المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : أثر المتغيرات العالمية على قضية الوحدة العربية د.مجدي حماد


إبراهيم إسماعيل
25-10-2007, 03:40 PM
أثر المتغيرات العالمية
على قضية الوحدة العربية

يدور البحث في هذا الموضوع حول "العلاقة" بين "متغيرين"، يتصف كل منهما بخواص فريدة، تجعل من صياغة مثل هذه "العلاقة"، في مرحلة تاريخية محددة، أو حتى رصد مجموعة من "المؤشرات" بشأنها، مسألة في غاية الصعوبة. وأساس ذلك أن المتغيرات العالمية، التي تمثل الطرف الأول في تلك العلاقة، كاسحة وجذرية ومتسارعة الخطى، إلا أنها لم تحدث كامل "تغييراتها" حتى الآن. فهناك نظام عالمي قديم سقط أو يتداعى، ولكن "النظام الجديد" لم يتبلور بعد. أما الوحدة العربية، أي الطرف الثاني في تلك العلاقة، فهي لم تقم في الأصل، وإنما هي تنطوي على توجهات واحتمالات في أحسن العلاقات وربما مجرد هدف، ومثل أعلى، ليس من المعروف على وجه الدقة هل يقترب أم يزداد ابتعاداً؟
فكيف يمكن بحث العلاقة بين متغيرين في حالة صيرورة وحركة مستمرة، بينما المتغير المستقل منهما لم يتبلور بعد، والمتغير التابع لم يقم في الأصل؟
يمكن القول أن مفهوم "القومية" من ناحية، والتحليل التاريخي للعلاقة بين "الأجنبي" و"القومي" على الساحة العربية- من ناحية أخرى، يساعدان على "الإمساك" بطرفي هذه العلاقة، وبالتالي تحديد أثر المتغيرات العالمية على الوحدة العربية.
فمن الناحية الأولى، تذهب دراسات "القومية" إلى ضرورة التفرقة بين ثلاث عناصر متميزة: أولها- الوجود القومي، أي القومية كوجود اجتماعي وحضاري قائم على أساس وجود الأمة والوعي بذلك الوجود. وثانيها- الحركة القومية، أي القومية كتيار عقيدي أو أيديولوجي أو فكري- من ناحية، وكحركة سياسية تهدف إلى تأكيد ذلك "الوجود القومي، واستكمال عناصره السياسية والاقتصادية والقانونية بإعلان "دولته القومية"- من ناحية أخرى. وثالثها- الدولة القومية، كما تمثلها العديد من دول العالم.
ومن هذه الناحية، تعتبر الوحدة العربية "قائمة" بمعنى من المعاني، فالعنصرين الأول والثاني - أي الوجود القومي العربي والحركة القومية العربية -كلاهما متوافر بدرجة يندر أن يتوافر في أية منطقة أخرى من العالم، وكلاهما يجعل من هدف "الدولة العربية الواحدة" على رأس قائمة الأولويات والقيم السياسية، إنها "غاية" في حد ذاتها، وليس بالنظر إلى ما ينجر عنها في مغانم تكاد أن تكون ملتحقة بالمقدسات.
ومعنى ذلك أن تأثير المتغيرات العالمية، إنما ينصب أساساً على العنصرين الأولين، باعتبارهما "قائمين" بالمعنى الفعلي للكلمة، أي الأمة (الهوية) والقومية (المرجعية)، من أجل الحيلولة دون بلوغ "الهدف"، أي لعرقلة الوصول إلى العنصر الثالث المتمثل في "قيام" الوحدة العربية.
ومن الناحية الثانية، يكشف التحليل التاريخي عن تأثير متزايد للمتغيرات العالمية، وعلى وجه الخصوص التحولات في البيئة الدولية وفي موازين القوى والمصالح والقيم العالمية، في درجة تطور الدول القطرية، وفي النظام العربي، سواء في المراحل المبكرة لنشأة كل منهما، أو في مرحلة ما بعد الحرب الباردة، وبروز المتغيرات العالمية الجديدة- الكاسحة والجذرية ومتسارعة الخطى. وانعكاس ذلك التأثير -أساساً- في ميدان "الوحدة العربية" - سواء على الهوية أو المرجعية أو الهدف.
ومن الناحيتين معاً- أي المفهوم القومي والتحليل التاريخي - توضح خبرات التطور السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي الحديثة- أن كل "قومية" تسعى لتتجسد في "كيان سياسي" محدد هو "الدولة" وقد يتحقق هذا الكيان السياسي في بعض الأحيان، وقد لا يتحقق في أحيان أخرى، لكن المهم أن كل قومية تبحث عن كيانها السياسي، أي تبحث عن دولتها الخاصة بها.(1)
وبهذا المعنى، فإن الكيان السياسي للقومية العربية هو "الدولة العربية الواحدة"، أي توحيد هذه الكيانات المنتشرة على امتداد الأرض العربية، في إطار كيان سياسي واحد ووحيد.(2) ولذلك يلاحظ أن فترات النهوض القومي التي شهدها الوطن العربي، كانت ولا تزال تمثل شكلاً من أشكال البحث عن الكيان السياسي للقومية العربية. ففي فترات النهوض القومي لمواجهة الاضطهاد القومي الذي تعرض له العرب من قبل القومية التركية العنصرية الطاغية- من ناحية، ومن قبل القوى الاستعمارية الغربية التي اجتاحت المنطقة منذ أواخر القرن التاسع عشر- من ناحية أخرى، كان التوجه السياسي السائد في الوطن العربي، هو أن النهوض القومي لا بدص من أن يجد كيانه السياسي. وهذا الكيان السياسي يتمثل، ليس فقط في الخروج على الاضطهاد القومي الذي تعرض له العرب، أو في الحصول على الاستقلال الوطني فحسب، وإنما يتمثل أيضاً في إقامة الدولة العربية الواحدة، أي في إنجاز الوحدة العربية. ولذلك فقد جسدت القومية العربية آمالها، منذ البداية، في السعي من أجل تحقيق هدف أساسي، يمثل عملة ذات وجهين هما: "الاستقلال والوحدة".
ولكن من المعلوم أن حصول الأقطار العربية على "الاستقلال" لم يرتبط تلقائياً بقيام "الوحدة، لأن فرض "التجزئة" على الوطن العربي، الذي اقترن بتعدد قوى الاستعمار وتنوع أساليبها في العنف والسيطرة، قد انتهى إلى تحويل النضال القومي العام إلى نضال قطري ضيق الأفق في أغلبية الحالات.
وإذا كان وجه التجزئة السياسية قد طغى على الوضع العربي، منذ نهاية الحرب العالمية الأولى ولأول مرة منذ أربعة عشر قرناً، فإن هذه التجزئة التي ما تزال مستمرة حتى الآن، لم تتبع من عوامل داخلية في مسار التطور العربي، وإنما فرضت بواسطة القوة الاستعمارية القاهرة، وقامت على أنقاض منطقة موحدة، وكرستها الحراب الخارجية تكريساً يعاكس التيار الأساسي الكامن في التكوين العربي، ومسار التطور في التاريخ العربي. وهكذا تمثلت "خصوصية" الوجود الاستعماري في المنطقة في التجزئة السياسية للوطن العربي، بما ينجر عنها من تخلف وتبعية - من ناحية، وفي زرع الكيان الصهيوني من أجل ترسيخ ذلك- من ناحية أخرى.
وترتيباً على ما تقدم، فإن "أصول العلاقة" بين "الأجنبي" و"القومي"، في الوطن العربي، ترجع إلى التسوية التاريخية التي فرضها الغرب على المنطقة، والتي تتمثل في "وعد بلفور" -أي "المشروع الصهيوني"- من ناحية، و"ظاهرة التجزئة" -أي "المشروع القطري" - من ناحية أخرى لأن كلاهما نشأ بقرار غربي، وفي الفترة ذاتها تقريباً، ولتحقيق نفس الأهداف، والتي تتلخص في ضرب "القومية العربية"، التي تمثل "نقيضاً" جذرياً لهما، وللهيمنة الغربية معاً.
ومن الضروري أن توضع "أصول" تلك العلاقة -وأطرافها وأهدافها- في الاعتبار، عند بحث تأثير المتغيرات العالمية على الوحدة العربية، لأن من الملاحظ أن هناك "استمرارية" في الأهداف والوسائل والأدوات التي يلجأ إليها "النظام الغربي" بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، في مواجهة "النظام العربي"، الذي يمثل رمزاً إلى السعي من أجل الوحدة العربية. مع اعتبار مرحلة "جمال عبد الناصر"، وصعود القومية العربية في الخمسينات والستينات، بشعاراتها المعروفة في "الحرية والاشتراكية والوحدة"، مجرد "نقطة اعتراضية" على شريط الأحداث. فلا شك أن هناك "فيتو غربي" حاسم على أية احتمالات لتكرارها. ولذلك هناك سعي حثيث لاستخدام "المتغيرات المعاصرة"- على المستويات العالمية والإقليمية والمحلية -لترسيخ التسوية التاريخية التي فرضها الغرب على المنطقة، بركيزتيها الأساسيتين: القطرية والصهيونية.
فكيف تبدو تلك "المتغيرات المعاصرة"، وما هي اتجاهات حركتها وميادين تأثيرها، وخاصة بالتركيز على الوحدة العربية، في ضوء ما تقدم من تحليل وتأصيل؟ ولنبدأ بالمستوى العالمي، لوضع "ظاهرة الهيمنة"، والصراع العربي -الغربي، في إطارهما الصحيح، ثم ننتقل إلى المستوى الإقليمي لاستعراض صدام الأقدار بين "النظام العربي" ونظام الشرق الأوسط.
أولاً- النظام العالمي.. "الجديد"لقد كثر الحديث عن "النظام العالمي الجديد".. ومن المؤكد أن هناك "نظام عالمي قديم” آخذاً في الانهيار.. ولكن من المؤكد أيضاً أن "النظام الجديد" لم تتبلور ملامحه بعد، ولا اتضحت قيمه وقضاياه، ولا استقرت مؤسساته وهياكله.
ولذلك إذا جاز توصيف المرحلة الراهنة من تطور "النظام العالمي"، فهي مرحلة انتقالية، أو هي "مرحلة سيولة دولية"، يتداعى خلالها النظام العالمي القديم ويتبلور "النظام الجديد"(3).
فإذا كنا إزاء "عملية تحول" باتجاه نظام عالمي "جديد" فما هي عوامل التحول التي تقوم بدور بارز في هذه العملية التاريخية الكبرى؟ وإذا كانت قد ارتبطت بدرجة كبيرة من اختلال التوازن الدولي، الذي كان سائداً في النظام العالمي "القديم"، فما هي انعكاسات ذلك على المستويين العالمي والإقليمي؟

إبراهيم إسماعيل
25-10-2007, 03:47 PM
(1) عوامل التحول إلى نظام عالمي جديد:
يمكن رصد مجموعة من العوامل دوراً أساسياً في التحول نحو "النظام العالمي الجديد"، ومن أبرزها ما يلي: (4)
1-الثورة الصناعية الثالثة: وهي ثورة تستند إلى المعرفة والمعلومات، ولها تطبيقاتها في مجالات الاتصالات والفضاء والحاسب الآلي والهندسة الوراثية، ويقود هذه الثورة كل من اليابان والولايات المتحدة، تليهما أوروبا الغربية، وبعض الدول الصناعية الجديدة في آسيا. ولا شك أن هذه الثورة سوف تترك أثاراً بالغة على العلاقات والتوازنات بين الدول. فهي ستعيد تعريف عناصر قوة الدولة وتفتح مجالات جديدة للتعاون والتنافس بين الدول الصناعية الكبرى، وقد تلقي بتأثيراتها السلبية على العالم الثالث، خاصة إزاء تنامي ظاهرة عالمية الاتصال مع السيطرة شبه الكاملة للغرب على النظام الاتصال العالمي.
2-التغييرات الجذرية الهائلة في الكتلة الاشتراكية، التي تمخضت عملياً عن اختفائها كلية وليس مجرد انهيارها، مما أدى إلى انتهاء المواجهة المركزية بين الدولتين العظميين، وبالتالي وضع نهاية للحرب الباردة، وقد تجسد ذلك في محادثات واتفاقات نزع السلاح والحد من التسلح والاتفاق بشأن تهدئة بعض المشكلات الإقليمية ووضع تسويات لبعضها.
3-الاتجاه نحو إقامة تكتلات اقتصادية كبرى، مثل مشروع أوروبا 1992، ومنطقة شمال أمريكا للتجارة الحرة، والتجمع الاقتصادي الباسيفيكي الذي تلعب اليابان دوراً رئيسياً في تشكيله. ويمكن لهذه التكتلات أن تترك تأثيرات بالغة على مستقبل الاقتصاد العالمي- من ناحية، وعلى العلاقات والتفاعلات فيما بين الدول الرأسمالية- من ناحية ثانية، وعلى العلاقات الاقتصادية بين الشمال والجنوب- من ناحية ثالثة.
4-بروز مجموعة من الظواهر الجديدة، التي لا تنتمي إلى دولة بعينها، ولكنها تتطلب بالضرورة تعاوناً من الجميع من أجل مصلحة الجميع ، بل وبقائهم. فقد أفرز التقدم التكنولوجي والصناعي الذي يحدث في العالم مجموعة من المشكلات ذات الطابع العالمي وهي تحتم أهمية التنسيق والتعاون الدولي، نظراً إلى كونها تهدد التوازن الإيديولوجي العالمي. ومنها: مشكلات تلوث البيئة، ومخاطر الإشعاع والمفاعلات الذرية (حادثة تشرنوبيل مثلاً)، ومشكلة احتمال نضوب الموارد الطبيعية. وذلك جنباً إلى جنب مع مشكلات الإرهاب الدولي، والمخدرات، والإيدز.
5-أضافت قضية حقوق الإنسان بعداً جديداً مؤثراً على العلاقات الدولية، وأصبحت أحد الملامح الجديدة للنظام العالمي، خاصة وأن ظهور "البيروسترويكا" قد أدى، ليس فقط إلى إنهاء الحرب الباردة، والتغييرات الجذرية في أوروبا الشرقية، وإنما أدى إلى تبني قضية حقوق الإنسان في دساتير هذه الدول، وهو ما يرتبط بالتحول العالمي باتجاه "الديمقراطية" عموماً.
2-النتائج المتباينة لاختلال التوازن الدولي
أدى سقوط القطب السوفييتي إلى انفراد القطب الأمريكي المنتصر بالإمساك بناصية التوازن الدولي، وتحول "النظام الدولي" إلى حالة من "القطبية المنفردة" التي تشبه "النظام الدولي" البسماركي (1873-1890)
-باستثناء إن ألمانيا في ذلك النظام كانت تهيمن من خلال شبكة من التحالفات، أما الولايات المتحدة، فإنها تسيطر من خلال عقلية "المنتصر" الذي كسب الحرب الباردة والساعي إلى تطويع النظام الدولي لخدمة تصوراته. فما الذي يترتب على ذلك من نتائج؟.(5)
1-انعدام هامش المناورة المستقلة أمام الدول العربية. فقد كان الاتحاد السوفييتي أحد البدائل أمام بعض الدول العربية على الأقل للحصول على السلاح والتكنولوجيا المدنية، وبالتالي تقليص مساحة الهيمنة الغربية. ولكن مع التحالف الروسي- الأمريكي، أصبحت مقولة الرئيس السادات "إن الولايات المتحدة تمتلك 99 بالمائة من أوراق اللعبة، صحيحة اليوم أكثر منها في أي وقت مضى.
2-تدهور مكانة الدول العربية في النظام الدولي وتراجع أهمية قضاياها. إذ لا بد وأن يؤدي ما سبق إلى مزيد من الاعتماد على المجموعة الغربية، وأن تتدهور مكانة الدول العربية في النظام الدولي العالمي، وفي إطار العالم الثالث، فتقل قدرتها على التأثير في المتغيرات الدولية، وتتراجع أهمية قضاياها في أجندة النسق الدولي.
3-الهيمنة الأمريكية من منطلق "تأديب" المتمردين. إن انفراد دولة كبرى بالهيمنة على النظام العالمي، ليس بظاهرة جديدة، ولكن الجديد في الهيمنة الأمريكية "الجديدة” أنها تتم بعقلية تسيطر عليها روح "الانتصار النهائي" على الغريم الإيديولوجي، والاعتقاد بأنه آن الأوان لتصفية كل بقايا هذا الغريم في العالم الثالث.
فإذا كان "حل النزاعات بالطرق السلمية" هو أحد مبادئ النظام العالمي الجديد، فإن ذلك الحل يجب أن يتم من المنظور الأمريكي وحده، وتحت إشراف أمريكي منفرد، لا يقبل حتى الحلفاء الغربيين. وفي هذا الإطار نفهم الحملة الأمريكية لتدمير أسلحة العراق، والتحرش بليبيا ورفض كل دعوى للتسوية السلمية تخرج عن الشروط الغربية، وعملية منع توريد السلاح لسوريا.
4-تحويل الأمم المتحدة إلى مؤسسة تابعة. كانت الأمم المتحدة، في عصر التوازن الدولي، والحرب الباردة، تعد إحدى الأدوات المتاحة للدول الصغرى للتعبير عن سياستها الخارجية، والاستفادة من مواردها في التنمية. فاستعمال الاتحاد السوفييتي لحق الفيتو وتأييد الكتلة الاشتراكية لقضايا العالم الثالث في الجمعية العامة، وفرا لتلك الدول أداة دولية لتصفية الاستعمار، والسعي للقضاء على العنصرية، والتركيز على التنمية. ومع اختلال التوازن الدولي أصبح من الميسور للولايات المتحدة أن تستصدر ما تشاء من القرارات من مجلس الأمن (كما هو الحال فيما صدر ضد العراق وليبيا)، ومن الجمعية العامة للأمم المتحدة (كما هو الحال في إلغاء القرار القاضي باعتباره "الصهيونية عقيدة عنصرية وشكلاً من أشكال التمييز العنصري"- وهي سابقة تحدث لأول مرة في الأمم المتحدة).
5-تعاظم إمكانيات التسوية السلمية للقضية الفلسطينية. فالاستقطاب الدولي الثنائي أدى إلى دخول القضايا العربية في دائرة هذا الاستقطاب، وبالتالي "استبقائها" في دائرة الصراع، أما وقد اختفى التحدي السوفييتي للدول الأمريكي، وتحول إلى تعاون مع الأمريكيين، فإنه يمكن الحديث عن حلول عملية للقضايا العربية، حتى وإن لم تكن تلك الحلول هي الأمثل من وجهة النظر العربية.
6-ظهور أقطاب دولية موازنة للقطب الأمريكي. كان التحدي السوفييتي أحد العوامل المستمرة خلف تماسك التكتل الأطلنطي وقبول اليابان الزعامة السياسية للمعسكر الغربي. ومع زوال هذا التحدي، وبروز أوروبا كقوة اقتصادية موحدة، واستمرار القوة الصينية واليابانية، وتفاقم الأزمات الاقتصادية في الولايات المتحدة، فإنه من المحتمل أن تظهر أقطاب دولية توازن القطب الأمريكي، على الأقل في الميدان الاقتصادي.
7-اختلال التوازن الإقليمي لغير مصلحة الدول العربية: فقد تمخض التفكك السوفييتي عن آثار سلبية على التوازن العربي مع دول الجوار الجغرافي وبالتحديد مع إسرائيل وتركيا وإيران. وتفصيل ذلك:
(أ) بالنسبة للصراع العربي - الإسرائيلي، تراجعت إمدادات السلاح السوفييتي بتأثير الهيمنة الأمريكية على روسيا، والنفوذ الصهيوني المتصاعد في تلك الدولة. بل لقد اقترحت إسرائيل على روسيا إقامة تعاون عسكري مشترك مقابل إطلاع إسرائيل على الاتفاقات العسكرية السوفييتية مع الدول العربية من سنة 1980، وعدم توريد أسلحة ذات قيمة تكنولوجية عالية إلى الدول العربية.(6)
ب-بالنسبة للتوازن العربي مع إيران وتركيا. وتحركت الدولتان على كل المستويات لضم الجمهوريات الإسلامية الست إلى منظمة التعاون الإقليمي للتنمية (التي تضم أيضاً باكستان). وتم الاتفاق في مؤتمر قمة الدول التسع في طهران في 17/2/1992 على انضمام الجمهوريات الإسلامية إلى المنظمة.
فإيران تسعى في أعقاب حرب الخليج الثانية إلى لعب دور إقليمي نشيط، وفي هذا الإطار تحاول بقوة استقطاب الجمهوريات الإسلامية في أسيا الوسطى والقوقاز. ومن ذلك أنها اقترحت إقامة منظمة للتعاون بين الدول المطلة على بحر قزوين تضم أذربيجان، وروسيا، وكازاخستان، وتركمانستان، وإيران يكون مقرها طهران (كذلك اقترحت إيران إقامة أمانة دائمة لحركة عدم الانحياز يكون مقرها طهران أيضاً).
أما تحرك تركيا، فهو أكثر اتساعاً وشمولاً، وهو يستند إلى "أرباح" حرب الخليج الثانية، والدعم الأمريكي القوى في أسيا الوسطى والقوقاز، باعتبار تركيا عضو في حلف الأطلنطي ولها نظام علماني يطمئن إليه الغرب، مما قد يساعد على إبعاد التأثير الإيراني في الجمهوريات الإسلامية، ولضمان عدم قيام نظم أصولية فيها، والحد من احتمال انضمام تلك الجمهوريات إلى الدول العربية وإقامة كتلة إسلامية قوية. والأهم أن الجمهوريات الإسلامية ترحب بالدور التركي إلى حد بعيد.
8-نهاية "العدو السوفييتي" واحتمال ظهور "أعداء جدد". أليس جدير بالتأمل أنه رغم "زوال الكتلة الاشتراكية" والتي تمخضت إجمالاً عن نهاية "العدو السوفييتي"- فإن كافة هياكل الحرب الباردة في المعسكر الغربي ما تزال على حالتها، فالمعسكر ما يزال معسكراً، وخاصة من ناحيتي سباق التسلح واستمرار وجود حلف الأطلنطي؟ ألا يوحي كل ذلك بأن استمرار هذه الهياكل يعني ضرورة قيامها بوظيفة ما؟

إبراهيم إسماعيل
25-10-2007, 03:48 PM
لقد وضعت وكالة رويتر يديها على نقطة البداية في الجواب على تلك الأسئلة حين نشرت تقريراً بعنوان: "حلف بلا أعداء.. لكنه يبحث عنهم"!!(7)
كذلك كتب الدكتور فؤاد ذكريا، أستاذ الفلسفة المصري، مقالاً ذو دلالة من حيث عنوانه: "الحياة بغير... عدو"!(8)
أما الأستاذ أمين هويدي، وزير الحربية المصري الأسبق، فقد كان عنوان "تأملاته" الأسبوعية في صحيفة "الأهالي" أكثر دلالة "الولايات المتحدة تبحث عن عدو"!(9)
وقدم الأستاذ عاطف العمري سؤالاً في نفس السياق، ولكنه أكثر التصاقاً بمشكلاتنا وقضايانا: "هل تعيش إسرائيل بغير عدو"(10)
السؤال الكبير إذن مطروح من قبل تيارات سياسية وفكرية متباينة، كما إنه يثور على أكثر من مستوى: كيف يكون شكل "النظام العالمي الجديد" بغير "العدو السوفييتي؟"
والسؤال له جانبه النظري، كما إن له جانبه التاريخي، ففي بعض الأحيان تحتاج النظم السياسية، على الأقل في أحد مراحل تطورها إلى "عدو" خارجي يمكن توظيف التهديد (الحقيقي أو المفترض) الذي يمثله لتحقيق أهداف متعددة، كالتكامل الوطني، أو التغلب على الأزمات السياسية أو تبرير وجود الآلة العسكرية للنظام. وقد كان الاتحاد السوفييتي يقوم بهذه الوظيفة بالنسبة للغرب في عصر الحرب الباردة. فالتحدي الإيديولوجي والتهديد الأمني الذي كان يمثله الاتحاد السوفييتي بالنسبة للغرب، كان يبرر دعم الآلة العسكرية الغربية وزيادة الإتفاق العسكري وهيمنة المركب الصناعي -العسكري. ولكن بعد انتهاء التحدي السوفييتي أصبح الغرب في حاجة إلى "عدو جديد" يمكن من خلاله استمرار الآلة العسكرية الغربية بالمعدلات المرتفعة ذاتها. ويتوافق هذا البحث عن عدو جديد من بروز تحد إيديولوجي "جديد" للغرب يتمثل في تيار الإسلام الأصولي في المنطقة العربية، وفي إيران، وإلى حد ما في الجمهوريات الإسلامية في آسيا الوسطى (حزب النهضة الإسلامي). وهو تيار ينطلق من رفض الحضارة الغربية، والسعي نحو بناء كتلة دولية تضم معظم الشعوب الإسلامية، وإذا ما نجح هذا التيار في الوصول إلى السلطة في تلك الرقعة الجغرافية الممتدة من آسيا الوسطى إلى شمال أفريقيا، فإنه يمكن أن يشكل، في نظر الغرب، تهديداً أمنياً أيضاً وقد زاد هذا الاحتمال مع استقلال الجمهوريات الإسلامية، وظهور إيران كقوة ضخمة في الخليج العربي بعد أزمة الخليج الثانية، ونمو التيار الإسلامي الأصولي في الجزائر والسودان وإلى حد ما في مصر.
وهكذا يبدو أن الغرب قد وجد عدوه المنشود في تيار الإسلام الأصولي المتمركز في بعض الدول الإسلامية غير العربية. وهو ما يفسر سعي الولايات المتحدة حالياً إلى تشجيع الدور التركي في آسيا الوسطى لإبعاد إيران عنها. ويبدو أن روسيا المتحالفة مع الغرب تشجع هذا التوجه الغربي الجديد حتى تواجه تحدي الجمهوريات الإسلامية في آسيا الوسطى والقوقاز لها فيما بعد، كما يفسر أيضاً تخلي الولايات المتحدة عن حركة المجاهدين الأفغان وقمع الانتصار الانتخابي لجبهة الإنقاذ الإسلامية في الجزائر، وهي كلها مؤشرات تدل على أن الغرب على وشك أن يبدأ مواجهة حضارية مع التيارات الإسلامية كعدو جديد يحل محل الاتحاد السوفييتي.(11)
ويمكن أن نلحظ بوادر الوصول إلى إجماع غربي حول هذا التوجه في الكتابات الغربية. ولعل من أهم تلك الكتابات ما جاء في كتاب الرئيس نيكسون. "انتهزوا هذه الفرصة”، والذي أشار فيه إلى أن العالم الإسلامي يمثل أكبر تحد للسياسة الأمريكية في القرن الحادي والعشرين. وانطلاقاً من هذا الإدراك"، تقدم "هنتينجتون" لصياغة "نظريته" عن صدام الحضارات.
ثانياً- العولمة... والهيمنة.
في إطار عمليات التحول الكبرى التي يشهدها العالم، منذ مطلع التسعينات، بدأت تترسخ مجموعة من التوجهات والتغييرات البارزة، التي قد تضع الأساس لقواعد "نظام عالمي جديد" ولعل من أبرز تلك التوجهات والتغييرات "ظاهرة العولمة" بتأثيراتها الكاسحة في الميادين السياسية والاقتصادية والتكنولوجية والمعلوماتية والاستراتيجية والثقافية.
فهناك عملية إعادة تنظيم للعلاقات الدولية، من خلال تعميق الاتجاه نحو "العالمية"، بما يشمله ذلك من تغير مفاهيم القوة، والصراع، والأمن الدولي، وجدول اهتمامات العالم، ودور الأمم المتحدة.
وهناك التوجه نحو تاكيد "سيادة" الاقتصاد، حيث أدى فيضان المتغيرات الجديدة في النظام العالمي إلى تغييرات جوهرية في العلاقة بين "الاقتصاد" و"الاستراتيجية"، حيث أصبحت الروابط بينهما شاهداً على تغير جوهري في الفكر الاستراتيجي العالمي، وبعد أن كان السلاح والقوة العسكرية والسعي إلى النفوذ والسيطرة السياسية والإيديولوجية، محط اهتمامه وتركيزه، أصبحت الأولوية للسلع والخدمات والأسواق، حيث أصبح "الاقتصاد"- مع ارتباطه الجذري بالثورات التكنولوجية والمعلوماتية والاتصالية- هو الحاكم بأمره.
وهناك التوجه نحو تعميق إزدواجية الغنى والفقر عالمياً، حيث اتضح أن "العولمة" تنطوي في صميمها على "تهميش" دول العالم الثالث والمزيد من تهميش "الفقراء" داخل حدود كل دولة من هذه الدول في نفس الوقت. مع التأكيد على وجود "عالمين": العالم المتقدم الذي يسوده التعاون والرفاه، والعالم المتخلف الذي تمزقه الصراعات ويطحنه الفقر. ولقد زاد من حدة التناقض بين "العالمين" أن "القرية العالمية الواحدة" جعلت كل طرف في مرأى الطرف الأخر، ثم تكلفت ثورة الاتصال والمعلومات بتحويل التناقض إلى أزمة، حيث ترسخ بين الاثنين نوع من الكراهية والخوف.
وهناك التوجه العام ناحية انخفاض التوظيف في التصنيع وفي صناعات الخدمات، بل ومن المتصور نهاية "مفهوم العمل" كما نعرفه اليوم، وفي هذا السياق، أظهرت دراسة حديثة أن استثمارات الولايات المتحدة لم تعد تجتذبها العمالة الرخيصة، حتى أن 76 في المائة من جملة هذه الاستثمارات عام 1996 توجهت إلى بلدان مرتفعة الأجور، ولذلك من المتوقع أن تلعب "العولمة" دوراً استراتيجياً في "تصدير البطالة" إلى البلدان ذات المستويات المنخفضة في الاستثمار في الموارد البشرية.(12)
كذلك يلاحظ أن النظام السياسي العالمي يشهد تكامل أبعاد "جديدة" مختلفة جذرياً عما سبق، من نمط سائد للتقانة، وبناء للقوة والسلطة، وقائمة للأعمال والمهام والوظائف التي يريد النظام إنجازها.
ومن المهم هنا أن يلاحظ أن "الجديد" في النظام العالمي الراهن، ليس التحول من "نظام القطبية الثنائية"- وهي السمة الأساسية لنظام ما بعد الحرب العالمية الثانية- إلى أي "نظام قطبي" أخر.. وإنما التغيير في طبيعة "القطبية" ذاتها. فتقليدياً ، كان التعرف على القطبية يتم من خلال توزيع القوة والسلطة بين دول قومية أو تكتلات أو أحلاف بينها. أما الآن فإنه من الممكن التعرف على القطبية من خلال سيادة شبكة هائلة ومعقدة من التفاعلات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية على الشؤون العالمية، وتتمثل هذه الشبكة أساساً في وجود "منظومة رأسمالية عالمية" أصبحت تشكل، دون أي تحد خارجي يذكر، قلب النظام العالمي كله، وتقبض بإحكام على الدفة الموجهة لمساره. ولهذه "المنظومة" مكونات ثلاثة: أولها- الدول الرأسمالية السبع المتقدمة(g7)، وثانيها - الشركات متعددة الجنسية، وثالثها- المؤسسات الاقتصادية العالمية (صندوق النقد الدولي- البنك الدولي للإنشاء والتعمير- منظمة التجارة العالمية) وقد أصبحت "دبلوماسية" هذه المؤسسات بالذات في مطلع القرن الحادي والعشرين، بديلاً لدبلوماسية البوارج، التي عرفتها مطالع القرن التاسع عشر. ومن خلال هذه المكونات الثلاثة، مع إدراك حجم الدور الأمريكي في تشكيلها وأبعاده، تتضح "مدخل الهيمنة الأمريكية" وأدواتها ووسائلها.

إبراهيم إسماعيل
25-10-2007, 03:49 PM
أما على المستوى العربي، فإن "الأصل" في متابعة تأثيرات هذه "العولمة"، يتمثل في إدراك طبيعة توجهات تلك "المنظومة الرأسمالية العالمية".. قبل أي شيء آخر. فمن المفهوم أن مكونات هذه "المنظومة" تعمل معاً، وفي تناغم تام، من أجل تحويل "العالم" إلى "سوق موحدة"، تعمل وفقاً لآليات النظام الاقتصادي الرأسمالي، وقيمة ومفاهيمه، حتى وإن اشتدت المنافسة بينها، أحياناً، حول نصيب كل منها من هذه السوق. إن الترجمة المباشرة لهذا "الأصل"، في مواجهة النظام العربي، تتصرف عملياً، ومن الناحيتين الاقتصادية والسياسية، إلى تصفية "الصراع العربي- الغربي" باعتباره "الصراع الأساسي"، وفي سياق ذلك تجري تصفية "الصراع العربي- الصهيوني" باعتباره "الصراع المباشر"، بحيث تتحقق الهيمنة المباشرة للمركب الإمبريالي- الصهيوني، وتسقط القومية العربية وتندثر وتتلاشى.. مرة واحدة وإلى الأبد!
ويقتضي استعراض آليات الهيمنة والنتائج المترتبة عليها، كما يمارسها المركب الإمبريالي- الصهيوني في المنطقة العربية، التمييز من الناحية التحليلية بين الأبعاد الاقتصادية والأبعاد السياسية.
(1) الأبعاد الاقتصادية للهيمنة:
في سياق هذا الأصل يتعرض الوطن العربي، بأقطاره وشعوبه- مثلما تتعرض دول العالم الثالث، مع تقدير جوانب "الخصوصية العربية"- إلى ضغوط مكثفة ومتصاعدة لإتمام عملية إعادة دمج اقتصاداتها في إطار الاقتصاد الرأسمالي العالمي، ولإسقاط كافة الحواجز التي تحول دون تحقيق هذا الهدف، بصرف النظر عن التكلفة السياسية والاجتماعية والثقافية لهذه العملية، من وجهة نظر السياسات المحلية. ومعنى ذلك أن الأقطار العربية انخرطت، رغم إرادتها، في خضم عملية تحول كبرى في هياكلها الاقتصادية والاجتماعية، مدفوعة في ذلك بضرورات المواءمة مع مقتضيات النظام العالمي "الجديد"، بصرف النظر عن الاعتبارات الخاصة بالمصالح الوطنية لتلك الأقطار.
وفي تفصيل ذلك، تمكن الإشارة إلى ثلاثة تحديات أساسية، أولها - برامج التصحيح الهيكلي، وثانيها- المشروع الأوسطي (نظام الشرق الأوسط) وثالثها- المشروع المتوسطي (الشراكة العربية- الأوروبية).(13)
وبداية، تشترك هذه المشاريع الثلاثة في محاولتها فرض نظام اقتصادي على الوطن العربي يتصف بالمزيد من الخصخصة وبدرجة من حرية الأسواق الداخلية وحرية التجارة وحركة رؤوس الأموال الخارجية. وكل ذلك يتضمن انحسار دور الدولة في إدارة الاقتصاد وتوجيهه. وكما هو معلوم فهذا النظام قائم إلى درجة كبيرة في الوطن العربي. ولا شك أن آثاره السلبية على التنمية العربية ليست في حاجة إلى تفصيل. كما أن نظام رأسمالية الحرية الاقتصادية على مستوى العالم قد أفرز أثاراً سلبية واضحة تمثلت في تزايد الاستقطاب العالمي من منظور تفاقم سوء التوزيع في الثروات والدخول، وفي انتشار الفقر والبطالة، وفي استغلال الأطفال والنساء. كما أن نتائج هذا النظام على جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق- وبخاصة روسيا الاتحادية- وعلى العديد من بلدان أوروبا الشرقية تبدو بحجم الكارثة المروعة. لذلك من المستغرب- أمام كل هذه الأدلة عن فشل النظام بالنسبة إلى غالبية البشر- أن تستمر الدعوة إلى تطبيقه.
ومن الواضح أن ضغوط "المنظومة الرأسمالية العالمية" لنشر وتعميق هذا النظام في الوطن العربي لا تهدف إلى تأمين مصالحه. فتلك "المنظومة" تتصرف بهدي من مصالحها، وليس بهدف تأمين مصالح دول أخرى. وهذا أمر طبيعي، فمصالح تلك المنظومة هي تحقيق درجة عالية من حرية التجارة الخارجية وحرية تدفق رؤوس الأموال، ولتحقيق ذلك يتعين "فرض" ثلاثة شروط على صعيد الوطن العربي؛ وهي:
1-المزيد من الخصخصة: إذ إن إعطاء الدور الأكبر للقطاع العام في حقل التجارة الخارجية وبخاصة في حقل الاستيراد، يمكن الدولة المستوردة حتى في حال إزالة جميع القيود على الاستيراد من التحكم في استيرادها عبر القطاع العام.
2-حرية الأسواق الداخلية: أي إزالة القيود الاقتصادية على فعاليات القطاع الخاص وبخاصة حريته في تحديد أسعاره. ومن الواضح أنه يمكن للدولة المستوردة حتى في حال إزالة جميع القيود على المستوردات أن تتحكم في جزء كبير من استيراداتها إذا لم تطبق بالكامل حرية الأسواق الداخلية، إذ يمكن مثلاً أن تحدد الأسعار الداخلية للسلع المستوردة التي تعتبرها ذات آثار سلبية على تنميتها على مستوى أكثر انخفاضاً من تكاليف استيرادها، مما يدفع المستوردين في القطاع الخاص إلى عدم استيرادها.
3-انتشار تعميق ثقافة السوق: أي أن يكون الاعتبار الوحيد في استيراد سلعة هو سعرها ونوعيتها وجودتها، وليس أي اعتبار آخر وطني أو سياسي أو ثقافي أو إنساني. ومن المعلوم أن الكثير من الدول والملايين من الأفراد قاطعوا منتجات جنوب أفريقيا إبان ممارستها سياسة التمييز العنصري، انطلاقاً من اعتبارات مناقضة لثقافة السوق، كما أن الولايات المتحدة مثلاً تفرض عقوبات اقتصادية على عدد من الأقطار العربية وعلى إيران انطلاقاً من اعتبارات هيمنتها الإمبريالية. أما اليابانيون فيفضلون على الأغلب منتجاتهم الوطنية على المنتجات الأجنبية انطلاقاً من اعتزازهم بمنتجاتهم ومن الاعتقاد بأن استمرارية وظائفهم تعتمد على ذلك.
ولا شك أن درجة عالية من حرية التجارة بين الدول الأجنبية وأغلبها أكثر تقدماً وقوة من الناحية الاقتصادية (فالاتحاد الأوروبي يعتبر أول قوة اقتصادية في العالم) من جهة، وبين الأقطار العربية المتفرقة والأقل تقدماً بكثير من الناحية الاقتصادية، من جهة أخرى، ستؤدي إلى تكريس التخلف النسبي للأخيرة وإلى تفاقمه. بكلمات أكثر تحديداً سيؤدي الانفتاح الكبير على الاستيراد و/ أو إزالة جميع القيود الجمركية والإدارية والنقدية على استيراد السلع المصنعة من الاتحاد الأوروبي إلى القضاء على أغلب الصناعات العربية التحويلية وإلى استفحال البطالة وإلى تزايد هجرة المواطنين العرب إلى البلدان الغربية، وبخاصة الأوروبية منها، وتجدر الإشارة إلى أن من أهداف مشروع الشراكة الأوروبية- المتوسطية في الحقل الاقتصادي هو الحيلولة، بالتحديد، دون هذه الهجرة، وبخاصة من الأقطار العربية في شمال افريقيا.

إبراهيم إسماعيل
25-10-2007, 03:49 PM
أما من حيث التصدير من الأقطار العربية، فالأهداف الأساسية للتحديات المذكورة تتضمن إعطاء أولوية قصوى للتصدير، وأن يكون المحرك الأساسي لعجلة النمو بدلاً من إعطاء الأولوية لإشباع الحاجات الأساسية لغالبية المواطنين العرب. وهي استراتيجية تنموية غير مأمونة العواقب على الأقل فيما يتعلق بكل من المدى المتوسط والمدى الطويل.
وفيما يتعلق بالآثار الخاصة بالمشروعين الأوسطي والمتوسطي، يمكن القول أن كلاً منهما سيؤدي -في حال تطبيقه- إلى تفكيك النظام العربي وتوجيه ضربة قاصمة إلى هويته العربية من أساسها، وإلى عقيدته القومية بكل توجهاتها وأهدافها، فضلاً عن الحيلولة دون قيام درجة يعتد بها من التكامل الاقتصادي العربي مما سيؤثر سلبياً على الأمن القومي العربي، وعلى مستقبل التنمية العربية. كما أن تفكك النظام العربي، وبخاصة في حقل الأمن القومي، سيحول دون تمكّن الأقطار العربية النفطية من استعادة السيطرة على أسعار نفطها. فخسارة هذه الأقطار لسيطرتها منذ عام 1985 ساهمت إلى حد بعيد في انخفاض أسعار النفط الحقيقية والنقدية، وبالتالي أدت إلى تباطؤ النمو الاقتصادي العربي.
2-الأبعاد السياسية للهيمنة:
وعلى هذا "الأساس"، الذي "يشيع" أن "دافع الربح" هو المحرك الحقيقي للأفراد وللأوطان، وأن "رأس المال لا وطن له"-! تبنى "القاعدة المادية" الوطيدة لعمليات التسوية الجارية، سواء للصراع الأساسي أو للصراع المباشر، ويبدو أن الغرب قد استوعب جيداً كل دروس المراحل السابقة، فلم يعد يسمح لنفسه بأي وهم في تقييم مدى ثبات الأسس التي يبني عليها مصالحه ومشاريعه في الوطن العربي. ذلك أن الدوائر الغربية، والصهيونية، تدرك أكثر من غيرها أن ما تم حتى الآن ليس الرضى العربي التاريخي النهائي بدولة إسرائيل، بل الاعتراف العربي الرسمي بالعجز أمام المشروع الصهيوني. والفارق بين الأمرين كبير للغاية، فالأول صامد ثابت، والثاني متغير زائل. وصحيح أن الغرب ما يزال يبنى مشاريعه في المنطقة، ويقيس "واقعيتها"، على أساس "العجز العربي" إلا أنه تعلم من مرحلة الخمسينيات والستينيات، التي شهدت ذروة الصراع العربي- الغربي، أن العجز العربي حالة لا يمكن أن تستمر إلا بفرض وترسيخ ظروف استمرارها المادية والمعنوية.
لقد كانت مرحلة "جمال عبد الناصر" وصعود القومية العربية مجرد لحظة اعتراضية على شريط الأحداث، وكان خوف الغرب الأعظم من هذه المرحلة الثورية القومية، أن تتجمع بكسر خاتم الأزلية عن "العجز العربي"، فتحوله من حالة دائمة إلى حالة عابرة، لأن في نجاحها انهياراً لحجة "واقعية" الغرب التي يبنى عليها كل توجهاته في المنطقة وكل مشروعاته، وعلى رأسها "المشروع الصهيوني". لقد كان ما يشغل الغرب، وما يزال، هو إفهام الجماهير العربية أن تحدي النفوذ الغربي مستحيل، حتى لو حقق نجاحاً في بعض المراحل، وأن الحاكم الذي يحاول تعبئة الجماهير وراء مصالحها وطموحاتها المعادية للمركب الإمبريالي- الصهيوني، إنما "يورطها" في السير على طريق مسدود. وحققت ضرباته المتتالية أهدافها- حتى الآن- وتدافع الجميع- مرة أخرى- ناحية ذلك "الحل الوسط التاريخي"، وبعد أن كان أحد طرفي المواجهة (إسرائيل) داخل نطاق "النظام الاستعماري العالمي"، والطرف الآخر (الدول العربية) تنتمي إلى حركة التحرر العالمية ضد السيطرة الاستعمارية، أصبح "الطرفان" معاً يباشران "الصراع" ويسعيان آلي "التسوية" داخل نطاق "المنظومة الرأسمالية العالمية".. وهو نفس الموقف السابق على مرحلة الخمسينيات.
وهكذا لا يكون من المغالاة القول بأن تلك "التسوية" تجيء تسليماً بالأمر الواقع في جملة من النواحي الأساسية المرتبطة بذلك الصراع، ويجوز بالتالي أن نتوقع سلسلة من ردود الأفعال على شتى المستويات الفكرية والعملية المرتبطة بالقومية العربية، كهوية ومرجعية، وبالوحدة العربية كهدف ومثل أعلى.
إن التناقض مع العدو الصهيوني- كما يتأكد أمام الجميع مع خاتمة قرن على طريق إنجاز "مشروعه" -هو تناقض أساسي، والعدو يؤكد أيضاً أنه تناقض وجود لا تناقض حدود أو حقوق، بحيث لا بد من أن ينفي أحد الطرفين الآخر أو يفرض عليه هيمنته الكاملة، إذا ما أريد لذلك الصراع "حلاً حقيقياً! والعدو يدرك هذه الحقيقة جيداً.
ولكل ذلك يتضح -من جديد- أن القضية الفلسطينية هي قضية العرب المركزية الأولى، وأنه ليست هناك أية إمكانية لمواجهة مشكلات التخلف والتبعية والتجزئة، إلا عن طريق المواجهة الحقيقية، بكل قدرات الأمة وقواها، للمركز الإمبريالي -الصهيوني، وليس عن طريق "التفاوض" معه... ولا توهم انتظار مساعدته من أجل "اللحاق" به.
ومعنى كل ما تقدم أن المشروع القومي العربي أصبح رهناً بمصلحة الصراع العربي- الغربي الذي تجري محاولات تسويته على أساس "التحاق" العرب بالغرب، وليس "اللحاق" به. وبالتالي، فإن الحديث عن الإرادة الوطنية، أو التنمية الاقتصادية، أو العدالة الاجتماعية، أو الاستقلال الحضاري، أو الديموقراطية وحقوق الإنسان، أو بالطبع الوحدة العربية -الحديث عن كل ذلك الآن يجري في حدود "الممكن" وهي حدود جد بائسة ويائسة.. وليس توهم "الإمكانية"، على الأقل في الأجلين القصير والمتوسط. ومن الواضح أن "حدود الممكن" تضعها الولايات المتحدة في إطار استراتيجيتها العالمية، باعتبارها القوة العالمية الأعظم، وتفرضها إسرائيل، في إطار الاستراتيجية الصهيونية العالمية، باعتبارها القوة الإقليمية الأعظم!...(14)
وهنا تبتغي الإشارة إلى المخاطر الجسيمة التي تنطوي عليها عمليات التطبيع الجارية مع الكيان الصهيوني، خاصة وقد أخذت في الانتقال من المستوى الرسمي إلى المستوى الشعبي، وهو ما سيعرض الأمة إلى الإصابة بحالة أقرب ما تكون إلى حالات فقدان المناعة، لأن التطبيع على المستوى الشعبي، سيعني تغلغل القوى الصهيونية في النسيج الاجتماعي للأمة، لحسم "معركة الوعي والعقل" استناداً إلى زرع أوهام الثراء، بحيث تخلق قاعدة شعبية.. أو على الأقل قاعدة اجتماعية مؤيدة للتسوية.
وفيما يتعلق بهذا الاعتبار الخاص بنمو قطاعات وقوى اجتماعية عربية مستفيدة من التطبيع، تجدر الإشارة إلى حرص إسرائيل على فتح قنوات للاتصال مع رجال الأعمال العرب، وإقامة مشروعات مشتركة، وتعزيز الروابط التجارية معهم، فمن شأن هذه الصلات تأسيس البنية التحتية لعلاقات إسرائيل العربية، وتزويدها بقوة دفع ذاتي، والتقليل من تأثير الخلافات السياسية في سيرها.
ولقد ساعد على ذلك أن القيادات التي تتصدى لاتخاذ قرارات مصيرية تمس المستقبل العربي كله، وتتصل بحقوق أجيال لا يجوز التصرف فيها، تعمد تحت شعار "الواقعية" إلى عزل الظواهر عن الأسباب، وتبخس الذات العربية، وتغالي في تضخيم قدرات العدو، وتتخذ من معاناة الجماهير سوطاً تلهب به ظهرها لتدفعها قسراً، ودون إرادة واعية للقبول - وبحماس أحياناً- بما يتعارض مع مصالحها وطموحاتها، بل وحقوقها غير القابلة للتصرف. وبرغم محدودية مجموعات النخبة المستغلة للأمر الواقع، إلا أن صمت الأغلبية، بعد النجاح في تغييبها عن ساحة الفعل السياسي، جعل منها قاعدة واسعة لقيادة لا يربطها بها أي نسب صحيح. وشكل الجميع تجميعاً يتسم بالإدراك القاصر للواقع، والفهم الناقص للواقعية، وبالإستجابة شبه التلقائية لدعوات اليأس والإحباط، والقبول -ولو على مضض- برموز هذه "الواقعية"، والنظر إلى هذه الرموز باعتبارها تجتهد في إنقاذ ما يمكن إنقاذه"!
ثالثاً: من الدولة -القومية إلى الدولة -الشركة متعدية الجنسية:
لقد اقترنت بداية العولمة منذ خمسة قرون ببزوغ ظاهرة "الدولة -القومية"، حيث تطلب التقدم التكنولوجي وزيادة الانتاجية في ذلك الوقت توسيع نطاق السوق ليشمل الأمة بأسرها، بعد أن كان محدوداً بحدود المقاطعة، فحلت الدولة محل الإقطاعية، والملك محل السيد الإقطاعي، والولاء للدولة والملك محل الولاء للمقاطعة أو الإقطاعي، كما تطلب التقدم التكنولوجي وزيادة الانتاجية أيضاً، غزو أسواق خارجية، الأمر الذي تطلب بدوره أن يكون للدولة جيش قوي يمكنه من منافسة الدول الأخرى في الحصول على هذه الأسواق الخارجية الحديثة، أي المستعمرات، وحمايتها. ولكن النمو في حجم السوق هو أيضاً الذي يحتم بدوره، في العقود الأخيرة، بداية التضاؤل في قوة الدولة.(15)
وكما حلت الدولة محل الإقطاعية تدريجياً منذ نحو خمسة قرون، تحل اليوم الشركة متعدية الجنسيات تدريجياً محل الدولة، والسبب في الحالتين واحد: التقدم التكنولوجي وزيادة الانتاجية والحاجة إلى أسواق أوسع. لم تعد حدود الدولة القومية هي حدود السوق الجديدة، بل أصبح العالم كله مجال التسويق: سواء كان تسويقاً لسلع تامة الصنع، أو تسويقاً لمستخدمات وعناصر الانتاج، أو تسويقاً لمعلومات وأفكار، فقفزت الشركة المنتجة فوق أسوار الدولة، وأخذت هذه الأسوار تفقد قيمتها الفعلية، بل أصبحت أكثر فأكثر أسواراً شكلية، سواء تمثلت في حواجز جمركية، أو حدود ممارسة السياسات النقدية والمالية، أو حدود السلطة السياسية، أو حدود بث المعلومات والأفكار، أو حدود الولاء والخضوع. الحواجز الجمركية تتخطاها هذه الشركات، إما بالإستثمار المباشر داخل البلد المطلوب غزوه، أو عن طريق اتفاقيات من نوع اتفاقيات الجات. وحدود ممارسة السياسة النقدية والمالية تتخطاها هذه الشركات، إما بقدرتها على التهرب مما تفرضه الدولة من سياسات نقدية ومالية، أو بقدرتها على فرض ما تشاء من سياسات على الدولة نفسها، عن طريق مثلاً ما يسمى ببرامج التصحيح الهيكلي، وحدود السلطة السياسية تتخطاها هذه الشركات، لا بالغزو المسلح، كما كان يحدث في الماضي (إذ كان من الضروري في الماضي استبدال دولة بدولة) بل عن طريق استبدال رئيس برئيس أو زعيم بزعيم آخر، أو حتى مع الإبقاء على نفس الرئيس أو نفس الزعيم، ولكن بإجباره بطرق شتى على اتباع المسلك المطرب. أما حدود بث المعلومات والأفكار، فقد تكلفت بتخطيها أطباق التليفزيون وشاشات الكومبيوتر، وأما حدود الولاء والخضوع، فيجري تخطيها، ليس فقط على نحو طبيعي وتدريجي بما يحدث من تغير في الولاء مع تغير مصدر الكسب والربح، ولكن أيضاً ببذل جهود واعية ومتعمدة لنشر أفكار تساعد على تحطيم موضوع الولاء القديم، وهو الوطن أو الأمة، وإحلال ولاءات جديدة محله، أفكار من نوع "نهاية الأيديولوجية" و"نهاية التاريخ" و"القرية العالمية" و"الاعتماد المتبادل".. الخ، مما يصلح استخدامه مع جميع الأمم، أو من نوع "الشرق أوسطية" والقول بأننا لسنا عرباً فقط بل وأيضاً شرق أوسطيون"، التي تستخدم مع أمة بعينها، فضلاً بالطبع عن فكرة "العولمة" نفسها.

إبراهيم إسماعيل
25-10-2007, 03:50 PM
والشركات متعدية الجنسيات لا تقوم بإحداث هذه التغيرات والتعديلات وحدها، بل تستعين بجهود هيئات ومؤسسات أخرى، منها المؤسسات المالية العالمية، ومنها وكالات الأمم المتحدة المختلفة العاملة في ميادين التنمية والثقافة، ومنها أجهزة المخابرات في الدول الكبرى، ومنها مختلف وسائل التأثير في الرأي العام، كالصحف والمجلات السيارة وشبكات التلفزيون والمؤسسات المانحة للجوائز الدولية الهامة أو المشتغلة بحقوق الإنسان.. الخ. كما أنها لا تدخر وسعاً في تجنيد مفكرين وكتاب في مختلف البلاد، ينظرون ويرجون لأفكار العولمة والكونية، ويؤكدون أن الشعور بالولاء لأمة أو وطن قد أصبح من مخلفات الماضي التي يحسن إهمالها ونسيانها.
وفي هذا الإطار الكبير لعملية "العولمة"، لا شك أنه من غير المتصور أن تترك الدول الصناعية البلاد الأقل تقدماً تفعل ما تشاء في عصر يقوم على التوسع من جديد في هذه البلاد بالذات، ولا يمكن أن يتحدث كل هذا دون أثر مهم على طبيعة الدولة ووظيفتها في البلاد المختلفة.
لقد اقترن عصر دولة الرفاهة في العالم المتقدم، في الخمسينات والستينات، بنشوء عصر الدولة القوية أيضاً في العالم الثالث -بشكل عام، وفي الوطن العربي- بشكل خاص. ذلك أن عصر دولة الرفاهة كان أيضاً عصر الحرب الباردة، وقد احتاج فيه كل من المعسكرين الغربي والشرقي، إلى تقديم الدعم لدول العالم الثالث لتقف ضد المعسكر الآخر.
ومن ثم تدفقت المعونات على دول العالم الثالث بمعدل ليس له نظير من قبل أو من بعد. والمعونات تتخذ في الأساس صورة معونات مقدمة للحكومات لا صورة الاستثمار المباشر ولا معونات للقطاع الخاص. كان لا بد أن يقوى دور الدولة نتيجة لهذا. يضاف إلى ذلك أن الخمسينات والستينات قد شهدتا اعتماد الدول الصناعية على بعضها البعض، أكثر من اعتمادها على العالم الأقل نمواً، كسوق لتصريف منتجاتها وكجمال للاستثمار، مما تمثل أساساً في تكوين ونمو السوق الأوروبية المشتركة وتزايد الاستثمارات الأمريكية داخل هذه السوق، وقد سمح هذا بدور أكبر للدولة في العالم الأقل نمواً، بل وفرض عليها هذا الدور.كان لا بد أن يؤدي كل هذا إلى نشوء عصر الدولة القوية في العالم الثالث. فالدولة تتدخل في كل صغيرة وكبيرة في الاقتصاد والمجتمع، وهي تعلن عن خطط خمسية طموحية للتنمية، وهي تفرض سياجاً جمركياً لحماية صناعاتها الناشئة، وهي تقوم بجهد جبار في القيام بمشروعات البنية الأساسية، وهي في كثير من الأحيان تتبنى الاشتراكية، أي أن تقوم الدولة بدور فعال لإعادة توزيع الدخل، حتى البلاد المتحالفة مع الدول الرأسمالية تجد نفسها مضطرة لرفع شعارات من هذا النوع. والمؤسسات المالية العالمية تبدي تسامحاً غريباً أمام كل هذه الأفكار. بل هي نفسها تتكلم برضا عن نظام التخطيط وعن دور كبير للدولة في الاقتصاد.
وعندما بدأ تيار العولمة الجديد، في أواخر الستينات وأوائل السبعينات، وبزغ نجم الشركات متعدية الجنسيات، كان على الدولة القوية في العالم الثالث أن ترخي قبضتها شيئاً فشيئاً على الاقتصاد والمجتمع تحقيقاً لمصالح هذه الشركات، فالأسوار الجمركية يجري هدمها، ونظام التخطيط يتم إلغاؤه، وإعادة توزيع الدخل وما يعطى من دعم للسلع الضرورية يقال أنه يتعارض تعارضاً صريحاً مع اعتبارات الكفاءة ومضر بالتنمية. وقد زاد هذا الاتجاه تسارعاً بعد سقوط الكتلة الشرقية وانتهاء الحرب الباردة، فأصبح من الضروري أيضاً تسريح الجيوش أو على الأقل تخفيض الانفاق عليها. ولكن هذا التحول التام من سياسة إلى نقيضها يجب أن تقوم به الدولة نفسها. إن عليها أن تقوم بتفكيك نفسها، وعليها إقناع الناس بتفاهتها وقلة حاجتهم إليها، وعليها أن تسلم مهامها ووظائفها القديمة، الواحدة بعد الأخرى، لتتولاها الشركات الدولية العملاقة أو المؤسسات العالمية التي تتكلم باسم هذه الشركات العملاقة وتعمل لحسابها، ومن ثم تبدأ في الظهور صورة جديدة لا تخلو من سمات "المضحكات المبكيات".
دولة لها كل المظاهر الخارجية لدولة ذات سيادة، وتباشر صورياً كل المهام التي كانت تباشرها من قبل، ولكنها في الحقيقة تقوم بوظيفة تكاد تنحصر في وظيفة الإجلاء والتسليم، والزعم بأنها تحقق المصلحة العامة: مصلحة الأمة بما في ذلك مصلحة الفقراء أيضاً. فهي مثلاً تبيع المشروعات التي تأسست في عهد الدولة القوية، تبيعها للشركات الدولية العملاقة، وتسمي هذا خصخصة أو تخصيصية، أو اسماً من هذا النوع لا يفصح عن هوية المشتري، وهي تسحب الدعم المقدم للفقراء وتسميه تثبيتاً اقتصادياً. وهي تفتح الباب على مصراعيه أمام السلع المستوردة لتحل محل المنتجات الوطنية وتسمي ذلك تكيفاً هيكلياً.. وهكذا.
هذه المهمة تحتاج إلى دولة من نوع خاص. فهي دولة تفكك ولا تبني، وإنما تترك مهمة البناء لغيرها. وهي تسلم أهلها للأجنبي ليفعل بهم ما يشاء. وكل هذا يتطلب سمات قد يعبر عنها مفهوم "الدولة الرخوة" (the soft state)، وهو مفهوم استخدمه جونار ميردال (Gunnar Myrdal) في أواخر الستينات للإشارة إلى استعداد معظم حكومات الدول النامية للفساد، ولتجاهل حكم القانون، ولتغلب مصالح أفرادها الخاصة على المصلحة العامة، لكن هذه السمات أكثر تحققاً في دول العالم الثالث الآن مما كانت منذ ثلاثين عاماً.
وفيما يتصل باستعداد معظم حكومات الدول النامية للفساد، بما يرتبط بذلك بالضرورة من تجاهل حكم القانون أو رشوته وإفساده، وتغليب مصالح أفرادها الخاصة على المصلحة العامة- من المهم أن يلاحظ أن استشراء الفساد وتغلغله في دوائر الحكم والأعمال والمهنيين، وحتى في قطاع من المثقفين، يفسح المجال أمام "آليات العولمة" لكي تصول وتجول دون ضابط أو رابطة، فالفساد بكافة أنواعه وصنوفه وبتعدد مستوياته هو آلية من آليات "توغل العولمة"، إذ أنه يضعف "القرار المستقل" على المستويين الكلي والقطاعي، وعلى مستوى المنشأة. كما يؤدي إلى ضعف وتآكل "المناعة المجتمعية".
وهذه السمات -سمات "الدولة الرخوة"- تنطبق للأسف على كثير من الدول العربية، ولكن هناك مع ذلك دولة واحدة في هذه المنطقة تبدي السمات العكسية تماماً، وهي الدولة الصهيونية. فهذه الدولة تبدو وكأنها لا تنصاع لتيار العولمة الذي يطغى على بقية العالم.
فالدولة الصهيونية لا زالت تتدخل في كل صغيرة وكبيرة في الاقتصاد والمجتمع، وبينما تسرّح دول أخرى الجيوش أو تخفض انفاقها على السلاح، تتمسك هي بجيشها وتزيده قوة، وهي لا تتلقى التوجيهات من صندوق النقد الدولي أو البنك الدولي، أو لا تلقي لهذه التوجيهات اعتباراً، وهي وإن كانت تشجع القطاع الخاص وتدعمه، فإنها تخضعه باستمرار للإعتبارات التي تمليها مصالح الدولة العليا ولا تسمح له بتجاوزها.
والدولة الصهيونية تطرح تصورها الخاص للعولمة، وتحاول فرضه على الدول المحيطة بها، وهو تصور "الشرق أوسطية" فمشروع الشرق أوسطية الذي تروج له إسرائيل هو "عولمة مصغرة"، ولكن الأهم من ذلك أن كل ما يقال في الدفاع عنه من حجج، هو نفس ما يقال في الدفاع عن العولمة: اعتبارات الكفاءة ورفع معدلات النمو، مزايا التخصص وتقسيم العمل، انتهاء عصر الأيديولوجية، مزايا الانفتاح على الآخر والتفاعل معه، خطأ التمسك بالولاء التقليدي لأمة أو وطن، مزايا السلام وأضرار الحرب.. الخ.
تستخدم هذه الحجج للدفاع عن "الشرق أوسطية"، وهي نفس حجج الدفاع عن العولمة، في الوقت الذي تعمد فيه الدولة الصهيونية إلى السير في "عكس" هذا الاتجاه بالضبط: تتمسك بأيديولوجيتها، ترفض الانفتاح على الآخر، تضحي بالاعتبارات الاقتصادية إذا تعارضت مع الأهداف السياسية، وتتمسك بالولاء التقليدي للأمة والوطن، وتمارس الحرب باستمرار.

إبراهيم إسماعيل
25-10-2007, 03:52 PM
رابعاً - إعلان الحرب على القومية العربية:
ينفرد النظام العربي عن غيره من النظم الإقليمية الأخرى في العالم بخاصيته الأيديولوجية، أي القومية العربية، التي تتبلور في تيار فكري- من ناحية، وفي حركة سياسية -من ناحية أخرى. وهي خاصية معنوية ونفسية لها نتائج سياسية مهمة، تتمثل في أن أيديولوجية القومية العربية تجعل التفاعل بين أجزاء النظام العربي ليس بمثابة علاقات بين دول وحسب، ولكنها تعطيها قيمة رمزية خاصة. إنها ليست علاقات بين "دول ذات سيادة"، لأن سيادة الأقطار العربية -بحكم ظاهرة التجزئة- تعتبر مجرد سيادة مؤقتة- من ناحية، كما إنها ليست سيادة مطلقة، أو مانعة أمام حقيقة الصلات والروابط والتفاعلات بين أقطار الأمة العربية الواحدة وأبنائها- من ناحية أخرى.
كذلك فإن منطق الدعوة القومية التي يقوم عليها النظام العربي، أفرز قواعد للسلوك السياسي العربي، في مقدمتها الشرعية القومية للعمل السياسي، بما كان يرتبط بها من القيم السياسية العربية التي تتعلق بالصراع العربي -الإسرائيلي، والاستقلال القومي، وعدم الانحياز، والتنمية العربية المستقلة، والأمن العربي، والوحدة العربية.
أما من حيث التاريخ، فإن الأمر يستلزم استحضار الذاكرة التاريخية لنضال الأمة العربية، لتحديد أصول الصراع في المنطقة وطبيعته. وهنا لا بد من الإشارة إلى أن الولايات المتحدة قد عمدت، في ظل "نظام القطبية الثنائية"، إلى ممارسة دور نشط في المنطقة العربية، مستندة إلى النفوذ المتراكم للدول الاستعمارية الأوروبية. ودعت إلى مشروعات الدفاع عن "الشرق الأوسط والحلف المركزي. وقد كانت هذه الدعوة بمثابة محاولة من جانب الولايات المتحدة لرسم حدود المنطقة لمصلحة "نظام شرق أوسطي"، وليس نظاماً عربياً، خصوصاً بعد قيام "إسرائيل" في قلب المنطقة كدولة غير عربية. وهكذا بدأ النظام العربي منذ مراحل نشأته الأولى يعاني اختراقاً غربياً، تمثل في، إقامة دولة في المستعمرين الصهاينة، وفي محاولات استعمارية غربية متتالية للتحكم في تطوره والتأثير في مساراته، وهي محاولات لم تتوقف خلال جميع مراحل تطوره.
ومعنى ذلك أن السياسة الاستعمارية اعترفت صراحة بالإطار القومي العربي للنظام، وحاولت اجهاضه، وحين فشلت حاولت تحجيمه، ثم عمدت إلى استخدام مفاهيم "جيوبوليتيكية " متعددة منذ مراحل مبكرة في أعقاب الحرب العالمية الثانية، تجنبها التسليم بالمحتوى القومي العربي لهذا الإطار. لكن أيديولوجية القومية العربية تمكنت من أن تفلت من محاولات الدول الاستعمارية القضاء عليها أو ترويضها - من ناحية، ومن نزعات تدعيم السيادة القطرية- من ناحية ثانية، ومن سجل "الهزائم" الذي حفل به الصراع العربي- الإسرائيلي- من ناحية ثالثة، وبقيت قادرة على اكتساب احترام الحكومات العربية لها، بل لقد فرضت على القيادات الحاكمة حداً أدنى من الالتزام بها. ويلاحظ أنه في ظل أسوأ الظروف التي مر بها النظام العربي، وخصوصاً في مرحلة ازدياد الاتجاه إلى رفع شعار "الواقعية"، لم يتطاول عضو واحد من أعضاء النظام عليها، أو يجاهر بعدم التزامه بها.
كان الأمر كذلك، حتى جاء الزلزال العربي، وتواكب معه الزلزال السوفياتي. وجرت مياه كثيرة تحت الجسر، ودماء أيضاً. لقد قيل إن "أزمة الخليج" كانت في حقيقتها "أزمة كاشفة" للعديد من التناقضات والتوجهات العربية، وإنها بهذا المعنى دفعت إلى السطح بالعديد من الأمور، بحيث ضاقت المسافة بين ما هو علني وما هو خفي. وربما يبدو ذلك في ما يتصل بأيديولوجية القومية العربية- بكل ما تنطوي عليه- أكثر من غيرها. فلقد كانت الأزمة "كاشفة" لحقيقة التطور الذي كان يشق مجراه عميقاً في بنية العلاقات العربية- العربية، انعكاساً دقيقاً وصادقاً لحقيقة بنية العلاقات العربية- الغربية، وإن كان من الصحيح أيضاً أن الأزمة لعبت دور "المعجل" في هذا "الانقلاب" الخطير، حيث أصبح للتناقضات العربية -العربية- بشكل لا يحتمل الشك- الأولوية على التناقضات العربية- الغربية، ومن ضمنها التناقضات العربية- الإسرائيلية، نظراً إلى انعكاسات تلك الأزمة على عقيدة النظام العربي التي كانت تدعم قواعده، وتصلب قوائمه وتشد أزره.
فقد واجهت "القومية العربية" وبشكل غير مسبوق، حرباً سياسية وعقائدية ونفسية، كان من شأن أية قومية أخرى تتعرض لحرب مشابهة لها أن تعلن انسحابها من أرض المعركة، سواء بالمعنى المباشر- الذي لخصته عناوين من نوع " نهاية العروبة" أو بالمعنى غير المباشر والأكثر خطورة - المتمثل في "الحقائق اللاقومية" التي كانت تنمو وتتكاثر على امتداد الوطن العربي "من المحيط إلى الخليج"- وربما تلخصها، على المسار نفسه- رحلة "إسحاق رابين" من المغرب إلى عمان!
إن المفارقة الصارخة التي سرعان ما تقع عليها العين المدققة، هي أنه على الرغم من أننا لا نزال نعيش في عصر القوميات، وعلى الرغم من أن الصراع العالمي إنما هو، في حقيقته الأخيرة، صراع قوميات بكل معنى الكلمة، فإن العرب وحدهم، دون غيرهم من شعوب الأرض، ينكر عليهم حقهم في الانتماء إلى قوميتهم العربية، وفي ترسيخ جذور هذه القومية، حتى "الأقليات القومية" في هذا العالم المترامي الأطراف، تجد من يحتفي بها، ويهيئ لها من الأسباب ما يجعلها قادرة على الإعلان عن نفسها، أما العرب فإنهم وحدهم لا يجدون من يدافع عن حقهم في الانتماء إلى قوميتهم، وفي ترسيخ جذورها، بل يجدون التشكيك والتشويه والعرقلة والصدام، وحتى الحرب في أقصى درجاتها عنفاً وتدميراً.(16)
بل يمكن القول إن التاريخ العربي الحديث، وخصوصاً منذ صعود القومية العربية بقيادة جمال عبد الناصر، يطبعه أساساً صدام عنيف بين نظامين متنافسين: الأول- هو "نظام الشرق الأوسط"، وقد حملت لواءه الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا، وكانت الدولة الأولى هي "المهندس الفعلي للنظام"، وبموجبه كان على الدول العربية أن تتحالف مع كل من إيران وتركيا وباكستان وإسرائيل، كما هو مع الدول الغربية، أما الثاني- فهو النظام العربي، وهو يتحدد، لا بكونه مجرد "وحدة جغرافية"، وإنما هو فوق ذلك يمثل "وحدة بشرية" وأمة واحدة لها مصالح مشتركة وأولويات أمنية متمايزة عن تلك التي للغرب.إن الصراع بين هذين النظامين هو تعبير عن "الصراع الأساسي" في المنطقة العربية، وهو الصراع العربي - الغربي (الأمريكي بالأساس). ولا شك أن "أساس" الصراع العربي- الأمريكي هو المنطق القومي للأمة العربية. فلم تكن مشكلة السياسة الأمريكية في الوطن العربي، في أي يوم، مع هذا الحاكم أو ذاك، وإنما كانت دائماً مع "القومية العربية"، التي بادر الساسة الأمريكيون منذ البداية، إلى اعتبارها راديكالية وتعادي مصالحهم في المنطقة. والقومية العربية بالنسبة إلى الساسة الأمريكيين ليست فقط مذهباً يؤمن به حاكم عربي أو آخر، وإلا -لو كان الأمر كذلك- لانقسمت السياسة الأمريكية إلى سياستين: سياسة أمريكية صديقة، وسياسة أمريكية معادية. ولكن السياسة الأمريكية تعتبر القومية العربية أعمق وأشد خطراً من كونها مجرد مذهب أو أيديولوجيا يؤمن بها بعض الحكام العرب، ويحاربها البعض الآخر. لقد أثبتت الولايات المتحدة أنها أبعد نظراً، واكثر فهماً لأمور العرب، من بعض العرب أنفسهم، فالقومية العربية بالنسبة إليها عقيدة وأسلوب عمل وهياكل ومؤسسات ووجدان أمة، وهي ماض وحاضر ومستقبل.
ولذلك فإن ما يجري الآن هو فصل جديد- تسعى الولايات المتحدة، حتى قبل إسرائيل - لحسم هذا الصدام التاريخي لصالح "نظام الشرق الأوسط".
وليس أدل على عنف الصدام من انعكاسه على حركة القومية العربية ورموزها ورجالها. أن النظر إلى الأدبيات السياسية العربية الحديثة، توضح أن دوائر حركة القومية العربية تناقش وضعها الراهن مستخدمة مصطلحات من نحو: "انعدام الوزن"، و"التهميش"، و"المأزق"، و"الأزمة". وبالطبع فإن "المعسكر المعادي "يصف تلك الحركة بأوصاف من نحو: "الأحلام"، و"الطوباوية"، و"المثالية"، و"عدم الواقعية"، والمهم أنه نجح في وضع انصارها في موقف دفاعي محض.

إبراهيم إسماعيل
25-10-2007, 03:53 PM
ولا شك في أن التزام الموقف الدفاعي -الذي قد يكون مطلوباً في بعض الفترات- لا يعني أنه ليست هناك مشكلة في ما يتصل بأيديولوجية القومية العربية، في ضوء حقائق الأمر الواقع اللاقومية. وعلى الرغم من أنه لا يسهل رد عوامل تلك المشكلة إلى "أزمة الخليج، إلا أنها تفاقمت بسببها. وفي هذا السياق من الممكن رد المشكلة التي تواجه القومية العربية إلى العوامل الستة التالية:1-انحسار مصداقية النظم التي مثلت قلاع القومية العربية. فقد أدت حرب 1967 إلى هزيمة نظامي الوحدة العربية في مصر وسوريا. وجرى تفجير النظام الجزائري من الداخل، بفعل الفساد والديون والحرب الأهلية. وفي حرب الخليج ذاتها هزم نظام وحدوي آخر، هو النظام العراقي، حيث هدم قراره بمحو الكويت من على الخريطة -كخطوة أولى نحو الوحدة العربية -الأسس الرئيسية التي اعتمد عليها النظام العربي.
2-عدم فعالية الآليات العربية في حل الصراعات العربية- العربية أو تسويتها. وحين ثبت أن بعض هذه الصراعات ليس "خلافات بين اشقاء"، وإنما له طابع عدائي، بل وقادر على خلق جروح نفسية عميقة، واجهت الفرضيات المحورية لإيديولوجية القومية العربية تحدياً خطيراً!
3-التباين الحاد بين مصلحة الدولة ومقتضيات الوحدة العربية. وعلى سبيل المثال، وبدون أن يعني ذلك أي تقييم، فإن سوريا- قلب العروبة النابض- وقفت إلى جانب دولة غير عربية، في حرب الخليج الأولى ضد "العراق" الذي ادعى الدفاع عن "البوابة الشرقية للوطن العربي". وبعد عامين من انتهاء تلك الحرب، وقفت سوريا في خندق واحد مع الولايات المتحدة ضد الدولة نفسها التي يحكمها جناح منافس لحزب البعث نفسه، بينما تستهدف الأيديولوجية الوحدوية، قبل أي شيء آخر مناهضة الإمبريالية.
4-تفاقم التوتر العربي القائم، ليس فقط على مستوى الدولة، وإنما أيضاً على مستوى المجتمع. فمن الواضح أن خبرة العمالة العربية المهاجرة لم تدعم الشعور بهوية عربية واحدة، بل يبدو في الواقع أنها أسهمت في تدعيم الانتماء السياسي القطري. وقد كرست "أزمة الخليج" هذا التوجه نتيجة "تسييس "قضية الهجرة. وكان أكثر تلك الحالات حدة هو وضع العمالة الفلسطينية في الكويت، ثم وضع العمالة اليمنية في السعودية.
5-التغيرات التي أثرت في المسألة الفلسطينية باعتبارها القضية المحورية في النظام العربي، بل إن تاريخ القضية الفلسطينية قد ارتبط ارتباطاً وثيقاً بصعود أيديولوجية القومية العربية بصفة خاصة. إن تلك الأيديولوجية تقوم على أن الصراع مع إسرائيل هو "صراع وجود" وليس "صراع حدود" وبالتالي استحالة التوافق بين الصهيونية والقومية العربية، فما هو مصير ذلك المنطق بعد أن دخل "الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني "في مفاوضات منفصلة وسرية مع إسرائيل -بعد أن كان قد اعترف بحقها في الوجود علناً- وتوصل إلى اتفاقات سلام وتعاون اقتصادي مع "الكيان الصهيوني"؟ ولعل من دلائل تغير البيئة العربية أن استقبلت اتفاقيات المنظمة مع إسرائيل برد فعل مختلف تماماً عما واجهه السادات عندما ذهب إلى إسرائيل، على الرغم من خطورة الفارق بين الحالتين.
فمن الصحيح أن مصر سبقت إلى عقد اتفاق منفرد مع إسرائيل، لكن هذا الاتفاق لم ينه الصراع العربي- الإسرائيلي، وإن كان قد غير موازينه، أما الاتفاق الفلسطيني -الإسرائيلي فإنه أكثر من تغيير في حركة الموازين. وربما أننا بالفعل أمام نقطة تحول لا تظهر الآن كامل آثارها، وإن كان الأرجح أن هذا التحول يحمل في أعقابه نذر خطر شديد. ومن الصحيح، أيضاً، أن الاتفاق لم يجلب وحده هذا الخطر الشديد، ولكن مجيئه في سياق كل ما تقدم ومهد له، يكرس حالة من التفكك والتآكل لم يسبق لها مثيل في تاريخ الأمة.
6-الصعود والنفوذ المتزايد للأيديولوجيا والحركات الإسلامية، فقد ربح الإسلاميون من دعوتهم بأنهم يمثلون التراث والأصالة على نحو بسيط وبلغة مألوفة يلخصها مبدأ "الإسلام هو الحل". وهكذا نجحوا في كسب تأييد الأجيال الجديدة التي طحنتها تكلفة برامج "الإصلاح الاقتصادي" التي يمليها الغرب ومؤسساته الدولية، ولم تعد تؤمن برؤية القومية العربية بشأن الصراع ضد الاستعمار الجديد. وقدم الزلزال السوفياتي مساعدة إضافية مهمة، سواء من حيث المبدأ -سقوط الأيديولوجيا الشيوعية- أو من حيث "انكشاف" ظهر القوى العربية. وهنا لا بد من التنبيه إلى أن "الصعود الإسلامي" لا يمثل مشكلة بالنسبة إلى القومية العربية، وإنما المقصود هنا هو تغير الوزن النسبي لكل من التيارين، انطلاقاً من التأكيد على العلاقة الوثيقة بين العروبة والإسلام.
ولقد ترتب على كل ما سبق أن الوطن العربي فقد الإحساس بهويته، بل وتملكته نزعات القبائل المتحاربة. فقد ضاع منه جامعه المشترك، وهدفه المشترك، ومواقفه المشتركة. ولقد أدى إلى تفاقم الأمر، أن الوطن العربي أوقع نفسه في شراك نصبها له الآخرون بوعي، ونصبها لنفسه بغير وعي، ووقع بسبب ذلك أسيراً لتناقضات لا يظهر لها حل، بل ووصل التناقض إلى حد أن الأمة أصبحت مولعة بالبحث عما يفرقها، أكثر من بحثها عما يجمعها. وأحياناً يصبح هذا البحث لعبة عبثية مكلفة وباهظة في أعبائها النفسية والسياسية والمادية أيضاً. فهناك "معارك" لا لزوم لها بين الدين والعلم، وبين العروبة والإسلام، وبين الوطنية والقومية، وبين الأصالة والمعاصرة، وبين العلمانية والأصولية، وبين القطاع العام والقطاع الخاص، وبين القبائل والمدن. كما تحولت السياسة إلى عداوات بين المراحل التاريخية وقياداتها المختلفة، بفعل معركة أخرى لا لزوم لها بين الحاضر والماضي، الأمر الذي يسلب الأمة تراكم تجاربها، ويحصرها في تراكم أخطائها.
وليس من شك في أن الفكرة القومية العربية تعثرت في لحظات معينة بسبب مقاومة امبراطوريات قديمة وجديدة، وبسبب صدام في الرؤى الاجتماعية بين فقراء العرب وأغنيائهم، ثم إنها تلقت صدمات عنيفة كان آخرها حرب الخليج، وفي أعقابها وعواقبها، انكفأت الفكرة الجامعة على وجهها، وانحل الرباط. إذاً، فالفكرة الجامعة التي أحاطت بحركة الأمة وحددت اتجاه خطاها، لم تعد الآن في مكانها.

إبراهيم إسماعيل
25-10-2007, 03:55 PM
خاتمة
تمثلت التسوية التاريخية التي فرضها "الغرب" على المنطقة العربية، كما تقدم، في القطرية- أي تجزئة الأمة العربية لضمان استمرار تخلفها وتبعيتها- من ناحية، والصهيونية- أي زرع الدولة العبرية في قلب الوطن العربي لضمان تحقيق نفس أهداف التخلف والتبعية والتجزئة، وبأداة "غربية" أصلية - من ناحية أخرى.
ومنذ نهاية الحرب العالمية الأولى حتى الآن - مع استثناء مرحلة الخمسينات والستينات- تمثل الاتجاه الأساسي لحركة هاتين الركيزتين في "تعظيم" مشكلات الدولة القطرية" وتركيزها داخل حدودها الاصطناعية، مع تعميق تخلفها وتبعيتها- من ناحية، وتقليص المخاطر والتحديات التي تواجه الدولة الصهيونية، حتى لقد أصبحت دولة إقليمية عظمى تسعى إلى تحقيق الهيمنة على المنطقة- من ناحية أخرى.
وتجئ المتغيرات العالمية الراهنة، لكي تدعم من هذين التوجهين، لارتباطهما العضوي بتصفية "الصراع العربي -الغربي، ومن ضمنه "الصراع العربي - الإسرائيلي"، وقد اتضح من التحليل المتقدم، أن المنظومة الرأسمالية العالمية تعمد إلى اتباع استراتيجيات محددة لانجاز مشروع "النظام العالمي الجديد". وفي هذا السياق، يمكن القول أن "عولمة" الاقتصاد والثقافة والاتصال، وقبل كل شيء عولمة نمط معين من الحياة، تدفع باتجاهين متناقضين، وإن كانا متكاملين:
الاتجاه الأول، هو توحيد الطبقات العليا (الرأسمالية الاحتكارية) في معظم بلدان العالم تحت قيادة واحدة، وانتهاء وظيفة "الدولة القومية "الغربية لصالح "فاعل" عالمي "فوق القومية" - حكومة للشركات متعدية الجنسية، أو كتلة اقليمية تسير نحو الاندماج، أو كتل اقليمية ضخمة تحت قيادة مؤسسة جديدة هي "مؤتمرات القمة" التي تعقدها الدول السبع الأكثر تصنيعاً في العالم. ويعمل هذا الفاعل العالمي "الجديد"، وبدرجة عالية من النجاح، على التحالف مع الشرائح المالية الغنية ومجموعات النخبة الحاكمة في بلدان العالم الثالث، خاصة العربية منها، وجعلها أداة وسيطة بينه وبين شعوبها.
والاتجاه الثاني، هو تفتت وتحلل الوحدات الاجتماعية، والدول الأكثر هشاشة، أو "الدول الرخوة"، خاصة في افريقيا وآسيا، والانكفاء، بل النكوص إلى ما تحت القومية والوطنية باتجاه الطائفية والعرقية والقبلية والاقليمية.
ولا شك أن انعكاس هذا الواقع على المنطقة العربية يتحرك بفعالية في نفس "الاتجاهين" حيث يسهم في تنمية التخلف وتعميق التبعية للغرب، نتيجة للتوجه العربي الأساسي ناحية إعطاء الأولوية للعلاقات الرأسية مع الغرب، على حساب العلاقات الأفقية مع العرب - من ناحية، وفي استمرار التجزئة وترسيخ قواعدها وأصولها، وعرقلة كل وحدة عربية ممكنة، أو حتى أي احتمال لوحدة عربية -من ناحية أخرى. وأكثر من ذلك، يمكن أن نشهد مزيداً من التفتيت والتجزئة "داخل" الأقطار العربية نفسها. ومعنى ذلك أن "العولمة" تحمل خطر الاندماج والتبعية للغرب، بشكل أكثر بشاعة مما حدث في القرنين الماضيين، فضلاً عن خطر "الانفراط في الداخل". ولدينا نموذج لبنان من قبل، والنار ما تزال تحت الرماد، وهناك محاولة في الصومال، وثانية في السودان، وثالثة في الجزائر، وحتى في مصر. والغاية هي ضرب الوحدة الوطنية وتجزئة حتى الأقطار العربية إلى كيانات طائفية وعشائرية ومذهبية، لكي تنتهي إلى الأبد فكرة الأمة العربية والواحدة، ولا تعود "ذات رسالة خالدة" في نفس الوقت.
فهل نكون على مستوى التحدي؟!


الهوامش :

1-صفوان قدسي، "محاولة في البحث عن معادل سياسي لحركة القومية العربية"، الفكر العربي، السنة 2، العددان 11-12 (أغسطس/ آب- سبتمبر/ أيلول 1979)، ص122-132.
2-انظر في تفصيل ذلك:
د. عبد العزيز الدوري، التكوين التاريخي للأمة العربية: دراسة في الهوية والوعي (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية 1984)؛ د. عبد العزيز الدوري، الجذور التاريخية للقومية العربية، سلسلة الدراسات القومية. 2-(بيروت: دار العلم للملايين، 1960)؛ منير شفيق، في الوحدة العربية والتجزئة (بيروت: دار الطليعة، 1979).
3-د. حسنين توفيق إبراهيم، الفكر العربي وإشكالية النظام العالمي الجديد- دراسة تحليلية نقدية"، شؤون عربية (مارس /آذار 1992)، ص49-69.
4-المصدر السابق، ص54-55، وأيضاً:
د. ابراهيم حلمي عبد الرحمن، التطورات الدولية الجارية فرص ومحاذير (القاهرة: كتاب الأهرام الاقتصادي- مؤسسة الأهرام، مارس/ آذار 1991)؛
د. تحسين بشير، "مستقبل النظام العالمي الجديد"، بحث قدم إلى ندوة: "أزمة الخليج ومستقبل الشرق الأوسط: رؤى عربية وأمريكية، التي نظمها، "مركز ابن خلدون للدراسات الإنمائية ودار الحرية للإعلام والنشر- القاهرة، 26-28/4/1991
وحول "الثورة الصناعية الثالثة" انظر:
د. عبد المنعم سعيد، العرب ومستقبل النظام العالمي (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1987)، ص16-27.
5-د. محمد السيد سليم، "العرب فيما بعد العصر السوفييتي: المخاطر والفرص"، بحث قدم إلى ندوة" انهيار الاتحاد السوفييتي وتأثيراته على الوطن العربي"، التي نظمها: "مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام- القاهرة، 22-23/2/1992، ص21-36.
6-انظر بهذا الخصوص:
عميد أركان حرب مراد إبراهيم الدسوقي، "نتائج فك الإرتباط السوفييتي- العربي: رؤية عسكرية، بحث قدم إلى ندوة: "انهيار الاتحاد السوفييتي وتأثيراته على الوطن العربي، المصدر السابق.
7-حلف بلا أعداء لكنه يبحث عنهم.. أوربا الشرقية تسعى إلى الانضمام للناتو"، صحيفة صوت الكويت، في 5/3/1992.
8-د. فؤاد زكريا، الحياة بدون... عدو، صحيفة الحياة، في7/3/1992.
9-أمين هويدي، الولايات المتحدة تبحث عن عدو "صحيفة الأهالي، في 11/3/1992
10-عاطف الغمري، هل تعيش إسرائيل بغير عدو؟ صحيفة الأهرام، في 18/3/1993.
11-د. محمد السيد سليم، مصدر سابق، ص18-21.
12-انظر في تفصيل ذلك:
د. أنطوان زحلان، "العولمة والتطور التقاني" دراسة قدمت إلى الندوة التي نظمها "مركز دراسات الوحدة العربية، بعنوان: "العرب والعولمة"، في 18-20/12/1997، بيروت -لبنان.
13-انظر في تفصيل ذلك:
د. محمد الأطرش، العرب والعولمة.. ما العمل؟"، دراسة قدمت إلى ندوة "العرب والعولمة"، المصدر السابق.
14-انظر في نفس التوجه:
جوزيف سماحة، سلام عابر- نحو حل عربي لـ "المسألة اليهودية" (بيروت: دار النهار، 1993).
15-اعتمد هذا الجزء من الدراسة على المصدر التالي:
د. جلال أمين، العولمة والدولة، دراسة قدمت إلى ندوة العرب والعولمة، مصدر سابق.
16-يعتبر جوزيف سماحة أن "إنبعاث الأمم" واحتلال المطلب القومي الصدارة هو جوهر التحولات الجارية في أوروبا الشرقية. ويضيف إلى ذلك أن أي محاولة عربية "لتقليد" ذلك كانت ستقود إلى مواجهة حتمية مع إسرائيل والولايات المتحدة: انظر: جوزيف سماحة، مصدر سابق، ص73-87.


المصدر : مجلة الفكر السيسي العدد الثالث صيف 1998