المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الأوهام الأمريكية الكبرى!!


المهدي شاهين
29-02-2008, 04:55 AM
الأوهام الأمريكية الكبرى!!

إذا كانت الولايات المتحدة الأمريكية كبيرة في قوتها، وكبيرة في اقتصادها القاري، وكبيرة في نفوذها المفروض بغطرسة القوة، فهي كبيرة أيضا في أوهامها.
في حسابات الأوهام الأمريكية، انه يمكن للولايات المتحدة، أن تتحكم بالعالم، سياسة واقتصاد، وانه يمكن السيطرة على ثروات الشعوب لصالحها طوعا من قبل أصحابها أو بقوة السلاح، وان النموذج الأمريكي، هو الذي يجب أن يسود، بعد أن صدّق الساسة الأمريكيون، أن نهاية التاريخ " بحسب فوكوياما " قد أزفت بفعل غياب القطب المنافس لها، وان التاريخ هو الآن حكرا عليها كصناعة بامتياز.
الولايات المتحدة الأمريكية، وفي ظل إدارتها الحالية، كشفت عن وجهها القبيح، ومن الخطأ التفكير بان هذا الوجه القبيح، قد أصبح كذلك في عهد بوش الصغير، فالإدارة الحالية ورئيسها، هي نتاج النموذج الأمريكي، لكن التوقيت، وبحسب الأوهام الأمريكية، جاء مناسبا مع التطورات العالمية التي أسست لوجود القطب الواحد مع تراجع أقطاب أخرى.
لكن الأمور لم تسر كما رسمتها الأوهام الأمريكية، إذ في مقابل سقوط القناع عن الوجه الأمريكي، كان رد الفعل العالمي، مغايرا لحسابات الساسة، ولتوجيهات المنظرين الذين مهدوا لهذا التوجه، حيث سقط الحراك الأمريكي في خطأ أوهامه، سياسة وقوة واقتصاد، واضعا القطب الأوحد في مأزق لا يتعلق بفشله في تطبيق السياسات التي رأى أنها مناسبة في توقيتها للبدء بتنفيذ المخططات المعدة سلفا للسيطرة على العالم والتحكم بمقدراته فحسب، وإنما أيضا في كسب كراهية العالم رسميا وشعبيا، وان كانت المصالح تتغلب على الجهر بالرأي الرسمي عادة.
المنظرون الأمريكيون أطلقوا العنان لخيالهم المريض بالعظمة والغطرسة، ليعلنوا نهاية التاريخ للعالم، وبدء التاريخ العالمي المصاغ بطريقة أمريكية، لكن الفشل المتواصل للسياسات الأمريكية، دفعهم للتراجع عن نظرياتهم، عبر تبريرات لا مضمون فيها سوى الكلام، لقد تفننوا في اختراع الأعداء الجدد بعد أن قالوا إن العدو التقليدي، وهو الاتحاد السوفيتي قد تم إنهاء الصراع معه، بمعنى، لم يبقى في العالم سوى النهج الأمريكي الرأسمالي، ولا مكان لنهج آخر في هذا العالم مع بداية الألفية الجديدة 2003.
في التصنيفات الجديدة لنتاج السياسة الأمريكية نوعان، الأول: ما أعلن عنه المنظرون والمفكرون حين حددوا أن خطوط الصدع السياسية المستقبلية في العالم ، تتمثل في عدوين هما الإسلام والصين، والمواجهة حتمية بين نظام القطب الواحد وهذان العدوان، أما على الصعيد الرسمي، فقد جاء التحديد أكثر فجاجة، حين رفعت إدارة الرئيس بوش وعلى لسانه، مقولة" من ليس معنا فهو ضدنا"، وهي وان لم تسمي الأشياء بأسمائها مباشرة هنا، إلا أن ما تبع ذلك، كان التوصيف والتقسيم لدول العالم على أنها محورا للأشرار وآخر للخيرين، الأشرار بالطبع، هم الذين لا يتّبعون الاملاءات الأمريكية، وأما الأخيار، فهم الخانعون والمستسلمون لإرادة القطب الواحد مع كل تبعاتها، وان كانوا في المحصلة أخيارا بشكل مؤقت، فلا صداقة دائمة، ولا عداوة أيضا دائمة في قوانين السياسة الأمريكية، فالمصالح أولا ... وأخيرا.
الإدارة الأمريكية تدرك الآن وبعد الفشل الذي منيت به سياستها، بان عليها مراجعة الأمر من جديد، لكنها تدرك أيضا، أنه لا يمكنها أن تعيد القناع الذي سقط عن وجهها القبيح ببساطة هكذا، لذلك، فقد لجأت إلى إنشاء مؤسسة لتجميل الوجه الأمريكي، معززة بالمشاريع الإعلامية المتمثلة بالإذاعات الموجهة والفضائيات المشبوهة، والمالية التي عليها شراء الآخرين تحت مسميات عدة ومنها بعض ما يسمى المنظمات المدنية، لكنها لم تستطع أن تحقق شيئا، إذ أن استقالة مسؤولة هذه المؤسسة الجديدة" هيوز" جاء نتيجة لذلك الفشل، أما احدث أوهامها بالخصوص، فهو ما أعلنت عنه وزارة الدفاع الأمريكية ، المتمثل بتنفيذ برنامج “غسيل مخ” و”إعادة برمجة” للمعتقلين العراقيين لضمان عدم حملهم السلاح ضد قوات الاحتلال بعد الإفراج عنهم، بمعنى، إقناع العراقي بان الاحتلال والنهب الأمريكي وإذلال الشعب العراقي، عمل ايجابي يجب أن يهلل له، أليست أوهام الولايات المتحدة كبيرة حقا.