مشاهدة النسخة كاملة : * التـوبه *.. شرح الاحاديث
فرح موني
27-10-2007, 04:37 AM
السلام عليكــم ورحمـة الله وبركاتــة ،،
هذا بحث كامل رزقنى إياه الله سبحانه الوهاب .. لأخت فاضله داعيه إلى الله تعالى خريجة كلية أصول الدين .. أستاذتى إستئذنتها وسمحت لى بأن انزله على
الإنترنت راجية من المولى تعالى الثواب الجزيل بقدر عدد من يستفيد منه وبقدر بُعـد المسافات.. ويجازيها خيرا على جهدها وبحثها وعلمها ..
و أسأل الله تعالى ان يجعـله جهد خااالص في سبيله تعالى ..
أحببت ان أقول على المصدر حتى لا تضيع الحقوق وفضلت ان أنزله برمضان حتى يتضاعف الأجر من الله خير الرازقين :)
كذلك حتى تتوب قلوبنا إلى الله تعالى فنستحق بحق رحمته ومغفرته .. وان نكون من عتقائه من النيران ..
مـراجـع شرح رياض الصالحين
1- دليل الفالحين 2- نزهة المتقين -3 شرح ابن عتيمين 4- كتب الحديث مثل الاربعين النوويه-5-جامع العلوم والحكم -6-كتب الرقائق كالإحياء ومفتاح دار السعاده ومدارج السالكين
بـاب الـتـوبـه ..
قال الامام النووي
قال العلماء التوبه واجبه من كل ذنب
التوبه .. لغة: هي الرجوع .من تاب يتوب اذا رجع
ويقال :تاب وآب بمعنى رجع ,فالتائب هو الراجع من شييء, والتوبه شرعا هي الرجوع الى الله
الرجوع من معصيه الله تعالى الى طاعته , الرجوع من الاوصاف المذمومه إلى الأوصاف المحموده .. الرجوع عما يكرهه الله تعالى الى ما يرضاه
وقيل في الفرق بين تاب , اناب , آب ؟
إن من رجع عن المخالفات خوفاً من الله فهو تائب ,
من رجع عن المخالفات حياءً من الله فهو مُنيب
من رجع عن المخالفات تعظيما وإجلالاً لله فهو أواب
فالاول ترك المعصيه خوفاً من عقاب الله فهذا هو التائب والثاني ترك المعصيه حياء من الله لكونه المُنعم عليه على ما هو فيه من ترك الذنب والثالث ترك المعصيه تعظيما واجلالا لقدر الله ومقامه فهو سبحانه أهل لأن يُطاع وان لم يكن لديه نار يُعذب بها العُصاه أو جنّه يجازي بها الطائعين .
* وأحسن ما جاء في التوبه : هي الرجوع من البُعـد عن الله الى القرب الى الله
وقوله التوبه واجبه من كل ذنب
قال ابن عثيمين : أعظمها وأوجبها : التوبه من الكُـفـر إلى الإيمان
قال تعالى : "قل للذين كفروا أن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف "
ثم يليها التوبه من كبائر الذنوب ثم المرتبه الثالثه : التوبه من صغائر الذنوب
والواجب على المرء ان يتوب الى الله من كل ذنب أجمع العلماء على ذلك ولا فرق بين الصغائر والكبائر الظاهره والباطنه
فالانسان يعمل الذنب ولا يعلمه لجهله ولهذا فانه لا يتوب منه لكونه لا يعلم انه ذنب مثل ان يُقصر الانسان في حق والديه أو اولاده وهو لا يرى ان هذا التقصير
ذنب وقد يقبل الرشوه مُعتقدا انها هديه تحل له فلا تحدثه نفسه يوما بالتوبه لكون يجهل كونها رشوه يأثم عليها وهكذا لا يتوب من ذنوب كثيره لجهله بها .
- وهناك ذنوب لا يجسها من نفسه لأنها ذنوب باطنه من اعمال القلوب المذمومه فهو لغفلته عن محاسبة نفسه ولجهله بفقه القـلب فإنه قد يتكبر على من هو أقل منه أو يحسد من هو متله أو يحقد على من هو اعلى منه ولا يدري من نفسه بل يُحسن الظن بنفسه ولا يتهمها فيما أذنبت , وقد يُرائي بعمله ويعمل للناس ويظن انه مخلص فهذه ذنوب يقع فيها ولا يعلمها فلا تحدثه نفسه بالتوبه منها لكونه لا يعلمها.
- وهناك ذنوب اتاها وعرفها لكنه لم يتوب منها اهمالا ونسيانا مثل وقوعه في الغيبه أو نقل الكلام أو الكذب مازحاً أو الكلام فيما لا يعنيه , فإنه يعلم كونها ذنوب ينبغى ان يتوب منها لكنها كونها تتكرر منه كثيرا فانه قد يغفل عن التوبه منها جميعا فان تاب من بعضها قد ينسى بعضها
مثل ان يجلس مجلسا يغتاب فيه اكثر من انسان وقد يمزح كاذباً وقد يقول لفظاً فاحشاً ثم انه قد يتوب من الغيبه لظهور قبحها لكنه لا يلتفت لمزاحه ولا يتذكر
التوبه منه رغم علمه بكونه ذنب لا يحل له الكذب ولو مازحا إلا انه يهمل التوبه منه لهوانه في نفسه وكثرة فعله .
* وقد ينوى التوبه من كل المخالفات التى وقع فيها في هذا المجلس وذلك بعد انتهاء المجلس فيؤخر التوبه عن وقتها حتى ينساها تماماً أو انه قد يؤخرها أياما
فيكون مُلزما بأكثر من توبه وهو لا يدرى
فيلزمه التوبه من الذنب ويُلزمه التوبه من تأخير التوبه
كما قال كثير من العلماء منهم ابن القيم حيث قال [ المبادره الى التوبه من الذنب فرض على الفور ولا يجوز تأخيرها فمتى اخرها عصى الله بالتاخير فاذا تاب من الذنب بقى عليه توبه أخرى وهي توبته من تأخير التوبه . وقل ان تخطر هذه ببال التائب بل انه يرى انه اذا تاب من الذنب لم يبق عليه شيء آخر وقد بقى عليه التوبه من تأخير التوبه ]
ثم يقول رحمه الله [ ولا يُنجى من هذا الا توبه عامه مما يعلم من ذنوبه ومما لا يعلمه فان مما لا يعلمه العبد من ذنوبه اكثر مما يعلمه ولا ينفعه في عدم المؤاخذه بها جهله إذا كان متمكنا من العلم .فانه عاصي بترك العلم والعمل ].
وبهذا يتضح ان هناك ذنوب كثيره يعملها العبد ولا يعلم بها ولأن التوبه واجبه من كل ذنب فانه يلزمه التوبه من كل ذنب علمه او جهله لهذا فهو محتاج لتوبه عامه يشمل بها الذنوب التى يعلمها والتى لا يعلمها .
فهاتان علتان : العله الاولى : ان هناك ذنوب خفيه لا يعلمها العبد من نفسه قد يقع فيها ولا يدرى أو قد يعرفها وينساها
والعله الثانيه : ان التوبه الواجبه من كل ذنب وليست مقصوره على الذنوب الظاهره للانسان المعلومه لديه , حتى لا يعاقب على ما لا يعلمه , وانما هو يؤاخذ بكل ذنب علمه أو لم يعلمه , تذكره او نسيه
فما الدواء لهذه العلل : من خفاء بعض الذنوب /
او نسيان بعضها /
ووجوب التوبه منها جميعا
أولا التوبه العامه ..
في صحيح ابن حبان .. ان النبي صلى الله عليه وسلم قال: الشرك في هذه الامه أخفى من دبيب النمل فقال ابو بكر رضي الله عنه : فكيف الخلاص منه يا رسول الله ؟
قال صلى الله عليه وسلم : ان تقول اللهم إنى اعوذ بك ان أُشرك بك شيئ وانا أعلم وأستغفرك لما لا اعلم
فهذا طلب الإستغفار مما يعلمه الله انه ذنب ولا يعلمه العبد
وفي الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم إنه كان يدعو في صلاته اللهم اغفر لي خطيئتى وجهلي واسرافي في امري وما أنت اعلم به منى . اللهم اغفر لي جدي وهزلي وخطاي وعمدي وكل ذلك عندي . اللهم اغفر لي جدي وهزلي وخطأي وعمدي وكل ذلك عندي .
اللهم اغفر لي ما قدمت وما اخرت وما أسررت وما اعلنت وما انت اعلم به منى
انت الهى لا اله الا انت
وفي الحديث الآخر.. اللهم اغفر لي ذنبي كله دقه وجله , خطأه وعمده ,سره وعلانيته , أوله وآخره.
بهذا التعميم وهذا الشمول تحصل التوبه لكل الذنوب التى عملها العبد من ذنوبه وما لم يعلمها
فينبغى الا يخلو يوماً في حياتك من توبه عامه شامله من خلال واحد من هذه الادعيه المأثوره يكون معناه حاضرا في القلب حين تدعو به قاصدا به ان يتوب الله عليك منكل ذنب فعلته
ثانيا .. من الدواء ايضا عدم تأخير التوبه بل كلما صدر منك الذنب تبت الى الله في حينك اذا شتمت انسان استغفر الله , اذا اغتبت انسان استغفر الله اذا تكلمت فيما لا يعنيك استغفر الله .. فإنك ان فعلت فان لسانك يتعود على الاستغفار كما تعود على الذنب .
ثالثا .. العلم بما لايجوزمن الاعمال والاقوال الظاهره وذلك بالتفقه بالدين حتى اذا وقعت منك المخالفات ادركت وجوب التوبه منها فتتوب .
رابعا .. العلم بفقه القلوب حتى تعلم حقيقة الصفات المذمومه للقلب ومعناها وعلاماتها فيمكنك التعرف على نفسك اذا تلبس بك شيء منها
فتعلم حقيقة الكبر وعلاماته وحقيقة الرياء واماراته وحقيقة سوء الظن بالغير ودلالاته وغيرها من الذنوب الباطنه التى تتعلق بالباطن دون الظاهر
فكل ذنب في الباطن له دلالات في الظاهر إذا علمها الانسان استطاع ان يدرك وجودها من عدمه .
فهناك الكثير من الناس لا يعلمون كثير من هذه الصفات فلا يعلمون ما هو الكبر ومامعناه وما هو العجب وما هو الحقد وما هو الامن من مكر الله وما هو الغرور او انهم يعلمون معناها ولا يعلمون اماراتها .
لذلك قد يقع الواحد بجهله في شيئ منها وهو لا يدري وقد لا يفرق بين الصفات المحموده في القلب والصفات المذمومه كأن لا يفهم الفرق بين التواضع والمهانه ؟
الفرق بين عِزّة النفس والكبر ؟ والفرق بين التنافس المشروع والحسد المذموم .. الى آخره
ولا سبيل للخروج من هذا الجهل إلا بالفقه بأحوال القلوب بحُسن الفهم وليس مجرد العلم .
خامساً.. كثرة المحاسبه واتهام النفس يما يبدو منها من اوصاف ظاهره حتى يتبين له الخلل في اعماله ان وجد
مثال .. اذا صدرت منك كلمه لها محمل في الخير ومحمل في الشر فلا تُحسن الظن بنفسك اذا حاسبتها وانما اتهمها فيما قالت حتى اذا غلب الظن عندك ان الغرض من الكلمه كان فاسدا .. دفعك هذا للتوبه .
اما اذا احسنت الظن بها في كل الاحوال فلن يتبن لك العيب وقد تقع في الذنب ولا تدري به .
وبهذا يتبين لنا معنى كلمة كون التوبه واجبه من كل ذنب
وكيف يتحقق الانسان بهذا الحكم ويتوب من كل ذنب ..
فرح موني
27-10-2007, 04:40 AM
يقول الامام النووى
فان كانت المعصيه بين العبد وبين الله تعالى لا تعلق بحق آدمى فلها ثلاث شروط اولها ان يقلع عن المعصيه ..
لآن التوبه تستحيل مع مباشرة الذنب فكان الاقلاع شرط من شروط التوبه وقديما قالوا المقيم على الذنب وهو يستغفر كالمستهزئ بربّه
والاقلاع عن الذنب يكون كالآتى :
أ- إن كان الذنب ترك واجب فالإقلاع عنه بفعله .. مثل ان يكون شخص لا يُزكي فأراد ان يتوب الى الله فلابد ان يُخرج الزكاه التى مضت ولم يُؤدها .
وان كان مُقصرا في بـرّ الوالدين فلابد ان يقوم ببرهما
ب- وان كان الذنب فعل مُحرم فالاقلاع عنه بتركه وان يقلع عنه فورا ولا يبقى فيه لحظه .. مثل آكل الربا فتوبته ان يتخلص من اموال الربا ويبعد عن هذه المعامله.
* واشترط بعض العلماء الاخلاص في الاقلاع بأن يترك الذنب لله منهم ابن حجر أورد شرط الاخلاص في الإقلاع وقال ترك الذنب لله .. فلو تركه خوفا أو رياء او غير ذلك من الاغراض لم يُعتد بتركه .
وإلى ذلك ذهب ابن عُثيمين رحمه الله .. فقال
الاخلاص بأن يكون قصد الانسان بتوبته وجه الله عزّ وجلّ بأن يتوب الله عليه ويتجاوز عما فعل من معصيه . لا يُقصد بذلك مراءاة الناس والتقرب إليهم ولا يقصد بذلك دفع الأذيه من السُلطان وولي الامر وإنما يقصد بذلك وجه الله والدار الآخره وأن يعفو الله عن ذنوبه .
والعله في كون بعض العلماء اشترط الاخلاص في الترك والبعض لم يشترطه هو كما يتضح لنا – والعلم عند الله تعالى ..
ان الذي اشترط الاخلاص في الاقلاع عن الذنب / جعل التوبه مردوده غير مقبوله لأن التارك للذنب لم يقصد به بتركه وجه الله
وبالتالي يكون إثم الذنب الذي تركه غير مرفوع عنه رغم انه تركه ولكن لأنه لم يتركه لله فانه ما زال تلزمه التوبه منه ولا يرفع عنه الاثم إلا اذا قصد بتركه وجه الله
والذي لم يشترط الاخلاص في الاقلاع فذلك لكي يُفهم ان التارك للذنب وان كان تركه لغير الله تعالى فقد لحقه وصف التوبه لكونه انقطع عن الذنب
فانقطع عنه اثم الذنب في المستقبل بحيث لا يستوى مع من هو قائم على الذنب لم يقلع عنه , اما كونه تركه لغير الله فهذا لا يسقط عنه اثم الذنب فيما مضى وما زال يلزمه التوبه مما مضى لكونه لم يقصد في تركه وجه الله .
مثال يوضح ذلك : فتاه تركت التبرج للحصول على زوج او لخوف من الوالدين فان عدم وجود الاخلاص في تركها للذنب حيث لم يقصد بترك التبرج وجه الله
وإنما كان القصد بترك التبرج وجه الله وإنما كان القـصد الحصول على منفعه او الهروب من المذمه
فان هذه التوبه غير مقبوله ولا يعتبر تركها للتبرج توبة منه ورغم انها تركت التبرج الا انه ما يزال يلزمها توبه من ايام التبرج لأنها لم تتركه لله ..
ولكن كونها اقلعـت عن الذنب يقطع عنها استمرار الاثم على التبرج فهى بهذا الاقلاع يشملها معنى التوبه لكونها تركت الذنب
فالتوبه هنا تقع على المستقبل لأنها اقلعت عن الذنب , ولكن التوبه لا تقع على الماضي لفـقـد الإخلاص في الترك
وكون الترك ليس لله لم يمحو عنها أثر الذنب فيما مضى وأبقى عليها وجوب التوبه على ما مضى من ايام التبرج
وكذلك كون الترك ليس لله قطع عنها الاجر على هذا الترك ولكنه اسقط عنها الفريضه بمعنى انها لا تستوى مع من لا ترتدي الحجاب ولم تقلع عن التبرج .
مثال آخر .. انسان كان يشاهد التلفاز باستمرار ثم انه خشي على عينيه من الضرر فتك المشاهده فهذا لا يُعتبر تركه توبه لأنه لم يقصد بتركه المغفره من الله تعالى عل هذا الذنب
ولكنه لكونه تركه فهو بهذا انقطع عن اثم النظر فلا يأثم فيما يُستقبل لأنه قد ترك الذنب بحيث لا يستوى مع من هو ما زال ينظر ولكنه بقى عليه ان يتوب مما مضى بقصد طلب المغفره من الله .
قال ( الشرط التاني : الندم .. قال والثاني : يندم على فعلها )
الندم هو شعور الانسان بالحسره والندامه والانكسار من اجل انه وقع في الذنب ولا يرى انه في حل منه حتى يتوب الى الله .
وهذا الشعور يدل على انه صادق في التوبه
لذلك قالوا ( الندم توبه ) لكونه اهم ركن في التوبه مثل قولهم ( الحج عرفه )
يقول الامام الغزالي .. الندم هو توجع القلب عند شعوره بفوات المحبوب
وعلاماته.. طول الحسره والحزن وانسكاب الدمع والفكر فمن استشعر عقوبه نازله بولده طالت عليه مصيبته وبكاؤه واي عزيز عليه من نفسه وأي عقوبه أشد من النار
ومن علامات الندم : تمكن مراره الذنب في القلب بدلآ من حلاوته ويستبدل بالميل كراهيه وبالرغبة نفره كمن ينفر من عسل فيه سم
فكل ذنب ذوقه ذوق العسل وعمله عمل السُـــم
قال العلماء : والندم ينبغى ان يكون من حيث انها معصيه .. فلو ندم لا من هذه الحيثية بل من وجوه اخرى لم يعتد بندمه فقد اشترطوا ان يكون الندم لله فان كان لغير الله فلا يعتد بندمه
كمن ندم على قتل ابنه لأنه ابنه
الشرط الثالث : أن لا يعود اليها
اي الى مثلها .. فهو العزم على ان لا تعود في المستقبل الى هذا العمل فان كنت تنوى ان تعود اليه في المستقبل الىه عندما تسمح الفرصه فان التوبه لا تصح
مثل شاب كان يعتاد السفر لبلاد الغرب للمتعه الحرام فلما فقد المال تاب لكنه في نيته اذا تيسر له المال ان يعود .. فلا تصح توبته .. لأن هذه توبه عاجز فتاب لأنه غير قادر على فعل المعصيه .
زاد بعض العلماء شروط اخرى للتوبه غير هذه الشروط الثلاثه
مثل .. عدم صحبة من ارتكب معه المعصيه بعد التوبه .
ان تكون التوبه في زمن قبول التوبه فان تاب في زمن لا تُقـبل فيه التوبه لم تنفعه التوبه وهذا الزمن هو
1- ان تكون التوبه قبل حلول الاجل يعنى الموت لقوله تعالى " وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال اني تبت الآن "
فالانسان اذا عاين الموت وحضره الاجل فهذا يعنى انه يئس من الحياه فتكون توبته في غير محلها بعد ان يئس من الحياه وعرف انه لا بقاء له فيها .. فيذهب فيتوب فهذه توبة اضطرار فلا تنفعه ولا تُقبل منه .
2- اذا طلعت الشمس من مغربها لم تنفع احد توبه لقوله تعالى " يوم ياتى بعض آيات ربّك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل او كسبت في إيمانها خيرا " وهذا البعض هو طلوع الشمس من مغربها كما فسر ذلك النبي صلى الله عليه وسلم .
قوله ( وان كانت المعصيه تتعلق بآدمي فشرطها اربعه : هذه الثلاثه وان يبرأ من حق صاحبها فان كانت مالاً أو نحوه / ردّه اليه )
(رده اليه ) اي الى صاحبه بعينه إن كان موجوداً أو بدّله عند تلفه في قيمته أو مِثل
أي : إذا كان الذنب بينك وبين الخلق فإن كان مالاً فلابد ان تؤديه الى صاحبه ولا تقبل التوبه إلا بإدائه مثل ان تكون سرقت من شخص وتبت من هذا . فلابد أن توصل المسروق الى المسروق منه أو ترد ما في قيمته او مثله .
ومثل ان تكون جحدت حقا لشخص كون في ذمتك دَين لإنسان وانكرته عليه ثم تبت من ذلك فإنه يلزمك أن ترد حقه اليه وان كان قد مات تُعطيه ورثته
فإن لم تعرفه او غاب عنك هذا الرجل ولم تعرف له مكان فتصدق به عنه تخلصا منه والله عزّ وجلّ يعلمه ويُؤديه إليه .
يقول ( وان كان حــد قـذف ونحوه ) أي نحو القذف كالقتل والقطع قصاصا (مكنه ) أي صاحب الحق (منه) أي من الحد أي استيفائه منه ( او طلب عفوه ) اي باسقاط حقه .
قال الشيخ ابن عتيمين : اي اذا كانت المعصيه التى فعلتها مع البشر ضرباً وما أشبهه فاذهب اليه ومكنه من ان يضربك مثل ما ضربته وأن كان كان الضرب
على الظهر فعلى الظهر وان كان على الرأس فعلى الراس وهكذا فليقتص منك ( وجزاء سيئة سيئة مثلها )
وقال تعالى " فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم "
وفي دليل الفالحين جاء [ وظاهر كلامه –اي الامام النووي – توقف صحة التوبه على ما ذكر من الرد والتمكين اي ما امكنه ذلك والا نوى ذلك اذا قدر او طلب العفو
لكن الامام الشافعي وتبعه الـعـز بن عبد السلام الى صحة توبته وان يسلم نفسه لحق الله تعالى ويبقى عليه حق الآدمي واثم الامتناع.
والمعنى : انه اذا تاب الى الله وندم على انه اخذ مالا يحل له وعزم على الا يعود لكنه لم يرد الحق لصاحبه فان توبته صحيحه ويبقى عليه حق الآدمى واثم امتناعه عن رد الحق
قال في دليل الفالحين .. اي انه حيث ندم صحت توبته وان لم يرد المظلمه وهو ظاهر فيبرأ لحق الله تعالى ان وجد الاقلاع .
قال الامام النووى (وان كانت غيبه استحله منها )
اي يخبره بما قاله حتى يصح تحلله وبهذا ذهب الامام النووي في اشتراط الإخبار ليحدث التحلل .. اي انه اشترط في التحلل من الغيبه ان تخبر الشخص الذي اغتبته حتى يعفو عنك ولكن في دليل الفالحين :جاء (قال : لكن محل تعيين الاخبار : مالم يترتب عليه ضرر اعظم كأن يخشى قتله وذلك في شهادة الزور
اما في الغيبه فان محل الاخبار والاستحلال ان يبلغه الإغتياب والا كفى الاستغفار
ومعنى الكلام : انك لا ئشترط لكى تتحلل من الغيبه ان تُخبر المغتاب وانما يكفيك ان تستغفر له اما اذا بلغ المغتاب انك اغتبته فلا يكفى الاستغفار بل ينبغى ان تخبره ليعفو .
وفي هذا يقول الشيخ ابن عتيمين : اختلف العلماء في توبة من اغتاب انسان فمنهم من قال لابد ان تذهب اليه تقول له يا فلان انى تكلمت فيك عند الناس عند الناس فارجوك ان تصفح عنى وتحللنى
وقال بعض العلماء لا تذهب اليه بل فيه تفصيل وهو : ان كان قد عـَلِـم بهذه الغيبه فلابد ان تذهب اليه وتستحله .. وان لم يكن عـَلِـم فلا تذهب اليه واستغفر له وتحدث بمحاسنه في المجالس التى كنت تغتابه فيها فان الحسنات يُذهبن السيئات .
يقول ابن عتيمين رحمه الله .. وهذا اقول اصح وهو ان الغيبه اذا كان صاحبها لا يعلم انك اغتبته فانه يكفي تذكره بمحاسنه في المجالس التى اغتبته فيها وان تستغفر له فتقول اللهم اغفر له وجاء في الحديث (كفارة من اغتبته ان تستغفر له )
لأنه لابد في التوبه ان تصل الحقوق الى اهلها ) اي انه من حق الانسان الذي اغتبته فأسأت اليه بذلك ان تذكره بخير وترد هذه الاساءه التى وجهتها اليه وردها بان تحسن اليه بذكره بالجميل .
فأسأل الله ان نراجع توبتنا في كل شيء بين الحين والآخر ..حتى نحصل على التوبه الصادقه والقلب الطاهر
يـتـبع ..
سنديانة الوطن
29-10-2007, 06:25 AM
العزيزة على قلبي\ فرح موني
قبل كُلِ شيء يا ألف مرحبا بكِ هُنا :)
وهذا رد ل تسجيل مُتابعتي لما تطرحين
خالص الود
فرح موني
07-11-2007, 11:27 PM
اهلا باختى العزيزه اسمهان.. بارك الله فيك وموفقه دايما ان شاء الله
قوله ( ويجب ان يتوب من جميع الذنوب فان تاب من بعضها صحت توبته عند اهل الحق من ذلك الذنب وبقى عليه الباقي )
قال ابن عُتيمين في شرحه ..اختلف العلماء هل تقبل التوبه من ذنب مع الاصرار على غيره؟
ففي هذا العلماء على ثلاثة اقوال :
1- منهم من قال انها تصح التوبه من الذنب وان كان مُصراً على الذنب الآخر فتُبل توبته من هذا الذنب ويبقى عليه الاثم في الذنب الآخر
2- منهم من قال لا تقبل التوبه مع الاصرار على ذنب اخر
3- ومنهم من قال الأمر فيه تفصيل وهو : - ان كان الذنب الذ ي أصر عليه من جنس الذنب الذي تاب منه لا يـقبل
مثال :
رجل تاب من الربا لكنه يشرب الخمر فان توبته من الربا تُقبل وهو مُصر على معصية شرب الخمر لأنها ليست من جنس الذنب الاول وهو الربا .. اما اذا ابتُلي بالزنا ثم تاب من الزنا وهو مُصر على النظر للنساء بشهوه او العكس ؟
قالوا لا تصح التوبه .. وقال آخرين : تصح التوبه
يقول ابن عُتيمين : والصحيح في المسأله ان التوبه تصح من كل ذنب مع الاصرار على غيره لكن لا يعطى الانسان اسم التائب على سبيل الاطلاق ولا يستحق المدح الي يمدح به التائب لأنه لم يتب توبه عامه بل توبه ناقصه .
اي انه اذا تاب من هذا الذنب ... يرتفع عنه إثمه لكنه لا يستحق ان يوصف بالتوبه على سبيل الاطلاق ولا يحرم من التوبه التى تابها من هذا الذنب
.
ولنا ان نستخلص فائده من هذا الرأي الذي ذهب اليه ابن عتيمين رحمه الله وهو نفس الرأي الذي ذهب اليه الامام النووى ..
من حيث ان التوبه تصح من الذنب الذي تاب منه ويبقى عليه ان يتوب من جميع الذنوب الباقيه
فكون عدم التوبه من ذنب لايقدح في صحة التوبه من ذنب آخر فان هذا لا يمنعنا من القدح في توبة انسان لكونه ما زال مُتلبساً بذنب آخر لم يتركه
مثال .. كان تتوب امراه من التبرج وترتدي الحجاب ولكنها ما زالت تسمع الاغاني او انها ما زالت تكذب فلم تتوب من سماع المُحرم او من الكذب .. فلا ينبغى ان نُشكك في صدق التزامها او في حجابها لآن هذا اتهام لها في قبول التوبه من التبرج لكونها لم تتب من سماع الاغاني او من قطيعة رحم او ما يشبه ذلك
ولكن الواقع المشاهد بين الناس انهم لو راوا شاباً اطلق لحيته والتزم بصلاة الجماعه وغير مساره عائداً الى الله بالتوبه من البُعـد عن الالتزام بتعاليم الإسلام الى محاولة التمسك بها ولكنه ما زال يُطلق بصره بالنظر المُحرم الى النساء لجهل فيه او ضعف ايمان عن مُقاومة الشهوه او لأي عله ,
فانه لم يتوب من هذا الذنب فلا ينبغى ان يدلل بهذه المعصيه على كذبه وعلى عدم صدق توبته وعلى انه غير صادق في التزامه وذلك لما علمنا من اتفاق كثير من العلماء ان الانسان لو تاب من بعض الذنوب ولم يتب منها صحت توبته من الذنب الذي تاب منه وبقى عليه ان يتوب من الذنوب الاخرى .
فلا نتهم توبته من ذنب لكونه ما زال قائما على ذنب آخر مع علمنا انه ينبغى يتوب من الذنب الذي لم يتب منه
فقد يكون اطلاقه لبصره لضعف ايمانه وهو على وشك ان يتوب متى صح عزمه واخذ بالاسباب التى تعينه على التوبه , فان استمر على هذا الذنب فلا يعنى هذا القدح في أصل توبته.
وغياب هذا المعنى عن أفهام الناس جعل الكثيرين منهم ينصدون عن الالتزام بتعاليم الاسلام عندما يرون تقصير من التزم في بعض احكام الاسلام كان يكون الشاب او الفتاه ذو لسان سليط او ذو خُلق قبيح مع التزامه بظاهر الاسلام لكونه غير مستكمل لما هو مطلوب منه من احكام الاسلام فكانهم بذلك حكموا عليه بعدم الصدق في التزامه لكونه يتصف بوصف مذموم لا يتفق مع ظاهره .
وهذا مما يُزهد الناس في الالتزام بالاسلام لعدم استكمال من التزم بتعاليم الدين بكل ما هو مطلوب منه او تركه لما ينبغى ان يخالفه .. فكان تقصيره او اقامته على بعض الذنوب سبب في زهد الناس في التوبه وكانهم جعلوه حجة في بُعدهم هم عن الالتزام ..
مثل تلك المرأه التى دُعيت للحجاب فقالت ان كثير من المحجبات لا يتقين الله في كذا وكذا من الاعمال والاقوال .
فربطت بين الحجاب وهو دليل توبه من التبرج وبين الذنب الذي لم تزل هذه المحجبه مقيمه عليه , ومن هنا لا ينبغى ان نُشكك في توبة من قل عزمه وهمته عن ترك بعض المخالفات الشرعيه فنقول انه غير صادق في التزمه
ولا داعي ايضا ان نُـقصر في الالتزام بكل ما هو مطلوب منا وعلينا ان نستكمل ما نقص ونُقلع عن الذنب حتى لا يعتذر بنا غيرنا فنكون فتنة لعباد الله .
ومنه ايضا نفهم انه لا ينبغى ان نتصور لإنسان العصمه من الذنب لعلو قدمه في الالتزام او لشدة صلاحه او لاتساع علمه فان الانسان مهما ارتقى ايمانه فانه لا يكمل ولابد ان يقع في الذنوب فلا يصدنا عنه ان نراه على ذنب وان كنا لانعذره شرعا في اتيانه للذنب
لكننا نعلم ان وقوعه في هذا الذنب لايقدح في أصل ايمانه او صدق التزامه فلا نُسيئ الظن بمن رأينا عليه سمات الصلاح عندما نرى فيه عيب او وقوع في مخالفة شرعيه حتى لا نزهد في الاستفاده منه والاقتداء بما صلُح فيه .
وهذا يكثُر مع الدعاه والمُصلحين من الناس عندما يرى جمهور المتعلمين على هذا الداعي تقصيراً في إتيان فريضه او وقوعا في بعض المنهيات .
فرح موني
07-11-2007, 11:30 PM
وانما ينبغى للاستفاده من الواعظ كما يقول العلماء :
العمى عن عيب الواعـظ وكذلك كل فرد من أفراد المسلمين لأن الاعمال بخواتيمها ولعل الله يرحم الانسان بعمل صالح يعلمه الله ولا يعلمه الناس أو لعل الانسان معذور في خطاه من حيث لا تعلم انت او لعله فتنة لك حتى يختبر الله صدق ايمانك وعدم تأثرك بمن خالفك في طريق الهدى وان كان هذا المخالف هو القدوة لك أو الاعلى منك ..
يقول الامام النووى ..
وقد تظاهرت دلائل الكتاب والسنُه التى ذكرها الامام النووى على وجوب التوبه .. ينبغى ان نفهم معنى وجوب التوبه وقد تكلمنا عنه في قول الامام النووى ( التوبه واجبه من كل ذنب )
اما هنا فنتكلم عن معنى هذا الوجوب ..
يقول الامام الغزالى :
لا يخلو بشر من المعصيه بجوارحه فان خلا فلا يخلو من الهم بالقلب فان خلا فلا يخلو من الوساوس المذهله عن ذكر الله , فان خلا فلا يخلو من غفله وتصور في العلم بالله وصفاته وافعاله , كل ذلك نقص ولا يتصور في حق الآدمى الخلو عن هذا النقص)
ولهذا فان التوبه واجبه مثل وجوب الطهاره ووجوب الصلاه
والتوبه واجبه لأنها تتعلق بالمصير من حيث السعاده والشقاء فالانسان اذا لم يتب من الذنوب اهلكته واذا تاب منها اسعدته , وكون مصير الانسان في آخرته متعلق بالتوبه هذا جعل التوبه واجبه على كل انسان .
فما هي التوبه ؟
او ما هي الحاله التى اذا تلبس بها الانسان كان تائباً ؟
او ما هي حقيقة التوبه التى نزن بها الصادق في توبته من المُدعى للتوبه ؟
يقول الامام الغزالى :
اعلم ان التوبه معنى ينتظم من ثلاثة أمور : عـلم وحـال و فعـل والاول موجب للتاني والتاني موجب للثالث.
1- اما العلم : فهو معرفة عظم ضرر الذنوب وكونها سموماً مُهلكه وحجاباً بين العبد وبين كل محبوب .
2- الندم : ينتج من العلم بضرر الذنوب فانه اذا عرف ذلك معرفه محققه بيقين غالب على قلبه نتج عن تلك المعرفه تألم للقلب بسبب فوات المحبوب وهذا الالم يُسمى ندما
فهذا الحال المسمى بالندم كان ناتجاً عن العـلم
3- القصد : ثم ينتج عن الحال وهو الندم ينتج له فعل تعـلُق بالماضي وتعلق بالمستقبل , فالفعل المتعلق بالماضي هو الترك والفعل المتعلق بالمستقبل هو العزم على ترك الذنب في المستقبل.
والمعنى :
ان حقيقة التوبه مبدأها العلم بضرر الذنوب وكونها مُبعـده عن كل خير في الدنيا والآخره فإذا علم ذلك يقينا , أي آمن به .. فالعلم اذا قوى حتى لا يقبل الشك كان إيماناً – فمتى علم العبد وآمن بان الذنوب مهلكه فانه يحدث في قلبه ألم شديد لما جناه من الضرر عندما وقع في الذنب .
هذه الحاله التى تنتاب القلب اثر الوقوع في الذنب تألم قلبه فإذا تالم القلب تحرك العزم بالاقلاع فورا عن الذنب وتركه في المستقبل .
لذلك جاء في الحديث (لا يزنى الزاني حين يزنى وهو مؤمن )بمعنى ان ايمانه بضرر هذا الذنب وهو الزنا كان غائباً عن قلبه لحظة وقوه في الزنا وإلا فلو كان إيمانه بضرر هذا الذنب حاضراً في ذهنه مشهوداً في قلبه لتألم القلب ونفر من مواقعه الذنب من اتيانه ولكن قوة الشهوه حجبت عن القلب قوة العلم فضعفت ايمانه او غاب تماماً في هذه اللحظه حتى باشر هذا الذنب .
إذا فالتوبه عباره عن علم يتولد منه حاله في القلب ينتج عنها قصد بالفعل فاذا علم الانسان بضرر الذنوب كان ضعيفاّ لن يتألم قلبه ولن يتوجع اذا وقع في الذنوب .
ومهما قال بلسانه انه تائب وليس في قلبه ألم أو ندم فليس بتائب , فالانسان قد يتمارض ويقول انه مريض وليس على جسده أثر لأي عرض من اعراض المرض من ارنفاع في درجة الحراره او ضيق في التنفس .. الخ
أما المريض حقاً فهو الذي يتغير حاله بالمرض ويظهر هذا التغير على جوارحه فالتائب لابد له من تغير في قلبه يظهر على الجوارح في شكل أسف وضيق نتيجة وقوعه في الذنب وكلما عظم الذنب زادت هذه الاعراض في الكم والكيف فاذا لم يتغير حال القلب لن يظهر على الجوارح اي اثر من آثار الندم ومهما ادعى صاحبه التوبه أو الندم بلسانه فلا يفيده ذلك اذا لم يتأثر قلبه وبهذا الاعتبار جاء في الأثر ( الندم توبه )
أي ان الندم هو حقيقة التوبه وهو أكبر دليل على وقوعها , ولان الندم نتج عن العلم وأثمر العزم فمهما وجد العلم ولم ينتج الندم فلا توبه على الحقيقه .
وبهذا الميزان يستطيع كل واحد منا ان يحكم على نفسه بالصدق في توبته او الادعاء فالتائب الصادق لابد ان يتألم قلبه لوقوعه في الذنب ألماً شديداً يطفح على الجوارح فيظهر فيها الحزن والضيق والبكاء والتضرع الى الله والاستغفار ..
وفي هذا يقول القائل :
يا نادماً على الذنوب اين أثر ندمك .. اين بكـائك على ذلـة قـدمـك
أيــن حــذرك مــن ألــيم الــعــقاب .. أين قـلقـك مـن خـوف الـعـتاب
أتعـتقد أن الـتوبة قـول بالـلسان .. إنما التوبة دواء يُطهر الانسان
وقال آخر ..
يا صاحب الخطايا .. أين الدموع الجاريه
يا أسير المعاصي .. إبك من الذنوب الماضيه
يا مبارزا بالقبائح .. أتصــبر على الهاويه
يا ناسياً ذنوبه .. والصحف للمنسى حاويه
أسفاً .. لك جاءك الموت وماأنبت
ويا حسرة عليك إذا دعيت الى التوبة فما أجبت
كيف تصنع إذا نودي بالرحيل وما تأهبت
ألست الذي بارزت بالقبائح وما راقبت
يتبع ...
فرح موني
24-11-2007, 08:45 PM
وبهذا الميزان ايضا يعلم كل منا كيف يصل الى التوبه الصادقه وذلك بان يقوى ايمانه بضرر الذنوب ويقوى خوفه من الله من شدة العقوبه ,
وكلما قوى ايمانه بذلك كلما نفر قلبه عن الذنب وتألم اذا وقع فيه حتى يدفعه هذا الالم للإقلاع فوراً عن الذنب والعزم الصادق في عدم الرجوع إليه في المستقبل .
ولنضرب مثلاً على ذلك :
اذا وقعت في غيبه انسان فغاب عن ذهنك اثناء ذلك ضرر هذا الذنب وعقوبته فان هذا لا يجعل القلب يتالم او يتحرك خوفاً من الله , فمهما قلت بلسانك اللهم اغفر لي وله دون هذا الشعور او الاحساس في القلب فان هذا استغفار باللسان .
وانما اذا ذكّرك انسان وقال لك اتق الله , أوجعل الله لك من نفسك واعظاً حتى تذكرت بنفسك هذا الذي اغتبته وهو يأخذ من حسناتك يوم القيامه فحضرت الكراهه في نفسك وتألم قلبك لذلك فان هذا يدفعك للتخلص من هذا الضرر بان تستغيث بربّّك قائلاً : اللهم اغفر لي وله حتى تدفع عن نفسك هذا الاذى .
وان كنت قاطعاً لرحمك او قاطعا لأهلك أو مقيماً على معصيه فان طريقك في كل ذلك ان تقوّى يقينك بعقوبة هذه الذنوب
فمتى صح علمك و قوى ايمانك بضرر هذه الذنوب فان هذا لابد ان يؤلم القلب ألماً يحمله على دفع هذا الثقل الشديد الذي حل به أثر هذا الذنب .
لذلك في قوله تعالى * [ قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله حتى اذا جاءتهم الساعة بغتة قالوا يا حسرتنا على ما فرطنا فيها وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم ألا ساء ما يزرون]
قيل في هذه الآيه : ان للذنب ثـقـل على القلب في الدنيا , ان لم يستشعره القلب ويحمله فلن يتخلص منه ولكن متى أحس القلب بهذا الثقل لسلامته وصفائه – اي القلب – فهذا يدفعه للتخلص منه بالتوبه .
فإذا لم يحس بهذا الثقل ويحمله لغفـلته او لمرضه او لموته فان هذا الثـقل يحمله الانسان يوم القيامه على ظهره حين تُـصور له الذنوب على هيئة اثقال ماديه يحملها على ظهره وهو يمر على الصراط.
فاذا لم تستشعر بضرر هذه الذنوب وثقلها فانك لن تتوب فتتخلص منها .
اما اذا كان للذنب ثقل في قلبك فان هذا يدفعك للتخلص منه بالتوبه فتخفف من حمله على ظهرك يوم القيامه يوم يحتاج كل انسان ان يكون مخففاً من الاثقال .
ذكر المؤلف من الآيات قوله تعالى * { وتوبوا إلى الله جميعا أيه المؤمنون لعلكم تُفلحون }
قال القرطبي في تفسيره :
المعنى
وتوبوا إلى الله فإنكم لا تخلون من سهو وتقصير في أداء حقوق الله تعالى فلا تتركوا التوبه في كل حال .
هذه الجمله جاءت في سورة النور حيث ختم الله بها آيتى وجوب غض البصر
والمعنى : توبوا مما وقع منكم من النظر الممنوع وغيره .
فقوله (جميعا ) يدل على وجوب التوبه من كل ذنب اذا كان المقصود بالجمع الذنوب
وذكرنا ان وجوب التوبه للضرر الناشئ عن الذنوب لمن وقع فيها فحيث كانت الذنوب مُهلكه كانت التوبه واجبه لذلك قال في آخر الآيه لعلكم تُفلحون.. اي اذا تبتم
مما يدل على ان التوبه من أسباب الفلاح .
كيف تزيل التوبه اثر الضرر ؟؟
ضرر الذنب في الدنيا:
الظلمه في القلب : قكل ذنب يتكون به نكته في القلب فاذا كثرت الذنوب يتكون الران فاذا زاد الران بكثره الذنوب سمك هذه الطبقه التى تغطي القلب .. حتى تتزايد الطبقات فلا يصله خير ولا يخرج منه إلا شـر وهذا هو الطبع او الختم كما عبر عنه القرآن .
وضرر الذنب في الآخره بالعقوبة في النار فكلما كثرت الذنوب طال مكث صاحبها في النار
والتوبه تمحو هذه الأضرار :
فتمحو ضرر الظلمه في القلب : بنار الندم وماء الدموع
فقد شبه بعض العلماء بتأثير التوبه على القلب بتاثير الصابون في الثوب الوسخ
فقال كما ان استعمال الثوب في الاعمال الخسيسه يوسخه والصابون يُطهره فان استعمال القلب في الشهوات يوسخه والتوبه تُطهره
وإذا تأملنا هذا المعنى :
وجدنا انه كلما كملت التوبه كـمُـل تطهـير الـقلب وكلما نقص ركن من اركانها قل نقاء القلب بقدر ذلك .
فان الذي يقلع عن الذنب فحسب دون ندم او عزم فهو كمن رفع الثوب المُتسخ من مكانه دون ان يُضيف إليه ما يطهره وانما اكتفى برفعه عن مكان النجاسه وهذا لا يُطهره وإنما يُبعـد عنه مزيد من الاتساخ.
فإذا أضاف الى الاقلاع عن الذنب : تألم القلب وندمه فانه بذلك قد اضاف إلى الثوب ماء ساخن بنار الندم فان هذا يُطهر جزء كبير من وسخ الثوب فاذا انضم الى الاقلاع والندم : العزم على الا يعود
فان هذا العزم ما هو الا قصد وحركه بالإراده فكانها اصابع تُحرك الثوب المتسخ في الماء الساخن فإن هذا يُزيل كل آثار الوسخ ولابد .
* واما كون التوبه تمحو أثر الذنوب في الآخره:
فان ذلك لأن التائب من الذنب كمن لا ذنب له . فالذنب الذي تتوب منه لا تُعاقب عليه في النار .. وإنما يختلف بقاء أهل التوحيد في النار بحسب ما تبقى لهم من الذنوب التى لم يتوب منها في الدنيا .
فكلما تبت من الذنب رفعت عنك عقوبته
المحو بالحسنات
فاذا عجز الانسان عن التوبه التى تمحو الران الذي انطبع في القلب فان عليه ان يمحو هذا الران بشيء آخر لا يعجز عنه وهو بالحسنات .
فلا يكفى في التوبه من الشهوات لتركها في المستقبل بل لابد من محو الران الذي تراكم في القلب .. يقول تعالى *{ان الحسنات يُذهبن السيئات }
لأنه كلما يرتفع الى القلب ظُلمه من المعاصي والشهوات فانه يرتفع اليه نور من الطاعات وترك الشهوات فتنتهى ظلمة المعصيه بنور الطاعه
قيل .. ان الحسنات يُذهبن السيئات كما يُذهب الماء الوسخ "
وقيل لا طاقة لظلام المعاصي مع نور الحسنات كما لا طاقة لظلام الليل مع نور النهار .
وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم " اتبع السيئه الحسنة تمحوها "
اى تمحو اثر السيئه في القلب فينتهى الران الذي سببته المعصيه بالحسنة التى تبعت السيئه فيعود القلب لقوته .
فان عجز الانسان عن التوبه فهو لن يعجز عن فعل الحسنات,
التكفير بالحسنات ينبغى ان يكون من جنس السيئات متى استطاع ذلك
فيكفر سماع الاغانى بكثرة سماع القرآن ومجالس الذكر , ويكفر ايذاء الناس بالإحسان اليهم , يكفر غصب الأموال بالتصدق بالمال الحلال , يكفر الغيبه بالثناء على من اغتابه , هكذا حتى تعالج الامراض بضدها
لذلك قال العلماء : تكفير حب الدنيا والتعلق بها يكون بهمومها
روى عن الرسول صلى الله عليه وسلم " من الذنوب ذنوب لا يكفرها الا الهموم "
وروى عن عائشه رضي الله عنها " اذا كثرت ذنوب العبد ولم تكن له اعمال تكفرها ادخل الله عليه الهم فتكون كفارة لذنوبه "
حديث حسنه بعض العلماء وضعفه آخرون كالالباني للإسناد
فرح موني
24-11-2007, 08:48 PM
* فاعلم انه من تمام التوبه فعل الطاعه بعـدها ..
فالعبد لا يستغنى في حال من الاحوال عن محو آثار السيئات عن قلبه بمباشرة حسنات تضاد آثار تلك السيئات .
لذلك ذهب ابن القيم لقاعده عظيمه قائلاً :
(الوقوف .. رجوع )
قال [ العبد سائر لا واقف فإما إلى فوق وإما الى اسفل , إما الى أمام وإما الى وراء .. وليس في الطبيعه ولا في الشريعه وقوف البته , ماهى الا مراحل تطوى اسرع طى إلى الجنّة او الى الـنار , فمسرع ومُبطئ ومُتقدم ومُتاخر وليس في الطريق وقوف الـبـته , وإنما يتخالفون في جهة السير وفي السرعه والبطء .
قال تعالى : { إنها لأحدى الكُبر نذيراً للبشر لمن شاء منكم ان يتقدم او يتاخر }
ولم يذكر وقوفاً , إذ لا منزل بين الجنّة والنار ولا طريق لسالك إلا طريق الدارين فمن لم يتقدم الى هذه بالاعمال الصالحه فهو مُتاخر لتلك بالاعمال السيئه .
ومعنى كلامه ..
ان الوقت الذي تُطيع فيه الله هو خطوه للأمام خطوه تقترب الى الجنه وفي نفس الوقت تبتعـد بها من النار والوقت الذي تعصي الله فيه هو خطوه للخلف تقترب بها من النار وتبتعد عن الجنه لأنك ان لم تقترب من الجنه فانت مبتعدا عنها وبعدك عن الجنه ما هو الا قربك من النار , إذاً فاللحظه التى لا تعمل فيها قد خسرت بها خطوه الى الجنه فاقتربت بذلك من النار
فلا وقوف في الشريعه , فالوقوف رجوع عن الجنه لأنك لو خسرت بوقوفك في هذه اللحظه خطوه كان ينبغى ان تتقدم بها الى الجنه ,في هذه اللحظه التى لم تطيع الله فيها ابعدتك عن الجنه وان لم تـعص الله فيها
وهذا معنى قوله الوقوف الرجوع ,لذلك يقول رحمه الله .. بعد هذه الفقره ..
ان توبه الخواص تكون من تضييع الوقت في لغو لهو لأن ذلك يُطفيء نور المراقبه اما الحافظ لوقته فانه مترق على درجات الكمال فاذا اضاعه لم يقف موضعه بل ينزل إلى درجات النقص فان لم يكن في تقدم فهو في تأخر
فجعل الصعـود الى درجات الكمال بشغل الاوقات بالطاعه , فمتى خلا الوقت من الطاعه فقد خسر بذلك زيادة في هذا الترقي وهو بذلك قد نزل من علو كان ينبغى ان يترقى فيه لولا توقفه عن العمل .. فاصبح الوقوف هنا نزول.
وفي هذا يقول ابا سليمان الدارانى :
" لو لم يبك العاقل فيما بقى من عمره الا على تفويت ما مضى منه في غير الطاعه لكان خليقاً ان يحزنه ذلك إلى الممات , فكيف بمن يستقبل ما بقى من عمره بمثل ما مضى من جهله "
إنما قال ذلك لأن العاقل اذا ملك جوهره نفسه وضاعت بغير فائده بكى عليها لا محاله , وان ضاعت منه وكان ضياعها سب هلاكه كان بكاؤه اشد وكل ساعه من العمر بل كل نفس جوهره نفيسه لأنها توصلك إلى سعاده الابد وتنقذك من شقاوة الأبد فإذا ضيعها في الغفله خسرت خسرانا مبينا
فان كنت لا تبكي على هذه المصيبه لجهلك فمصيبتك بجهلك اعظم من كل مصيبه
لذلك قيل عن سيدنا عليّ رضي الله عنه وأرضاه .. " الناس نيام فاذا ماتوا انتبهوا "
وقيل .." نحن لا نريد ان نموت حتى نتوب ونحن لا نتوب حتى نموت "
يتبع ..
فرح موني
24-02-2008, 12:09 AM
فصل في أقسام العباد في التوبه ..
ذكره ابن قدامه في مقدمة مختصر منهاج القاصدين و ذكره الغزالي في الاحياء
1- الطبقة الاولى ..
ان يتوب العاصى ويستقيم على التوبه الى آخر عمره فيتدارك ما فرط من امره ولا يُحدث نفسه بالعوده الى ذنوبه إلا الزلات التى لا ينفك عنها بشر في العادات .
فهذا مستقيم على التوبه وهو [السابق بالخيرات ] ونفسه [ النفس المُطمئنه ]
2- الطبقه الثانيه ..
تائب سلك طريق الاستقامه في أمهات الطاعات وترك كبائر الفواحش كلها إلا انه ليس ينفك عن ذنوب تعتريه عن غير عمد لكنه يُبتلى بها في أحواله من غير ان يقدم عليها عزما على الاقدام عليها لكنه كلما اقدم عليها لامته نفسه وندم وتأسف وجدد عزمه على ان يتشمر للإحتراز من أسبابها التى تعرضه لها وهذه هي النفس اللوامه اذ تلوم صاحبها على ما يحصل له من الاخوال الذميمه عن غير تصميم وعزم وقصد وهذه رتبه عاليه وان كانت أقل من الطبقه الاولى وهى أغلب أحوال التائبين .
لأن الشر معجون بطينة الآدمى قلما ينفك عنه وانما غاية سعيه ان يغلب خيره شره حتى يثقل ميزانه فترجح كفة حسناته .
أما ان تخلو كفة السيئات تماماً فذلك في غاية البُعد وهؤلاء الذين لهم حُسن الوعد من الله [الذين يجتنبون كبائرالإثم و الفواحش إلا اللمم ان ربّك واسع المغفره ]
وقال [ الذين اذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ]
فاثنى عليهم بالرغم من ظلمهم لأنفسهم وذلك لتندمهم ولومهم انفسهم
وفي الخبر ..
لابد للمؤمن من ذنب يأتيه الفينة بعد الفينة , كل بنى آدم خطّــاء وخير الخطائين التوابين
3- الطبقه الثالثه ..
ان يتوب ويستمر على الاستقامه مده ثم تغلبه الشهوه في بعض الذنوب فيُقدم عليها من غير قصد لعجزه عن قهر الشهوه إلا أنه مُواظب على الطاعات تارك لجمله من الذنوب , وهو يود لو كفى شرها في حال قضاء الشهوه وعند الفراغ يتندم ويقول ليتنى لم أفعل .
وسأتوب عنه وأجاهد نفسي في قهرها ولكن نفسه تُسول له وتُسوف توبته يوم بعد يوم فهى النفس المُسوله .
وهو من الذين قال فيهم { وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً عسى الله ان يتوب عليهم }
عسى الله ان يتوب عليهم من حيث مواظبته للطاعات وكراهته لما تعاطاه من ذنوب ولكنه في خطر من حيث تسويفه وتأخيره وربما يُختطف قبل التوبه .
4- الرابعه ..
أن يتوب ويجرى مده على الاستقامه ثم يعود الى مقارفة الذنب من غير أن يُحدث نفسه بالتوبه ومن غير أن يتأسف على فعله بل ينهمك فيه اهماك الغافل في اتباع شهوته فهذا من جُملة المُصرين , وهذه النفس هي [النفس الأماره بالسوء] ويخاف على هذه النفس سوء الخاتمه وانتظاره للمغـفره مع هذه الحاله غرور.
فان المقصر في الطاعه المُصر على الذنوب الغير سالك سبيل المغفره اذا انتظر المغفره فهو من المعتوهين فمثله كمثل الذي يخرب بيته ويضيع ماله ويترك نفسه وعياله ضياع ثم ينتظر من الله ان يرزقه .. والعجيب انه يُعلل ذلك بقوله (( ان الله كريم وجنته ليست تضيق على مثلي ومعصيتى ليست تضره )).
فصل في [علامات التوبه المقبوله ]
يقول ابن القيم .. التوبه المقبوله لها علامات
1- ان يكون بعد التوبه خير مما قبلها
2- ان لا يزال الخوف مُصاحبا له لا يأمن من مكر الله طرفة عين
3- انخلاع قلبه وتقطعه ندما وخوفا وهذا على قدر الجنايه وعظمها
4- كسره خاصه تحصل للقلب لا يشبهها شيء ولا تكون لغير المُذنب ,, فيكون بين يدى ربّه طريحاً ذليلاً خاشعاً , فليس شيء أحب إلى الله من هذه الكسره والخضوع والتذلل والإخبات والانطراح بين يديه والاستسلام له , فمن لم يجد ذلك في قلبه فليتهم توبته وليرجع الى تصحيحها
فصل في [ كيف تكـبـر الصغيره او ما تعظم به الصـغائـر من الذنوب ]
اعلم ان الصغيره تكبر بأسباب
1- بالاصرار والمواظبه ..
عن ابن عباس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم : لا صغيره مع اصرار ولا كبيره مع الاستغفار.. فالكبيره التى تنقطع بالاستغفار يكون العفو عنها أرجى من صغيره يواظب عليها العبد
مثال ذلك ..قطرات من الماء على حجر متواليات فانها تؤثر فيه ولو جمعت ذلك القطرات في مره وصبت عليه لم تؤثر..ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم ( احب العمل إلى الله أدومه وان قل )
وقال ابن القيم : ان الاصرار على الذنب أعظم من الذنب نفسه وهو من عقوبة الذنب ان يوجب ذنب آخر والثاني يوجب ثالث وهكذا وذلك علامة الهلاك .
2- باستصغار الذنب ..
الذنب كلما استعظمه العبد من نفسه صغر عند الله تعالى
لماذا ؟ لأن استعظامه يصدر عن نفور القلب عنه وذلك النفور يمنع من شدة تأثره به اما استصغـار الـذنب فهو ينشأ عن الالف به وذلك يوجب شدة الاثر في القلب
روى : ان المؤمن يرى ذنبه كجبل فوقه يخاف ان يقع عليه والمنافق يرى ذنبه كذباب مرعلى أنفه فأطاره
قال بلال بن سعـد : لا تنظر إلا صِغـر الخطيئه ولكن انظر إلى عظمة من عصيت
لذلك قال العلماء : يعظم من العالم مالا يعظم من الجاهل ويتجاوز عن العامى في أمور لا يتجاوز في أمثالها عن العارف لأن الذنب والمخالفه يكبران بقدر معرفة المخالف.
3- السرور بالصغيره والفرح بها :
كلما غلبت حلاوة الصغيره عند العبد كبر الذنب وعظم اثره في تسويد القلب كمن يقول : أما رأيتنى كيف فضحته , كيف اخجلته , كيف خدعته.
قال ابن القيم : الفرح بالذنب أعظم من الذنب , والفرح بالذنب دليل على شدة الرغبة فيه والجهل بقدر من عصاه والجهل بسوؤ عاقبة الذنب ففرحه به دليل على كل ذلك
والمؤمن لاتتم له لذة بمعصية أبداً ولا يكمل بها فرحه , بل لا يباشر المعصيه الا والحزن مخالط لقلبه ولكن سُكر الشهوه يحجبه عن الشعور بها ومتى خلا القلب من هذا الحزن واشتد فرحه وسروره بالذنب فليتهم ايمانه وليبكى على موت القلب .
4- ان يتهاون بستر الله عليه وحلمه وامهاله اياه , ولا يدرى انه يمهل مقتاً ليزداد بالامهال اثما.
5- المجاهره بالذنب أو ذكره بعد اتيانه : عن النبي صلى الله عليه وسلم قال [ كل أمتى مُعافى إلا المجاهرين ] وان من المجاهره ان يعمل الرجل العمل بالليل ثم يُصبح وقد ستره الله عليه فيقول يا فلان عملت البارحه كذا وكذا وقد بات يستره الله عليه ويُصبح يكشف ستر الله عنه .
فهذه جناية أخرى غير الذنب لأنه يُحرك رغبة الشر فيمن أسمعه ذنبه فإذا أضاف إلى ذلك ترغيب الغير منه فهى جناية ثالثه .
6- أن يكون المُذنب عالم يقتدى به .. فإذا فعله بحيث يرى ذلك منه كبر ذنبه كإطلاقه لسانه في الأعراض
قال ابن قدامه : فعلى العالم وظيفتان .. احدهما ترك الذنب والثانى إخفاؤه إذا أتاه .
وكلما تتضاعف أوزار العلماء اذا اتبعوا اذنوب .. تتضاعف حسناتهم اذا اتبعوا على الخير.
فرح موني
24-02-2008, 12:14 AM
سؤال ..ما بال الانسان يقع في الذنب مع علمه بقبح عواقبه ؟
1- لغياب العقوبه : فالعقاب الموعود ليس بحاضر
2- تسويف التوبه لعلمه ان التوبه تجبر مافعله
3- رجاء عـفـو الله
وعلاج هذه الاسباب ان يعلم ان كل ما هو آت قريب و أنه لا يأمن من هجوم الموت ويعالج التسويف بان يعلم أن أكثر صياح أهل النار من التسويف , والمُسوف إما أن يموت قبل ان يفعل أو يبقى ولكنه يعجز عن الترك .
يقول الامام النووى ..
فيما ساقه من الآيات : قوله تعالى { استغفروا ربكم ثم توبوا إليه .}
الاستغفار : هو طلب العفو من الله أي عدم المؤاخذه على الذنب .
التوبه : هى ترك الذنب والعزم على ألا يعود إليه في المُستقبل.
الفرق بين التوبه و الاستغفار:
الاستغفار: طلب الوقايه من شر ما مضى
التوبه : طلب الوقايه من شر ما يخافه في المُستقبل من سيئات أعماله
فالمُذنب بمنزلة من ركب طريقاً تُؤديه إلى هلاكه ولاتوصله إلى موقف - فهو مأمور ان يوليها ظهره ويرجع إلى الطريق التى فيها نجاته والتى توصله إلى مقصوده وفيها فلاحه
فهنا امران : مفارقه للشيئ , والرجوع إلى غيره.
فخص التوبه بالرجوع , الاستغفار بالمفارقه
فقوله ( استغفروا ربكم ثم توبوا إليه ) كأنه الرجوع إلى طريق الحق بعد مفارقة الباطل .. فالاستغفار من باب ازالة الضرر و التوبه طلب او جلب المنفعه.وكل منهما يعبر عن الآخر عند إفراده.
فقوله ( استغفروا ربكم ثم توبوا إليه) اطلبوا المغفره عما فعلتم من ذنوب حتى لا تُعاقبوا عليها, واطلبوا التوبة من الذنوب حتى لا تعودوا إليها .وهذا كقوله{غافر الذنب قابل التوب }
- و قال تعالى { استغفروا ربكم انه كان غفارا}
فيها ترغيب على التوبه و الاستغفار لأن لله تعالى يغفر الذنوب وقوله (غفارا) صيغة مبالغه فهي تشمل المغفره للذنوب في الكم والكيف., فهو سبحانه يغفر الذنوب مهما كثر عدد المذنبين ومهما كثرت الذنوب منهم, او باعتبار الكم من المُذنب الواحد اي عدد ذنوبه.
وباعتبار الكيف منه : من حيث نوعها صغائر وكبائر.
ففي الآيه ترغيب .. توبوا واطلبوا من الله المغفره على الذنوب لأنه سبحانه يغفر لكم مهما كثرت الذنوب وكثُر المُذنبين ومهمها كانت الذنوب صغيره او كبيره فهو سبحانه غفارا
يقول الامام النووى
قال تعالى { يا أيّها الذين آمنوا توبوا إلى الله توباً نصوحا }
في هذه الآيه والآيه السابقه النداء للذين آمنوا وفي ذلك لوجوب التوبه لكون الانسان لا ينفك عن الوقوع في ذنب او التقصير في طاعه ويلزمه في الحالتين ان يتوب من الذنب ويستغفر من التقصير في الطاعه
*اختلفت عبارات السلف في التوبه النصوح
1- قال عمر بن الخطاب وابي ابن كعب رضى الله عنهما :
التوبة النصوح أن يتوب من الذنب ثم لا يعود إليه كما لا يعود اللبن إلى الضرع.
2- قال الحسن البصري : هي ان يكون العبد نادما على ما مضى مُجمعا على ألا يعود إليه .
3- قال الكلبي : هى أن يستغفر الله ويندم بالقلب ويمسك بالبدن.
4- قال ابن المُسيب: توباً نصوحا أي تنصحون بها انفسكم.أي جعلها ناصحه للتائب.
قيل/ بمعنى انه منصوح بها: لكونه انقطع عن الذنب ثم عاد الى الله فكان حاله بعد التوبه أفضل من حاله بعدها. فجعل التوبة النصوح هي التوبة التى يتغير بها حال الإنسان إلى الأحسن.
وقيل / بمعنى انه منصوح فيها : أي لم يُخالطها غش
والغش ان يكون له قصد آخر من التوبه كطلب محمدة عند الناس أو الهروب من مذمه.
وقيل/ بمعنى : انه خالصه صادقه أي يبتغي بتوبته وجه الله تعالى , صادق النيه في عزمه
5- قال بعضهم : النُصح في التوبه يتضمن ثلاثة أشياء
أ- تعميم جميع الذنوب واستغراقها بحيث لا تدع ذنب إلا تناولته.
ب- اجماع العزم والصدق عليها بحيث لا يبقى عنده تردد ولا تلوم ولا انتظار بل يُجمع عليها كل ارادته وعزيمته مبادراً بها.
ج- تخليصها من الشوائب والعلل القادحه في إخلاصها ووقوعها لمحض الخوف من الله تعالى وخشيته والرغبه فيما لديه والرهبه مما عنده لا كمن يتوب لحفظ جاهه او حرفته او منصبه او لحفظ حاله او ماله او استدعاء لحمد الناس أو الهرب من ذمهم .
فالاول يتعلق بما يتوب منه
والثاني يتعلق بما يتوب اليه
والاوسط يتعلق بذات التائب نفسه .
يقول الامام النووى..
يتبع ...بأمر الله
فرح موني
24-02-2008, 12:27 AM
يقول الامام النووى
1-
حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ،
عن ابي هريره رضى الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " والله انى لاستغفر الله واتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مره"
قال العلماء هذا الحديث تحريض الأمه على التوبه والاستغفار فانه صلى الله عـليه وسلـم مع كونه معصوما وكونه خير الخلائق يستغفر ويتوب سبعين مره
( انى لاستغفر الله) : استغفاره صلى الله عليه وسلم ليس من الذنب بل من اعتقاده ان بنفسه قاصره في العبوديه عما يليق بحضرة ذي الجلال والاكرام .
فقوله ( انى لاستغفر الله) أي أطلب منه مغفرة تليق بمقامه المُبرء من كل ذنب أو مخالفه ولو سهو
قوله( واتوب إليه ): أي أرجع إليه ..
قال العلماء : ان قصده صلى الله عليه وسلم في التوبه من رجوعه من شهود فِرق إلى شهود جمع .
فهو ذاكراً لله في كل حاله ولكن ذكره لله وهو مع الناس غير ذكره لله وهو منفرد, فبينهما درجات في الترقي.
وقال
2- عن الاغـر بن يسار المُـزنى رضى الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " يا أيها الناس توبوا إلى الله واسـتغـفروه فانى اتوب في اليوم مائة مره " رواه مسلم/ دليل الفالحين
(يا أيها الناس توبوا إلى الله) أي ارجعو اليه بامتثال اوامره واجتناب ما نهاكم عنه (فانى اتوب) ارجع رجوعا يليق بي . (إليـه) إلى شهوده أو سؤاله او الحضور بين يديه .
وتامل في هاتان الروايتان :
في الحديث الاول :
قدم الاستغفار عن التوبه واستعمل القسم فقال( والله انى لاستغفرالله)
وفي الحديث الثاني بدأ بالتوبه ثم الاستغفار واستعمل اسلوب الأمر(يا أيها الناس توبوا)
ولعل الفائده من ذلك –والله اعلم – أن الاستغفار يكون في الاغلب من التقصير في الطاعه
وهذا لا ينفك عنه انسان لأنه لا يمكن ان يكمل احد في عمله , لابد من التقصير, فمهما نظرت لمحاسن عملك فلابد انه غير وافي لحق الله تعالى .
لذلك اقسم الرسول صلى الله عليه وسلم أنه يستغـفر كانه يقول لك أننى وانا رسول الله لا أرضى عبادتى لله فاستغفره سبحانه فيما اعتقدت انى مُقصر فيه.. فكيف بك انت والتقصير بك أولى وأوكد , فكان قسمه تاكيد لكونك محتاجاً للاستغفار لأنك لن تؤدي المطلوب منك كما ينبغى , فلابد ان تستغفر عقب كل طاعه مما وقع فيها من التقصير.
فكان من هديه صلى الله عليه وسلم ان يعلمنا الاستغفار بعد كل الصلاه وبعد الانتهاء من مناسك الحجّ و الاستغفارفي آخر النهار في اذكار المساء و الاستغفار في آخر الليل في وقت السحر, وهكذا عقب كل طاعه .
ثم يؤكد ان احتياج العبد للاستغفار يشمل سائر يومه فيذكر عدداً من الاستغفار يدل على الكثره فقد كان هذا العدد وهو السبعين يستعمله العرب كصيغة مبالغه في العد .
ثم في الروايه الثانيه يذكر من العدد – مائه - كأنه يُشير الى ان الاستغفار ينبغي ان يكون ورداً يومياً مُلازماً لك بعدد لا تُقصر عنه ايا كان هذا العدد
أما التوبه فهي تخص الإقلاع عن كل ذنب :
فهى بذلك واجب شرعي ,فانت مامور بترك الذنوب لذلك جاء سياق الكلام منه صلى الله عليه وسلم
في الروايه الثانيه بصيغة الأمر [يا أيها الناس توبوا إلى الله ]
فالتوبه واجبه من كل ذنب , ثم قرن بالتوبه الاستغفار كما قرن الاستغفار بالتوبه في الروايه الاولى ليبين ان العبد مامور بالتوبه مما وقع فيه من الذنوب و الاستغـفارعما قصّر فيه من الطاعات .
وتوبة النبي صلى الله عليه وسلم ليس من ذنب وقع فيه .
فقوله [انى اتوب الى الله ] معناه امتثاله صلى الله عليه وسلم لأمر الله تعالى للمؤمنين [يا أيها الناس توبوا إلى الله جميعاً ]
فكان النبي صلى الله عليه وسلم اول من امتثل للأمر فهو يعلم امته بلسانه وكذلك بفعاله ليتأسوْا به. لذلك قال [ يا أيها الناس توبوا إلى الله ... فانى اتوب الى الله ..]
أمركم الله تعالى بالتوبه فهي واجبه عليكم .. وانا أول من يتوب اليه امتثالاً لأمره سبحانه
3- عن أبي حمزه عن أنس بن مالك الانصارى قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
" لله أفرح بتوبة عبده من أحدكم سقط على بعيره وقد أضله في أرض فلاه " متفق عليه
وفي رواية لمسلم
" لله أشدّ فرحاً بتوبة عبده حين يتوب اليه من أحدكم على راحلته بأرض فلاه فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه فأيس منها فاتى شجرة فاضطجع في ظلها وقد أيس من راحلته فبينما هو كذلك اذ هو بها قائمة عنده فأخذ بخطامها .. وقال من شدة الفرح : اللهم انت عبدي وانا ربّك اخطأ من شدة الفرح "
ألفاظ الحديث
لله .. هذا قسم معناه ولله له أشد فرحاً
فرحاً ..الفرح هو الطرب يجده الانسان من نفسه عند ظفره بغرض يستكمل به نقصه أو يسد به حاجته ,وهذا الفرح بذلك المعنى يخص الانسان اما ما يتلق بالله تعالى فليس على هذا الوصف وإنما هو برصف يليق به . وإنما عُبر عنه بهذا التشبيه لنفهم نحن انه يفرح فجاه بصورة توصف المعنى في ذهن السامع
(لله أشد فرحا) (بتوبة عبده) أى رجوعه الى طاعته وامتثاله اوامره
(حين يتوب) أي يرجع منها مُنتهياً (اليه) اي يخلص في توبته بان ينوى بها وجه الله لا غير (فانفلتت ) أي الراحله (عليها طعامه وشرابه) أي والحال انه عليها طعامه وشرابه فله احتياج لها لوجهين : ركوبها وكون زاده عليها .
(فأيس منها) لمبالغته في لحوقها او التفتيش عنها فلم يقدر عليها
(فأتى شجرة فاضطجع في ظلها) ليستريح مما حصل له من شدة التعب في طلبها
(وقد أيس من راحلته) اى من حصولها .. وحينئذ أسلم للموت لحضور أسبابه
(فبينما هوكذلك ) اي ايس
(إذ هو بها قائمة عنده) قوله عنده اشاره الى
1- ان الفرج مع الكرب واليسر مع العُسر قال صلى الله عليه وسلم (لن يغلب عسر يسرين )وقال (اشتدي أزمه فانفرجي )
2- إلى ان الاستسلام والخروج من الحول والقوة سبب لحصول المطالب وبلوغ المارب
وليس المُراد ترك مُزاوله الأسباب بل ترك الركون إليها والاعتماد عليها
(فأخذ بخطامها) فرحا بها فرحا لا نهاية له .. ثم قال من شدة الفرح اللهم انت عبدي وأنا ربك
(أخطأ من شدة الفرح) استئناف بياني كأن قائلاّ يقول ما سبب خطاه فقيل أخطا اي تجاوز الصواب من اجل شدة الفرح .
فوائد الحديث ..
1- إثبات الفرح لله فهو يفرح ويغضب ويكره ويُحب , ولكن هذه الصفات كصفات البشر , قال تعالى " ليس كمثله شيء وهو السميع البصير "
فرحه : فرح يليق بعظمته وجلاله وليس يشبهه فرح المخلوقين .
2- دليل على ان الإنسان إذا أخطأ في الأقوال ولو كان كـُفـراً لا يُؤاخذ به وكذلك لو سب أحد على وجه الخطأ او طلق زوجته على وجه الخطأ بدون قصد بخلاف المُستهزئ- قصد الكلام وقصد معناه على سبيل السخريه فهذا يكفر لذلك عد الامام الذهبي في الكبائر بعض الألفاظ التى يقع صاحبها في الكفر ينبغى الرجوع إليها .
3- دليل على حب الله تعالى لعباده .. فهو سبحانه يفرح بتوبة العبد ورجوعه إليه مما يدل على انه يحبه لذلك فرح برجوعه ولهذا أقسم الرسول صلى الله عليه وسلم فقال لله أشد فرحا بتوبة أحدكم .. أى والله الله اشد فرحا بتوبة العبد إذا تاب.
لماذا يُقسم ؟
لان هذا المعنى بعيد عن القلوب .. للجهل بالله او لغلبة الغفله على القلب حتى لا يرى الحقيقة بوضوح.
فان من جهل عن ربّه انه رحيم لطيف حنّان منّان .. فانه يستبعـد هذا المعنى " ان يكون محبا لعبده وهو الغنى عنه, وان يفرح الله بتوبة العاصي وهو المُستغنى عن طاعته .
لذلك يُقسم النبي صلى الله عليه وسلم لنا ان الله يفرح بتوبة العاصي ورجوعه الى ربّه ويصف هذا الفرح بأنه أعظم من فرحة هذا الذي أيس من الحياه و أيقن بالموت ثُم وهبت له الحياه في لحظة بدون أي أسباب
ففرحة الله بعودة العبد إليه فوق كل الوصف .
يقول الشيخ محمد الغزالي تعليقا على هذا الحديث.. ألا يُبهرك هذا الترحاب الغامر؟ هل ترى سروراً يعدل هذه البهجة الخالصه ؟ ان انبل الناس عرقا وأطهرهم نفساً قلما يجد فؤاداً يتلهف على لقائه بمثل هذا الحنين فكيف بخطاء أسرف على نفسه وأساء لغيره ؟
انه لو وجد استقبالا يستر عليه ما مضى لكان بحسبه ذلك الأمان المبذول ليستريح ويشكر.
أما ان يُفاجأ بهذه الفرحه وذلك الاستبشار فذاك مما يثير الدهشه.
لا أدرى لماذا لا يطير العباد إلى ربّهم على اجنحة من الشوق بدل ان يُساقوا اليه بسياط من الرهبه. ان الجهل بالله وبدينه هو علة هذا الشعور البارد مع ان البشر لن يجدوا أبر بهم ولا أحن عليهم من الله عزّوجلّ )
فتأمل كيف يدل فرحه بتوبة العاصي على حبه سبحانه لعباده وذلك لأن الذي يحب ما فيه مصلحة لك ومنفعة فهو دليل على حبه لك .
فالله تعالى يحب التوبه ويحب التوابين يقول الله عزّ وجلّ "ان الله يحب التوابين " بل ويفرح بتوبة العاصي مع كون المعصيه من هذه التوبه هو العبد نفسه
وإذا علمت انه سبحانه يحب التوبه من حيث كونها من مصالح العبد فإذا احب ما ينفعك وكره لك ما يضرك فهذا دليل حبه لك .
يتبع ..
فرح موني
10-03-2008, 02:54 AM
ومن أدلة حب الله سبحانه وتعالى للعبد ..
• نصحه للعبد وحرصه على منفعته ..
فهو سبحانه لعلمه بضعفك نصحك فامرك بالاستعانه به وفرض عليك تكرار لفظ الاستعانه في كل صلاة [اياك نعبد واياك نستعين ] حتى لا نغفل عن طلب المعونه منه , فبحبه لك امرك ان تستعين به ليعينك .. وبحبه لك أمرك ان تستغيث به لأن الشرور حولك كثيره لا طاقة لك بدفعها فامرك ان تلجا اليه قائلاً .. " قل اعوذ برب الفلق " " قل اعوذ برب النّاس "قل هو الله أحـدْ " فبحبه لك أمرك أن تستغيث به ليحفظك ما يؤذيك او يضرك
وبحبه لك شرع لك وكلفك بافعل ولا تفعل .. وكل أمر ونهى في الشريعه فيه اما جلب منفعه او دفع مضره . فهو لم يكلفك ليضيق عليك او يحرمك وانما ليحفظك من ضعف عقلك وغلبة شهوتك فأنت أضعف من أن تُخالف هواك اذا احببت ما يضرك او زهدت فيما ينفعك
فالله تعالى بشريعته معك وليس ضدك . فهو مع الوالد ضد عقوق الولد ومع المظلوم ضد سطوة الظالم ومع اي انسان ضد ان يُصاب في عرضه أوماله او دمه.
فهل هذه التعاليم قسوه على البشر ام انها محض الرحمه والحب منه سبحانه , فالله تعالى أبرّ بالناس من أمهاتهم وآبائهم .
لكن أصحاب القلوب المُتحجره والمشاعر البارده لا يُدركون من الدين إلا معنى الحرمان
تماماً كالطفل الذي يمنعه أباه من طعام يضره فانه لا يدرى في هذا المنع إلا قسوة الحرمان ولم يرى أو يدرك رحمة الأب وحبّه وشفقته في منعه مما يضرّه .
وكذلك العبد لجهله بمصالح نفسه وجهله بكرم ربّه وحكمته ولُطفه لا يعرف ان الله ما منعه إلا ليُعطيه ولا ابتلاه الا ليُطهره ويُعافيه .
بل هو مولع بحب العاجل وان كان دنـيئاً وتقل رغبته في الآجل وان كان عليا
فالله تعالى هو احكم الحاكمين وأرحم الراحمين وهو ارحم بعباده من أنفسهم وأمهاتهم وآبائهم
*ومن دلائل حبّه أن يكلمك بكلامه
لم يجعل بينك وبينه واسطه , لم يكلف أحد أن يُبلغك عنه بعبارات و ألفاظ من عنده وانما كلمك بكلامه .. وخاطبك بلفظه وكلماته وأرسلها لك كالخطاب الذي يُرسله الحبيب لحبيبه ولم يكن خطاب واحد إنما هي رسائل عديده كرر عليك وشرح لك وفصّل لك القول
قال تعالى : {وكل شيء فصلناه تفصيلا...} ولم يُفرط في حقك { ما فرطنا في الكتاب من شيء} ووصل اليك الرسائل { ولقد وصلنا لهم القول لعلهم يتذكرون} ثم تكفل هو بحفظها لك كي لا تضيع منك { إنا نحن نزّلنا الذكر وإنا له لحافظون }
وصف لك النار ليُخوفك منها ووصف لك الجنّة ليشوقك اليها.. وحكى لك قصص الانبياء والصالحين لتسلُك طريقهم , وحكى لك قصص الكافرين والمُعاندين لتتعـظ بهم وتتجنب طريقهم .
ودلّك عليه وعرّفك بأسمائه وصفاته وحكمته في خلقته حتى تحبه.. وحتى تشتاق اليه فتسعى في إرضاءه وتصل إلى جنته وتنعم بجواره.
وصدق ابو حيان التوحيدى حين دعاك لحبه فقال :
** يا هذا .. ان الله كريم فصدق , ان الله رحيم فحقق , وجواد فثق معاملته قد جُربت وحمدت . إن توعدك فإنما يُخوفك وإن وعدك فإنما يشوقك ,وان عاتبك فإنما يشرفك , ان كررر عليك فإنما يعلمك و يعرفك , كل فعله عجيب وكل ما تريده منه قريب , وليس له في هذه الصفات شريك
يا هذا .. ألك ربًّـــاً غيره ؟؟ ألك مولاً سواه ؟؟
هل رأيت الخير قط إلا منه؟ هل وصل إليك بر إلا منه؟؟
هل كان لك قواماً إلا بقدرته ؟؟ هل كان لك إنغماساً إلا في نعمته ؟
هل كان لك مداراً إلا على مشيئته ؟؟ هل كان لك رجاءاً إلا في رحمته ؟؟
يا هذا.. إلزم - عفاك الله – حدك , وطالب نفسك بما له عندك ..
واحرص على أن تكون عبداً حقـا .**
فإذا علمت ان الله لك مُحب .. فان هذا يحثك على أمور ..**منها .. ان تُحبه
تحبه لأنه يُحبك .. يُحبك وهو الغنى عن طاعتك .
تُحبه لأنك الفقير المحتاج إليه وهو الذي يتحبب إليك مع إعراضك عنه وغناه عنك
وصدق من قال
ليس العجب من مملوك يتذلل إلى سيده وهو المُحتاج له ..
وإنما العجب من مالك يتحبب إلى مملوكه وهو الغنى عنه
فينبغى لمن يسمع هذا الحديث وأمثاله أن يفيض قلبه حباً لسيده ومولاه , فمن العجيب أنه يُحبك ويدعوك لتصطلح معه ويفرح برجوعك إليه ثم لا تُحبه .
يقول ابن القيم ..
من أعجب الأشياء ان تعرفه ثم لا تُحبه ..
وأن تسمع داعيه ثم تتأخر عن الإجابه
وان تعرف قـدر الربح في معاملته ثم تعامل غيره
وأعجب من ذلك :
علمك أنك لابد لك منه
وأنك أحوج ما تكون إليه وأنت عنه مُعرض
وفيما يُبعدك عنه راغب
** ومنها أن ترجوه ..
فالإنسان يرجو من تعلقت به مصالحه سواء كا مُحباً له أو لا فإذا علم انه يُحبه زاد رجاؤه فيه . فإذا علمت أن نفعك وضرك بيد الله وان مصالحك مُتعلقه بإرادته, فإن هذا يحثك على رجاؤه .
فإذا علمت أنه يُحبك ويحب الخير لك فان هذا يقوى رجاؤك له .
خاصة اذا كان هو الذي يرجيك فيه ..
يقول تعالى {وإنى لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا .. }
وفي الحديث القُدسي : يقول تعالى : يا ابن آدم إنك ما دعوتنى ورجوتنى غفرت لك ولا أبالي
يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتنى غفرت لك ولا أبالى ,
يا ابن آدم لو اتيتنى بقراب الأرض خطايا ثم لقيتنى لا تُشرك بي شيئاً لأتيتك بقرابها مغفره .
** ومنها : حُسن الظن به سُبْحــانه
إذا علمت أنه يُحبك فانك لابد ان تُحسن الظن به في كل ما قضى عليك . لأن الذي يحبك لا يفعل إلا ما يوافق مصالحك فمهما كان الظاهر غير ذلك فاحسن الظن باختياره وثق في حكمته لأنه حكيم لا يفعل إلا ما تقتضيه الحكمة ولأنه يُحبك والمُحب لا يضر حبيبه.
** ومنها عدم القنوط واليأس من رحمته:
لأن الذي يفرح برجوعك إليه ويدعوك دائماً إليه , لا يمل عنك مهما أعرضت وإنما يحلم عليك ويُمهلك, فكم رآك على المعصيه وسترك, وكم دعاك للتوبة فما أجبت فلم يعاجلك بالعُقوبة
بل متى عدت إليه قبِـلك وفرح بك ولم يُعيرك بذنبك.
روى ان شاباً في بنى إسرائيل أطاع الله عشرون عاماً ثم عصاه عشرون عاماً فلما بلغ الأربعين ونظر إلى المرآه ورأى الشيب بدأ يزحف إلى رأسه ناجى ربّه فقال : الهى أطعتك عشرون عاماً وعصيتك عشرون عاماً فهل إذا عدت إليك تقبلنى؟ فسمع صوتاً في الحجرة ولم يرى أحد.
سمع قائل يقول :اطعتنا فاطعناك وتركتنا فتركناك وان عدت إلينا قبلناك .
وفي الأثر جاء :
يا أيها العاصي إذا تُبت إلينا ثم نقضت فارجع الينا ثانية فاذا نقـضت فلا يمنعُك الحياء الينا ثالثاً.. فأنا الحليم الذي لا يعجل , وأنا الكريم الذي لا يبخل . فمن ذا الذي أتى إلينا تائباً فطردناه,
من ذا الذي طرق الباب فما فتحنا له , من ذا الذي استقال من ذنبه فما غـفـرنا له ,
فأنا الذي اغفر الذنوب واغيث المكروب وأنا علام الغُـيوب ..
** *** *** **
فرح موني
10-03-2008, 03:00 AM
4- عن ابي موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " ان الله يبسط يده بالليل ليتوب مُسيء النهار و يبسط يده بالنهار ليتوب مُسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها "
هذا من كرمه سبحانه ان يقبل التوبة وان تأخرت .
فإذا أذنب الانسان ذنب بالنهار فلم يتوب منه حتى انتهى النهار ودخل الليل فاذا تاب بالليل فان الله يقبل توبته وان تأخرت الى الليل
وكذلك ان اذنب بالليل ولم يتب إلا بعد ذهاب الليل ومجيئ النهار فإن الله يقبل توبته.
وهذا يدل على حـلـم الله تعالى على عباده وسعة رحمته.. حتى يُمهل العاصى ولا يؤاخذه بالعُقوبه أو يفضحه وإنما سـتـر عليه وانتظره .. فاذا تاب لم يُعاتبه على التأخير وإنما استقبله بالفرحه كما في الحديث السابق وقبل توبته رغم انها لم تاتى على الفور.
وعبر عن هذا ببسط اليد ... لبيان سعة رحمته تعالى وكثرة تجاوزه عن الذنوب وحبّه للتوبه وحبه للتوابين فهو باسط يده لمن يأتيه منهم رغم أنه مُسيء
ولكن بسط اليد منه سبحانه فيها إيحاء باللُطف منه والحـنـو على عـباده
فإذا تاملت هذا المعنى فان هذا يؤملك في رحمة الله ويرغبك في الرجوع إليه لأنك تعلم ان استقباله لك سيكون على هذا النحو من اللُطف والمودة والفرحة بك .
** * **
5- عن ابي هريره رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال" من تاب قبل ان تطلع الشمس من مغربها .." رواه مسلم
في الحديث الاول :
ان قبول التوبه مستمر مهما تأخرت من العبد . جاء هذا على الإطلاق ولكن لهذا التأخير حدود اذا تعداها التأخير لم تقبل التوبه ..
الحد الاول .. طلوع الشمس من مغربها
والحد الثاني .. حلول أجل الإنسان .
لذلك كان من فقه الامام النووى أن يأتى بهذين الحديثان فيهما بيان تاخير الذي لا تُـقبل بعده التوبه ففي هذا الحديث يبين ان التوبه لا تقبل اذا تأخرت حتى تطلع الشمس من المغرب
وهذه آيه من آيات الله التى ستحدث قرب قيام الساعه
قال تعالى {يوم يأتى بعضُ آيات ربّك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا }
** * **
6- وعن عبد الرحمن ابن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال" ان الله عز وجل يقبل توبة العبد ما لم يُغـرغـر "
" توبة العبد " اى المذنب المكلف ذكراً او انثى كرما من الله وتفضلا
" ما لم يُغـرغـر" اي تصل روحه إلى حلقومه من الغرغره .
قال تعالى { وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال انى تبت الآن }
والسر في عدم قبول التوبة عند الموت :
ان من شروط التوبه عزمه ألا يعود وانما يتحقق مع تمكن التائب من الذنب مع بقاء أوان الاختيار ..
والحاصل : انه متى فرض الوصول لحاله لا يمكن الحياه بعدها عادة لا تصح منه حينئذ توبة ولا غيرها , وهذا مُراد الحديث بيغرغـر
ومتى لم تصح الى ذلك صحت توبته. لذلك فسرابن عباس قوله تعالى { اذا حضر أحدهم الموت} في الآيه السابقه بمعاينة ملك الموت
وقال غيره : تيقن الموت لا خصوص رؤية ملك الموت .
المُستفاد من الاحاديث الثلاثه السابقه :
1-بيان حلم الله وسعة رحمته بعباده .
2- بيان كثرة تجاوزه سبحانه عن السيئات مما كثرت .
3- بيان فرحة الله تعالى بتوبة التائب لما ذكره من بسطه ليده سبحانه .
4- إثبات صفة اليد لله تعالى .
5- بيان عدم قبول التوبه عند الموت وبعد طلوع الشمس من مغربها .
6- التحذير من تأخير التوبه قبل أن يُفاجأك الموت أو تظهر علامه من علامات الساعه.
** * **
7 – عن زر بن حبيش قال : أتيت صفوان بن عـسّــال رضي الله عنه اسأله عن المسح على الخفين فقال :...
حديث طويل ونكتفي بشرح ألفاظه
(ما جاء بك يا زر ) أي ما حملك على المجيء ؟ فقلت ابتغاء العلم
(فقال : إن الملائكة تضع أجنحتها لطالب العلم )حقيقة وان لم نشاهده للقاعده المشهوره :
ان كل ما ورد وأمكن حمله على ظاهره حمل عليه مالم يرد ما يصرفه عنه
اي تكف اجنحتها عن الطيران وتنزل لسماع العلم .
وقيل : هو مجاز إما عن التواضع نظير قوله( واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين )
أو عن :المعونه وتيسير السعى في طلب العلم .. والملائكة يحتمل كونهم ملائكة الرحمه ونحوهم من الساعين في مصالح بنى آدم ويحتمل أنهم كلهم .
قيل والأول انسب بالمعنى الحقيقي والثانى بالمعنى المجازي .
(رضا ) منها .. (بما يطلب) أى من العلوم
أى من أجل الرضا الحاصل منها او لإرضائها بما يطلب
(فقلت انه قد حك ) وفي روايه حيك والمعنى : آثــر
(في صدرى المسح على الخُفين ) (بعد الغائط) وهو في الاصل المكان المنخسف من الارض (والبول وكنت امرأ ) أي شخصاً (من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم , فجئت أسألك هل سمعته يذكر في ذلك شيئاً ؟
قال نعم كان يامرنا إذا كنا سفراً أو مسافرين ألا ننزع خفافنا ثلاثة ولياليهم إلا من جنابه )
وكذا في معناه مما يوجب الغسل من حيض أو نفاس = فيلزمه نزعه
(لكن من غائط او بول او دم )
فقلت هل سمعته اي النبي صلى الله عليه وسلم يذكر في الهوى ؟ اي الحب شيئا
قال نعم كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فبينما نحن عنده إذ ناداه اعرابي وهم سكان البوادي .. بصوت له جهورى = الجهورى الشديد العالى
(يا محمد) لعله قبل تحريم ندائه صلى الله عليه وسلم باسمه . او لم يكن يعلم لكونه بباديه بعيده فأجابه رسول الله صلى الله عليه وسلم نحوا = اي اجابه نحوا من صوته بالرفع
هــآؤم : فقلت له ريحك اغضض من صوتك = اي انقص صوتك فانك عند النبي صلى الله عليه وسلم وقد نهيت عن هذا = اي عن رفع الصوت وعلوه بين يديه صلى الله عليه وسلم
(قال والله لا أغضض )أى من صوتى .. فقال الاعرابي : سائلاً النبي صلى الله عليه وسلم (المرء يُحب القوم ) أي الأخيار أحياء وأمواتا (ولما يلحق بهم) اي في الاعمال وطرق الكمال : أي لم يعمل بعملهم إذ لو عمله لكان منهم ومثلهم .
قال النبي صلى الله عليه وسلم جواباً على ذلك
(المرء مع من أحب ) فيه فضل حب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم و الاخيار احياء وامواتا وفي الحديث الذي جاء برواية انس بن مالك رضي الله عنه قال انس : ما فرحنا بعد الاسلام فرحاً أشد علينا مما فرحنا بقول النبي صلى الله عليه وسلم (المرء مع من احب )
قال القرطبي : وانما كان فرحهم بهذا القول اشد من فرحهم بسائر أعمال البر لأنهم لم يسمعوا ان في أعمال البر ما يحصل به ذلك المعنى من القرب من النبي صلى الله عليه وسلم إلا حب الله ورسوله .
ولما فهم أنس ان هذا القول محمول على عمومه علق به رجاء هو حقـق فيه ظنه فقال : أنا أحب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعُمر فأرجو ان اكون معهم وإن لم اعمل بعملهم .
(فما زال يُحدثنا) من كلام صفوان
(حتى ذكر بابا من المغرب مسيرة عرضه )= اي بين طرفيه (او يسير الراكب في عرضه ) (أربعين يوما أو سبعين عاما) لكمال سعته
(خلق الله تعالى ) أى أوجده (يوم خلق السموات والارض مفتوحا للتوبه )
أي لقبولها سواء كانت من كفر أو من الذنب
(لا يُغلق) ذلك الباب المترتب عليه عدم قبولها (حتى تطلع الشمس منه) أى من المغرب
قال في المفاتيح : وإما لم تقبل بعد طلوع الشمس من مغربها لأنه من علامات القيامه وحينئذ كأنها ظهرت الساعه وظهورها : إنقضاء التكاليف .
ففى الحديث ..
1- فضل السعى في طلب العلم وان الملائكة تضع أجنحتها لطالب العلم رضاً بما يصنع .
2- فيه بُشرى للإنسان إن أحب قوماً صار معهم وان قصر به عمله فانه يكون معهم في الجنّه ويجمعه الله معهم في الحشر وعلى الحوض .
3- وفيه دلاله على وجوب البغض للكفار وأعداء الإسلام وان العداوة لكفار يجب ان يكون الكُره فيها بالقلب وليس مجرد عداء باللسان .
4- صدق المحبه لله ولرسوله هي سبب معية الانسان مع الرسول صلى الله عليه وسلم في الجنه وعلامة محبة الله ورسوله : إمتثال أوامرهما واجتناب نهيهما .
فرح موني
15-03-2008, 10:04 PM
8- عن ابي سعيد سعد بن مالك بن سنان الخدرى رضي الله عنهم ان النبي صلى الله عليه وسلم قال كان فيمن قبلكم = اي من الامم (رجل قتل تسعة وتسعين نفساً ) اي على وجه العدوان فهبت عليه نفحات الانابه (فسأل عن اعلم اهل الأرض ) اي في ذلك الوقت (فدل على راهب ) اي عابد من عباد بنى إسرائيل ( فأتاه فقال : انه قتل تسعة وتسعين نفساً فهل له من توبه ؟ فقال : لا) = فلما اوقعه في ميدان القنوط (قتله فكمل به المائه) من القتلى
قال القرطبي : وهذا من الراهب دليل على قلة علمه وعدم فطنته حيث لم يصب وجه الفتيا ولا سلك سبيل التحرز في نفسه مما صار له القتل عادة معتاده فقد صار هذا مثل الاسد الذي لا يبال بمن افترسه , فكان حقه ألا يُشافهه بمنع التوبه مداراة لدفع القتل عن نفسه كما يُدارى الاسد الضاري لكنه اعان على نفسه , فانه لما آيسه من التوبه قتله بحُكم سبعـيته ويأسه من رحمة الله وتوبته عليه .
(ثم ) لما لم يزل لطف الله تعالى مُصاحباً لذلك القاتل بقى في نفسه الرغبه في السؤال عن حاله فما زال يحثه على ذلك الأمر حتى (سأل) ثانياً عن اعلم أهل الارض = اي في ذلك الزمان
(فدل على رجل عالم فقال: انه قتل تسعة وتسعين نفساً فهل له من توبه ؟ اي مقبوله فقال: ناطقا بالحق والصواب مجيبا على السؤال .. (نعم ومن ) استفهام انكار اي شيء (يحول ) اي يكون حائلا وفاصلاً (بينه ) اي التائب من الذنب (وبين التوبه )
وعبر بضمير الغائب مراعاة لحُسن الأدب في الخطاب لئلا يُضاف ما فيه لوم ثم ان العالم دل السائل على ما فيه نفعه بقوله (انطلق الى ارض كذا وكذا )
قال الطبراني : ليفارق دار الفساد واصحابه الذين كانوا يُعينونه علىه ما داموا ذكلك .
وقال القرطبي : وبهذا يعرف فضل العلم على العباده لأن الاول غلبت عليه الرهبانيه واغتر بوصف الناس له فأفتى بغير علم فهلك في نفسه وأهلك غيره .
والثاني كان مشتغلاً بالعلم فوفق للحق فأحياه الله وأحيا به .
(فان بها اناسا يعبدون الله تعالى فاعبد الله معهم ) (ولا ترجع الى ارضك ) اي التى كنت بها زمن العصيان (فانها ارض سوء )
وفيه تنبيه على وجوب استبدال تلك الارض بأرضه وفيه الانقطاع عن إخوان السوء ومقاطعتهم ما داموا على حالهم واستبدال صحبة اهل الخير والعلم والصلاح والعباده والورع ومن يقتدى به وينتفع بصحبته لتتأكد بذلك توبته وتقوى اوبته فان كل قرين يقتدى بقرينه .
(فانطلق) تائباً من زلته مفارقاً لمحلته قاصداً لما أمر بالرحلة اليه واستمر كذلك (حتى اذا نصف الطريق ) اي بلغ نصفها (أتاه الموت فاختصمت فيه ملائكة الرحمه وملائكة العذاب فقالت ملائكة الرحمه جاء تائـباً بقلبه إلى الله تعالى)
قال القرطبي : هذا نص صريح في أن الله تعالى أطلع ملائكة الرحمه على ما في قلبه من صحة قصده إلى التوبه وحرصه عليها وان خفي ذلك على ملائكة العذاب حتى اخبر صلى الله عليه وسلم منها بقوله ( وقالت ملائكة العذاب انه لم يعمل خيرا قط )
اذ لو اطلعت على ما في قلبه من التوبه لما صح لها ان تقول هذا ولا تنازع ملائكة الرحمه في قولها انه جاء تائبا بل كانت تشهد بما في علمها كما شهد الاولون بما تحققوه فلما حصل التنازع بين الصنفين بعث الله إليهم ملكاً حاكماً يفصل بينهما كما قال (فأتاهم ملك في صورة آدمي )
صور بصورته اخفاء الملائكه وتنويها ببنى آدم وان منهم من يصلح لأن يفصل بين الملائكه اذ تنازعوا (فجعلوه بينهم ) فقال ( قيسوا ما بين الأرضين ) أي التى خرج منها والتى ذهب إليها
(فإلى أيتهما كان أدنى فهو له ) أي لذلك الادنى اليه منهما اي الجنّة والعذاب (فقاسوا) اي ملائكة الصنفين (فوجدوه ) أي التائب (أدنى ) اي اقرب (إلى) جهة ( الأرض التى أراد فقبضته ملائكة الرحمه) لكونه أقرب إلى أرض الصلاح وفي روايه (فكان الى القريه الصالحه ) اي الصالح من فيها ( أقرب بشبر فجُعل من أهلها ) وفي روايه ( فإوحى الله تعالى ) أي أثار (الى هذه ) أي أرض الصلاح (ان تقربي ) بانبساط اجزاءها وامتدادها (وقال قيسوا ما بينهما فوجدوه الى هذه ) أي ارض الصلاح (اقرب بشبر ) بسبب امتدادها وانبساطها وانزواء تلك وانقباضها ( فغـفـر له ) فإخذته ملائكة الرحمه.
قال القرطبي : يفهم منه ان الرجل كان أقرب إلى الارض التى خرج منها فلو تركت الارض على حالها لقبضته ملائكة العذاب لكن غمرته الألطاف الإلهيه وسبقت له العنايه الأزليه فقربت البعيد وألانت الحديد
* المُستفاد من الحديث ..
1-عدم استعظام الذنب في جنب الله فان عفو الله اعظم من الذنب
فان هذا القاتل لو انه استعظم ذنبه وظن ان الله لن يغفر له لجرأته في المعصيه حتى قتل هذا العدد من الناس بدون سبب فلو استعظم ذلك الذنب في جانب عفـو الله ما فكر في التوبه .
2 - عاقبة القنوط من رحمة الله زيادة نزول وعصيان
فالانسان اذا قنط ولم يرجو رحمة ربّه فانه يزداد ضعفا ويكثر منه الخطأ .. فالقاتل عندما سأل الراهب عن التوبه فـقنطه من رحمة الله وقال (ليس لك من توبه ) فانه لم ير بُد من ان يقتل الراهب .. فلما قنط زاد عصيانه وازداد سوء حاله ولولا ان الله اجتباه وألهمه السعى في طلب التوبه ما كان ليعود فيبحث عن عالم يُـفتيه
كذلك العبد اذا لم يرجو رحمة ربه لمجرد وقوعه في الذنب فان هذا يزيد ضعفه وقد يزيد تقصيره ويوقعه في ذنب آخر وآخر لإحساسه بالفشل والنقص فيستسلم لضعفه ويستسلم لبُعده عن الله ويستحى مع ذنبه ان يخشع أو يُطيع أو يفعل خيرا.
- وهذا من تمام الجهل بصفات الله وكماله سبْـحانه .. فالباعث على الرجاء هو العلم بجميل صفات الله , فمن عرف صفات الجمال لله تعالى وكمال صفاته سبْـحانه لابد أن يرجوه عزّ وجلّ
* فإنك اذا علمت أنه سبْـحانه غنى عن طاعتك لا تضره معصيتك , حليم على عباده لا يعاجلهم بالعقوبه وانه كريم لا يبخل على عبده اذا رجاه وانه رحيم لا يعامل العبد بعدله وإنما برحمته
وأنه مُحب للتائب بل انه باسطا يده بالليل والنهار يدعوه للصلح معه والعودة إليه .
* فإنك اذا علمت ذلك لن تزهد أبداً في مولاك وإنما تُـلح عليه حتى يقبـلك مهما ظهر لك من عدم القبول , فانه ان صحت معرفتك به فان الذنب يزيد ترددك اليه وإقبالك عليه حتى يغفر لك .
أما ان تزهد لمجرد انه لم يفتح لك بابه من أول أو ثانى او ثالث مره طرقته فانت بذلك غير صادق في محبته أو انك صادق ضعيف او جاهل بربك فلو كنت مُحبّاً حقـا ما زهدت في محبوبك مهما قلاك ولا قصرت في طلبه مهما ابعدك , ولعلمك أن إبعاده لك اما تنبيهاً لك على عيوبك أو لايقاد الشوق في قلبك فتزداد بذلك قُربـاً منه
وهذه المعرفه لايتحصلها العبد إلا بالعلم باسماء الله وصفاته , لذلك كان نجاة الرجل في ان يُدل على عالم .
3- لُـطف الله بعباده في اعتبار الصدق في معاملته للعبد .
فهذا العبد لما صدق الله في طلب التوبه وعلم الله ذلك من قلبه لم يتركه للأسباب فاذا كانت هذه الاسباب لم تتوفر إلا بهذا الراهب الجاهل حتى افتاه بما يُقنطه من رحمة ربّه فان الله سخر له أسباب الوصول الى عالم يدله على الحق وذلك لصدقه في طلب التوبه .
وهذا يدل على ان المعول على عطاء الله أو منعه مسألة الصدق في الطلب فمن صدق اُعطى ولو بعد حين ومن ادعى حُرم ولو استمر في دعواه .
4- فيه بيان لفضل العالم على العابد ..
يقول الامام القرطبي :بهذا الحديث يُعرف فضل العلم على العباده أن الأول غلبت عليه الرهبانيه فافتى بغير علم فهلك في نفسه وأهلك غيره والثاني كان مُشتغلاً بالعلم فوفق للحق فأحياه الله وأحيا به.
وعن انس بن مالك رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " الاحمق العابد يُصيب بجهله أعظم من فجور الفاجر وإنما يقرب الناس من ربهم بالزلف على قدر عقولهم "
5- الاشاره إلى خطورة البيئه الفاسده وإخوان السوء
حيث لا يُنكرون المُنكر ولا يعينوا على خير فإن أهل القرية التى كان فيها العبد القاتل لم يُنكروا عليه قتل الأبرياء حتى قتل هذا العدد الكثير فلو انه وجد من يُنكر عليه ما تأخرت توبته حتى قتل هذا العدد .
6- الإشاره إلى أهمية صُحبة أهل الصلاح وفائدة البيئه الصالحه ..
فقد طلب العالم من التائب ان يترك قريته وهي البيئه الفاسده ثم دله على قرية صالحه اي أهلها صالحون لأن الإنسان في بداية التوبه يحتاج لمن يُقوى ضعفه ويقتدي به في الخير .
لذلك قيل : إذا أراد الله بعبداً خيرا رزقه خليلاً صالحا.. إذا نسي ذكره واذا ذكر أعانه .
7- فيه تنبيه على معونة الله للتائب الصادق في توبته ,
فان الله عزّ وجلّ لما علم صدق نيته وحرصه على الوصول إلى البلد الطيب الصالح أهلها قرب إليه الارض الصالحه وأبعد عنه الأرض الطالحه .
ففيه إشاره إلى تيسير أسباب الهدى لمن أراد أن يهتدى , فلا تنظر إلى المعوقات ولا تنتظر أن تُزال ثم تهتدى وإنما ابدأ السير وسوف يمدك الله بالتوفيق ويُزلل لك الصعاب , فان كنت جاهل وتريد ان تتعلم فاسلك أيسر السُـبـل مهما قلت وسيفتح الله لك ما يكفيك وانت كنت عاصي فاعزم على ترك الذنب بصدق تُـعان على نفسك وعلى شيطانك بهذا الصدق .
8- العبره بالخواتيم ..
لا تستبعد الهدى عن أي عاص مهما كان ظاهره من الفجور والإصرار على المعاصي فانك لا تعلم بمكنون قلبه لعل الله يرزقه إنابه تخلعه من فجوره وتُصلح سريرته فيصلح بها علانيته ويُختم له بالعمل الصلاح والهدى .
فلا تبغض عاص لذاته ولكن أبغضه لفعله وتمنى له الهُدى , فهو لم يعلم من الخير ما علمت وما هُدى إلى ما هُديت أنت له .. فإذا كان الله تعالى هو الذي هداك فانه قادر على ان يهديه ولا يعلم الغيب إلا الله
vBulletin® v3.8.6, Copyright ©2000-2012, Jelsoft Enterprises Ltd by Support-ar.com