ـ تحولوا إلي جيش من البكائين، فيما تحول آخرون إلي قفز بالمناطيد علي الواقع المصري بجملته، والغرق في حديث لا ينتهي ـ بطبعه ـ عن توحيد الناصريين في الدنيا العربية بإطلاق، ودون توافر قاعدة مصرية صلبة، وهي العمود الفقري لوحدة الناصريين كما للوحدة العربية ذاتها، فلا تنظيم قومي التكوين ـ ويستحق الصفة ـ بغير نواة مصرية في قلبه قوية وقادرة، بدا الهروب إلي عواطف التاريخ حيلة نفسية مفهومة، تماما كما بدا الهروب من عواصف المعركة المصرية نوعا من الاستقالة والطلاق النفسي مع أولويات الدور، وفي الحالتين بدت الاستعاضة ظاهرة عن بؤس الواقع بفسحة التاريخ أو بفسحة المؤتمرات التي لا توجب التزامات، فيما بدا المجري المؤثر لحركة الناصريين باحثا بدأب عن هوية فعل لا بقايا صور، وفي وعي نافذ بحقيقة ارتباط أزمة الناصريين بأزمة الحركة الوطنية المصرية بعامة، وباستعداد فوار للمخاطرة باختراق الصمت وهدم أسوار اليأس العام، والذي يتأمل ما يجري في مصر بسنواتها الأخيرة بالذات، الذي يتأمل يلحظ وجودا محسوسا ظاهرا للناصريين دون سابق تصميم أو تنظيم، فقد جري اختراق سقف المعارضة الصحافية بمبادرة الناصريين بالذات، وكانت جريدة العربي الناصرية ـ مع مطلع العقد الجاري ـ هي الأولي التي بدأت حملة نقد الرئيس وسيناريو التوريث، ومع رفع سقف حريات الصحافة، أتي الدور علي رفع سقف السياسة، وكانت حركة كفاية وأخواتها، ثم موجة الإضرابات والاعتصامات والمظاهرات ووقفات الاحتجاج المتدافعة في مصر الآن، وربما هي صدفة ذات مغزي أن نصف الثمانية المؤسسين للحركة المصرية من أجل التغيير ـ كفاية ـ كانوا من قادة التيار الناصري ، وأن دور الناصريين ظل بارزا في حركة النخب أو في تحركات مجتمع يصحو إلي مأساته، وفي حملات سلطة الأمن ضد كفاية ، يتردد كثيرا وصف الحركة المصرية من أجل التغيير بأنها الحركة الناصرية من أجل التغيير، وفي القصة تلاعب بالإيقاع المتقارب للكلمتين، وحيلة دعاية غير بريئة لفض الائتلاف الوطني الجامع الذي تنطوي عليه فكرة كفاية ، فالناصريون مجرد لون من ألوان الطيف الوطني الواسع عند قمة كفاية بالذات، وحرصهم ظاهر علي المعني الوطني الجامع وثيق الصلة بفكرة الناصرية ذاتها، والمحصلة: أن ثمة اعترافا ناميا بدور ريادي للناصريين المعنيين في معركة كسب الحرية، فقد بدا الناصريون المعنيون ـ في الوعي العام ـ في صورة القوة الديمقراطية الأكثر جذرية، القوة التي تريد خلع النظام، وتقيم حلف ميدان يدعم سلوك العصيان السياسي ، وتفهم أن استعادة مصر هي قضية القومية العربية الأولي الآن، وليس الاصطاف عند قبر أو البكاء علي أستار الضريح.
كاتب من مصر
عبد الحليم قنديل
25 شباط/فبراير 2008 - القدس العربي اللندنية
امتنعت ـ عمداً ـ عن المشاركة في وقفة الناصريين عند ضريح عبد الناصر في الذكري الخمسين لوحدة مصر وسوريا، ليس لأن الاحتفال بالذكري العزيزة ليس مما يجب، بل لأن ظهور الناصريين علي هذه الصورة ـ في مناسبة تاريخ ـ قد يصورهم علي أنهم جماعة من مريدي الأضرحة، جماعة عواطف تحول الناصرية إلي خرق دراويش!.
وربما أتفهم وجهة النظر الأخري، وهي أن اجتماع الناصريين بفصائلهم وفرقهم المتكاثرة علي شيء، أي شيء، وبأي صورة، هو غاية المراد، وأن القصة قد تتعدي واجب الاحتفال بذكري، وقد تكون مناسبة لبحث أحوال الناصريين الآن، والبحث عن راية تجمع وتوحد، ودرس الذي جري ويجري، وهي وجهة نظر تبدو بريئة وغاية في الإخلاص، وأحسب أنها كذلك عند البعض علي الأقل، ربما المشكلة في براءتها الطفولية بالذات، والتي لا تربطها صلة حس بجريان التاريخ من حولها، فالناصرية لم تولد بالأمس، حتي نرتب لها المهد، ونساعدها علي المشي حبوا، وفي رفق وحنو يحمي من خطر الاصطدام بكسرة زجاج أو بعثرة طريق، الناصرية ـ فيما أعتقد ـ ليست كذلك، الناصرية فكرة ومشروع ونظام قيم، وليست ولعا طفوليا بزهو المناسبات وورودها الحمر، واستعادة حكايات الذي كان، وتعليق علم للوحدة العربية ـ في قلبه الأبيض خريطة للوطن الممزق ـ لا يعني أن الوحدة تمت، أو حتي أنها علي الطريق السالك، وربما يشير ـ فقط ـ إلي استبقاء بعض حلم في الحنايا والصدور، وبما يليق بحالم فرد تدهسه قسوة الواقع المحبط، لكن الحركات والجماعات شيء آخر، ربما يستهويها الحلم، لكنه لا يهديها ـ بالضرورة ـ إلي صواب الطريق، وبالذات إن لم تكن علي قدر من استعداد التنظيم ووضوح البرنامج وشبكة التحالفات، وإن لم تكن موحدة علي هدف في المستقبل لا علي الاحتفال بذكري.
والقصد : أنه ليس بهذه الطريقة نسترد المعني ـ لا الضريح ـ في سيرة جمال عبد الناصر، فعبد الناصر ليس رفاتا في كوبري القبة، وقدره ليس معلقا علي زيارة الناصريين لضريح، ولا علي قسم وفاء بالنصوص ـ لا بالفصوص ـ بعد صلاة الجمعة في مسجده بشرق القاهرة، فقيمة جمال عبد الناصر أوسع وأرسخ وأبقي بما لا يقاس، وميراثه ملك شائع للأمة العربية كلها، وعلي اتصال أجيالها وتيارات الحلم والعلم فيها، وليس للناصريين بظنون الحصر، تماما كما أن هدف الوحدة العربية ليس مسجلا باسم الناصريين في الشهر العقاري، وقد يصح أن تتقدم لحمله تيارات وقوي شعبية أخري أكثر وعيا واستعدادا وتنظيما، ودون إنكار أن الناصريين هم أكثر التيارات إخلاصا لهدف الوحدة، لكن الإخلاص بالقلب قد يبرئ ضمائر الأفراد، والإخلاص بالعمل ـ وحده ـ هو الذي يعطي مصداقية الأيادي للحركات، والتي قد لا تفيدها براءة الضمائر بذاتها، فأصل الإيمان ـ بدين أو بهدف ـ هو ما وقر في القلب وصدقه العمل، والوحدة ليست جمع أقطار ولا أرقام، الوحدة مكافئ طبيعي لفكرة خلق أمة في صدام العصر، الوحدة مكافئ طبيعي لفكرة الثورة والتغيير الاجتماعي والحضاري، والوحدة مكافئ طبيعي لاستعادة دور مصر بالذات، وهو ما قد يصح أن يلتفت إليه الناصريون أولا، ليس الناصريون في مصر فقط، بل عموم الناصريين في مشرق الوطن العربي ومغاربه، فلم يكن ممكنا لدور جمال عبد الناصر ان يكون بهذا الحجم في التاريخ، لم يكن للدور أن يجري بفصوله لولا أنه استند علي تحرير القاعدة المصرية أولا، ولولا أنه أنشأ تنظيم الضباط الأحرار عقب النكبة العربية الجامعة في حرب 1948، وقد لا نريد الآن ولا نرغب ولا نقدر علي بناء تنظيم للضباط الأحرار، فقد انتهت دورة ثورات الضباط الأحرار قبل ثلاثة عقود وأكثر، وبجوانب الإيجاب والنقص فيها، والمطلوب الآن: ثورة للناس الأحرار، وتبدأ من مصر بالذات، وهو ما يجب أن نقيس إليه وضع الناصريين في مصر، فإن كانوا أقرب لمعني الاندماج بفعل التغيير الجاري في مصر، فهم أقرب لمعني الانتساب لثورة وقيمة جمال عبد الناصر، وإن لم يكونوا، وبعضهم ليس كذلك، فهم الأبعد عن معني الولاء للناصرية ذاتها، حتي وإن أقسموا ألف يمين علي المصحف والإنجيل، وحتي إن استقبلوا صباحهم كل يوم بزيارة إلي ضريح كوبري القبة، فهذا نوع من التطفل علي حضرة جمال عبد الناصر، وليس الاستعادة لمعني وقيمة الرمز في سيرة الرجل العظيم حقا.
وقد يكون من دواعي الإنصاف أن نقرأ خريطة الناصريين في مصر كما هي، وبغير رتوش للتزويق أو أقنعة للتخفي، فليست الصورة كلها مضيئة، وليست كلها باعثة علي إحباط فقنوط، وعلينا ـ
للإنصاف ـ أن نقر بالحداثة النسبية للتيار الناصري، فليس له التاريخ الطويل لحركة التيار الإسلامي علي تضخمه الراهن، وليست له كثافة تجارب التيار الشيوعي علي تداعيه الراهن، وليس له مدد التيار الليبرالي الممتد بأصوله إلي زمن ثورة 1919، فعمر التيار الناصري المستقل عن جهاز الدولة لا يزيد عن ثلاثين سنة، وليس ثمانين سنة وأكثر كما هي حال الإسلاميين والشيوعيين، وحداثة التيار الناصري ـ هنا ـ تعني طراوة التقاليد التنظيمية والسياسية وصغر عمر الوجدان المعنوي الخاص، وربما قضي التيار الناصري نصف عمره المرئي في تبرير انفصاله وتمايزه عن سلطة ظلت تحكم بشعار ثورة تموز (يوليو) في الظاهر، وقد بدا تمييز الذات عن الآخرين سهلا ميسورا للتيار الناصري، خاصة أن السلطة السارقة لشعار الثورة كانت تخونها بوضوح، وانقلبت علي اختيارات جمال عبد الناصر إلي المدي المفضوح، وإن ظل السادات فمبارك ـ بالشخص أو بالإنابة ـ علي عادته في زيارة ضريح عبد الناصر، وفي طقوس ولاء منقوض علي طريقة يكاد المريب يقول خذوني ، فيما بدا التيار الناصري بصوته العالي في خانة المعارضة الأكثر جذرية، لكن رحلة تحول التيار إلي تنظيم صادفت عقبات توالت بصخورها تسد الطريق إلي النضج السياسي الكامل، ففي كل وقت وجدت جماعات ناصرية أقرب إلي المعني الطليعي أو التبشيري، لكن تنظيم التيار ككل انتهي إلي الإخفاق مرتين، مرة في تجربة الحزب الإشتراكي العربي الناصري ، والتي بدأت أواسط الثمانينيات، وبلا ترخيص رسمي ، وخرجت منها ـ علي نحو ما ـ تجربة التقدم بحزب إلي لجنة الأحزاب الرسمية، جري رفض الحزب إداريا، ثم حصل علي حكم قضائي لصالحه أوائل التسعينيات، وباسم الحزب العربي الديمقراطي الناصري ، وعانت التجربتان ـ أو التجربة الواحدة ذات المرحلتين ـ من عسر التفاعل بين الأجيال والمفاهيم، ومن غياب قيادة ملهمة قادرة علي الصهر والتأسيس الموحد، وأهم من مصاعب الداخل المبررة جزئيا بحداثة عهد التيار الناصري ، كانت مصاعب الحالة الحزبية في مصر أكثر ظهورا، نجا التيار الإسلامي من التهلكة الحزبية لأنه لم يرخص له بحزب، بينما تحولت الأحزاب المرخص بها إلي مقابر لتياراتها، وحجز عن هذه الأحزاب حق العمل بالسياسة أصلا، وبدأ طلب المجتمع علي السياسة إلي انحسار مع ركود التطور وضعف دواعي الثقة العامة، وكلها عناصر أثرت بالسلب علي الآخرين في التيار الليبرالي والتيار الشيوعي في أحزاب التجمع والوفد والغد وغيرها، ضعفت الأحزاب إلي حد الموات، وبدا التأثير باستبداد السلطة وانصراف المجتمع واصلا بالسلب ـ ربما بالاستلاب ـ في حالة الناصريين بالذات، ربما لأن حزب الناصريين تأخر ظهوره إلي مرحلة ذبول التجربة الحزبية وتلاشي وهجها الأول، وفي وقت تآكل الأحزاب واختناق أصواتها إلا من صحف تصدر وتصادر أحيانا، وهو ما ضاعف من عمق الأزمة بالالتفات عن فكرة التنظيم وتجاربها، وانتهي بالتآكل حتي إلي جماعات الناصريين وشرانقهم الطليعية والتبشيرية، ودفع بعناصر بدت لوقت أكثر صلابة ووعيا إلي قدر من التكيف السلبي، والخروج من الحزب المرخص لمحاولات لترخيص أحزاب علي مثاله، تكرر سيرته، وتنتهي نهايته.
وربما ولد عسر التحول من تيار إلي تنظيم نوعا من الطفولة المستعادة، وسري بتيار العواطف إلي أصل غائر في التاريخ عوضا عن تآكل الأصول في الواقع، أو قل: ان بعض الناصريين كفر بالناصريين وسنينهم، ومال للاحتماء العاطفي بصورة عبد الناصر شخصيا، وتكررت دعوات توحيد الناصريين و ناصريون معا ، ليس للحشد في معركة تجري ، بل للاحتشاد في مناسبات الميلاد والثورة والرحيل، بدا هؤلاء في سباق عواطف تريح، وبعيدا عن عواصف تزيح، وبدت ذكري الوحدة ـ في خمسينيتها ـ مناسبة صالحة لاصطفاف عند قبر غارق في الدموع، وكأن الناصريين ـ أو بعضهم علي الأقل ـ تحولوا إلي جيش من البكائين، فيما تحول آخرون إلي قفز بالمناطيد علي الواقع المصري بجملته، والغرق في حديث لا ينتهي ـ بطبعه ـ عن توحيد الناصريين في الدنيا العربية بإطلاق، ودون توافر قاعدة مصرية صلبة، وهي العمود الفقري لوحدة الناصريين كما للوحدة العربية ذاتها، فلا تنظيم قومي التكوين ـ ويستحق الصفة ـ بغير نواة مصرية في قلبه قوية وقادرة، بدا الهروب إلي عواطف التاريخ حيلة نفسية مفهومة، تماما كما بدا الهروب من عواصف المعركة المصرية نوعا من الاستقالة والطلاق النفسي مع أولويات الدور، وفي الحالتين بدت الاستعاضة ظاهرة عن بؤس الواقع بفسحة التاريخ أو بفسحة المؤتمرات التي لا توجب التزامات، فيما بدا المجري المؤثر لحركة الناصريين باحثا بدأب عن هوية فعل لا بقايا صور، وفي وعي نافذ بحقيقة ارتباط أزمة الناصريين بأزمة الحركة الوطنية المصرية بعامة، وباستعداد فوار للمخاطرة باختراق الصمت وهدم أسوار اليأس العام، والذي يتأمل ما يجري في مصر بسنواتها الأخيرة بالذات، الذي يتأمل يلحظ وجودا محسوسا ظاهرا للناصريين دون سابق تصميم أو تنظيم، فقد جري اختراق سقف المعارضة الصحافية بمبادرة الناصريين بالذات، وكانت جريدة العربي الناصرية ـ مع مطلع العقد الجاري ـ هي الأولي التي بدأت حملة نقد الرئيس وسيناريو التوريث، ومع رفع سقف حريات الصحافة، أتي الدور علي رفع سقف السياسة، وكانت حركة كفاية وأخواتها، ثم موجة الإضرابات والاعتصامات والمظاهرات ووقفات الاحتجاج المتدافعة في مصر الآن، وربما هي صدفة ذات مغزي أن نصف الثمانية المؤسسين للحركة المصرية من أجل التغيير ـ كفاية ـ كانوا من قادة التيار الناصري ، وأن دور الناصريين ظل بارزا في حركة النخب أو في تحركات مجتمع يصحو إلي مأساته، وفي حملات سلطة الأمن ضد كفاية ، يتردد كثيرا وصف الحركة المصرية من أجل التغيير بأنها الحركة الناصرية من أجل التغيير، وفي القصة تلاعب بالإيقاع المتقارب للكلمتين، وحيلة دعاية غير بريئة لفض الائتلاف الوطني الجامع الذي تنطوي عليه فكرة كفاية ، فالناصريون مجرد لون من ألوان الطيف الوطني الواسع عند قمة كفاية بالذات، وحرصهم ظاهر علي المعني الوطني الجامع وثيق الصلة بفكرة الناصرية ذاتها، والمحصلة: أن ثمة اعترافا ناميا بدور ريادي للناصريين المعنيين في معركة كسب الحرية، فقد بدا الناصريون المعنيون ـ في الوعي العام ـ في صورة القوة الديمقراطية الأكثر جذرية، القوة التي تريد خلع النظام، وتقيم حلف ميدان يدعم سلوك العصيان السياسي ، وتفهم أن استعادة مصر هي قضية القومية العربية الأولي الآن، وليس الاصطاف عند قبر أو البكاء علي أستار الضريح.
كاتب من مصر