مشاهدة النسخة كاملة : رجال من الشرق العربي
إبراهيم إسماعيل
29-10-2007, 05:30 PM
بسم الله الرحمن الرحيم .
رجال من الشرق العربي
لم يكن التاريخ مزهواً بشرقنا العربي طيلة عصر مضى. كانت الأمة ومازالت تتردد في الوهدات، ترقب القمم تختلف كثيراً أو قليلاً حول المرقاة الأولى من أين تكون...
ومع الأعين الكثيرة المسمرة دائماً على الأعالي، كان هناك جهد وقصور، بصيرة وعجز، سمو وإخلاد، إيثار وأثرة، تسديد أو مقاربة وبعد أو مجانبة... وتمثل كل هذا في جهد بشري، كان مخلصاً مصيباً أحياناً، ومصيباً مثمراً أو غير مثمر أحياناً أخرى...
هذه الصفحات من تاريخ الرجال، هي صفحات للعرض وللمعرفة... محاولات لرصف جزئيات التاريخ عبر جهود الأفراد... بعيداً عن التقويم الشخصي أو الموضوعي إذ طالما تسربلت الموضوعية في ثنايا الذاتية.
ليس لنا في هذه التراجم إلا محاولة العرض، وغالباً ما يكون هذا العرض من وجهة نظر صاحبه، لا من وجهة نظر المؤرخ. ونترك لكل إنسان في هذه الترجمة، أن يلقي معاذيره، وللقارئ أن يحكم بما يشاء...
ليس لنا أن نحتكر الرضى أو السخط، الرفض أو القبول. وإنما نتعهد أن نعرض بعض الحقائق عسى أن نعين على تسطير بعض صفحات التاريخ من خلال الرجال.
إبراهيم إسماعيل
29-10-2007, 05:54 PM
قسطنطين زريق
ولد قسطنطين زريق في مدينة دمشق بتاريخ 18 نيسان 1909، لعائلة أرثوذكسية عُرفت بتعاطيها الأعمال التجارية، وكانت تقطن حي القيمرية، وهو من أشهر أحياء دمشق القديمة، ومن أهم مواطن التجار الدمشقيين. وكان والده قيصر قد هاجر إلى كولومبيا ثم عاد قبل الحرب العالمية الأولى وتزوج وأنجب أربعة أولاد كان قسطنطين أكبرهم، ثم نزح الأب قيصر مجدداً إلى كولومبيا في عام 1923 وتوفي بعد عام واحد وهو في المهجر.
أمضى قسطنطين طفولته وصباه في دمشق، وكانت عائلته قد انتقلت إلى دار للسكن تحيط بالكاتدرائية والمدارس الأرثوذكسية، وتجاور الأحياء الإسلامية. وقد خلفت أجواء التسامح والتعاون التي سادت بين أبناء الديانتين أثراً بالغاُ في نفسية زريق وشخصيته.
أتم زريق دراسته الابتدائية والثانوية في مدارس الطائفة الأرثوذكسية. وعلى الرغم من الارتباط الطائفي لهذه المدارس، إلا أنها ضمت عدداً لا بأس به من التلامذة المسلمين، وعًرفت برفعة مستواها خصوصاً في العلوم العربية.
التحق زريق بالجامعة الأمريكية في بيروت، وبدأ تخصصه بالرياضيات، إلا أنه تحول إلى التاريخ بعد وقت قصير بتشجيع من بعض أساتذته الدينيين. وكان قد شغر حينذاك كرسي التاريخ العربي، فرُشح زريق لإتمام دراسته التخصصية في الولايات المتحدة في هذا الموضوع، إعداداً له لتولي هذا الكرسي من بعده. وبعد أن تخرج زريق بدرجة بكالوريوس في الآداب بامتياز عام 1928، سافر إلى الولايات المتحدة حيث نال الماجستير من جامعة شيكاغو في عام 1928 والدكتوراه من جامعة برنستون في عام 1930.
توزعت الوظائف التي احتلها زريق في حياته العملية بين التدريس الجامعي والعمل الأكاديمي الإداري والمناصب الدبلوماسية. فلقد عُين بعد تخرجه مباشرة أستاذاً مساعداً في التاريخ بالجامعة الأمريكية في بيروت، ورُقي إلى أستاذ مشارك في العام 1942، وعمل زريق بعد الحرب العالمية الثانية ولفترة ثلاثة أعوام (1945ـ 1947) في السلك الخارجي السوري حيث خدم كمستشار أول، ثم كوزير مفوض في المفوضية السورية بواشنطن، وكان خلال ذلك عضواً مناوباً في مجلس الأمن.
عاد زريق بعد تجربته القصيرة في الميدان الدبلوماسي إلى الحياة الأكاديمية، حيث التحق بالجامعة الأمريكية من جديد وعُين أستاذاً للتاريخ، ونائباً لرئيس الجامعة. وفي العام 1949 أصبح رئيساً للجامعة السورية، وبقي في هذا المنصب حتى العام 1952. وأعيد تعيينه في ذلك العام نائباً لرئيس الجامعة الأمريكية، وعميداً للكليات إلى أن أصبح رئيساً للجامعة بالوكالة بين الأعوام (1954ـ 1957). وحصل في عام 1956 على لقب أستاذ ممتاز للتاريخ، وعلى لقب أستاذ شرف في عام 1976، كما أنه خدم كأستاذ زائر في جامعة كولومبيا عام (1965)، وجامعة جورج تاون (1977)، وجامعة يوتا (1977).
إلى جانب وظائفه الرسمية المتعددة، نشط زريق في العديد من المنظمات الثقافية الإقليمية والعالمية، واحتل مناصب رفيعة في العديد منها: فهو عضو مراسل في مجمع اللغة العربية في دمشق، وعضو مؤازر في المجمع العلمي العراقي، وعضو فخري في الجمعية التاريخية الأمريكية، وكان عضواً في المجلس التنفيذي لليونسكو (1950ـ 1954)، وعضواً في المجلس الإداري للهيئة الدولية للجامعات (1955ـ 1965)، ورئيساً لجمعية أصدقاء الكتاب في لبنان (1960ـ 1965)، ورئيساً لمجلس أمناء مؤسسة الدراسات الفلسطينية منذ أن أسست هذه المؤسسة في عام 1963. وهو منذ عام 1979 من أعضاء مجلس أمناء جامعة قطر.
كما شملت نشاطات زريق الثقافية المميزة عضويته في الهيئة الدولية لكتابة التاريخ العلمي والحضاري للإنسانية، التي رعتها منظم اليونسكو (1950ـ 1969)، ورئاسته للجنة الخبراء التي قامت بتقديم المشورة للحكومة الكويتية حول إنشاء جامعة الكويت. وتقديراً لنشاطاته فقد قامت الحكومة السورية بتقليده وسام الاستحقاق (درجة ممتازة)، وقلدته الحكومة اللبنانية وسام المعارف (درجة أولى) ووسام الأرز الوطني (درجة كوماندو) ومنحته جامعة ميشغان دكتوراه فخرية في الآداب.
أتقن زريق اللغتين العربية والإنجليزية وكتب بهما، وأجاد الفرنسية وألم بالألمانية. إلا أن الحيز الأكبر من كتاباته كان بالعربية، وهي اللغة التي يبدو أنه كان يفضل دوما الكتابة بها. وهذه إحدى ميزات المفكر قسطنطين زريق، فعلى الرغم من أنه قضى جميع مراحل دراسته الجامعية في مؤسسات أجنبية، وارتبط خلال معظم سنوات العمل في حياته بمؤسسات تربوية أجنبية، إلا أنه اختار أن يخاطب باستمرار القارئ العربي، وأن يتوجه في كتاباته إليه، وأن تكون المواضيع التي يختار الكتابة بها ذات صلة مباشرة بالأوضاع السائدة في الوطن العربي وبمستقبله.
يُعتبر زريق من أبرز المفكرين القوميين، هذا التيار الذي بدأ ينمو منذ بداية القرن العشرين، بعد سقوط الإمبراطورية العثمانية، حيث التف حول زريق مجموعة من القوميين الذين عُرفوا بجماعة الكتاب الأحمر.
فعلى يده دخلت مبادئ (الكتاب الأحمر) وهي مبادئ قومية إلى الجامعة الأمريكية في أوائل الثلاثينات، واستجاب لها عدد غير قليل من الطلاب العرب من بلاد الشام والعراق والجزيرة خاصة. ومن هذه المبادئ التي جاءت في كتابه (الكتاب الأحمر):-
ـ المادة الأولى: ما هي الفكرة العربية؟ ـ ما هي القومية العربية؟ ـ من هم العرب؟ ـ ما هي البلاد العربية؟ ـ لزوم العصبية العربية وحدها. ـ وحدة الهدف في الجهاد. ـ الاختلاف والتنوع في أساليب الجهاد. ـ التنظيم هو الذي يؤلف المساعي القومية ويوجهها. ـ تحتيم الانتظام والجهاد.
كما وتبنى قسطنطين زريق في كتاباته عدداً من المفاهيم الأساسية التي أمدته في مجموعها بإطار ذهني أضفى على نتاجه طابعاً مميزاً. وأهم هذه المفاهيم ثلاثة: الحضارة والعقلانية والقومية. وقد اعتمد زريق أول هذه المفاهيم الثلاثة منطَلقاً لمعالجة كافة قضايا المجتمع العربي، التي تطرق إليها واعتبره (الحيز الذي تنبثق منه وتنتظم فيه مختلف القضايا القومية والإنسانية). وأمد مفهوم الحضارة فكر زريق ببعده الشمولي وأتاح له النظر إلى نواحي المجتمع المختلفة كوحدة مترابطة متفاعلة، حيث يعسّر فهم ناحية منه دون الرجوع إلى النواحي الأخرى.
كما استطاع زريق أيضاً باعتماده لمفهوم الحضارة أن يبلور أفكاره ضمن إطار إنساني وعالمي، وأن يخرج من مزالق القوقعة الذاتية التي طغت على العديد من مسارات الفكر العربي الحديث. فمفهوم الحضارة هو معيار للمقارنة بين المجتمعات، وقياس مدى تقدمها ورقيها وللحكم على الأمور، وللدلالة على وحدة العنصر البشري ووحدة مصيره في الماضي والحاضر.
وأما بالنسبة إلى العقلانية، فلقد احتل هذا المفهوم في فكر زريق مكانة رئيسية وشكل الواسطة التي أراد زريق لها أن تكون معبر العرب إلى الثقافة الحديثة، واعتمد في هذا المجال تعريفاً للعقلانية يتألف من عنصرين هما العلم والخلق... وأخيراً حاز مفهوم القومية على الجانب الأكبر من اهتمامات زريق. فلقد نظر زريق إلى المسألة القومية على أنها مسألة الحياة العربية، وعمل جاهداً على بلورة الشعور والتربية القوميين. ومع أنه لم يقدم في كتاباته على تطوير فلسفة قومية متكاملة، إلا أنه نجح في إثارة هذه القضايا ولفت أنظار المفكرين العرب الآخرين إلى ضرورة التصدي لها ومعالجتها ولعل من أهم مساهماتها في هذا المجال الكيفية التي عالج بها قضية فلسطين والتي اعتبرها محك النهضة العربية. فلقد استطاع زريق من خلال كتاباته المتعددة في القضية الفلسطينية أن يثري الفكر العربي ويحفزه على اعتماد منطلقات جديدة في النظر إلى قضاياه القومية.
في شهر أيار من عام 2000م توفي قسطنطين زريق مخلفاً وراءه قائمة من الكتب والأبحاث:
ـ الوعي القومي (1939).
ـ معنى النكبة (1948).
ـ أي غد (1957).
ـ نحن والتاريخ (1595).
ـ هذا العصر المتفجر (1963).
ـ في معركة الحضارة (1964).
ـ معنى النكبة مجدداً (1967).
ـ نحن والمستقبل (1977).
ـ مطالب المستقبل العربي (1983).
ـ من بعيد ومن قريب (مقالات وخطب ـ 1994).
ـ كرّاسي الكتاب الأحمر.
وقد جمعت هذه المؤلفات تحت عنوان (الأعمال الفكرية العامة للدكتور قسطنطين زريق) وصدرت عن مركز دراسات الوحدة العربية في أربعة مجلدات في بيروت عام 1994، وله الكثير من المقالات التي نشرت في العديد من المجلات.
المراجع:-
ـ الدكتور صالح زهر الدين (رجالات من بلاد العرب، المركز العربي للأبحاث والتوثيق، بيروت، طبعة أولى 2001، ص (665ـ 679).
ـ تحرير أنيس صايغ (قسطنطين زريق 65 عاماً من العطاء، مكتبة بيسان للنشر والتوزيع والإعلام، بيروت، طبعة أولى 1996، ص(133ـ 135) (168ـ 190) (68ـ 70).
واستكمالاً للفائدة نضع بين يدي القارئ تلخيصاً موجزاً للمبادئ التسعة الواردة في الكتاب الأحمر ليستفيد منها إذا شاء، وسيشعر القارئ أن في كتابات هذا المفكر نزعة منهجية واعتدال سواء اتفق معه في الأصول أو خالفه فيها:
المادة الأولى: ما هي الفكرة العربية؟
الفكرة أو القضية العربية تعبير مطلق عن الحركة التي يقوم بها العرب لتحرير أنفسهم من الاستعمار والاستعباد والفقر والجهل وسائر ضروب الوهن، على أن يؤلفوا شملهم ويتحدوا في دولة عربية قومية قوية متحضرة، ليصونوا بذلك كيانهم المادي والمعنوي، ويرفعوا شأنهم ويستمروا في تأدية رسالتهم الإنسانية والحضارة العالمية.
ـ المادة الثانية: ما هي القومية العربية؟
هي مجموعة الصفات والمميزات والخصائص والإرادات، التي ألّفت بين العرب، وكونت منهم أمة كوحدة الوطن واللغة والثقافة والتاريخ والمطامح والآلام والجهاد المستمر والمصلحة المادية والمعنوية المشتركة. والقومية العربية هي محل تقديس وفخار عند العرب لأنهم تميزوا عن سائر الأمم، وامتازوا عليها خلال العصور، وبها نهض مجدهم الحاضر وكفل لنفسه النمو والبقاء إلى الأبد.
ـ المادة الثالثة: من هم العرب؟
العرب هم من كانت لغتهم العربية، أو من يقطنون البلاد العربية وليست لهم في الحالتين أية عصبية تمنعهم من الاندماج في القومية العربية.
ـ المادة الرابعة: ما هي البلاد العربية؟
البلاد العربية هي جميع الأراضي التي يتكلم سكانها اللغة العربية في آسيا وأفريقيا، أي هذه الأراضي الواقعة في الحدود التالية: من الشمال جبال طوروس والبحر المتوسط، ومن الغرب المحيط الأطلسي والبحر المتوسط، ومن الجنوب بحر العرب وجبال الحبشة وصعيد السودان والصحراء الكبرى، ومن الشرق جبال تشتاكو والبختيارية وخليج البصرة. أما الجزر القريبة من الشواطئ العربية والتي يسكنها العرب فهي عربية.
ـ المادة الخامسة: لزوم العصبية العربية وحدها.
يحرّم العربي العصبيات التي تضعف العصبية العربية كالعصبيات الطائفية والعنصرية والطبقية والإقليمية والقبلية والعائلية وأشباهها. والعربي يعلم أن الأديان السماوية ليست في ذاتها عصبية دنيوية، فهو بذلك يحترمها ولا يرى فيها ما يحمله على إنقاص ولائه التام للقومية العربية.
إبراهيم إسماعيل
29-10-2007, 05:54 PM
ـ المادة السادسة: وحدة الهدف في الجهاد.
يؤمن العربي بأن هدفه القومي في أصله وطبعه ومنتهاه واحد لا يتجزأ في الوصول إليه، وبأنه إلى هذا الهدف يجب أن توجه كل الجهود الفردية والجماعية. فالعربي يرى أن المساعي القومية التحررية التي يقوم بها العرب في هذا القطر وذاك من أقطارهم لا يجوز أن تُؤدى إلا إلى التحرر والتوحد الشاملين. فلكل عربي بل عليه أن يعمل في كل أرض عربية بما يعجل تحقيق هذه الغاية ويوطد أركانها ويكفل بقاءها.
ـ المادة السابعة: الاختلاف والتنوع في أساليب الجهاد.
ليست أقطار العرب اليوم سواء في العلم والجهل والغنى والفقر أو السيادة والاستعباد. فلذلك جاز أن تتنوع أساليب الحركات السياسية والاجتماعية فيها، وأن تختلف باختلاف القطر، على أن يكون بينها جميعاً ضابط يؤلفها وينسقها ويوجهها توجيهاً يضمن فعلها، في إيصال الأمة العربية إلى هدفها القومي العام بأقل التضحيات وأقصر زمن.
ـ المادة الثامنة: التنظيم هو الذي يؤلف المساعي القومية ويوجهها.
فهو على ذلك جزء من أجزاء العقيدة ووجه من وجوهها، ولا يجوز أن يصدر إلا عن وحي الإرادة العامة. وهذا التنظيم يقوم على ضبط الخواطر والنزعات والإرادات الشخصية الفردية أو القطرية الإقليمية، عند العرب وتحصين القوي منها وتسخيرها لخير القضية العربية الشاملة.
ـ المادة التاسعة: تحتيم الانتظام والجهاد.
قعود الفرد العربي واحجامه عن الانتظام في مواكب الجهاد عجز وضلال يشبهان الخيانة، مثله الإخلال بالنظام بعد الانتظام، وفي ميسور كل عربي أن يجاهد بيده وبنانه، فإن لم يستطع فبلسانه وبيانه فإن لم يستطع فبقلبه وجنانه، ولا سيما حين تكون الأمة في ساعات العسرة أو الخطر. ويحدد الكتاب الأحمر أهداف القومي العربي وواجباته وأمانيه إلى أن يصل إلى المادة الرابعة والأربعين فيقول:
(الدولة العربية دولة قومية لا دولة دينية، والأديان عندها هي سبيل المرء إلى خالقه في العبادات، فهي مصونة ومحترمة ومقدسة وفق ما يرد عنها في القوانين).
إبراهيم إسماعيل
29-10-2007, 05:57 PM
ساطع الحصري
هو ساطع بن محمد هلال الحصري، ولد في مدينة صنعاء اليمنية سنة 1880م، والده محمد هلال الحصري من أهالي مدينة حلب في شمالي سورية، نال الإجازة في علوم الشريعة والعربية من الجامع الأزهر بمصر، فعين قاضياً في مدينة دير الزور ثم في مدينة حلب السوريتين، ثم عين رئيساً لمحكمة استئناف ولاية اليمن، ثم انتقل بعدها إلى أضنة ثم إلى أنقرة من بلاد الأناضول، فإلى طرابلس الغرب في ليبيا، ثم أُعيد ثانية إلى اليمن، فإلى قونية في تركيا فثانية إلى طرابلس الغرب.
وعندما انتقلت وظيفة القاضي الحصري إلى طرابلس الغرب للمرة الثانية سنة 1893م، كان ساطع الذي أتم الدراسة الابتدائية النظامية، قد استطاع بجهده الشخصي واجتهاده الشديد، دخول القسم الإعدادي من (المدرسة الملكية الشاهانية) في استانبول، فتركته الأسرة المسافرة إلى ليبيا تلميذاً داخلياً في هذه المدرسة، ولكن لم يكن ساطع يرضى لنفسه الاكتفاء بالمحاضرات النظامية التي تلقى عليه، وبالكتب المحددة المطلوبة منه. فقد خلق شديد الرغبة بالمعرفة والتقصي، محباً للدراسة والتحصيل مولعاً بالعلوم الرياضية، مندفعاً وراء كشف دقائقها، فأخذ يلتهم كل ما تقع عليه يده من كتب ومجلات يبحث فيها، مستعيراً من أصدقائه طلاب مدرستي الهندسة والأركان الكتب المقررة عليهم، وبدأ يُعرف بقدرته على حل الصعب من مسائل الرياضيات العالية، فأطلق عليه رفاقه اسم (آرشيمد) واشتهر بهذا الاسم مدة طويلة من الزمن، كما أولع بالعلوم الطبيعية واستهواه تشريح الحيوانات وتحنيطها. وهكذا استطاع ساطع الحصري أن يكمل دراسته العالية في المدرسة الملكية سنة 1900م بتفوق ملحوظ.
احتل ساطع الحصري بما قام به من تبديل في نظم التربية والتعليم، وبما نشره من مؤلفات ومقالات، مكانة عالية في الدولة العثمانية، وتمتع بمركز مرموق. فقد انتخب عضواً في (جمعية المطبوعات العثمانية) منذ يوم تأسيسها، وكان رئيساً لمؤتمر المطبوعات، وتعتبر هذه الوظيفة من آخر المراكز التي تبوأها ساطع الحصري في العهد العثماني حتى نهاية الحرب العالمية الأولى سنة 1918.
كان ساطع الحصري من موقعه في إطار الدولة العثمانية منخرطاً في سلك (الاتحاد والترقي) الحزب التركي الطوراني الذي حمل راية التتريك ضد العرب. ولكنه في لحظة ما انقلب من موقفه الطوراني ليحمل راية القومية العربية وليجعل من نفسه منظراً لها.
دعته الحكومة العربية التي تشكلت في سورية بعد الانفصال عن الدولة العثمانية، وكلفته بوظيفة مفتشاً عاماً للمعارف ثم مديراً عاماً للمعارف في سورية، ويوم أعلن المؤتمر السوري استقلال سورية وتُوج فيصل بن الحسين ملكاً على سورية بتاريخ 8 آذار1920، وقامت أول حكومة عربية دستورية، أُختير الحصري وزيراً للمعارف فيها، كما أصدر مجلة باسم (التربية والتعليم) نشر فيها عدة مقالات تربوية ووطنية.
يوم احتل الفرنسيون دمشق، غادر الحصري سورية مع مليكها المبعد عن العرش فيصل الأول، مرافقاً مليكه في رحلاته بين العواصم الأوروبية، وبعد أن توج فيصل ملكاً على العراق استدعى ساطع الحصري الذي كان وقتها في مصر يطّلع على الأوضاع التربوية والتعليمية فيها، ليعمل مستشاراً لشؤون المعارف في الدولة العراقية الجديدة، حيث تسلم طيلة ما يقارب العشرين عاماً عدة مناصب تربوية في بغداد وهي:-
1ـ معاون وزير المعارف 2ـ مدير المعارف العام
3ـ أستاذ علم التربية في دار المعلمين العالية في بغداد
4ـ مراقب التعليم العام 5ـ عميد كلية الحقوق ومدير الآثار القديمة
6ـ مدير لآثار القديمة ومراقب التربية والتدريس العام، وأخيراً مدير الآثار العامة حتى عام 1941.
دعته الحكومة السورية سنة 1945 وفي أعقاب جلاء الجيش الفرنسي عن سوريا، وكلفته بمهمة الإشراف على إعادة تنظيم المعارف، فعينته مستشاراً فنياُ لشؤون التربية والتعليم.
وعقب فشل ثورة رشيد عالي الكيلاني في العراق اضطر ساطع الحصري إلى مغادرة العراق فرحل إلى لبنان وأقام فيها مدة أربع سنوات.
وفي سنة 1947، دعته وزارة المعارف المصرية ليعمل أستاذاً في معهد التعليم العالي في القاهرة، وكلفته بمنصب المستشار الفني للإدارة الثقافية في جامعة الدول العربية، ثم استلم إدارة معهد الدراسات العربية العالية الذي قررت جامعة الدول العربية بمساعيه افتتاحه في القاهرة، كما عُين فيه أستاذاً للقومية العربية، إلا أنه لم يستطع تطبيق جميع ما يدين به من آراء، فاستقال وتفرغ للبحث والتأليف.
عاد الحصري إلى العراق عام 1965، بعد أن أُعيدت إليه الجنسية العراقية، وظل فيه حتى وفاته عام 1968.
أما آراء ساطع الحصري في القومية فيمكن تلخيصها فيمايلي:
كرر ساطع الحصري النظريات الغربية عن القومية باعتبار اللغة والتاريخ المشترك المكونين الأساسيين لتكوين الأمم (مع لكنة أعجمية شديدة كانت في لسانه العربي). وكان يعتبر الدين (الإسلام) عنصراً ثانوياً مكملاً في حرص مسبق على تفتيت الرابطة الإسلامية التي كانت تقوم عليها الدولة العثمانية. ومع أن ساطع الحصري قد نادى في كل دراساته بدولة قومية علمانية إلا أنه كان يؤكد أن علمانيته لا تعني (اللادينية) كما كان يفهمها كثير من رفاقه وإنما كان يؤكد على أن الدين بعد شخصي في حياة الفرد مردداً بذلك الموقف العلماني الغربي.
نظر الحصري إلى الإسلام على أنه حركة تجديدية عربية كان لها دورها في صنع تاريخ الأمة العربية ولكنه يرى أن قراءة التاريخ بأعين معاصرة تؤكد أن دور الإسلام في العصر الحديث قد غدا ثانوياً أو هامشياً.
ومثله مثل الكثير من دعاة القومية حاول ساطع الحصري أن يعيد الاعتبار إلى المرحلة الجاهلية باعتبارها تمثل المهد الذي نشأت فيه الدعوة الإسلامية حيث يغمز هؤلاء القوميون كثيراً البعد الرباني لهذه الدعوة محاولين أن يصوروها وليدة البيئة العربية الجاهلية بكل معطياتها السلبية والإيجابية.
يعتبر ساطع الحصري أحد الرواد الأوائل للفكر القومي العربي وهو بسبب عصبيته المسبقة ضد الإسلام وجهده المتكرر لإقصائه عن دوره الحقيقي في حياة الأمة قد شارك تاريخياً في صنع الفجوة بين مكونات الأمة الأساسية (الدين) و(القومية) وكان لهذه الفجوة أثرها في بعثرة جهود الأمة وضرب قواها بعضها ببعض.
والحصري من الآباء الروحيين لكثير من الأحزاب القومية العربية ومن هنا فقد كنا نجد أن وزارات المعارف والمجامع العربية تفتح له أبوابها من قطر إلى قطر (سورية، العراق، مصر، لبنان، الجامعة العربية) وكل هذه التسهيلات لا ترتبط بمقدرة الرجل فقط وإنما ترتبط ارتباطاً وثيقاً بموقفه الأصلي من الدولة العثمانية ومن الوحدة الإسلامية.
ترك ساطع الحصري الكثير من المؤلفات السياسية والتربوية والتاريخية والاجتماعية، إلا أن فكرة القومية العربية والدفاع عنها كانت الهاجس الرئيسي في كل ما كتب، وللحصري مؤلفات عديدة :
ـ آراء وأحاديث في الوطنية القومية.
ـ محاضرات في نشوء الفكرة القومية.
ـ آراء وأحاديث في القومية العربية.
ـ العروبة بين دعاتها ومعارضيها.
ـ العروبة أولاً.
هذه المعلومات أخذت بتصرف عن:-
ـ مجلة مجمع اللغة العربية بدمشق، المجلد الرابع والأربعون، عام 1969م.
ـ د. عبد الوهاب الكيالي (موسوعة السياسة، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، الطبعة الأولى 1983، الجزء الثالث، ص (81،82).
ـ د. صالح زهرالدين (موسوعة رجالات من بلاد العرب، المركز العربي للأبحاث والتوثيق، بيروت، الطبعة الأولى 2001، ص (221ـ227).
ـ مركز دراسات الوحدة العربية (آراء في الفكر القومي، بيروت، الطبعة الأولى 1993، ص (730ـ734).
إبراهيم إسماعيل
29-10-2007, 05:57 PM
صلاح البيطار
هو صلاح خير سليم البيطار، ولد عام 1912 في حي الميدان في دمشق لأسرة عريقة ملتزمة بالعقيدة الإسلامية، جده الشيخ سليم البيطار الملقب بالفرضي، وقد أنجب أربعة ذكور وهم: الشيخ خير والد صلاح البيطار، والشيخ محمد وكان يشغل منصب أمين عام الفتوى في دمشق، والشيخ عبد الغني ويسمى الشافعي الصغير، والرابع الشيخ عبد الرزاق مؤلف كتاب حلية البشر في تاريخ القرن الثالث عشر الهجري.
درس صلاح البيطار في مدارس دمشق، وعندما أنهى المرحلة الثانوية اتجه إلى فرنسا لإكمال تعليمه الجامعي في جامعة السوربون تخصص فيزياء، وهناك التقى ميشيل عفلق وانجرف في التيار الشيوعي، الذي اختاره عفلق فجمعتهما المبادئ الاشتراكية الفرنسية، وبدأت بينهما صداقة وثيقة، مدعومة بالمبادئ الغربية التي اعتنقاها.
في عام 1934 عاد البيطار إلى دمشق بعد إنهاء دراسته، فعين مع ميشيل عفلق في مدرسة التجهيز الكبرى، فدرّس علم الفلك والفيزياء بينما درّس عفلق مادة التاريخ، وقد استغل كل منهما أعمال التدريس للدعاية للفكر الاشتراكي، فقامت ضدهما ضجة كبيرة، من قبل الطلاب، وانتقلت إلى صفوف علماء الدين، ومع تصاعد ردود الفعل منعت الجهات الحكومية أي نشاط لهما وبذلك سدت الأبواب في وجهيهما فعمدا إلى تقديم استقالتيهما من التدريس.
بعد أن قدم صلاح البيطار وعفلق استقالتيهما، اختارا أن يكون مقرهما في مقهى الطاحونة الحمراء، القريبة من مدرسة التجهيز ليتسنى لهما الالتقاء بالطلاب كل يوم بعد ساعات التدريس لتطعيمهم بالأفكار الاشتراكية، كما أسسا مجلة أسمياها (الطليعة) لنشر مبادئهما.
في عام 1939 أسس البيطار وعفلق منظمة سرية كانت تحمل اسم (الإحياء العربي) وتحولت فيما بعد إلى حزب البعث العربي، واستمرت تعمل بالخفاء حتى عام 1946م حيث أصبح حزب البعث حقيقة قائمة، وأصدر المؤسسان صحيفة خاصة باسم البعث، وعقد الحزب أول مؤتمراته في عام 1947، حيث تم انتخاب صلاح البيطار عضواً في القيادة القومية باعتباره المؤسس الثاني لحزب البعث بعد ميشيل عفلق عميد الحزب. وفي عام 1948م سجن صلاح البيطار خارج مدينة دمشق، بسبب معارضته تجديد رئاسة شكري القوتلي للجمهورية السورية. وفي عام 1949 اعتقله الرئيس حسني الزعيم مع باقي أعضاء القيادة القومية للحزب، بسبب معارضتهم لبعض سياساته، وفي عام 1952م أصدر أديب الشيشكلي أمرا باعتقال صلاح البيطار مع رفيقه عفلق وأكرم الحوراني بسبب تحريضهم للطلاب الجامعيين على مناهضة حكمه، لكنهم استطاعوا مغادرة دمشق سراّ إلى بيروت ثم توجهوا منها إلى روما.
في 14/6/1956م في عهد شكري القوتلي عُيّن صلاح البيطار وزيراً للخارجية في حكومتي صبري العسلي الثالثة والرابعة، وبعد قيام الوحدة في 22/2/1958م بين سوريا ومصر عُيّن البيطار نائباً لرئيس الجمهورية العربية المتحدة جمال عبد الناصر، وكان من الموقعين على وثيقة الانفصال عام 1961م مشاركة منه في الحكم السوري الجديد، لكنه ما لبث أن تراجع عنها لأنها ضد وحدة النضال في الوطن العربي.
بعد وصول البعث إلى الحكم في 8 آذار 1963، تولى صلاح البيطار رئاسة الوزراء أربع مرات، وإثر قيام حركة 23/2/1966 التي قام بها صلاح جديد اعتقل البيطار لكنه استطاع الفرار إلى لبنان، فصدر حكم غيابي بإعدامه عام 1969، وبعد الحركة التصحيحية التي قام بها الأسد عام 1970م عفي عن البيطار فعاد إلى سورية لفترة قصيرة، ثم ما لبث أن سافر إلى فرنسا حيث استقر في باريس.
في كانون الثاني 1978 استدعاه الأسد الذي كان يأمل في أن يستقر البيطار في دمشق كثقل مضاد لعفلق المؤسس الأول لحزب البعث والذي استقر في بغداد، لكن خمس ساعات من المحادثات فشلت في رأب الصدع بينهما، فعاد البيطار إلى باريس وأنشأ مجلة دورية أطلق عليها اسم (الإحياء العربي)، وهو الاسم القديم الذي بدأ به، شن في أعمدتها حملات للمطالبة بالحريات العامة والديمقراطية وحقوق الإنسان في سورية.
بعد ذلك أُشيع أن صلاح البيطار كان يضغط على السعوديين ليقطعوا المعونة عن سورية، والأسوأ من ذلك ما قيل بأن البيطار قد اتصل بأعداء الأسد في بغداد، وبغيرهم من أصحاب الأسماء ذات الماضي والتي كان بريقها يخبو، بحيث أصبح نقطة جذب لأنواع مختلفة من المعارضة السورية، وقد بدا في إحدى اللحظات أن البيطار يمكن أن يشكل خطراً حقيقياً على النظام في سورية، مما دفع السلطات الأمنية في سورية إلى اغتياله بمسدس كاتم للصوت في باريس في 21تموز1980.
وبعد موته نَقلت زوجته جثمانه ليدفن في بغداد، حيث بحثت عن ملجأ وسط أعداء حافظ الأسد الألداء.
وعلى الرغم من مكانته الحزبية لم يترك البيطار تراثاً فكرياً كما فعل صديقه عفلق، الذي اعتبر بحق الأب الفكري لحزب البعث على نزاع على هذا الموقع بينه وبين زكي الأرسوزي، ولقد أدرك صلاح البيطار متأخراً جداً المأزق الذي شارك في دفع القطر العربي السوري إليه، بتفكيره المثالي خارج إطار التاريخ والجغرافيا. وظل عداء البيطار للإسلام على الرغم من خلفيته الأسرية ملمحاً عاماً من ملامح شخصيته فمع أن اسمه الحقيقي الذي سماه به أبوه هو صلاح الدين البيطار إلا أنه كان يؤثر أن يسمي نفسه صلاح البيطار متخففاً من السمة الدينية في اسمه؛ على عكس زميله عفلق الذي تكنى بأبي محمد، وسمى ابنه باسم الرسول الكريم، ناهيك عما يقال عن إسلامه في آخر عمره.
هذه المعلومات أخذت بتصرف عن كتاب:-
ـ (دولة البعث وإسلام عفلق)، مطيع النونو، الطبعة الأولى 1994، ص (66ـ 99).
ـ (الموسوعة التاريخية الجغرافية)، مسعود الخوند، لبنان، 1997، الجزء العاشر، ص(220،221).
ـ (ذاكرة عربية للقرن(1900ـ 2000))، حسن السبع، المركز العربي للمعلومات، بيروت، 2000، ص (105).
إبراهيم إسماعيل
29-10-2007, 05:59 PM
عبد الرحمن الكواكبي
ولد عبد الرحمن الكواكبي عام 1854 في ولاية حلب، والده السيد أحمد بهائي بن محمد بن مسعود الكواكبي، وأحد أجداده (إسماعيل الصفوي) مؤسس الأسرة الصفوية الشيعية في تبريز، والتي حكمت إيران قرابة قرن ونصف من الزمان.
جاء السيد أحمد بهائي مهاجراً من بلاد فارس إلى حلب، حيث تزوج من سيدة حلبية أنجبت نسل الأسرة الكواكبية، كان علمه واسعاً مما جعل منه حجة في علم الميراث، وأميناً لفتوى الولاية مدة من الزمن، وعضواً بمجلس إدارة الولاية وقاضياً لها، ومستودع سر الناس ومحرر عقودهم وصكوك معاملاتهم. كان خطيباً وإماماً في مسجد جده (أبي يحيى)، ومديراً ومدرساً بالمدرسة الكواكبية، والمدرسة الشرقية والجامع الأموي بحلب.
أما أم عبد الرحمن فهي السيدة عفيفة بنت مسعود آل النقيب، ابنة مفتي أنطاكية، توفيت عند بلوغ الكواكبي السادسة من عمره، فاحتضنته خالته ثلاثة أعوام عندها بمدينة أنطاكية، وكانت سيدة فاضلة استفاد الكواكبي من كبر عقلها ونفسها الشيء الكثير، كما قامت بتعليمه اللغة التركية، وفي أنطاكية تتلمذ الكواكبي على يد عم أمه السيد (نجيب النقيب) الذي شغل منصب الأستاذ الخاص للأمير المصري الخديوي عباس حلمي الثاني.
درس عبد الرحمن الكواكبي في المدرسة الكواكبية في حلب، حيث كان أبوه مديراً ومدرساً فيها، فدرس العلوم العربية والشرعية إلى جانب المنطق والرياضة والطبيعة والسياسة، كما أحب قراءة المترجمات عن اللغة الأوروبية، وبعد تخرجه من المدرسة الكواكبية ونيله الإجازات وأعلى الشهادات، اشتغل بالتدريس مدة وكان عمره عشرين سنة.
ولما كانت الصحافة وسيلة ومنبراً رفيعاً من منابر الإصلاح، فقد كتب الكواكبي في صحيفة الفرات التي كانت تحرر بالعربية والتركية، وأنشأ صحيفة (الشهباء) مع السيد هاشم العطار، وأخذت مقالاته النارية العميقة توقظ ضمائر مواطنيه، وتفضح الاستبداد آنذاك، فأغلقها الوالي العثماني (كامل باشا). ولم يستسلم الكواكبي فأنشأ جريدة الاعتدال، وواصل فيها تقديم آرائه وأفكاره، لكنها هي الأخرى أغلقتها الحكومة لجرأة صاحبها في انتقاد سياستها.
في سنة 1879 عُين الكواكبي عضواً فخرياً في لجنة المعارف، ولجنة المالية في ولاية حلب، كما عُين عضواً في لجنة الأشغال العامة، ثم أخذت أعماله ومسئولياته تمتد إلى العديد من اللجان والمناصب في مجموعة كبيرة من القطاعات، منها تعيينه عضواً في لجنة المقاولات، ورئاسة قلم المحضرين في الولاية، وعضوية اللجنة المختصة بامتحان المحامين. ثم أصبح مديراً فخرياً للمطبعة الرسمية بحلب، ثم الرئيس الفخري للجنة الأشغال العامة ثم دخل إلى ساحة القضاء عضواً بمحكمة التجارة بالولاية بأمر من (وزارة العدلية) العثمانية، عًين رئيساً للغرفة التجارية ورئيساً للمصرف الزراعي، ثم عُين رئيساً لكتاب المحكمة الشرعية بالولاية، وفي سنة 1896 أصبح رئيساً لكل من غرفة التجارة ولجنة البيع في الأراضي الأميرية.
رحل إلى مصر واستقر هناك وكتب في كثير من الصحف المصرية والعربية. ساح في سواحل أفريقيا الشرقية وسواحل آسيا الغربية وبعض بلاد العرب والهند حتى سواحل الصين، وكان في كل بلد ينزلها يدرس حالتها الاجتماعية والاقتصادية في مختلف المجالات.
يعتبر الكواكبي رائداً من رواد التعليم، حيث دعا إلى إصلاح أصول تعليم اللغة العربية والعلوم الدينية وتسهيل تحصيلها والجد وراء توحيد أصول التعليم وكتب التدريس، وقدم الكثير من الأسس لاعتمادها في مجال التربية والتعليم، ودعا إلى فتح باب محو الأمية، وبين دور المدارس في إصلاح المجتمع. كما ركز على أهمية تعليم المرأة كي تجيد رسالتها في الحياة.
كما يعتبر الكواكبي أحد أعلام الحركة الإصلاحية، فوجه جهوده إلى العمل الأخلاقي، وكافح العادات السيئة والتقاليد البالية، ونقد المعتقدات الفاسدة، وبذل السعي المتواصل لنشر الفضائل والتمسك بها للنهوض بأخلاق المجتمع، فقام بتشكيل الجمعيات والنوادي في القرى والمدن لتقوم بدور التوعية والتثقيف للجمهور، كما رد فساد الأخلاق إلى انحلال الرابطة الدينية والاجتماعية وفقد التناصح وغياب الأخلاق (فلمثل هذا الحال لا غرو أن تسأم الأمة حياتها فيستولي عليها الفتور، وقد كرت القرون وتوالت البطون ونحن على ذلك عاكفون، فتأصل فينا فقد الآمال وترك الأعمال والبعد عن الجد والارتياح إلى الكسل والهزل، والانغماس في اللهو تسكيناً لآلام أسر النفس والإخلاد إلى الخمول والتسفل طلباً لراحة الفكر المضغوط عليه من كل جانب... إلى أن صرنا ننفر من كل الماديات والجديات حتى لا نطيق مطالعة الكتب النافعة ولا الإصغاء إلى النصيحة الواضحة، لأن ذلك يذكرنا بمفقودنا العزيز، فتتألم أرواحنا، وتكاد تزهق روحنا إذا لم نلجأ إلى التناسي بالملهيات والخرافات المروحات، وهكذا ضعف إحساسنا وماتت غيرتنا، وصرنا نغضب ونحقد على من يذكرنا بالواجبات التي تقتضيها الحياة الطيبة، لعجزنا عن القيام بها عجزاً واقعياً لا طبيعياً). أم القرى
كان عبد الرحمن الكواكبي واحداً من المفكرين العرب الذين كشفوا عن أسباب الجمود الذي خيم على العالم الإسلامي، وقارن ذلك بحالة التقدم التي وصل إليها الأوربيون في العصور الحديثة، والتي مكنتهم من الهيمنة على أجزاء واسعة من العالم الإسلامي.
قال في كتابه أم القرى: (إن مسألة التقهقر بنت ألف عام أو أكثر، وما حفظ عز هذا الدين المبين كل هذه القرون المتوالية إلا متانة الأساس، مع انحطاط الأمم السائرة عن المسلمين في كل الشؤون، إلى أن فاقتنا بعض الأمم في العلوم والفنون المنوَّرة للمدارك، حزبت قوتها فنشرت نفوذها على أكثر البلاد والعباد من مسلمين وغيرهم، ولم يزل المسلمون في سباتهم إلى أن استولى الشلل على كل أطراف جسم المملكة الإسلامية.
نشر الكواكبي آراءه وأفكاره في أهم كتابيه، أم القرى: وهو كتاب يدور موضوعه حول مؤتمر تخيله الكواكبي ليعرض فيه آراءه الإصلاحية في قالب جذاب يستهوي النفوس، وأغلب مواضيعه في نقد الشعوب الإسلامية.
أما كتابه طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد، مواضيعه في نقد الحكومات الإسلامية (الاستبداد صفة للحكومة المطلقة العنان؛ التي تتصرف في شؤون الرعية كما تشاء؛ بلا خشية حساب ولا عقاب). (ويقولون إن المستبدين من السياسيين يبنون استبدادهم على أساس من هذا القبيل أيضاً؛ لأنهم يسترهبون الناس بالتعالي الشخصي والتشامخ الحسي، ويذللونهم بالقهر والقوة وسلب الأموال حتى يجعلونهم خاضعين لهم عاملين لأجلهم، كأنما خلقوا من جملة الأنعام نصيبهم من الحياة ما يقتضيه حفظ النوع فقط). (أنفع ما بلغه الترقي في البشر هو إحكامهم أصول الحكومات المنتظمة، وبناؤهم سداً متيناً في وجه الاستبداد وذلك بجعلهم لا قوة فوق الشرع، ولا نفوذاً لغير الشرع، والشرع هو حبل الله المتين، وبجعلهم قوة التشريع في يد الأمة، والأمة لا تجتمع على ضلال، وبجعلهم المحاكم تحاكم السلطان والصعلوك على السواء.
في عز العطاء والنضال، ويوم نضجت أفكار الكواكبي وبدأ عطاؤه وتأثيره الذي وجد فيه الأتراك معولا يدك تسلطهم، وينبه الناس إلى فساد أحوالهم، ويدفعهم للثورة والتحرر ابتغاء للتقدم. في القاهرة وُضع السم للكواكبي في طعامه، وكانت وفاته في سنة 1902.
تتركز أعمال الكواكبي الفكرية في:
1ـ الصحافة، حيث كتب المقالات والأبحاث الكثيرة في الكثير من الصحف العربية التي عاصرها.
2ـ كتبه أم القرى، وطبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد.
المراجع:
ـ محمد عمارة، (عبد الرحمن الكواكبي شهيد الحرية ومجدد الإسلام، دار الشروق، القاهرة ـ بيروت، الطبعة الثانية 1988).
ـ د. صالح زهر الدين (موسوعة رجالات من بلاد العرب، المركز العربي للأبحاث والتوثيق، بيروت، الطبعة الأولى 2001، ص(395ـ 400).
ـ عبد الرحمن الكواكبي (طبائع الاستبداد، دار النفائس، بيروت، الطبعة الأولى 1984).
ـ محمد جمال الطحان (الأعمال الكاملة للكواكبي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، الطبعة الأولى 1995).
إبراهيم إسماعيل
29-10-2007, 06:00 PM
محب الدين الخطيب
هو محب الدين بن أبي الفتح بن عبد القادر بن صالح بن عبد الرحيم بن محمد الخطيب، ولد بدمشق في حي القيمرية في تموز 1886، وبها تلقى علومه الأولية والثانوية. والدته آسية الجلاد أبوها محمد الجلاد من أصحاب الأملاك الزراعية كانت تقية صالحة ذات فضل، توفيت بين مكة والمدينة بريح السموم، وهي راجعة من فريضة الحج من ركب المحمل الشامي، ودفنت هناك بالفلاة، وكان محب الدين صغيراُ في حجرها ساعة موتها، فشمله أبوه برعايته ليعوضه حنان الأم، وبقيت لرحلة الحج هذه صورة في نفسه.
بعدما رجع محب الدين من رحلة الحج ألحقه والده وهو في السابعة بمدرسة الترقي النموذجية، وحصل بعد سنوات على شهادة إتمام المرحلة الابتدائية بدرجة جيد جداً. ثم التحق بمدرسة مكتب عنبر، وبعد سنة من دخوله المكتب توفي والده، فرأت أسرته أن يترك المدرسة، فتركها ولازم دروس العلماء، وكان ذلك خلال غياب الشيخ طاهر الجزائري المشرف على المكتبات والمدارس في بلاد الشام، فلما عاد الجزائري من سفره وكان بينه وبين والد محب الدين صلة احتواه وعطف عليه وفتح عينيه على قراءة التراث العربي، وبث فيه حب الدعوة الإسلامية، وإيقاظ العرب ليقووا على حمل رسالة الإسلام ، فكان محب الدين يقول: (من هذا الشيخ الحكيم عرفت عروبتي وإسلامي) وكان يعده أباه الروحي.
وسعى له شيخه بأن وجهت إليه وظيفة أبيه في دار الكتب الظاهرية على أن ينوب عنه من يقوم بها إلى أن يبلغ سن الرشد، وفي فترة الانتظار كان الشيخ ينتقي لتلميذه مخطوطات من تأليف الأعلام كابن تيمية وأضرابه فيكلفه بنسخها لتتوسع ثقافته، ويشغل وقته وينتفع بأجر النسخ، ثم وجهه ثانية للالتحاق بمكتب عنبر، كما أشار عليه أن ينتفع بالشيخ أحمد النويلاتي الذي كان له غرفة يعتزل بها في مدرسة عبد الله باشا العظم، كما كانت للشيخ طاهر غرفة فيها، وكذلك غرفة للشيخ جمال الدين القاسمي، ورابعة للشيخ محمد على مسلم فكان محب الدين يتردد إلى هذه الغرف وينهل من علم أصحابها.
وفي هذه الفترة المبكرة تفتحت آفاق التفكير عند محب الدين، وصار يلقح ثقافته الشخصية العربية والإسلامية بما تلقاه في المدرسة من العلوم الكونية، وبما يضفي عليها من مطالعاته المتواصلة في دار الكتب خاصة المجلات الكبرى مثل: المقتطف، والهلال، والضياء وغيرها.
كون محب الدين وهو لايزال في فترة الدراسة الثانوية حلقة صغيرة مع رفقائه يلقحها بالأفكار التي كانت تطرح في حلقة شيخه طاهر الجزائري. بالإضافة إلى قراءة الكتب الجديدة لأمثال عبد الرحمن الكواكبي ومحمد عبده، كما كان يكتب المقالات العلمية والقطع الأدبية التي يعربها عن اللغة التركية ويرسل بها إلى صحيفة (ثمرات الزمان) في بيروت.
بعد أن نال شهادة الدراسة الثانوية عام 1906، انتقل محب الدين إلى الأستانة وهناك التحق بكليتي الآداب والحقوق معاً، ونزل في حي يكثر فيه أبناء العرب وطلاب العلم، وقد هاله أن يرى الطلاب العرب في تركيا يجهلون قواعد لغتهم وإملاءها فضلاً عن آدابها وثقافتها، ويتكلمون فيما بينهم باللغة التركية، فتخير محب الدين من الشباب العرب طائفة أقنعها بتعلم العربية وآدابها، واتفق مع صديقه الأمير عارف الشهابي أن يقتسما هؤلاء الشباب لتعليمهم وتقوية لغتهم الأم، ثم كاشف محب الدين هؤلاء الشباب أن ما هم فيه يبشر بنهضة مباركة، واقترح أن يسمى عملهم باسم (جمعية النهضة العربية)، ورغبهم بمطالعة الصحف التي كان قد اتفق مع صديقه الأستاذ محمد كرد علي على أن يرسلها إليه في البريد.
ولما اشتد نشاطه في جمعية النهضة العربية، وشعرت به الرقابة الاتحادية، كاد محب الدين أن يهلك لولا أن الذي قام بتفتيش غرفته ووجد فيها أوراقاً وصحفاً عربية ومجلات مهجرية كانت تربطه بأسرة الخطيب رابطة وشيجة.
بعد ذلك اكتفى محب الدين بالدراسة في كلية الحقوق، ولما نجح إلى السنة الثالثة كانت الخطة أن يتفرغ في العطلة المدرسية لمواصلة العمل في جمعية النهضة لولا أن شدة المراقبة حملته باقتراح من إخوانه أن يسافر إلى دمشق، وكان قد كتب إلى اثنين من خلصائه في دمشق يخبرهما بتأسيس (جمعية النهضة العربية) في استانبول ويدعوهما للالتحاق بها، وأن يتعاونا في ذلك على تأسيس فرع لها في دمشق، فانتهز محب الدين هذه العطلة، وتعهد فرع الجمعية هذا حين قدومه دمشق صيف 1907، وفي أثناء العطلة تلقى رسالة من صديقه عارف الشهابي يطلب إليه فيها البقاء في دمشق مدة سنة إلى أن تهدأ الحالة في استانبول وتنقطع الرقابة على الجمعية وأعضائها.
وحدث في هذه الأثناء أن طلبت القنصلية البريطانية في الحديدة باليمن إلى القنصلية في دمشق أن تختار لها شاباً يتقن العربية والتركية، وأن يكون له إلمام بالقوانين العثمانية وشؤون القضاء، فالتحق بها ورآها فرصة للتعرف على اليمن، ومر في طريقه بمصر ليلتقي بشيخه طاهر الجزائري، وصديقه محمد كرد علي.
وفي مصر أيضاً اتصل محب الدين الخطيب بالأعلام والأدباء وبزعماء النهضة المصرية، واجتمع بأركان (جمعية الشورى العثمانية) الذين فوضوه بتأسيس فرع رابع عشر لهم في اليمن. وفي اليمن اتصل محب الدين بأهل الثقافة والنباهة وضباط الفرقة الرابعة عشرة من الجيش العثماني السابع في الحديدة، وانعقدت بينه وبين قائد الحديدة البكباشي (شوقي المؤيد العظم) صداقة وثيقة، وكاشفه بأمر جمعية الشورى العثمانية، فاهتم بها، وأرشده إلى طائفة من الضباط الأحرار الذين كان إبعادهم إلى اليمن عقوبة لهم لكراهيتهم للحكم الفردي وميلهم إلى الحرية. فلم يلبث أن افتتح الفرع الرابع عشر للجمعية المذكورة وكان رئيسها (شوقي المؤيد العظم).
ولما أعلن الدستور العثماني عام 1908، رجع محب الدين الخطيب إلى دمشق، بنية العمل على تجديد نشاط (جمعية النهضة العربية) داخل نطاق الدستور العثماني، فرأى أن الدولة لا تريد الاعتراف بجمعية النهضة العربية، وأجبروا الجمعية على أن تجعل اسمها جمعية (النهضة السورية)، وفي هذه الأثناء تمنى أن يشارك في تحرير جريدة (طار الخرج) الهزلية الناقدة للسياسة العثمانية، فانتبهت السلطات الحكومية للجريدة، ولما أوشكت أن تعرف الحقيقة سافر محب الدين إلى بيروت، فكتبت الحكومة إلى المسؤولين في بيروت لملاحقته، انتقل بعدها إلى القاهرة وهناك شارك في تحرير جريدة المؤيد.
عندما تأسس حزب اللامركزية العثماني في القاهرة عام 1913، برئاسة رفيق العظم، كان محب الدين عضو مجلس الإدارة وكاتم السر الثاني فيها. وتأسست في بيروت ثم في باريس جمعية (العربية الفتاة) ذات الدور العظيم، فكان محب الدين يمثل هذه الجمعية بمصر، وينفذ قراراتها التي لها علاقة بحزب اللامركزية.
وفي هذه السنة 1913 أيضاً أسس رشيد رضا (مدرسة الدعوة والإرشاد) فوقع اختياره على محب الدين ليدرس علم طبقات الأرض.
وعندما وقعت الحرب العالمية الأولى قررت الجمعيات السرية ورجالات القومية العربية إيفاد مندوبين إلى زعماء العرب لمفاوضتهم في أمرها، واختاروا محب الدين للسفر إلى الخليج العربي في محاولة للاجتماع بزعماء تلك المنطقة، فسار إلى عدن، ثم بومباي، ثم أبحر إلى الكويت فاعتقله ضابط بريطاني، ومكث في السجن تسعة أشهر دون أن يتمكن من إتمام مهمته، وعاد إلى مصر والحرب على أشدها والاضطهاد التركي في ذروته.
وبعد إعلان الثورة العربية الكبرى طلبه الشريف حسين برقياً، فسافر إلى مكة المكرمة ليؤسس المطبعة الأميرية، وليصدر (جريدة القبلة) الجريدة الرسمية لحكومة الحجاز، وكان الشريف حسين يستشيره في أكثر أموره الخارجية هو والشيخ كامل القصاب بصفتهما من رجال جمعية (العربية الفتاة).
ولما دخل الجيش العربي دمشق عام 1918 بقيادة الأمير فيصل، عاد محب الدين إليها واستقبلته جمعية (العربية الفتاة) ليكون عضواً في لجنتها المركزية التي تشرف على إدارة الدولة من وراء ستار، وأنيط به إدارة وتحرير الجريدة الرسمية للحكومة باسم (العاصمة)، وأُبيح له أن يكتب مقالات توجيهية كما يشاء بلا رقابة.
عام 1920 ولدى دخول الفرنسيين دمشق غادر محب الدين دمشق واستقر في القاهرة، حيث عمل في التحرير في جريدة الأهرام نحواً من خمس سنوات، كما أسس المكتبة السلفية ومطبعتها حيث أشرف بنفسه على نشر عدد كبير من كتب التراث وغيرها، وأصدر أيضاً مجلة (الزهراء) وهي مجلة أدبية اجتماعية شهرية دامت خمس سنوات. ثم أسس جريدة (الفتح) والتي دامت ثلاثة وعشرين عاماً، خصصها للتاريخ والأحداث السياسية، ثم تولى تحرير مجلة (الأزهر) مدة ست سنوات... ثم ساهم في إنشاء جمعية (الشبان المسلمين) في القاهرة وكان كاتم سرها، وقد عملت الجمعية سنوات عديدة في توجيه الشباب إلى الإسلام الصحيح والسير في الطريق المؤدية إلى إعلاء شأن المسلمين. وقد أحدث قيام الجمعية ردة فعل لدى دعة الإلحاد والقائمين على التبشير، فتربصوا به حتى وجهوا أنظار النيابة إلى مقال كتبه بعنوان (الحرية في بلاد الأطفال) نال فيه من ملك الأفغان ومن كمال أتاتورك، فقبض عليه وحكم بالحبس لمدة شهر.
وهكذا قضى محب الدين الخطيب حياته في البحث والتحرير والتأليف إلى أن توفي في القاهرة في كانون الأول عام 1969. وقد ترك آثاراً عظيمة قال عنها الأستاذ أنور الجندي: (وبالجملة فإن السيد محب الدين الخطيب وآثاره تعد رصيداً ضخماً في تراثنا العربي وفكرنا الإسلامي، وقد أضاف إضافات بناءة، وقدم إجابات عميقة، وزوايا جديدة لمفاهيم الثقافة العربية وقيمها الأساسية).
ومن آثاره الكثيرة التي تركها:
ـ توضيح الجامع الصحيح للإمام البخاري (شرح مختضر).
ـ مع الرعيل الأول (عرض وتحليل لصور من حياة الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه).
ـ الحديقة (14 جزءاً) (مجموعة أدبية وحكم).
ـ الخطوط العريضة التي قام عليها دين الشيعة الاثني عشرية.
ـ اتجاه الموجات البشرية في جزيرة العرب.
ـ قصر الزهراء بالأندلس.
ـ تقويمنا الشمسي.
ـ تاغور.
ـ الأزهر.
ـ البهائية.
ـ من الإسلام إلى الإيمان (حقائق عن التيجانية).
ـ حملة رسالة الإسلام الأولون.
ـ الإسلام دعوة الحق والخير.
ـ ذو النورين عثمان بن عفان (صدرت الطبعة الأولى بعد وفاته سنة 1394هـ).
ـ الجيل المثالي.
ـ سيرة جيل (تاريخ حافل خلال القرن الرابع عشر الهجري عن القومية العربية وحركات التحرر).
ـ بالإضافة إلى أوراق ومذكرات حافلة بالآراء والأخبار، ورسائل من بينها رسائل بينه وبين الأمير شكيب أرسلان يقال أنها تبلغ ألف رسالة.
المراجع:
ـ (تاريخ علماء دمشق في القرن الرابع الهجري، الطبعة الأولى) شكري فيصل وآخرون، دمشق 1986، الجزء الثاني، ص(847، 862).
ـ (الأعلام، دار العلم للملايين) خير الدين الزركلي ، بيروت، الطبعة الخامسة 1980، الجزء الخامس، ص(282).
إبراهيم إسماعيل
29-10-2007, 06:01 PM
الشيخ كامـل القصـاب
هو محمد كامل بن أحمد بن عبد الله آغا القصاب. ولد بحي العقيبة بدمشق عام 1873، ومنبت أسرته حمص، استوطنت أسرته دمشق قبل قرنين، وعملت بالتجارة. نشا محمد يتيماً حيث توفي والده وهو في السابعة، فكفله جده لأمه المشهور بأبي علي كريم.
قرأ محمد كامل القصاب في الكتاتيب، وتعلم قراءة القرآن الكريم وحفظه وجوّده. ثم تلقى مبادئ العلوم العربية والفقهية عن شيوخ عصره، فلازم الشيخ عبد الحكيم الأفغاني، حيث قرأ عليه الفقه حتى برع فيه، وسمع الحديث من المحدث الشيخ بدر الدين الحسني، وتضلع فيه، وأخذ عن الشيخ أمين الأرناؤوط وغيره علوم العربية بفروعها.
ولما بلغ الخامسة والعشرين سافر إلى مصر والتحق بالجامع الأزهر، وحصل على الشهادة العالمية، وخلال ذلك تلقى علم التفسير على الشيخ محمد عبده، كما تلقى على الشيخ محمد بخيت مفتي مصر وعلى أمثالهما.
كان القصاب ذا عمل دؤوب، عُرف في حال صباه بالفتوة والمروءة والغيرة على أهل حيه، مما يذكر له بالحمد والثناء. كريم الأخلاق، ناضج الرأي براً بأصدقائه، لا يألو جهده فيما فيه صلاح أمته، دائم التفكير بها، يحب العلماء. وأبرز ما في صفاته نضاله في سبيل رفعة شأن أمته، وسعيه في مجال نشر العلم والثقافة. وبعد عودته من الأزهر رأى الدولة العثمانية تنهار، فأسس مع عبد الغني العريسي وتوفيق البساط وعارف الشهابي وغيرهم من رجالات العرب (جمعية العربية الفتاة) السرية.
اشتغل القصاب بالتعليم في مدارس ابتدائية أهلية مدة يسيرة، ثم أسس (المدرسة العثمانية) صارفاً عليها من ماله ووقته في سبيل إنشائها، وهي مدرسة أهلية في حي البزورية عرفت باسمه (المدرسة الكاملية)، وتولى إدارتها ما يقرب من ربع قرن، تخرج منها رجال بارزون، وغدت مفخرة البلاد، وقدرتها الدولة العثمانية كل التقدير، فقبلت من يحمل شهادتها في كليتي الطب والحقوق وغيرها دون فحص ولا اختبار، وكان يختار لها أساتذة من الاختصاصين في شتى العلوم، واشتهر بحزمه وجده في إدارته.
انتدبه الوطنيون للسفر إلى مصر والاجتماع بأقطاب حزب اللامركزية كالشيخ رشيد رضا ورفيق العظم وغيرهما من الذين يرغبون تحرر البلاد العربية من الأتراك، والاتفاق على خطط العمل. وبعد وصوله إلى دمشق بشهر واحد قبض عليه الأتراك، وأرسلوه إلى سجن عالية، وبعد سجنه أربعين يوماً حاكمه جمال باشا بنفسه، واستطاع بجرأته وبلاغتة إقناعه ببراءته من تهمة الاشتغال بالسياسة، وبأن سفره إلى مصر كان لأسباب ثقافية تتعلق بالمدرسة، فأطلق سراحه وعاد إلى دمشق.
وعندما بطش الاتحاديون بالزعماء الوطنيين، سافر القصاب إلى بلاد الحجاز، فنزل ضيفاً على الشريف حسين بن علي الذي أقبل عليه واهتم به وولاه رئاسة مجلس المعارف مع إدارة مدرسة ثانوية كانت مثال التعليم الصحيح والتربية العالية، وبقي هناك سنة ونصف السنة، وقد حكم عليه الاتحاديون بالإعدام غيابياً.
وبعد قيام الثورة العربية انتقل إلى مصر لأن العمل السياسي فيها أرحب مجالاً من الحجاز، وهناك أسس (حزب الاتحاد السوري)، وبقي يكافح من أجل القضية الوطنية حتى وضعت الحرب أوزارها.
وبعد الحرب عاد القصاب إلى دمشق، وأسس فيها (اللجنة الوطنية العليا) للدفاع عن حقوق البلاد، وكان من المؤيدين للعهد الفيصلي. ولما دخل الفرنسيون سوريا حكموا عليه بالإعدام غيابياً أيضاً، بسبب تحريضه الناس وجمعهم للتوجه إلى ميسلون، فهرب إلى حيفا، وهناك أنشأ مدرسة بالاشتراك مع عز الدين القسام، وكان عمله فيها كعمله بمدرسة دمشق التي تركها وعليها ولداه يرعيان شؤونها.
وخلال هذه الفترة تنقل بين فلسطين ومصر يعمل للقضية الوطنية، وسافر إلى اليمن، وقابل الإمام يحيى حميد الدين سنة 1922 لجمع كيان العرب، وفي سنة 1925 استدعاه الملك عبد العزيز آل سعود إلى مكة المكرمة وعهد إليه بمديرية معارف الحجاز، فأسس خلال سنة ونصف ثلاثين مدرسة في أنحاء مختلفة من الحجاز، وهناك أصيب بالزحار وأشرف على الهلاك، فسافر إلى فلسطين للتداوي، وشفي من مرضه بعد علاج طويل دام عشر سنوات.
وفي سنة 1937، عاد محمد كامل القصاب إلى دمشق بعد صدور العفو العام، ورأى مدرسته قد تضاءل شأنها، وقل طلابها إذ مالوا إلى مدارس الحكومة التي قررت وزارة المعارف وقتئذ إلا تقبل إلا شهادتها لدخول الجامعة، فأحب أن يخدم البلاد عن طريق نهضة العلماء، بعد أن فشلت مساعيه مع ساسة العرب، فأسس بطلب من أهل العلم (جمعية العلماء) التي نالت تصريحاً رسمياً من وزارة الداخلية في 8 تشرين الثاني 1937، ومهمتها دفع ما تعرض له الإسلام من إلحاد وإفساد ومقاومة، وكانت تحت رئاسته، وقد بلغ عدد مؤسسيها واحداً وعشرين عضواً، ووضع لها دستوراً يبّين غايتها، ونظامها الداخلي المفصل، وطرق تمويلها، ونص الدستور على أن غاية الجمعية الاهتمام بشؤون المسلمين ومؤسساتهم الدينية، ورفع مستوى العلماء والمتعلمين، وجمع كلمتهم، والدعوة إلى الله تعالى بالحكمة والموعظة الحسنة، وأن لا دخل للجمعية بالشؤون السياسية.
كان من أبرز أعمال الجمعية إنشاء المعهد العلمي الديني بدمشق، واختير له الأساتذة الأكفاء، ووضع له برنامج يجمع بين الثقافتين الدينية والعصرية. كما فكرت الجمعية بتأسيس عدة مدارس أولية ذات صفين في جميع أنحاء المدينة لمكافحة الأمية، ومدارس ابتدائية ذات خمسة صفوف يتأهل فيها الطالب للدخول في صفوف القسم الثانوي من المعهد وفي المدارس التجهيزية.
كما كان للجمعية مواقف عظيمة إيجابية مؤثرة منها: إلغاء قانون الطوائف الذي وضعه الفرنسيون، وفي 10 شباط 1939 أرسلت الجمعية احتجاجاً شديد اللهجة بشأن قانون الطوائف المذكور إلى رئيس الجمهورية، والمجلس النيابي، والوزراء، والمفوض السامي، والمندوب السامي، وجمعية الأمم المتحدة، ولجنة الانتداب، ووزير الخارجية الفرنسي. وجاء في آخر الاحتجاج: (وجمعية العلماء تحمل الحكومة تبعة ما ينتج عن بقاء هذا القانون من أثر هياج المسلمين في سبيل دينهم وغيرتهم على أحكام عقائدهم). وقد أثر هذا الاحتجاج في الأوساط السياسية، فسقطت حكومة (جميل مردم) بسبب توقيعه على القانون. وكثرت مراجعات الجمعية على الحكومة، وانتقاداتها لها ومواقفها الشديدة فضاقت بها وضايقتها فأغلقت أبوابها.
كان كامل القصاب إلى جانب أعماله هذه تاجراً أسس شركة تجارية في مصر تمارس تجارة (المواد الغذائية)، جريئاً في المضاربة بأمواله، وله عقارات في حيفا استولى عليها اليهود.
ترك من المؤلفات كتابين:
ـ ذكرى موقعة حطين (بالاشتراك).
ـ النقد والبيان في دفع أوهام خيزران (بالاشتراك).
أصاب كامل القصاب مرض في المثانة في أخريات حياته، فلزم داره مدة طويلة، ثم شفي، وما لبث أن ألم به عارض في دماغه لم يمهله سوى ثلاثين ساعة، وكان ذلك في عام 1954، وصادف يوم وفاته اضطرابات لعلع فيها الرصاص في سماء مدينة دمشق زمن الشيشكلي، فصلى عليه بضعة أفراد في بيته، وتسللوا بنعشه بين الأزقة، ودفنوه في قبر والده بمقبرة الباب الصغير بجوار الصحابي الجليل بلال الحبشي.
المراجع:
ـ (موسوعة الأعلام) خير الدين الزركلي ، دار العلم للملايين، بيروت، الطبعة الخامسة، 1980، الجزء السابع، ص(13).
ـ (تاريخ دمشق في القرن الرابع عشر الهجري) د. شكري فيصل وآخرون ، دمشق، الطبعة الأولى 1986، الجزء الثاني، ص(657ـ 667).
إبراهيم إسماعيل
29-10-2007, 06:02 PM
فخري البارودي
هو فخري ابن السيد محمود بن محمد حسن بن محمد ظاهر (الملقب بالبارودي) ابن أحمد ظاهر العمر، ولد في دمشق عام 1889. كان والده زعيماً ومن أعيان دمشق خلال العقد الأخير من القرن التاسع عشر.
انتسب فخري البارودي إلى الكتاب حيث تعلم القراءة والكتابة، وتلقى علومه الابتدائية في المدرسة العازرية، ثم انتقل إلى مكتب عنبر ليكمل علومه الثانوية. سافر إلى فرنسا عام 1911 والتحق بمدرسة الزراعة، ثم عاد إلى دمشق وانتسب إلى معهد الحقوق عام 1929 وترك المعهد وهو في عداد طلاب الصف الثاني.
اشترك في جمعية (العربية الفتاة)، وشارك في الحرب العالمية الأولى (1914 ـ 1918) برتبة ملازم ثان في الجيش العثماني، وأًسر في بئر السبع عام 1917، وسيق إلى مصر ومنها التحق بالجيش العربي برتبة ملازم أول، واشترك في الثورة العربية الكبرى، ثم أوفد إلى الهند لتأليف فرقة من المتطوعة لمساندة القضية العربية. وبعد دخول الأمير فيصل إلى دمشق عُين مديراً للشرطة وقائداً لموقع المقر الأميري، وكان ينتقل بالرتبة والوظيفة نفسها مع الأمير فيصل، ثم اختير مرافقاً رسمياً له عندما تولى عرش سورية.
فور تأسيس حزب (الكتلة الوطنية) في دمشق، كان البارودي من أعضائه، وكان العضو الديناميكي فيه، عرف كيف يستغل الشارع، وكيف يستغل المدارس لصالح الحركة الوطنية ومناوأة الاستعمار. فإشارة منه كانت تغلق الحوانيت والمتاجر، وبإشارة منه كانت تغلق المدارس ويعلن الإضراب. وكثيراً ما كان يشاهد وهو يسير أمام الطلاب المتظاهرين، ويخاطبهم ويشجعهم، لذا سمي (زعيم الشباب).
انتخب البارودي نائباً عن دمشق في الجمعية التأسيسية عام 1928، كما انتخب نائباً عن دمشق لدورات 1933 ـ 1936 ـ 1943، ثم نائباً عن دوما في دورة 1947.
في عام 1938 أوفد إلى مدينة نيويورك ليدرس إمكانية اشتراك سورية في المعرض الدولي الذي سيقام فيها، ولكنه وجد مقاومة شديدة من رجال الحكومة السورية آنذاك فعاد إلى دمشق.
وضع ميثاقاً اقتصادياً طالب فيه الشعب بسلوك مبدأ الاقتصاد المغلق، وذلك بالامتناع عن شراء الحوائج الأجنبية والاستعاضة عنها بالمصنوعات الوطنية. وعمل على أن تبدأ في البلاد سياسة التصنيع، وكان من الذين عملوا على إنشاء صناعة (الجوخ) وصناعات أخرى.
عمل في ميدان الصحافة في جريدة المقتبس مع الأستاذ العلامة محمد كرد علي، كما أصدر أعداداً من مجلة ساخرة اسمها (حط بالخرج). وأنشأ مكتباً للدعاية الوطنية باسم (المكتب العربي) بين عام 1934 و1936. وأطلق (مشروع الفرنك) الذي يقضي بجباية فرنك سوري واحد من الناس في كل المشاريع التي تحتمل ذلك، من أجل الدعاية ودعم المشاريع الوطنية.
وحين تسلمت الكتلة الوطنية الحكم في عام 1936، كان فخري البارودي هو الذي أسس فرق القمصان الحديدية أو الحرس الوطني، وكانت منظمة شبه عسكرية، ويعاونه في ذلك عدد من الشباب المثقفين.
وفي أيار عام 1945، حين قامت الانتفاضة الشعبية، ارتدى البارودي ثياباً عسكرية، وساهم في تنظيم المتطوعين. ومنذ ذلك الوقت اعتبر عقيداً في الجيش، وهي رتبة اعترفت له بها القيادة العامة.
يعتبر البارودي من أوائل الوطنيين الإقطاعيين الذين ساندوا الموسيقى والموسيقيين وأمدوهم بكل دعم منذ أوائل القرن العشرين، وكان مايزال شاباً عندما أخذ يعقد في بيته في حي القنوات بدمشق وفي بلدة دوما القريبة منها الندوات الشيقة لأهل الأدب والفن. وفي أعقاب الثورة السورية وبالتحديد عام 1928 أسس البارودي مع توفيق الصباغ (النادي الموسيقي السوري الشرقي) الذي أغلقه الفرنسيون بعد عامين لنشاطه المعادي للاستعمار، وعندما سمح الفرنسيون في بداية الحرب العالمية الثانية للأندية الموسيقية بمعاودة نشاطها، ساهم البارودي بدعمها مادياً ومعنوياً واجتماعياً.
وبعد الجلاء وعندما كان البارودي نائباً عن دمشق في دورة عام 1943، نجح بنفوذه السياسي والاجتماعي في أن ينتزع من المجلس النيابي بعد جلسة حامية الموافقة على تأسيس أول معهد رسمي للموسيقى يتبع وزارة المعارف تحت اسم (المعهد الموسيقي) وكان ذلك عام 1947. ولم يكتف البارودي بما حققه إذ أشرف بنفسه إشرافاً فعلياً عليه مدة عامين وترأس مجلس إدارته. وخلال هذه الفترة من عمر المعهد تمكن البارودي عن طريق الفنانين المتميزين من تكريس المعهد لإحياء الأعمال التراثية.
عام 1950 ألمت بالبارودي ضائقة مالية فاضطر لبيع داره والانتقال إلى دار صغيرة في منطقة الكواكير، وبتاريخ 18 تموز 1963 وخلال الانقلابات السياسية التهمت النيران دار البارودي بما فيها مكتبته التي جمعها وصرف من أجلها كل غال ورخيص خلال ستين عاماً، وقد كان لهذه الحادثة المؤلمة أثر كبير في نفسه وجسمه، فانطوى على نفسه وزهد في الدنيا، حتى وافته المنية عام 1966.
كان فخري البارودي نشيطاً في ميدان الفكر والنشر، ومن آثاره:
1ـ كتاب (تاريخ يتكلم)، مليء بشعر صادق في الوطنية.
2ـ كتاب (مذكرات البارودي)، جزآن.
3ـ كتاب (مذكرة الشرطي).
4ـ كتاب (رسالة إلى ملوك ورؤساء الدول العربية).
5ـ له كتاب ضخم عن الموسيقى يسهل تعلم النوتة الموسيقية بطريقة ابتكرها، لكنه احترق يوم احترق منزله في 18 / 7 / 1963.
المراجع:
ـ (صانعوا الجلاء في سورية) نجاة قصاب حسن، شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، بيروت، الطبعة الأولى، 1999، ص(211ـ 219).
ـ (الموسيقا في سورية) صميم الشريف، أعلام وتاريخ، دمشق، 1991، ص(148ـ 154).
ـ (الموسوعة السياسية) عبد الوهاب الكيالي وآخرون، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، الطبعة الأولى 1986، الجزء الرابع، ص(476).
ـ (عبقريات شامية) عبد الغني العطري ، دمشق، طبعة أولى 1986، ص(100،101).
إبراهيم إسماعيل
29-10-2007, 06:04 PM
شكيب أرسـلان
هو شكيب بن حمود بن حسن بن يونس أرسلان، ولد سنة 1869، في بيت عريق من بيوت الإمارة اللبنانية في الغرب، والتي يعود نسبها إلى الملك المنذر بن النعمان من أشهر ملوك الحيرة.
ولد شكيب أرسلان في بلدة الشويفات في لبنان مركز العائلة الأرسلانية، والده الأمير حمود كان محباً للأدب والأدباء، وتجتمع إليه الشخصيات الفذة في بلده، وكان مسموع الكلمة مهيب الجانب على بسطة من الحياة والرزق والجاه، وكان مديراً لناحية الشويفات فإليه ترنو أبصار بلدته وأهله وعشيرته، تزوج من امرأة شركسية الأصل أنجبت له خمسة أولاد، أخذ بيدهم إلى العلم والثقافة وكان منهم الأمير شكيب أرسلان.
تعلم شكيب في بلدته الشويفات مبادئ القراءة والكتابة والقرآن على شيخ من أهل بلدته، ثم دخل مدرسة الأميركان، وتعلم فيها مبادئ اللغة الإنجليزية، ثم انتقل إلى بيروت ليتلقى دروسه في مدرسة الحكمة المارونية، والتي كانت مشهورة بتعليم أصول اللغة العربية، والفرنسية، والتركية. ونبغ شكيب في ذلك متفوقاً وبامتياز، ونال شهادتها سنة 1886، ثم انتقل إلى المدرسة السلطانية لتعلم اللغة التركية والفقه، كما حضر درس مجلة الأحكام العدلية على الإمام محمد عبده، ولازمه في مجالسه الخاصة، حتى كان للإمام عبده أثر كبير في حياة شكيب وفي تكوينه وتوجيهه، فاتخذه مثلاً أعلى لحياته، ورأى في أدبه وسيرته ودعوته للإصلاح وعمله لخير المسلمين طريقاً يسلكها، وشعاراً يرمي إليه، ونهجاً يسير فيه، حتى غدا يقلده في خطابه وفي آثاره ومقالاته.
نظم شكيب أرسلان الشعر وهو في منتصف العقد الثاني من عمره، وظهر نبوغه في الكتابة وغطت على شعره، فبدأ يراسل جريدة الأهرام المصرية بتوقيع (ش) وظل على ذلك سنين فاستفاضت شهرته، وفي عام 1887 نشر ديوان شعره الأول وأسماه الباكورة.
سافر شكيب إلى مصر وعمره إحدى وعشرون سنة، ولازم أستاذه محمد عبده وتعرف من خلاله إلى أرقى الشخصيات في مصر، وإلى مجموعة من طلائع النهضة العربية منهم: سعد زغلول، والشيخ علي يوسف صاحب جريدة المؤيد، وكذلك أحمد زكي باشا الذي أصبح شيخ العروبة في تحقيقاته وكتبه وأدبه. وتعرف إلى كثير من الشعراء والأدباء والساسة تضيق عن استيعاب أسمائهم وأمجادهم سطور وسطور، وكان لهذه البيئة أثر في حياة شكيب حيث كانت تمثل أكبر جامعة من الجامعات دخلها وخرج منها على اطلاع وثقافة وسياسة فزادته يقيناً برسالته التي راحت تراود أحلامه وأمانيه، وهي رسالة الدعوة إلى الإسلام والدفاع عن الخلافة والذود عن العرب ومناضلة الاستعمار.
سافر شكيب إلى باريس وهناك تعرف على الشاعر الكبير أحمد شوقي، كما تعرف على جمال الدين الأفغاني في الآستانة والذي قال له: (أنا أهنئ أرض الإسلام التي أنبتتك)، واتصل بالشيخ محمد رشيد رضا وامتدت صداقتهما حتى وفاة الشيخ.
تولى شكيب مديرية الشويفات مدة سنتين بعد وفاة والده الذي كان يشغل هذا المنصب ثم مدير منطقة الشوف مدة ثلاث سنوات، كما عُين نائباً في مجلس المبعوثان العثماني مرة عن اللاذقية ومرة أخرى عن منطقة حوران، وعُين مفتشاً لجمعية الهلال العثماني، وسافر تحت لواء هذا الهلال إلى طرابلس الغرب للدفاع عن إخوانه هناك فكان يحث الهمم ويؤمن المؤن ويضمد الجرحى، كما وقف في خطوط القتال مؤمناً بأنه: (إن لم ندافع عن صحارى ليبيا، لا نستطيع الحفاظ على جنان الشام).
دعا شكيب إلى الجامعة الإسلامية في ظل الحكم العثماني، ووقف في وجه التعاون مع الغرب ـ خاصة مع فرنسا وإنجلترا ـ ضد الدولة العثمانية، واعتبره أشد خطراً على الإسلام والعرب، وكان يدعم الخلافة العثمانية في مقالاته في جريدة (الشرق) ويدعو إلى نصرة الإسلام ضد الغرب المستعمر، ويعمل على وحدة المسلمين والإبقاء على سمعة الخلافة العثمانية وقوتها وسيطرتها كما كانت في عهد الأمويين والراشدين.
وبالرغم من دفاع شكيب عن الخلافة العثمانية قبل وفي ظل الحرب العامة، إلا أنه أخيراً استاء من سياسة القائد العثماني جمال السفاح، الذي طغى وبغى وقتل ونفى وهجر حتى طفح الكيل، حيث أنقذ الأمير شكيب من مظالم جمال باشا العديد من الشخصيات السورية واللبنانية نذكر منهم فارس الخوري الذي ظل حتى آخر حياته يذكر أن شكيب أرسلان أنقذه من الموت. ثم توترت علاقات الأمير بجمال باشا لتكاثر تدخلاته، وهُدد مراراً بعدم التدخل، وقد نصحه الكثيرون ألاّ يتمادى في التدخل حرصاً على حياته. فهاجر من سورية إلى استانبول سنة 1917، وقرر ألا يعود إلى سورية وجمال السفاح فيها.
دعته الحكومة الألمانية في نفس العام لزيارة عواصمها، فلبى الدعوة، وهناك وُفق في إقناع الألمان وساسة الأتراك في إرجاع جمال السفاح إلى الآستانة. وبهذا خدم شكيب قومه وأنقذ البقية الباقية من الزعماء السوريين من حبل المشنقة، كما خدم بلاده في إعادة منفيي سورية إلى أوطانهم.
لما انتهت الحرب العالمية بإخفاق الألمان والأتراك، انتقل شكيب إلى برلين وأقام هناك حيث أسس العديد من الجمعيات وانتخب رئيساً لـ (النادي الشرقي) الذي هو مؤسسه. وهناك نهج سياسة جديدة، فبعدما وقف من الثورة العربية أول الأمر موقف المخالف لأنها كانت ضد الخلافة العثمانية فلما انتصرت وعُين فيصل ملكاً، نراه يشد أزر مليكهم وينتصر لهم ضد دسائس المستعمرين الأوربيين، وأصبح ينادي بأنه جندي من جنود الأمة العربية له ثلاثة أهداف جليلة واضحة أولها: الاتحاد، وثانيها: التحرر، وثالثهما: السير في موكب النهضة والعلم. وكان يعرب عن أمله في مستقبل العرب والجامعة العربية فيرى أن ستين مليوناً يستطيعون أن يجندوا حوالي مليون جندي على الأقل لحماية الجامعة العربية.
وقد عرف الملك فيصل إخلاص شكيب للقضية العربية، ورأى أنه كان يعمل للعرب تحت ظل الخلافة الإسلامية. فلما قضت الخلافة راح يعمل لهم تحت ستر الإسلام ضد الاستعمار. فلما دخل الفرنسيون سوريا أيقن العرب صدق آراء شكيب إزاء الاستعمار، وهو الذي كان يقول: (هذا الاستعمار استمراراً للغزوة الصليبية، تغيرت الأسماء والألقاب أم لم تتغير). لذلك وجه له الملك فيصل بعد سقوط عرشه رسالة يقول فيها: (أشهد بأنك أول عربي تكلم معي في قضية الوحدة العربية).
وكانت تغلب على مبادئ الأمير شكيب الصبغة السياسية لأنه كان يرى أن إصلاح السياسة يصلح كل شيء. وهذا الإصلاح في السياسة قد انحصر عنده منذ بدأ مساهمته في الدعوة للجامعة الإسلامية حتى انتهاء الحرب العالمية الأولى أي مدة ربع قرن في نقطتين الأولى: إصلاح الحكم الاستبدادي في الدولة العثمانية وفي سائر الدول الإسلامية الأخرى، وتقويم المعوج في شؤونها الداخلية. الثانية، تخليص الشعوب الإسلامية الواقعة تحت الحكم الأجنبي. وقد ظلت هذه النقطة الثانية مدار عمله في هذا الميدان حتى النفس الأخير من حياته.
انتخب شكيب سكرتيراً أولاً للوفد المنبثق عن المؤتمر السوري الفلسطيني عام 1921 وعضواً في لجنته التنفيذية ليكون سفيراً لهم في الغرب يدافع عن سورية وفلسطين ويسعى لتحرير هذين القطرين من براثن الاستعمار ويسعى لاستقلالهما أمام جمعية الأمم المتحدة بجنيف. لذلك انتقل شكيب عام 1925 إلى سويسرا مقر عمله وأقام في لوزان أولاً حتى عام 1930 قبل انتقاله إلى جنيف. وقد نجح وفد المؤتمر السوري الفلسطيني في إفهام القضية السورية الفلسطينية، وأثارها في العواصم الأوروبية، ونبه أنظار الأمم إلى جرائم فرنسا في بلده، وجرها إلى مراقبة أعمالها، وتحذيرها من مغبة فسادها، فنقل بذلك أصوات السوريين إلى جمعية الأمم في جنيف وأقض مضجع المستعمرين.
ذاع صيت شكيب في العالم العربي من مشرقه إلى مغربه، وأصبح موضع ثقة العرب جميعاً ومحل احترامهم وإكبارهم، وزال عنه كثير من التهم التي كانت تلصق به في العهد العثماني بسبب وقوفه في وجه العرب المعادين للخلافة العثمانية، ولقي في سبيل هذه الشهرة عناء كبيراً، إذ راح العرب والمسلمون يكاتبونه ويسألونه ويشتكون إليه، وكان عليه بعد أن زحف نحو الستين أن يجيب من يعرف ومن لا يعرف بقلمه السيال وبيانه الفياض، فأصبح في كل ناحية له رسالة من خطه تنير أو تفيد في فتوى سياسية أو تعين في مشورة.
انتخب شكيب أرسلان سكرتيراً لمؤتمر الشعوب المقهورة في جنوى، وفي عام 1923 ـ 1925 أقام في مرسين بتركيا ليكون على مقربة من سورية المتحفزة للثورات، وللقاء والدته وعائلته هناك. في عام 1926 نال شكيب أرسلان الجنسية الحجازية (السعودية لاحقاً).
كما انتخب شكيب في تموز 1926 في لجنة رئاسة مؤتمر الخلافة، وحركة مؤتمر الخلافة حركة إسلامية عارمة ثارت بعد قرار كمال أتاتورك إلغاء الخلافة في آذار 1924 وقطع روابط تركيا بالعرب والمسلمين.
دعاه عرب المهجر في أمريكا الشمالية إلى ترؤس مؤتمرهم المنعقد في (ديترويت) فلبى الدعوة عام 1927، وسافر إلى أمريكا بعد أن طاف في روسيا وألمانيا وفرنسا وإيطاليا، وأخذ يغذي الصحف العربية في كل مكان، وراح ينشر مذكراته في جريدة (مرآة الغرب) بنيويورك، تحدث فيها عن جمال السفاح ومقاومته له وردعه إياه عن فظائعه المنكرة في قتل الأحرار من العرب، وتحذيره لهذا الضابط المتكبر من نتائج أعماله على الدولة العثمانية وعلى رابطة العرب والترك.
في سنة 1929 ترك شكيب سويسرا ليحج إلى بيت الله الحرام، في سنة 1930 قام برحلة إلى أسبانيا، فجاس خلالها مدنها وقراها، وصافحت عيناه جدران الأندلس الحلوة ، فنقلها صوراً بارعة ورسوماً باكية ضاحكة إلى كتابه (الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية).
كما وأنشأ في هذه السنة مجلة باللغة الفرنسية سماها (الأمة العربية) شهدت له بالنضال في سبيل العرب، والعمل لاستقلالهم، والانتصار لثوراتهم في كل مكان وتحريضه إياهم على الكفاح والنضال والإشادة بأبطالهم وبطولاتهم، غير مبال بغضب الإنجليز والفرنسيين.
وللأمير شكيب أياد بيضاء في محو كثير من أسباب سوء التفاهم الذي ينشأ أحياناً بين ملوك العرب أو بين أمرائهم أو سائر رجالاتهم وغالباً ما تكللت مساعيه بالنجاح بفضل ما كان يتمتع به عندهم من نفوذ وإكرام. ففي سنة 1934 اختير شكيب في الوفد الذي شكلته لجنة المؤتمر الإسلامي في القدس لحل الخلاف بين عاهل السعودية ابن سعود والإمام يحيى، فكان لشكيب يد فضلى في جمع الشمل.
ومنذ انتهاء الحرب العالمية الأولى قلما جاء وفد عربي إلى باريس أو لندن أو جنيف أو غيرها من العواصم ليطالب بحقوق العرب ولم يكن الأمير شكيب من أبرز أعضائه أو كبار مستشاريه، كما ندر أن عقد مؤتمر عربي عام وكان بعيداً عنه، ولم تقم ثورة في قطر عربي في المشرق أو المغرب ضد الاستعمار إلا وكان المدافع عن القائمين بها ناشراً الدعوة لها وكاشفاً الستار عن أعمال المستعمرين في أوطانه.
وذكر عنه أنه قابل مع صديقه إحسان الجابري موسوليني، وباحثه في موضوع القضية الطرابلسية، وأقنعه بإعادة 80 ألف عربي لوطنهم في ليبيا وإعادة أراضيهم.
خطر لشكيب أرسلان عام 1936 أن يجمع ما كتبه من بحوث سياسية ومذكرات واحتجاجات ونداءات، وما كان يوزعه على وفود جمعية الأمم المتحدة ورجالها من خطابات، فوجد أنه يقع فيما يقارب العشرين مجلداً، وأنه يتعذر عليه طبعه فأهداه جميعاً إلى نظارة الخارجية السورية.
إبراهيم إسماعيل
29-10-2007, 06:05 PM
قال شكيب أرسلان عن نفسه أنه (لا يضيع دقيقة واحدة من وقته، وأنه يتلقى أكثر من ألفي مكتوب في دور السنة، فيجيب عليها كلها، ويكتب زيادة عليها مائتين إلى مائتين وخمسين مقالة في دور السنة. وينشر من التآليف بضعة آلاف من الصفحات المطبوعة تأليفاً). عرّفه خليل مطران بـ (إمام المترسلين)، ولقبه أخوه الخبير بعلمه وفضله السيد رشيد رضا بـ(أمير البيان).
في عام 1935 ترأس الأمير شكيب أرسلان المؤتمر الإسلامي الأوروبي الذي عقد في جنيف. وفي عام 1937 سمح للأمير شكيب بزيارة سورية، فطاف مدنها وخطب في قومه وحاضر في أندية علمية مختلفة، واختاره المجمع العلمي العربي بدمشق رئيساً له تكريماً لجهاده وإكباراً ليده، لكنه اعتذر احتجاجاً على فرنسا التي تنكرت للمعاهدة المعقودة مع سوريا سنة 1936، فاضطر للعودة إلى جنيف في ظل فترة الحرب العالمية الثانية، حيث نسج شبكة علاقات واسعة مع السوريين في أمريكا اللاتينية، فراسلهم وكتب المقالات في مجلاتهم ووجه خطواتهم في عقد المؤتمرات وتشكيل الجمعيات، كما شارك في الخطوات السياسية للزعماء العرب المعادين لفرنسا وبريطانيا والساعين لاستقلال ووحدة البلاد العربية، وأبرزهم الحاج محمد أمين الحسيني ورشيد عالي الكيلاني وعلال الفاسي ومصالي الحاج الزعيم الجزائري، وغيرهم في المشرق والمغرب على السواء.
الأمير شكيب أرسلان من الدروز وهو يعتز بهذا النسب ويقول: (والدروز فرقة من الفرق الإسلامية أصلهم من الشيعة الإسماعيلية الفاطمية، والشيعة الإسماعيلية الفاطمية أصلها من الشيعة السبعية القائلين بالأئمة السبعة، وهؤلاء هم من جملة المسلمين، وهم مسلمون ويقيمون شعائر المسلمين ويتواصون بمرافقة الإسلام والمسلمين في السراء والضراء، ويقولون إن كل من خرج عن ذلك منهم فليس بمسلم).
أما الأمير شكيب فقد كان شخصياً يتعبد على مذهب أهل السنة، فيصوم ويصلي ويزكي ويحج كما يفعل جمهور المسلمين. قال الشيخ سليمان الظاهر: (بأن الأمير شكيب كان المسلم الحقيقي الذي عرف أن الإسلام عقيدة وعمل وأنه دين إنساني عام لا دين شعوبية وقبلية وعصبية وإقليمية ولا دين أجناس وألوان).
موقف الأمير شكيب من الطائفية وكيف عالج الموقف:
بعد الحرب الطائفية في لبنان عام 1860 بين المسيحيين والدروز، كان النظام الجديد للبنان والذي تبناه ممثلو الدول الأوروبية الست الكبرى (فرنسا، إنجلترا، روسيا، ألمانيا، النمسا وإيطاليا) والباب العالي في حزيران 1861، كان مؤاتياً للطائفة المارونية، ويقوم على الاعتراف بالمبدأ الطائفي وتشجيعه له، فوفقاً لهذا النظام منح لبنان الحكم الذاتي المحلي في ظل حاكم مسيحي عثماني هو المتصرف، وكان نظام المتصرفية هذا وما يتبعه من تنظيم للقائمقاميات الطائفية لمصلحة الموارنة، وبسبب تهميش هذا النظام الجديد لجبل الدروز، حيث ظل الدروز على هامش التطور الاقتصادي الذي عرفه الموارنة بفضل الدعم الخارجي لهم، من الطبيعي أن يرى الأمير شكيب بأن الواجب يقتضي تدعيم موقع الأسرة الأرسلانية الدرزية في هذه القائمقامية، وأن يكون عل رأسها من يحمل تاريخ العائلة الفعلي ويجسد تراثها العربي الإسلامي ومن يعمل على التحام الدروز بالدولة العثمانية وتحقيق الذوبان الاستراتيجي للدروز وسط المحيط الإسلامي والسوري الأوسع. لذا نجد الأمير شكيب غاص في الصراعات الحزبية الجبلية الضيقة في السنوات 1892 ـ 1908، وقام بعدة مأموريات عام 1902 في جبل حوران لإقناع الثوار الدروز هناك بالرجوع إلى طاعة الدولة العثمانية، وكان حاسماً وواضحاً في موقفه من ضرورة وحدة الدروز والتفافهم حول الدولة في تلك المرحلة، التي تميزت على حد وصف جميع المراقبين والباحثين بضعف الدروز وقوة الموارنة.
قام الأمير شكيب بجهود جبارة في توحيد القوى لإدراج جبل الدروز ضمن إطار الدولة، فقد أقام تحالفاً بين العائلات الدرزية والعائلات اللبنانية، وهذا التحاف قام بالحركة المعروفة باسم (المظاهرة الكبرى) حيث توجه وجهاء هذه العائلات على رأس وفود من أعيان البلاد من جميع الأقضية والطوائف إلى بيت الدين مطالبين بشمول الدستور لجبل الدروز... ثم تحولت هذه المظاهرات إلى حركة عصيان جماهيري أرغمت المتصرف المسيحي على إعلان الدستور في جبل الدروز. وكان من النتائج المباشرة لهذه الحركة عزل كبار المأمورين الذين كان المتصرف يعتمد عليهم، وتعيين مكانهم أشخاص من التحالف أو الحزب المؤيد للأمير شكيب ومن جملتهم تعيين الأمير نفسه قائمقاماً لمنطقة الشوف.
كان الأمير شكيب قد تزوج عام 1916 من السيدة سليمى بنت الخاص بك حاتوغو وهي قفقاسية ومن سكان منطقة السلط في الأردن، وأنجبت له: ولده غالب عام 1917 في جبل عالية بلبنان، ومي عام 1928 في لوزان، وناظمة عام 1930 في جنيف.
عاد شكيب أرسلان إلى بيروت في 30 تشرين أول 1946، فمتع نظره بمشاهدة وطنه حراً مستقلاً طليقاً من الاحتلال والاستبداد ـ إلا أنه تحالف عليه مرض تصلب الشرايين والنقرس والرمل في الكليتين، وثقل الثمانين عاماً، فلم تطل مقاومته فلفظ أنفاسه الأخيرة ليلة الاثنين في 9 كانون أول 1946.
ودوى النبأ الفاجع، فهرع الأمراء الأرسلانيون إلى بيته يرسلون إليه النظرة الأخيرة لوداعه، وهبت بيروت ودمشق إلى داره، وساد وجوم رهيب في أنحاء العالمين العربي والإسلامي لموته، وشيع في اليوم التالي بموكب مهيب وصلي عليه في الجامع العربي ببيروت، وسار في صدر هذا الموكب الحاشد رئيس الجمهورية اللبنانية آنذاك الشيخ بشارة الخوري، ونقل جثمان الراحل إلى مسقط رأسه في (الشويفات) فعاد إلى الربوع التي عرفته صبياً يافعاً. وقد كان فيمن رثاه الدكتور مصطفى السباعي بقصيدة صادقة مطلعها:
سلام عليك أبا غالب أمير البيان أمير القلم
ترك الأمير شكيب الكثير من المؤلفات نذكر منها:
ـ كتاب (لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم).
ـ (الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية).
ـ (الارتسامات اللطاف في خاطر الحاج إلى أقدس مطاف).
ـ (غزوات العرب في فرنسا وشمالي إيطاليا وفي سويسرا).
ـ (الباكورة)، ديوان شعره الأول.
ـ (السيد رشيد رضا أو إخاء أربعين سنة).
ـ (شوقي أو صداقة أربعين سنة).
ـ (القول الفصل في رد العامي إلى الأصل).
ـ (مطالعات في اللغة والأدب)، مقالات لخليل السكاكيني مع ردود للأمير عليها.
ـ (روض الشقيق في الجزل الرقيق)، وهو ديوان أخيه نسيب، قدم له في 150 صفحة من أصل 176 صفحة.
ـ (محاسن المساعي في مناقب أبي عمرو الأوزاعي).
ـ (رسائل الصابئ)، تحقيق وتقديم الأمير شكيب.
ـ (أناتول فرانس في مباذله)، كتاب فرنسي ترجمه الأمير إلى العربية.
ـ (رواية آخر بني سراج)، ترجمها الأمير إلى العربية وأضاف إليها ملحقاً من ثلاثة أقسام.
ـ (الدرة اليتيمة لابن المقفع)، تحقيق وتصحيح الأمير شكيب.
ـ تعليقاته على كتاب (حاضر العالم الإسلامي) المنقول عن الإنجليزية بقلم الأستاذ عجاج نويهض.
ـ رسالة تاريخية للأمير شكيب حول محاولة فرنسا إخراج البربر من الإسلام.
ـ مختارات نقدية في اللغة والأدب والتاريخ.
ـ تاريخ ابن خلدون، تعليقات الأمير على الجزء الأول والثاني منه.
ـ كتاب (لا يمكن لأية دعاية في العالم أن تشوه صورة إنسان) وهو بالفرنسية.
ـ محاضرة (النهضة العربية في العصر الحاضر) في 48 صفحة.
ـ محاضرة (الوحدة العربية) في 32 صفحة.
ـ له مذكرات باللغة الفرنسية تصل إلى 20 ألف صفحة و30 ألف رسالة أو يزيد.
ـ له المئات من المقالات في الجرائد والمجلات منذ أول مقالة له في الأهرام (1887) حتى آخر مقالة في جريد الاستقلال في الأرجنتين في 10 تشرين ثاني عام 1946.
ـ عام 1937 أهدى الأمير مجموعة من عشرين ألف ورقة إلى نظارة الخارجية السورية. وهي حصيلة مراسلاته ومرافعاته أمام عصبة الأمم في جنيف خلال سنوات 1923 ـ 1936.
من مؤلفاته المخطوطة:
ـ رحلة إلى ألمانيا.
ـ بيوتات العرب في لبنان.
ـ مذكرات الأمير شكيب أرسلان، وقد أودعها مكتب المؤتمر الإسلامي في القدس لتنشر لعد وفاته.
وله العديد من المخطوطات تجاوزت الـ (24 مؤلف) ومعظم هذه المخطوطات موجود في المكتبة الخاصة بالملك المغربي الحسن الثاني، أو موزعة لدى العديد من أبناء الجبل في لبنان وحوران.
المراجع:
ـ (الأمير شكيب أرسلان حياته وآثاره) سامي الدهان، ، دار المعارف بمصر، طبعة ثانية ص(62ـ 101).
ـ (تاريخ غزوات العرب) شكيب أرسلان ، دار مكتبة الحياة بيروت، ص(7ـ15).
ـ (المعاصرون) محمد كرد علي ، دار صادر، بيروت، 1991، ص(248ـ 167).
ـ (موسوعة الأعلام) خير الدين الزركلي ، دار العلم للملايين، بيروت، طبعة عاشرة، 1992، الجزء الثالث ص(173).
ـ (الأمير شكيب أرسلان) د. سعود الموسى، بنو معروف أهل العروبة والإسلام، دار العودة، بيروت، طبعة أولى، 1990).
إبراهيم إسماعيل
29-10-2007, 06:06 PM
محمد رشيد رضا
ولد محمد رشيد رضا في قرية من قرى لبنان تسمى القلمون، في 27/جمادى الأولى/1282هـ، 1865م، وهو سليل بيت عربي عريق ينحدر من نسل الحسين بن علي بن أبي طالب، اشتهر بيت آل الرضا بأنهم كانوا المثل الأعلى في الانقطاع للعبادة وتكريم العلماء والترحيب بأولي الفضل.
كان أبوه قوي الذاكرة، طلق اللسان، ومن قوة ذاكرته أنه كان يحفظ كل ما مر به في سفره، وكل ماله عند الناس، أو لهم عنده من الحقوق المالية وإن طال عليها الزمن، وكان حسن المجاملة، عظيم التساهل في معاشرة المخالفين في الدين مع الغيرة الشديدة على الإسلام والمناضلة عنه بما يقنع المناظر ولا يؤذيه، كما كان يتمتع بهيبة في نفوس أبنائه، حيث لجأ إلى الحزم والترهيب أحياناً في التربية، ولقيت هذه التربية استجابة من نفس محمد رشيد رضا، وورث عنه الكثير من الخصال الخلقية والعلمية.
التحق محمد رشيد بكتاب القرية، وتعلم فيها القرآن الكريم والخط وقواعد الحساب، ثم التحق بالمدرسة الوطنية الإسلامية التي أنشأها أحد علماء الشام الشيخ محمد حسين الجسر (وهو أحد رواد النهضة الثقافية والعربية، والذي اشتهر بإلمامه الواسع بالعلوم العصرية، وكان كاتباً وشاعراً عصرياً، درس في الأزهر الشريف على يد الأديب الكبير محمد حسين المرصفي) حيث اهتمت هذه المدرسة بالعلوم العربية والشرعية والمنطق والرياضيات والفلسفة الطبيعية، لكن الحكومة أغلقت هذه المدرسة، فانتقل محمد رشيد إلى المدارس الدينية في طرابلس، وظل على علاقة قوية بأستاذه الأول حسين الجسر الذي أحبه وتأثر به لما خصه به من الإهتمام والعناية منذ شاهده في السنة الأولى بالمدرسة الوطنية، لما كان يجد عنده من حب شديد للدراسة والمذاكرة والقدرة على التعبير عما يفهم، حتى صار يطلب رأيه في مؤلفاته خاصة الكبرى منها.
نال محمد رشيد الإجازة في دراسة العلوم العربية والشرعية والعقلية عام 1897،على يدي أساتذة كبار منهم الشيخ محمود نشابة من كبار علماء طرابلس، والشيخ عبد الغني الرافعي، والشيخ محمد القاوقجي، لكن بقي الشيخ الأكبر أثراً في نفس محمد رشيد هو أستاذه الشيخ الجسر.
وصف أحد العلماء محمد رشيد في مرحلة تلقيه العلم وما أفاده من دراسته، بأن علمه لدني أي (من لدن حكيم عليم)، فيقول إني أغيب عنه سنة فأجد عنده من العلم ما لا يمكن اكتسابه إلا في السنين الطوال.
عني محمد رشيد رضا بحفظ القرآن الكريم وحده دون أي معلم يعيد عليه ما يحفظ، وكان يفضل صلاة التهجد تحت الأشجار في بساتينهم الخالية، حيث وجد في البكاء من خشية الله، وتدبر كتاب الله في صلاة الليل لذة روحية قوية، وقرأ كتاب (إحياء علوم الدين) لأبي حامد الغزالي وتعلق به، وحبب إليه التصوف، وهو في هذه السن المبكرة من الشباب، فسلك محمد رشيد طريقه إلى التصوف على يد رجل من النقشبندية، لكنه استطاع أن يقف على أسرار هذه الرياضة الروحية بمحاسنها ومساوئها، وهو الأمر الذي هيأه في المستقبل للمناداة بإصلاح الطرق الصوفية، حيث وجد بعضها طيباً والآخر لا يقبله العقل، بل يكون أحياناً مدخلاً إلى البدع ومثاراً إلى الفتن.
ألقى رشيد المواعظ والدروس في المسجد معتمداً فيها على جمع أكبر عدد ممكن من الآيات في الموضوع الواحد، حتى صار لمواعظه أعظم الأثر، وأشد الوقع في النفوس، واختار من كتب التفاسير أيسرها، على حين قام هو نفسه بدور كبير في شرح الآيات القرآنية واستخلاص العبر التي تفيد جمهور المستمعين منها، واستطاع في تلك الأيام الأولى من جهاده في سبيل الإصلاح أن يثبت قدرته على الاجتهاد في الفقه، الذي اعتبره مرتبة عالية من مراتب العلم الاستقلالي بالأحكام الشرعية، وأنه هام وحيوي لإرشاد الناس لما فيه من الخير والهداية.
في الوقت الذي دخل فيه محمد رشيد ميدان الإصلاح في قريته بدافع من ميوله الفطرية وقدراته العلمية، كانت أنظار العالمين والعربي والإسلامي قد اتجهت نحو مصر، حيث انطلقت منها حركة إصلاحية كبرى تولى زعامتها اثنان من خيرة علماء الشرق وأبطاله وهما: السيد جمال الدين الأفغاني، والأستاذ الإمام محمد عبده، وترامت أنباء هذه الحركة إلى مسامع محمد رشيد عن طريق الجماعة المصرية التي أقامت في منزل والد رشيد عند نفيهم من مصر، لاشتراكهم في ثورة أحمد عرابي على الخديوي توفيق. وكانت تصل إلى هذه الجماعة المصرية جريدة العروة الوثقى سراً، وهي الجريدة التي كان يصدرها جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده بعد نفيهما من مصر، واجتماعهما في فرنسا.
قوي اتصال محمد رشيد رضا بجريدة العروة الوثقى، التي وجهته للسعي في الإصلاح الإسلامي العام، ورسمت له منهجاً علمياً جديداً للإصلاح بعد أن عرفته بأسباب الفساد والتفكك في بلاد الشرق، وفتحت له آفاقاً واسعة لم يكن يعرف عنها شيئا ودفعت به إلى الطريق الطويل الذي سلكه كبار المصلحين وقادة التحرير.
استطاع رشيد رضا أن يتصل بجمال الدين الأفغاني الذي نادى بالإصلاح والتجديد عن طريق السياسة، وكذلك اتصل بمحمد عبده الذي نادى بالإصلاح والتجديد عن طريق التربية والتعليم، وخرج رشيد بعد تعرفه على منهجي أستاذيه بمنهج خاص جعله يمزج بين المنهجين السابقين.
في ظل الأحداث التي وقعت في سورية، والتي حدت من انطلاقة رشيد رضا في الإصلاح بسبب تشدد الولاة العثمانيين. أخذ رشيد يتطلع إلى الهجرة نحو مصر.
وهناك في أرض مصر، استقر العزم به على إنشاء صحيفة إصلاحية عام 1898، أسماها المنار وجعلها منبراً لبث أفكاره في الإصلاح الديني والاجتماعي والإيقاظ العلمي والسياسي، وكان يحرص على عرض كل ما يكتبه من مقالات على الإمام محمد عبده، ويستمع إلى توجيهاته وإرشاده، وظل قلم رشيد رضا يصول في المنار ويجول مرشداً المسلمين إلى النظر في سوء حالهم، وتذكيرهم بما فقدوه من سيادة الدنيا وهداية الدين، وما أضاعوه من مجد آبائهم الأولين، فنادى بأن يعلموا أن قيمة الدين ليست في أسراره الروحانية أو قواه الخفية، بل في الحقيقة التي يعلمها للإنسانية، وهي أن سعادة المرء في هذه الحياة والحياة الأخرى تتوقف على معرفته بسنن الله التي تضبط هداية البشر أفراداً وجماعات، وعلى المسلمين أن يدرسوا هذه السنن ثم يسيروا عليها في يقين وإيمان.
ونادى رشيد رضا في المنار بإصلاح التربية والتعليم، وبإنشاء المدارس الإسلامية ونبذ المدارس التبشيرية التي أكثر المستعمر منها في البلاد الإسلامية، ودعا إلى وجوب إدخال علوم أساسية في ميدان التربية والتعليم، مثل علوم أصول الدين وعلوم تهذيب الأخلاق، وعلوم فقه الحلال والحرام، وعلوم الاجتماع، وعلم تقويم البلدان، وعلم التاريخ وعلم الاقتصاد، والتدبير المنزلي والحساب، وعلم حفظ الصحة، وعلم فن الخط وعلم لغة البلاد... لما في هذه العلوم من خير للناس في حياتهم العامة والخاصة.
أنشأ رشيد رضا دار الدعوة والإرشاد لتخرج المرشدين والدعاة، وذلك في ظل انتشار المدارس التبشيرية في البلاد الإسلامية، ودعوة المسلمين للتخلي عن دينهم واعتناقهم الدين المسيحي، وتابع رشيد رضا الإشراف على مدرسته بما يفرغ فيها من جهده وجهاده ما يستطيع، لكن تعطلت هذه المدرسة عند نشوب الحرب العالمية الأولى، ولم تفتح أبوابها مرة أخرى.
دخل رشيد رضا ميدان السياسة، وعمل على نقد الدولة العثمانية والاشتراك عملياً في محاولات إصلاح الأوضاع فيها، وترأس (جمعية الشورى العثمانية) المؤلفة من العثمانيين المنفيين إلى مصر، حيث كانت هذه الجمعية ترسل منشوراتها السرية إلى سائر أرجاء البلاد العثمانية حتى أقلقت مضاجع السلطان. كما أخذ رشيد رضا في مجلته المنار يهاجم استبداد الدولة، وكشف عن قدرة فريدة في فهم الأوضاع التي أحاطت بالدولة العثمانية والبلاد العربية.
بعد الثورة العربية الكبرى وهزيمة الأتراك، تم الاتفاق بين إنجلترا وفرنسا على اقتسام الوطن العربي... وهذا ما سبق ونبه إليه رشيد رضا في مجلته المنار، كما حذر الزعماء العرب من الوقوع في حبائل الوعود البراقة والأماني الخادعة من فرنسا وبريطانيا، مما جعله يشرع بإرسال كتب إلى رؤساء وزارتي إنجلترا وفرنسا ينصحهم بالابتعاد عن المساس بحقوق العرب والغدر بهم، كما أتيحت له فرصة ذهبية ليندد بالاستعمار وأعماله في البلاد العربية حين قرر قادة العرب عقد مؤتمر في جنيف للدفاع عن القضايا العربية، ووقع الاختيار على رشيد رضا ليكون نائباً لرئيس هذا المؤتمر، حيث أسهم بقسط وافر من تجاربه وآرائه القيمة في وضع نداء للمجتمع الدولي وعصبة الأمم المتحدة للنظر في الحقوق العربية.
كما اشتهر رشيد رضا بالشدة في الحق والصدق في الحديث بكل ما يدلي به من آراءه، حين كان على رأس الوفد السوري الفلسطيني المبعوث إلى الأمم المتحدة لشرح القضايا العربية وكسب تأييدهم، وأكد لهم أن الشرق قد استيقظ وعرف نفسه ولن يرضى بعد اليوم أن تكون شعوبه ذليلة مستعبدة للطامعين المستعمرين.
ظل رشيد رضا يتابع رسالته في المنار بالدفاع عن الأمة العربية والأخذ بيدها، وتنبيه أبناء الأمة العربية إلى خطر الصهيونية، وإلى تبنى الاستعمار لها، ليجعل منها وسيلة لتحقيق مآربه في تحطيم وحدة الوطن العربي، ونادى في مقالاته بعد أن اشتد خطر الاستعمار والصهيونية، على ضرورة جمع كلمة العرب، وظل هكذا حاملاً لواء الجهاد في سبيل الإسلام والعروبة إلى أن انتقل إلى الملأ الأعلى في يوم22ـ 8 ـ1935، تاركاً وراءه تراثاً كبيراً من الأعمال العلمية نذكر منها: ـ
1. مؤلفه الأول الذي دونه أثناء طلبه للعلم في الشام "الحكمة الشرعية في محاكمة القادرية والرفاعية".
2. مجلة المنار: وهي المعلمة الإسلامية الكبرى، والكنز الذي احتوى ثمار تجارب رشيد رضا وآرائه في الإصلاح الديني والسياسي.
3. تاريخ الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده وما جرى بمصر في عصره.
4. حقوق النساء في الإسلام.
5. الوحي المحمدي.
6. المنار والأزهر.
7. ذكر المولد النبوي.
8. الوحدة الإسلامية.
9. يسر الإسلام وأصول التشريع العام.
10. الخلافة أو الإمامة العظمى.
11. الوهابيون والحجازيون.
12. السنة والشيعة.
13. مناسك الحج، أحكامه وحكمه.
14. تفسير القرآن الكريم، المعروف بتفسير المنار.
15. حقيقة الربا.
16. مساواة الرجل بالمرأة.
17. رسالة في حجة الإسلام الغزالي.
18. المقصورة الرشيدية.
المرجع:
ـ من كتاب (رشيد رضا الإمام المجاهد)، المؤلف: إبراهيم العدوي.
إبراهيم إسماعيل
29-10-2007, 06:07 PM
محمد بدر الدين الحسيني
هو محمد بدر الدين بن يوسف بن بدر الدين بن عبد الرحمن بن عبد الوهاب بن عبد الله بن عبد الملك بن عبد الغني الحسيني، مراكشي الأصل، ولد بدمشق عام 1850م. كان أبوه عالماً وشاعراً، مالكي المذهب من سادة المغرب، رحل إلى مصر لطلب العلم، فأخذ عن أعلامها، وعن علماء مكة المكرمة والمدينة المنورة، ثم جاء إلى الشام ليأخذ عن أقطابها، ثم إلى الأستانة ثم إلى المغرب، وكانت الشام دار سكناه، وبها درّس وخرّج طلاباً بارزين. أماّ والدة المترجم له فهي السيدة عائشة بنت إبراهيم الكزبري.
تعهده والده الشيخ يوسف بالرعاية والتهذيب والتعليم، وعليه أخذ مبادئ الكتابة والحساب، وحفظ القرآن الكريم وهو ابن سبع سنوات تقريباً، وانقطع للعلم، فلماّ توفي والده وهو ابن اثنتي عشرة سنة تولت والدته وخاله الشيخ صالح الكزبري رعايته، وانقطع في غرفة أبيه لدار الحديث يطالع كتبه الموروثة بهمة ويحفظ المتون في العلوم المختلفة، فحفظ ما يقرب من اثني عشر ألف بيت وشغل بقراءة شروحها وفهمها على الشيخ أبو الخير الخطيب.
مال منذ الثالثة عشر ة من عمره إلى العزلة والخلوة، وانقطع إلى العلم والعبادة في غرفته، وعكف على التأليف نهاره وطرفاً من ليله، مولياً علم الحديث اهتمامه، فحفظ الصحيحين مع أسانيدها، وقيل حفظ كتب الحديث الستة مع المتون الشعرية المختلفة، وكان يعلق على ما يقرأ؛ فترك تعليقات على نحو خمسين كتاباً ورسالة صغيرة.
اهتم بالكتب واقتنائها، ولم يكن ترك علماً من العلوم المعروفة في الثقافة الإسلامية إلاّ درسه وتوغل فيه. وكان قد أُجيز بالتدريس ولم يكن نبت في لحييه شعر، إذ درّس في الجامع الأموي بدمشق النحو والصرف والبلاغة والفقه، فجمع في عمر مبكّر بين العلم والتعليم.
في حوالي الخامسة والعشرين من عمره رحل إلى مصر، وقصد الشيخ إبراهيم السقاّ علامة مصر وشيخ الأزهر في ذلك الوقت، فأخذ على يديه الإجازة في علم الحديث.
انتظم الشيخ محمد بدر الدين بإعطاء الدروس الخاصة حتى آخر حياته، وكانت هذه الدروس متنوعة ما بين حديث وتفسير ومصطلح وأصول وتوحيد ومنطق وعلوم العربية وغيرها، يقيمها في غرفته بدار الحديث، يفد عليه من الطلاب أجناس وطبقات ودرجات وأعمار مختلفة، بعضهم علماء البلد وشيوخه، وآخرون من النشء الجديد، وقد يجتمع في الدروس الطالبان والثلاثة إلى العشرة، وربما اقتصر على طالب واحد. تخرج جماعة وتدخل غيرها ابتداء من بعد ضحوة النهار إلى ما بعد العصر.
درّس الشيخ الحسيني إلى جانب العلوم الدينية الشرعية، العلوم الكونية، الرياضيات على اختلاف فروعها بدءاً من عمليات الحساب إلى نظريات الهندسة حتى معادلات الجبر، وعلم الفلك والكيمياء وسواها، وكان يضع أمامه للتوضيح والشرح وسائل معينة من مخروط وموشور وهرم وغير ذلك.
لم يكن تدريسه عادياً، ولم يكن يسرد المسائل سرداً، بل يتلو النظرية أولاً فيرسم للطلاب شكلها على الورق إن كانت بحاجة إلى رسم، ثم يشرع في سرد إثباتها، وهم يطبقون الإثبات على الشكل ويناقشونه أحياناً في بعض الإشكاليات التي تعرض لهم، فيناقشهم ويتقبل منهم، وربما تردد في قبول ما يأتي به الكتاب المقروء، فيحاكم القضية طويلاً إلى أن يصل إلى شيء يستقر عليه رأيه، وكذلك كان شأنه في العلوم الكونية. ويختبر كل حين فهم الطلاب، فيلقي عليهم مسائل في الحساب أو الجبر من كتب خطية قديمة لديه، فإذا أخطؤوا ناقشهم وأعادهم إلى الصواب.
وهو يشجع العلوم الحديثة، والثقافة الجديدة، في الوقت الذي كان فيه العالم الإسلامي يستريب مما يأتي من أوروبا، وهو لهذا يزور المدارس الرسمية ويحضر بعض دروسها في الطبيعيات والفلسفة وغيرها، ويناقش الأساتذة، ويسأل الطلاب.
كان الشيخ الحسيني يرى السفر إلى الغرب من أجل العلم النافع للمسلمين واجباً، ومن الواجب عنده كذلك نشر الدعاية الإسلامية في أوروبا، ولهذا حث على الجهاد بالإضافة إلى تعلم اللغة الأجنبية.
ولديه نفائس من الكتب المخطوطة والمطبوعة في الحساب والهندسة والجبر نادرة الوجود، وهو لم يقتن كتباً حديثة، ولم يتصل بترجمات إلاّ في الرياضيات، منها كتاب (هندسة جاندار) وكتاب (كشف السر المصون في تطبيق الهندسة على الفنون)، والغريب أنه كان في كل الدروس أستاذ نفسه.
كذلك كان الشيخ محمد بدر الدين الحسيني يلقي دروساً عامة على جمهور من العامة والخاصة، يفتتح الدرس بحديث شريف من صحيح الإمام البخاري ثم يشرحه ويلم بجوانبه، وبكل ما يتصل به من علوم، يلقيه بأسلوب عذب مشرق جذاب وبفصاحة لهجة وحسن بيان في كلام سهل قريب المأخذ، وصوت جهوري يسمعه الحضور كلهم.
ودرسه العام هذا مع تشعب موضوعاته وكثرة استطراداته مرتبط الأجزاء، متسلسل الأفكار تجمعه وحدة الموضوع لا يتشتت ولا يضيع. وقد وصفه الشيخ رشيد رضا بأنه دائرة معارف سيارة.
وكان ينتخب موضوع الدرس مما له علاقة بحال الناس في وقته، ويستطرد إلى ما يرى أنه يهمهم أو يرى وجوب تنبيههم له، يتفرس في وجوه الحاضرين جميعاً يلتفت إلى اليمين واليسار والخلف حتى يلائم بين موضوع الدرس وحال الحاضرين بما توحيه إليه فراسته ـ بدأ دروسه العامة هذه في جامع السادات بسوق مدحت باشا ولما ضاق بدروسه المسجد انتقل إلى جامع سنان باشا، وفي سنة 1881م أوكل إليه تدريس الحديث الشريف في الجامع الأموي بدمشق، وذلك زمن الوالي العثماني (مدحت باشا)، وظل كذلك حتى وفاته ـ.
كما كان الشيخ محمد بدر الدين يخصص لطلاب العلم والعلماء دروساً عامة يلقيها في داره بعد المغرب إلى ما بعد العشاء بقليل، يجتمع فيها من الحضور ما يزيد على المئة في قاعة أعدت لذلك، فإذا حان وقت الدرس دخل المحدّث، وأخذ مجلسه بجانب الباب دون أن يقوم له أحد أو يحييه بغير رد السلام، ثم يشرع في القراءة أحد علماء ثلاثة كانوا مقربين إليه وهم: الشيخ عارف الدوجي، والشيخ عارف جويجاتي، والشيخ راشد القوتلي وكانوا يسمون معيدين. يقرأ المعيد ولا يقف حتى يومَئ له بالتوقف أو تُعَرض له أو لأحد المستمعين مشكلة، فيقف ليجيب المحدِّث بإيجاز أو تبسط حسب المقام. وقد تتوارد عليه الأسئلة، وينتهز الحاضرون انشراحه ليسألوه فيجيب، وربما أعرض عن بعض ما يُسأل أو قال: لا علم لي.
كانت دروس الشيخ الحسيني تستغرق جل وقته، حتى قيل أن أخاه أحمد بهاء الدين كان يتولى أمور منزله عنه ليتفرغ كل التفرغ.
استجازه عدد من كبار العلماء منهم: الشيخ محمد بن جعفر الكتاني، والشيخ عبد الحكيم الأفغاني، والشيخ أحمد بن شمس الدين، والشيخ أعظم حسين الهندي، وغيرهم من علماء الحرمين الشريفين، والأستانة، واليمن والهند. وكانت له صورة خاصة لإجازته (مطبوعة) يجيز بها من تخرج من طلابه، ويختم عليها بخاتم خاص.
حينما حج الحجة الأولى سنة 1899م أخذ عنه علماء مكة المكرمة، فاجتمع عنده كثيرون، وخاصة من الهنود فدرسوا عليه بعض كتب الحديث، ولما زار المسجد النبوي في حجته الأخيرة جاءه الناس أفواجاً، فلم يبق في المدينة المنورة عالم ولا طالب علم إلاّ أخذ عنه أو استجازه.
تزوج الشيخ الحسيني سنة 1295هـ من السيدة رقية بنت العارف بالله الشيخ محيي الدين العاني ورزق منها ثمانية أولاد، ابنان أكبرهما: إبراهيم عصام الدين، الذي جمع العلم والصلاح والذكاء، وتوفي في حياة والده. وثانيهما الشيخ تاج الدين، وست بنات. وكان في بيته كما قال الرسول عليه الصلاة والسلام: (خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي)، يرشدهم إلى المعروف بالمعروف؛ فلا يضرب ولا يشتم ولا يدعو بسوء، فإن غضب لشيء قطب جبينه، أو حذر بعبارة قصيرة أو حوقل، وربماّ علل غضبه وبين رأي الشريعة في ذلك الأمر.
عاصر الشيخ محمد بدر الدين الحسيني أواخر العهد العثماني والعهد الفيصلي، وزمناً من الاحتلال الفرنسي وهيأ النفوس في بداية الاحتلال للثورة، فتنقل بين المدن السورية يحض على الجهاد قائلاً بصراحة: (الجهاد فرض عين على كل من يستطيع أن يحمل السلاح). ولماّ قامت الثورة السورية كان أباً روحياً للثورة والثائرين والمجاهدين يلتقي بهم ويشجعهم، ويمدهم من طريق تلاميذه بالذخيرة والمؤن، ويتعرف أخبارهم وأخبار معاركهم كل يوم.
قبل وفاته بأربع أشهر وقع الشيخ الحسيني من فوق السلم في داره، فلزم بيته ولم يخرج إلاّ لصلاة الجمعة، ثم اشتكى من أمعائه فدب الضعف في جسمه، ورغم أن مشاهير أطباء دمشق ولبنان ومصر نصحوا له بالراحة وإيقاف دروسه، إلاّ أنه لم يوقفها إلاّ في اليوم السابق لوفاته. وتوفي ـ رحمه الله ـ صباح يوم الجمعة 27 ربيع أول 1354هـ / 1935م.
ترك الشيخ محمد بدر الدين الحسيني ـ رحمه الله ـ عددا من المؤلفات عُرف من أسمائها أربعون كتاباً، كانت حصيلة الفترة التي اعتزل فيها الناس وعكف على العبادة والعلم، علق على بعض الكتب وشرح بعضها الآخر... ومن هنا نعلم أنه وضعها وهو دون العشرين، ولعل له مؤلفات أخرى ضاعت أو لم تُعرف، والذي يدفع لهذا أنها كانت باكورة عمله وأنه ـ ولشدة تواضعه وورعه ـ كان يمحو اسمه عماّ يكتب.
المراجع:
ـ (تاريخ علماء دمشق في القرن الرابع عشر الهجري) د. شكري فيصل، محمد مطيع، نزار أباظة، دار الفكر، دمشق، الطبعة الأولى 1986، الجزء الأول، ص (473ـ 494).
إبراهيم إسماعيل
29-10-2007, 06:08 PM
الشيخ طاهر الجزائري
هو طاهر بن محمد صالح بن أحمد بن موهوب السمعوني، المشهور بالجزائري. هاجر والده من الجزائر إلى دمشق سنة 1263هـ (1847)، وكان من بيت علم وشرف، تولى قضاء المالكية، حيث كان فقيهها في دمشق ومفتيها في الشام.
ولد طاهر الجزائري في دمشق سنة 1852، وتعلم في مدارسها، حيث دخل المدرسة الجقمقية الإعدادية وتتلمذ على الأستاذ عبد الرحمن البستاني، فأخذ عنه العربية والفارسية والتركية ومبادئ العلوم، كما قرا على أبيه أيضاً، ثم اتصل بعالم عصره الشيخ عبد الغني الغنيمي الميداني، ولازمه إلى أن وافاه الأجل، وكان شيخه الميداني فقيهاً عارفاً بزمانه واسع النظر، معروفاً بوقوفه على لباب الشريعة وأسرارها، وببعده عن البدع واتباع الأوهام والبعد عن حب الظهور والتفصح في المجالس، على قدم السلف الصالح بتقواه وزهده، وعلى نهجه سار تلميذه الجزائري فشب محباً للعلم على اختلاف فروعه خاصة علم الطبيعة، يفتش عن مصادره المطبوعة والمخطوطة ويقتنيها، ويتلقف بشوق ما يسمعه من أحاديث العلماء الذين تلقوا العلم في المدارس العالية أو الأجنبية، فإذا به يدخر حصيلة كبيرة قيمة من العلوم الطبيعية والفلكية والرياضية والتاريخية والأثرية إلى جانب ما وعاه من علوم العربية والفقه.
أتقن الجزائري اللغة العربية وأتقن الفارسية والتركية، ونظم بالفارسية كما نظم بالعربية، وتعلم الفرنسية وتكلم بها، وكذلك تعلم السريانية والعبرانية والحبشية، وكان يعرف القبائلية البربرية لغة موطنه، وتعلم كثيراً من الخطوط القديمة كالكوفي والمشجر والعبراني غيرها ليتسنى له دراسة الآثار.
غرُم الجزائري بالكتب المطبوعة والمخطوطة، وعرف الجيد من أصنافها، كما عرف طبقات المؤلفين وتراجم الرجال، وأماكن المخطوطات والنسخ المتفرقة منها في الخزائن الشرقية والغربية، وساعده على إتقان ذلك قوة حافظته.
تولى طاهر الجزائري التدريس في المدرسة الظاهرية بدمشق، والتقى بالوالي مدحت باشا الذي وجد عنده البغية التي يريدها من أجل إصلاح ولاية سورية ورآه ثقة. فهو يبحث عن أمثاله ليستعين بهم في نشر العلم وإصلاح التعليم، وخطط مع الشيخ طاهر لنهضة علمية واسعة، واتفقا على أن خير نهج يؤدي إلى النهضة يقوم على محو الأمية، وكون هذا بنشر التعليم الابتدائي من قبل هيئات أهلية لا تعتمد على الأساليب الحكومية، تجمع المال من الموسرين وتنفقها في الأغراض المقررة، فتثمر جهودها في أقصر وقت مادامت مؤيدة بعطف الوالي ونفوذه.
كان الشيخ الجزائري عضواً في جمعية علمية اجتماعية أسسها بعض العلماء والوجهاء في دمشق، أطلقوا عليها اسم (الجمعية الخيرية)، وقد اعتُمد على هذه الجمعية في تنفيذ خطة النهضة العلمية، فدأب أعضاؤها على توعية الناس وبث حب العلم والترغيب فيه بين الشباب، كما قامت الجمعية بترميم وتجهيز المدارس الموقوفة على طلب العلم، وكذلك ملحقات بعض الجوامع والتكايا، فتم في بضعة أشهر افتتاح نحو تسع مدارس في مدينة دمشق اثنتين منها للإناث.
عُين الشيخ طاهر الجزائري بناء على جهوده مفتشاً للمعارف في ولاية سورية، فبذل جهوداً إضافية جبارة في سبيل إصلاح أساليب التعليم، وكان يتعهد المعلمين بالنصح والإرشاد والتوجيه، ويسمع بشغف آراءهم في ابتكار أنجح الوسائل لتعليم الطلاب والدعوة إلى طلب العلم. وكان يسهر الليالي الطويلة عاكفاً على تأليف الكتب في مختلف العلوم الدينية والعربية والرياضية، مبسطاً أساليبها مختاراً ما تدل التجارب على نجاحه وسهولة تلقينه، وكان يشرف بنفسه على طبع كتبه في مطبعة الجمعية الخيرية.
عمل الشيخ طاهر الجزائري على تأسيس دور عامة للكتب في مختلف البلاد، فكان منها دار الكتب الوطنية الظاهرية ـ وهي اليوم ثروة كبرى من ثروات دمشق الوطنية ـ فجمع فيها البقية الباقية من الكتب والمخطوطات الموقوفة في مختلف الجوامع والمدارس، فهددته أكلة أوقاف المدارس بالقتل إن لم يكف عن جمع الكتب في مكان واحد، لأنه استولى بسيف الحكومة على جميع ما أبقته أيدي النهب من الكتب المخطوطة.
كذلك أسس الشيخ الجزائري بمساعدة آل الخالدي في القدس مكتبة وطنية باسم (المكتبة الخالدية) ضمت كتب الشيخ راغب الخالدي وكتب أسرته، وجمع فيها مخطوطات وكتب أخرى قيمة.
بعد أن سجن الوالي مدحت باشا، أُعفي الشيخ طاهر الجزائري من منصبه الحكومي، وعُرض عليه وظيفة أخرى لا يكون له فيها اتصال بالناس فأبى، ولزم بيته شاغلاً أوقاته بالمطالعة والتأليف، وعاش على بيع الكتب حتى آخر أيامه إلى من يرجو حفظها عندهم وعدم خروجها من الشام، كما واصل تتبع نوادر الكتب والمخطوطات، وكان يدون خلاصة ما يطلع عليه في مذكرات بلغت مجلدين ضخمين.
وكان يسافر بين حين وآخر إلى مختلف البلاد العثمانية والبلاد الشرقية والأوروبية، يجتمع بعلمائها ومفكريها باحثاً في كنوز المكتبات عن مخطوطات التراث العربي. كثر تردد طلاب العلم على الشيخ طاهر الجزائري، مما زاد نشاطه الاجتماعي، ونشر الدعوة للعلم، كما تحلقت حوله طبقة من شيوخ دمشق والعلماء النابهين فيها، فكان يتحفهم بالدروس العلمية والفكرية، والسياسية، ومركزه الأساسي الذي يقيم به دروسه كان مدرسة عبد الله باشا في دمشق.
قال الأمير الشهابي: (في تلك المدة التي قضاها الشيخ طاهر الجزائري بالشام، كان يتحلق حوله في دمشق صفوة من المتعلمين والنبهاء والمفكرين العرب، فتألفت من جمعهم أكبر حلقة أدبية وثقافية، كانت تدعو إلى تعليم العلوم العصرية، ومدارسة تاريخ العرب وتراثهم العلمي، وآداب اللغة العربية، والتمسك بمحاسن الأخلاق الدينية والأخذ بالصالح من المدنية الغربية).
فقد كان الشيخ الجزائري يدعو المسلمين إلى تعلم دينهم، والاحتفاظ بمقدساتهم وعاداتهم الحسنة والأخلاق القويمة، وأن يفتحوا قلوبهم لعلوم الأوائل والأواخر على اختلاف ضروبها، وكان يأخذ بأصح الأدلة من الكتاب والسنة ويجتهد بعدها، ولطالما أعطى الحق للمعتزلة والإباضية والشيعة في مسائل تفرد بها وضيقها أهل السنة، وكان يتفنن في بث الأفكار الصحيحة في العامة والناشئة.
قضى حياته يكافح الأمية، ويحارب التعصب، ويحرص على تعليم أولاد الأغنياء خاصة، لأن عندهم المال والجاه وبالتالي تأثيرهم في مجتمعهم أكبر، وحث على أن يتعلم المتعلمون صناعة أخرى، وكثيراً ما يقول: (تعلموا العلم، وتعلموا معه صناعة تعيشون بها حتى لا تقفوا على أرباب السلطان، تستجدون الوظائف والجرايات، فإذا احتاجت الحكومات إليكم أخذتكم لخدمتها، واعملوا بالنزاهة والاستقامة، وأخلصوا لها وللأمة القصد).
كما كانت له آراء شتى هدفها نهضة الأمة، والأخذ بالعلم والأخلاق، وإحياء التراث، وعدم التزلف للحكام ومهاجمة العلماء الجامدين الذين يغلقون باب الاجتهاد، وكان يحذر من الوقوع في حبائل الاستعمار.
كان الشيخ الجزائري يلقن مبادئه ويلقح العقول بأفكاره من حيث لا يشعر المتعلِّم، وكثيراً ما كان يغشى مجالس بعض العلماء الذين يتوسم فيهم صفاء السريرة، فيَظهر بمظهر المستفيد، وغايته إفادتهم خلال الدرس لتنشر أفكاره بطريق السراية من الأساتذة إلى التلاميذ.
وكان نهجه في التعليم التيسير على المتعلم، وإعطاءه لباب العلم دون التعمق بما لا يفيد، والأخذ بالتدريج من البسائط إلى المركبات، وكان يحب اختصار المطولات من كتب الفنون ليسهلها على المبتدئين، ولئن كان في مذهبه الديني مجتهداً فقد كان في تأليفه مقلداً يمشي على آثار القدماء، ولا يحب التوسع والتعليق على آراء المؤلفين المجددين.
كما كان الشيخ الجزائري يشجع على إنشاء الصحف السياسية والاجتماعية، والمجلات العلمية والأدبية، وكان يدعو إلى تناول الصحف النافعة ويبتهج بها، وله شغف بالاطلاع عليها وتتبعها، خصوصاً التي تكثر من الترجمة عند الغرب واقتطاف ثمرات علومه.
قال فيه تلميذه الشيخ سعيد الباني: (جمع بين المعقول والمنقول، ومزج القديم بالحديث، أخذ من كل علم لبابه، ونبذ لفاظته، فكنت تجد منه العالم الديني والمدني والرياضي والطبيعي والسياسي والأديب والمؤرخ والأثري والاجتماعي والأخلاقي والكاتب والشاعر، فكان عنده من كل علم خبر... فهو دائرة المعارف، ومفتاح العلوم، وكشاف مصطلحات الفنون، وقاموس الأعلام).
في سنة 1898 عُين الشيخ الجزائري مفتشاً لدور الكتب العامة في دمشق، فعاود سيرته الأولى مبشراً بمبادئه، فبث أفكاره بين معارفه ومؤيديه لمدة أربع سنوات، ثم لما كان اسم الشيخ لدى رجال الحكم في رأس الداعين إلى التحرر في وقت ازدادت في السياسة اضطراباً، رحل الشيخ الجزائري خفية إلى مصر التي كانت يومئذ تنعم بالاستقرار وبشيء من الحرية والأمن، حاملاً معه ما استطاع من كتب قيمة ومخطوطات نادرة.
اتصل الشيخ الجزائري في مصر بالعلماء الذين عرفوا فضله بغية الإفادة من خبرته، كما كانت بين الشيخ والمستشرقين صداقات يراسلهم ويراسلونه على اختلاف قومياتهم، وزاره كثير منهم في رحلاتهم إلى الشرق، يقتبس منهم ما ينفع المسلمين، ويُقبسهم ما يثبت سماحة الإسلام ومدنيته ومجد المسلمين وتمدنهم، وهذا ما جعله في عداد حلقات السلسلة التي تصل الشرق بالغرب، كما شهد له الكثيرون. كما شارك الجزائري في تحرير بعض الصحف المصرية، وكان يعكف في لياليه وأوقات فراغه على التأليف، فكان من أهم آثاره في تلك الفترة كتاب في الحديث (توجيه النظر إلى أصول الأثر)، جمع فيه زبدة ما جاء في كتب أصول الفقه ومصطلح الحديث من القواعد والفوائد بشكل يدل على سعة إطلاع وفهم عميق لأسرار الشريعة.
عاد إلى دمشق سنة 1919 بعد قيام الدولة العربية، فعينته الحكومة العربية مديراً عاماً لدار الكتب الوطنية الظاهرية، وانتخب عضواً في المجمع العلمي العربي، إلا أن أقامته لم تدم أكثر من أربعة أشهر، فقد اشتد به مرض الربو، فتوفي يوم الاثنين الموافق 5 كانون الثاني سنة 1920، ودفن في سفح قاسيون تنفيذاً لوصيته.
ترك الشيخ الجزائري الكثير من المؤلفات التي تدل على علمه الغزير وثقافته الواسعة، وطُبعت أكثرها في حياته وبإشرافه.
المراجع:
ـ (تاريخ علماء دمشق) د. شكري فيصل، دار الفكر، دمشق، الطبعة الأولى 1986، الجزء الأول، ص(366ـ 380).
ـ (المعاصرون) محمد كرد علي، دار صادر، بيروت 1991، ص(268ـ 278).
ـ (الأعلام) خير الدين الزركلي، دار العلم لملايين، بيروت، الطبعة العاشرة 1992، المجلد الثالث، ص(221، 222).
إبراهيم إسماعيل
29-10-2007, 06:09 PM
كـامل الغـزّي
هو كامل بن حسين بن محمد بن مصطفى البالي، ولد سنة 1853 في مدينة حلب. والده الشيخ حسين البالي ولد في مدينة غزة، في أسرة اشتهرت بالعلم والفضل والوجاهة في ميادين الزراعة والتجارة، درس في الأزهر وسافر إلى طرابلس الشام واشتهر بفضله فيها، ثم دعي للتدريس في مدرسة حلب، فعالج علوم الشريعة والحديث والمنطق واللغة والأدب العربي فأحدث نهضة فكرية وأدبية. واشتهر بالغزي، توفي في الخامسة والثلاثين من عمره وسن ابنه كامل لا يتجاوز تسعة أشهر.
نشأ كامل الغزي في كنف زوج أمه الذي أحسن رعايته، ولما بلغ سن الدراسة دخل الكتاب وما كاد يتم العاشرة حتى حفظ القرآن الكريم، ودخل بعد ذلك (المدرسة القرناصية) فتابع فيها دروسه الابتدائية والثانوية، وفيها حفظ أكثر من عشرين ألف بيت منها ألفية ابن مالك والشاطبية وعقود الجمان للسيوطي. ثم انتقل بعد ذلك إلى العلوم العالية فدرس التفسير والحديث النبوي والفقه على شيوخ وأعلام بلده مثل الشيخ محمد الحكيل والشيخ مصطفى الكردي.
اتصل كامل الغزي بأصدقاء أبيه ومعارفه، وبلغ إلى مجالس والي حلب آنذاك (محمد رشدي باشا الشرواني) فأعجب الوالي بذكائه ومعرفته وقربه إليه، ولما نُقل الوالي حاكماً للحجاز اصطحبه معه وجعله إماماً لتلك البلاد، فرأى الديار المقدسة وعرف بلاداً بعيدة واسعة فتفتح عقله وتنبه ذهنه، لكن مقامه هناك لم يطل لأكثر من ثمانية أشهر، لأن الوفاة أدركت ذلك الوالي الشرواني.
ولما رجع إلى حلب استأنف دراسته ودخل (المدرسة العثمانية) وظل فيها حتى سنة 1875، انقطع خلالها إلى طلب العلوم العقلية والنقلية، ثم تقلب في وظائف الدولة، فأصبح ترجماناً لمطبعة الولاية، ثم عضواً في محكمة التجارة، ثم عضواً في المجلس البلدي بحلب، وتولى رئاسة لجنة الآثار ورئاسة تحرير مجلتها، وكما تولى تحرير جريدة الفرات الرسمية والأسبوعية بحلب نحو عشرين عاماً.
ملّ الغزي الوظائف، فاستقال لتعاطي بعض الأعمال الخاصة وانصرف إلى التأليف، حيث أنشأ مؤلفاً ضخماً سماّه ( نهر الذهب في تاريخ حلب) أنفق في سبيل جمعه وتأليفه سنوات طويلة من عمره. وقد جمع هذا المؤلف ألوان البحث عن تاريخ حلب في (صنائعها ومدارسها ومذاهبها وأديانها وعاداتها وحياتها الاجتماعية في مختلف أحيائها القديمة والحديثة) رسمها الغزي بريشته ووقف عليها بنفسه. وقال في مقدمته: (وبعد، فإني منذ زمن بعيد أعاني جمع هذا الكتاب، وأصرف على تأليفه من نقد عمري وجوهر مالي ما يستكثر مثله من أمثالي. وقد تتبعت من أجله العدد الكثير من الكتب التاريخية وغيرها، وتصفحت زهاء مائة مجلد من السجلات المحفوظة في المحكمة الشرعية، وتكبدت عناء زائداً في الإطلاع على دفاتر الدوائر الرسمية، وعلى ما هو مدخر في المكتبات الخيرية والأهلية من المجاميع والرقاع الخصوصية التي سطرها ذووها في بعض شؤون تاريخية ذات أهمية عظيمة في وقتها، فكنت لا أصل إلى ما يهمني أمره من هذه المواد إلا بعد عناء شديد ونفقة باهظة. وكنت في أثناء استقصائي أخبار الآثار أضطر في بعضها إلى تحمل مشاق الأسفار لأتمكن من الإطلاع على حقيقة حالها، وأكتب عنها كتابة تحقيق لا كتابة تقليد وتلفيق).
كما تلفت الغزي إلى الشعر العربية القديم، فجمع أشعار قومه من بلاد الشام وتناولهم بالدراسة، كما جمع أشعار القدماء، واجتلب المخطوطات النادرة، فقرأ شروح المتنبي ودواوين العباسيين، وانتهى إلى فهم عميق للشعر العربي واللغة العربية، لذلك اختاره المجمع العلمي عضواً فيه، ثم رئيساً لفرعه بحلب سنة 1921، وقد جعل هذا الفرع في قلب الأسواق الداخلية للمدينة، وجمع فيه مكتبة غنية، فكان الشيخ كامل الغزي يجتمع إلى إخوانه وأبنائه الطلاب يحلل ويشرح لهم ما جاء في هذه الكتب، لذا كان فرع المجمع نواة لتخريج شباب كثيرين بلغوا مبلغاً عظيماً من العلم والجاه.
كما أحس الشيخ الغزي حين قرأ التاريخ الإسلامي وذكر السنين الهجرية فيه بأيامها وشهورها، ومن حاجة إلى جداول تستهل موازنة الشهور الغربية بالعربية والسنين الهجرية يالميلادية، فألف (الروزنامة الدهرية) والتي استلبت منه وقتاً طويلاً في حساب الرياضيات ورسم الأرقام.
اختارته (جمعية العاديات) بحلب عام 1930 رئيساً لها، وظل على ذلك حتى آخر أيامه. وكان يرسل فيها مقالاته عن حلب وآثارها تنشرها مجلة العاديات معتزة ببحوثه وآرائه.
نظم كامل الغزي الشعر، وكان يساير روح العصر في شعره، كما اشتهر عنه شعر العبث بالناس أو السخرية الجميلة، وسجل في شعره الكثير من أغراضه الخاصة والعامة. وله قصيدة عامرة جعلها في مائة وعشرين بيتاً نظمها بمناسبة ولادة ابنه (حسين فيصل)، وشرح هذه القصيدة وعلق عليها وجعل فيها كل الآراء التي يريد لابنه أن يتخذها وأن يتعلمها، وجعل هذا الشرح في رسالة بعنوان (القول الصريح في الأدب الصحيح) وهي لا تقف عند النصائح الجامدة وإنما تضم معلومات شتى عن الفرق والمذاهب والقدرية والسلفية والقضاء والقدر، وما أصاب الأمة الإسلامية من ذلك كله على مدى التاريخ، كما تضمنت آراء سياسية واجتماعية شديدة الجرأة في أيامه دفعت السلطة إلى الغضب من مؤلفها، واضطرته إلى الهرب إلى حين هدأ الحال. كما كتب رسائل عدة في الإصلاح، ومقالات كثيرة نشرها في صحف حلب وبيروت والقسطنطينية ودمشق حول موضوعات مختلفة.
في صباح الثاني عشر من كانون الثاني 1933، توفي الشيخ كامل الغزي ودفن في حلب، وأقيمت لتأبينه حفلة عظيمة عدد فيها الخطباء مزاياه. قال فيه أديب حلب سامي الكيالي: (شيخ تمثلت فيه طبيعة العلماء، وذوق الأدباء، ونزعة المجددين، ووداعة الظرفاء، وجمال الشيخوخة في فتوتها الباسمة).
من آثاره:
ـ مؤلف (نهر الذهب في تاريخ حلب)، طبع منه ثلاث مجلدات من أصل أربعة.
ـ (جلاء الظلمة في حقوق أهل الذمة) مخطوط.
ـ (روضة الغناّء في حقوق النساء)، مخطوط.
ـ (ديوان شعر)، مخطوط.
وغير ذلك من رسائل في الصرف والنحو والأدب.
المراجع:
ـ (مصادر الدراسة الأدبية) يوسف أسعد داغر، مكتبة لبنان، الطبعة الأولى 2000، ص(966،967).
ـ (الأعلام) خير الدين الزركلي، دارالعلم للملايين، بيروت، الطبعة الخامسة 1980، الجزء الخامس، ص(217).
ـ (قدماء ومعاصرون) د. سامي الدهان، دار المعارف، مصر، 1961، ص(224ـ 234).
إبراهيم إسماعيل
29-10-2007, 06:10 PM
محمد المبارك
هو محمد بن عبد القادر بن محمد المبارك، ولد عام 1912 في مدينة دمشق. نشأ في أسرة معروفة بالعلم والتقوى والصلاح، فجده محمد المبارك كان من علماء اللغة العربية، له نثر وشعر وله آثار مروية تدل على فضله وملكته. ووالده الشيخ عبد القادر المبارك علامة دمشق في اللغة والأدب، كان من أعضاء اللجنة التي ألفت في عهد الملك فيصل الأول لتعريب المصطلحات العسكرية، كما اختير عضواً في المجمع العربي بدمشق حين تأسيسه، وكان كذلك عالماً بالسيرة ووقائعها وبتراجم الرجال ومشاركاً في العلوم الإسلامية ومتقناً للغة التركية وعارفاً بالإنجليزية. وله رسائل أدبية مطبوعة وشرح لعشر من مقامات الحريري.
درس محمد المبارك المرحلة الابتدائية ثم الثانوية في مدارس دمشق، وكان متفوقاً في دراسته خاصة في اللغة العربية والرياضيات، وكان له ميل واضح إلى العلوم العربية والعلوم الإسلامية. ثم تابع الدراسة الجامعية في دمشق في كلية الحقوق وفي الآداب، وأنهى الدراستين معاً في سنة 1935.
كان محمد المبارك ينتظم في الصباح في الدراسة النظامية، وفي المساء يدرس على شيخ علماء الشام في عصره الشيخ محمد بدر الدين الحسيني، وقد استفاد المبارك من علمه وقرأ عليه النحو والصرف والتفسير والمصطلح والفرائض وأصول الفقه والكلام والبلاغة والحساب والجبر والهندسة. كما كان يدرس على الشيخ سليم الجندي وعلى والده العلامة اللغوي الشيخ عبد القادر علوم اللغة العربية.
وكان المبارك في هذه الفترة متأثراً بالأمير شكيب أرسلان وبمؤلفاته، وما كان ينشره في الدعوة إلى الوحدة الإسلامية والتحرر من الاستعمار. وقد أتيح له الالتقاء بالأمير في باريس عندما كان طالباً في جامعتها.
وكان ممن أثروا في توجيه المبارك الفكري من القدماء بآثارهم التي قرأها: ابن تيمية وتلميذه ابن قيم الجوزية، ذلك أنه وقع في مكتبة جده على كتاب الحسبة لابن تيمية فأعجب بتفكيره ونقاشه وبحثه، كما قرا كتاب (الطرق الحكمية في السياسة الشرعية) ثم اطلع على (أعلام الموقعين) لابن القيم وكان حينئذ طالباً في الحقوق. ولهذه الكتب الثلاثة صلة بالعلوم الحقوقية ففتحت أمامه آفاقاً جديدة وكشفت له عن جوانب من عظمة التشريع الإسلامي ومن إبداع الفقهاء والمفكرين المسلمين، ثم اطلع على مجموعة رسائل ابن تيمية وغيرها من الكتب، فاستهواه النقاش بين الصوفيين والسلفيين.
بعد أن تخرج محمد المبارك من الجامعة السورية، أوفدته الدولة مع من أوفدتهم إلى جامعة السوربون في باريس ليدرس في كلية الآداب وفي معهد الدراسات الإسلامية التابع لها ثلاث سنوات. درس في السنة الأولى الأدب العربي والثقافة الإسلامية، وعرف المستشرقين عن كثب، وكثيراً ما كان يصحح لهم معلوماتهم. وخصص السنة الثانية من دراسته لدراسة الأدب الفرنسي وعصوره وفنونه وأعلامه، وكان من أبرز أساتذته الأستاذان المستشرقان المشهوران: مارسيه وماسينيون. أما السنة الثالثة فخصصها لدراسة علم الاجتماع وكان أساتذته من كبار علماء الاجتماع الفرنسيين. وقد استفاد المبارك من فرعي الأدب الفرنسي وعلم الاجتماع استفادة كبيرة جداً مكنته من الولوج في صميم الثقافة الغربية والتفكير الغربي ومذاهبه الفكرية والأدبية من منابعها الأصيلة وعن طريق الاختصاص من أهلها.
ولم يكن يقتصر المبارك على محاضرات الجامعة، بل كان يحضر المنتديات والمحاضرات العامة ويتردد على مختلف المعاهد العلمية والنوادي على تعدد اتجاهاتها وألوانها. وقد تعرف في باريس إلى جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وكان يتردد على نواديهم ويتعاون معهم في مجال الدعوة الإسلامية التي كانت أشمل من محاربة الاستعمار والتحرر والاستقلال.
عاد محمد المبارك من باريس مجازاً في الأدب العربي وفي علم الاجتماع، وتم تعيينه عام 1938 أستاذاً للأدب العربي في المدرسة الثانوية بمدينة حلب، وخلال وجوده في هذه المرحلة من حياته في حلب تزوج زوجته الحلبية من عائلة آل البيانوني المعروفة بالعلم والصلاح، وهي أم أولاده. وظل في حلب سنتين، ثم نقل إلى دمشق وتابع فيها مهمته، حيث درس في ثانويتها الكبرى الأدب العربي والأخلاق والمنطق والنصوص الفلسفية، ودرس كذلك في دار المعلمين العليا وكان له نشاط ملحوظ في المحاضرات العامة في مختلف نوادي العاصمة في شتى الموضوعات في اللغة والأدب والقضايا الاجتماعية والإسلام.
وفي عام 1945 تم جلاء القوات الأجنبية عن سورية، وكانت بداية الحكم الوطني المستقل، وجرت في وزارة المعارف تنظيمات جديدة كان من جملتها إحداث لجنة فنية عليا في الوزارة تتألف من مختلف الاختصاصات لوضع الخطط والمناهج والأنظمة، كما تم إحداث هيئة تفتيشية للتعليم الثانوي في عموم سورية، فعين الأستاذ محمد المبارك عضواً في اللجنة الفنية للتربية ومفتشاً اختصاصياً لسورية لمادتي اللغة العربية والدين. وعن هذا الطريق عرف جميع المحافظات السورية التي كان يزورها وكثيراً ما كان يكلف بتفتيش مواد اللغة الفرنسية والفلسفة لعدم وجود مفتشين لهذه المواد يومئذ. وفي تلك الفترة كُلف بوضع مناهج اللغة العربية والدين للمدارس الثانوية منفرداً، وعمل في ذلك عملاً جاداً استغرق نحو شهرين أنجز خلالهما وضع مناهج المادتين لجميع سنوات التعليم الثانوي الست.
وفي سنة 1946 أقصي الأستاذ المبارك عن التفتيش واقتصر عمله على عضوية اللجنة الفنية وذلك بسبب ما قام به من نشاط إسلامي في المحافظات التي كان يزورها للتفتيش، وذلك بإلقاء المحاضرات العامة في أهم الموضوعات المتعلقة بالإسلام والتعريف بدعوته أو بالقضايا الإسلامية المعاصرة.
وفي عام 1947 قدم استقالته من وزارة التربية ليتمكن من ترشيح نفسه للانتخابات النيابية عن مدينة دمشق تلبية لرغبة رابطة العلماء والجمعيات الإسلامية، وقد انتخب ثلاث مرات عن مدينة دمشق خلال الفترة من 1947 ـ 1958. كما عين المبارك خلال الفترة 1949 ـ 1952 وزيراً للأشغال العامة ثم وزيراً للمواصلات ثم وزيراً للزراعة. واستمر نشاطه الإسلامي السياسي حتى عام 1958 الذي تمت فيه الوحدة بين مصر وسورية وحينئذ انصرف إلى العمل الجامعي العلمي، وفضل التدريس والكتابة وإلقاء المحاضرات ليرفع مستوى الوعي الإسلامي العام عند الجماهير الإسلامية.
لم يمنع نشاط الأستاذ محمد مبارك السياسي منذ أواخر عام 1947 عن استمراره في التدريس، فقد كلف في أوائل عام 1948 بتدريس مادة فقه اللغة ثم الدراسات القرآنية في قسم اللغة العربية في كلية الآداب بجامعة دمشق، واستمر في تدريس هذه المواد نحواً من عشر سنوات. وانقطع فترة ثم عاد لتدريس فقه اللغة حتى عام 1966. كما عين أستاذاً في كلية الشريعة في جامعة دمشق منذ تأسيسها سنة 1954، وشارك مشاركة أساسية في وضع خطتها ومناهجها. وحين أنشئت الأقسام في الكلية كان رئيس قسم العقائد والأديان. كما تولى عمادة كلية الشريعة في جامعة دمشق (1958 ـ 1963) وذلك بعد عميدها الأول الأستاذ الدكتور مصطفى السباعي. وكان مجلس جامعة دمشق قد اختاره عام 1960 ممثلاً له في المجلس الأعلى للتخطيط الجامعي للجمهورية العربية المتحدة في القاهرة لذلك العام.
وتم انتدابه من جامعة دمشق إلى جامعة أم درمان الإسلامية في السودان تلبية لطلب مديرها، فعمل فيها من 1966 ـ 1969 أستاذاً ومشاركاً في التخطيط ورئيساً لقسم الدراسات الإسلامية، وفي خلال هذه المدة عام 1968 قدم استقالته من جامعة دمشق. كما أنه درّس في كلية الحقوق بجامعة الخرطوم مادة السياسة الشرعية. وفي عام 1969 اقترح عليه وزير المعارف في المملكة العربية السعودية العمل فيها، فقبل واختار الإقامة في مكة المكرمة، وعُين أستاذاً ورئيساً لقسم الشريعة والدراسات الإسلامية في كلية الشريعة بمكة المكرمة، وكان عارفاً بوضعها لأنه كان قد اشترك في وضع خطتها وبعض مناهجها في عام 1964، وبقي في هذا العمل أربع سنوات ثم عُين أستاذاً باحثاً ومستشاراً في جامعة الملك عبد العزيز بجدة، وفي أثناء تلك الفترة عمل أستاذاً زائراً في الجامعة الأردنية خلال الفصل الدراسي الثاني لعام 1977 وفي فصول دراسية أخرى. وبقي يمارس التدريس في الجامعات حتى وفاته.
كان الأستاذ المبارك عضواً في مجمع اللغة العربية (المجمع العلمي) بدمشق، وعضواً في المجلس الأعلى الاستشاري في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة.
الأستاذ محمد المبارك عالم متمكن وداعية مفكر، عمل في حقل الدعوة الإسلامية منذ ريعان شبابه، ووهب نفسه لها، وجعلها هدف حياته، وقد اختار مهنة التدريس ليشارك في إعداد الأجيال، وكان خلال فترة تدريسه إذا توسم في فتىً خيراً اتصل به ورعاه وغذاه بالنصائح، وكانت له حلقات يعالج فيها موضوعات إسلامية عملية ومشكلات اجتماعية مع طلاب ومدرسين وعمال، كما كان له نشاط متواصل في إلقاء محاضرات عامة في مختلف المستويات.
ولم يقتصر نشاطه على المدن بل كثيراً ما كان يخرج مع فريق من الشبان إلى القرى للدعوة والتوعية.
وكان للأستاذ محمد المبارك مشاركة في نشاط وتأسيس عدد من الجمعيات الإسلامية فعندما تأسست جمعية الشبان المسلمين في دمشق كان هو رئيسها، ولما أسس الدكتور مصطفى السباعي مدرسة الدعوة في دمشق سنة 1947/1948 كان المبارك يحاضر فيها هو والسباعي وثلة من الأساتذة المرموقين.
والأستاذ المبارك من مؤسسي جماعة الأخوان المسلمين في سورية، وكان يمثلهم في البرلمان السوري، وكان الساعد الأيمن للسباعي ومستشاره السياسي والتنظيمي والاجتماعي. وكان دائماً عضواً في إدارة مركز دمشق أو رئيساً للإدارة، وكان يتناوب مع السباعي في إلقاء المحاضرات في المركز العام للإخوان في حي الشهداء بدمشق، أو في باب الجابية، وكان يصحب السباعي في رحلاته وزياراته لمراكز الجماعة.
وبعد أن غادر سورية بقي المبارك على صلات طيبة مع الإخوان حتى آخر لحظة من حياته... كان مع الإخوان السوريين حيث يوجد إخوان سوريون، وكان مع الإخوان في سائر الأقطار التي يزورها أو يقيم فيها، يقدم لهم إرشاداته ونصائحه، ويعطيهم تجاربه العلمية التي اكتسبها طوال عمره السياسي والتنظيمي. وكان له دور في ترشيد الحركة الإسلامية، وتقديم النصح والمساعدة المادية والمعنوية من خلال عمله في ميدان الدعوة الإسلامية على الصعيدين الشعبي والثقافي. وكانت له اتصالات بعدد من الشخصيات الإسلامية والعربية، ومشاركات مستمرة في المؤتمرات العالمية في ميدان الثقافة والدراسات الإسلامية والعربية والدولية، وساهم بفاعلية في توضيح مفهوم الإسلام ودوره الحضاري في عالم اليوم، كما كان له دور بارز ضمن الوفود الإسلامية التي شاركت في المؤتمرات الدولية لاسيما في الحوار الإسلامي المسيحي.
كان الأستاذ المبارك في أواخر حياته يعمل في جامعة الملك عبد العزيز بجدة، وبقي في هذا العمل حتى وافته المنية في المدينة المنورة عام 1981 ودفن في البقيع الطاهر.
من أشهر مؤلفاته
ـ الأمة العربية في معركة تحقيق الذات.
ـ المجتمع الإسلامي المعاصر.
ـ الأمة والعوامل المكونة لها.
ـ جذور الأزمة في المجتمع الإسلامي.
ـ نحو صيغ إسلامية لعلم الاجتماع.
والعديد من الكتب عن نظام الإسلام في شتى المجالات.
المراجع:
ـ (محمد المبارك العالم والمفكر والداعية)، حسني أدهم جرار، دار البشير، عمان، الطبعة الأولى 1988.
ـ (موسوعة السياسة)، عبد الوهاب الكيالي، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، الطبعة الأولى 1990، ص(100).
إبراهيم إسماعيل
29-10-2007, 06:11 PM
محمد بهجت البيطار
ولد محمد بهجت البيطار بدمشق سنة 1894 في أسرة دمشقية عريقة اشتهر كثير من أبنائها بالعلم والأدب والتقوى، وكان جدها الأعلى هبط دمشق مهاجراً من بليدة من أعمال الجزائر في المغرب العربي واختار لسكناه حي الميدان الكبير.
نشأ محمد بهجت البيطار في حجر والده الشيخ محمد بهاء الدين بن عبد الغني حسن إبراهيم الشهير بابن البيطار، كان والده هذا عالماً أديباً يقرض الشعر، محبوباً من الخاصة والعامة لمؤانسته إياهم، فقد تولى الإمامة فيهم بعد وفاة أبيه، وقد تزوج من ابنة عمه الشيخ عبد الرزاق ابن حسن البيطار الذي كان من كبار علماء دمشق العاملين على نشر المذهب السلفي، وكان بارعاً في علوم اللغة العربية وآدابها، حسن الرواية حاضر البديهة، ترك عدداً من المؤلفات أهمها كتاب (حلية البشر في تاريخ القرن الثالث عشر)، حققه وتولى التعليق عليه سبطه محمد بهجت البيطار وقام مجمع اللغة العربية بطبعه في دمشق في ثلاثة أجزاء.
تلقى محمد بهجت البيطار مبادئ علوم الدين واللغة على والده الشيخ محمد بهاء الدين، وأتم دراستيه الابتدائية في المدرسة الريحانية والإعدادية في المدرسة الكاملية بدمشق، وتابع دراسته العالية في العلوم الدينية والعربية على والده وعلى جده لأمه الشيخ عبد الرزاق البيطار، وعلى كل من الشيوخ الأعلام في عصره جمال الدين القاسمي الدمشقي، محمد خضر حسين التونسي نزيل دمشق وعلى محدث الديار الشامية الكبير محمد بدر الحسيني، ونال الإجازة منهم في مختلف العلوم النقلية والعقلية.
تولى البيطار سنة 1910 الخطابة والتدريس في جامع القاعة بحي الميدان خلفاً لوالده، ثم تولى سنة 1917 الخطابة والتدريس في جامع كريم الدين الشهير بالدقاق خلفاً لخاله، وهذا الجامع هو مسجد المحلة التي تقطن أسرة البيطار فيها، وكانت الإمامة والخطابة فيه في أسلاف البيطار مما يمتد لأكثر من مائة عام، وظل محمد بهجت البيطار يخطب ويدرس الناس مختلف العلوم في مسجد محلته إلى أن التحق بالرفيق الأعلى، ما انقطع عن ذلك إلا لمرض أو سفر.
عُين البيطار سنة 1921 من قبل مديرية معارف دمشق، معلماً في مدرسة الميدان الابتدائية حتى عام 1926، وفي نفس العام اشترك بمؤتمر العالم الإسلامي الذي دُعي إلى عقده في مكة المكرمة، وبعد انتهاء المؤتمر استبقاه الملك عبد العزيز آل سعود في مكة المكرمة ليشرف خلالها على المناصب القضائية والعلمية فيها.
في سنة 1931 عاد محمد بهجت البيطار إلى دمشق ليؤم أهل حيه كل يوم ويخطبهم كل أسبوع في جامع الدقاق بالإضافة إلى تدريس العلوم الدينية والعربية في المسجد وفي بعض المدارس الخاصة، كما تولى تدريس العلوم الشرعية سنة 1934 ولبعض الوقت في كليتي المقاصد الخيرية للبنين والبنات في مدينة بيروت.
وفي عام 1944 أوفد إلى الطائف مدة ثلاث سنوات ليتولى إدارة معهد (دار التوحيد السعودية) بناء على رغبة الملك عبد العزيز سعود.
وفي عام 1947 عهدت إليه جامعة دمشق القيام بتدريس مادتي التفسير والحديث في كلية الآداب، وفي سنة 1953 أُحيل محمد بهجت البيطار على التقاعد من وظيفته الحكومية، فقصر نشاطه على محاضرات في التفسير كلف بإلقائها في كلية الشريعة، وعلى التدريس الديني ووظائف وزارة الأوقاف، إلى جانب إلقاء الأحاديث الدينية والاجتماعية في الإذاعة السورية وعلى أعمال مجمعية عديدة حيث كان قد انتخب عضواً عاملاً في المجمع العلمي العربي بدمشق سنة 1923.
كان محمد بهجت البيطار من أكثر أعضاء مجمع دمشق حيوية ونشاطاً، شارك زملاءه في إلقاء المحاضرات العامة والأبحاث المتعمقة، وفي تحرير مجلة المجمع وبالتعريف على صفحاتها بالكتب والمطبوعات التي تدخل موضوعاتها في اهتماماته الشخصية، كما شغل عضوية لجنة المطبوعات في مجمع دمشق منذ 1953، واستمر على القيام بمهامها في الإشراف على مجلة المجمع ومطبوعاته حتى قبيل وفاته بأسابيع قليلة.
وفي عام 1954 انتخب عضواً مراسلاً للمجمع العلمي العراقي، عندما تم توحيد مجمعي دمشق والقاهرة سنة 1960 باسم مجمع اللغة العربية كان البيطار في مقدمة أعضاء المجمع الذين شاركوا في مؤتمر القاهرة سنة 1961.
جرى محمد بهجت البيطار على عادة علماء السلف، يقرض الشعر في ساعات الفراغ يؤرخ به لحادثة جرت، أو يهنئ صديقاً بنعمة، أو يعزيه بمصيبة ألمت به، ويستعين بالنظم أحياناً في تلخيص علم أو تدقيق قاعدة.
ترك البيطار ديواناً صغيراً فيه شعر يمدح به الرسول الأعظم عليه الصلاة والسلام، كما يتضمن أبياتاً ومقطوعات ومساجلات مع بعض أصدقائه وزملائه المجمعين أمثال الأساتذة عز الدين التنوخي ومحسن البرازي بدمشق، وأحمد العزاوي في مكة ومحمد سعيد كمال في الطائف.
قام محمد بهجت البيطار برحلات علمية ودراسية عديدة، أرخ لها في نهاية كتابه (الرحلة النجدية الحجازية) وشملت رحلاته البلاد العربية والإسلامية والروسية والولايات المتحدة الأمريكية، موضحاً الدافع إلى كل منها، وأهم ما وقع له خلال بعضها.
توفي محمد بهجت البيطار يوم السبت 30 جمادى الأولى 1396هـ / 29 أيار 1976 إثر مرض لم يمهله طويلاً.
ترك الفقيد مؤلفات عديدة وبحوثاً كثيرة نشرت له في مختلف الصحف والمجلات السورية والعربية السعودية والمصرية والعراقية. طبع بعضها مستقلاً، ومازال الكثير منها شتيتاً في باطن المجلات، أما تآليفه وما طبع منها مستقلاً من أبحاثه فهو:
ـ رسالة (الثقافتان الصفراء والبيضاء).
ـ تفسير (سورة يوسف) حيث أكمل التفسير الذي بدأه السيد رشيد رضا مع التقديم له.
ـ كتاب (قواعد التحديث، من فنون مصطلح الحديث لجمال الدين القاسمي) حققه وخرج أحاديثه.
ـ كتاب (مسائل الإمام أحمد، لتلميذه الإمام أبي داود السجستاني)، وهو أقدم كتب المكتبة الظاهرية، حققه السيد محمد رشيد رضا.
ـ كتاب (المعاملات في الإسلام وتحقيق ما ورد في الربا) وقد بدأه محمد رشيد رضا وأكمله البيطار ووضع مقدمته.
ـ كتاب (حلية البشر في تاريخ القرن الثالث عشر) تأليف جد البيطار الشيخ عبد الرزاق، تحقيق البيطار.
ـ رسالة (الإسلام والصحابة الكرام بين السنة والشيعة).
ـ بحث (الإنجيل والقرآن في كفتي الميزان).
ـ بحث (الاشتقاق والتعريب).
هذه المعلومات أخذت من:
ـ مجلة مجمع اللغة العربية بدمشق، عدد تشرين أول سنة 1976، ص(787ـ 804).
إبراهيم إسماعيل
29-10-2007, 06:12 PM
أنطون سعادة
هو أنطون بن خليل سعادة مجاعص، ولد في الأول من آذار عام 1904 في الشوير قضاء المتن (من محافظة جبل لبنان) من أبوين شويريين لبنانيين. والده الدكتور خليل سعادة كان طبيباً وعالماً وأديباً، ومن أبرز القادة الوطنيين في المغترب اللبناني في البرازيل، أسس عدة جمعيات وأحزاب مهجرية وطنية وقومية، كما أنشأ صحيفتي (المجلة) و(الجريدة) في سان باولو في البرازيل.
تلقى أنطون سعادة سنة 1909 المبادئ الأولية للقراءة والكتابة في مدرسة الشوير على يد المعلم حنا رستم، ثم أكمل دراسته الثانوية في معهد الفرير في القاهرة حيث كان والده قد التجأ، ثم في مدرسة برمانا في جبل لبنان.
سنة 1919، بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى، ترك سعادة وطنه، بعد أن شهد بنفسه آثار المجاعة إبان الحرب، وغادر إلى الولايات المتحدة الأمريكية ثم في عام 1921، انتقل إلى البرازيل حيث أسهم مع والده الدكتور خليل في تحرير جريدة (الجريدة) ومجلة (المجلة).
لم يكمل أنطون سعادة تعليمه الجامعي، لكنه درس على نفسه حتى أصبح يتقن عدداً من اللغات من بينها الإنجليزية والفرنسية والألمانية والإسبانية، مما أفسح له من خلال مطالعاته بهذه اللغات الحية أن يكمل على نفسه التعمق في العلم والفكر الإنساني في عدة اختصاصات شملت التاريخ والفلسفة والعلوم الاجتماعية وعلوم الإنسان والأدب.
أسس سعادة في البرازيل جمعية سرية للعمل على تحرير الوطن من الانتداب، كما انخرط في عدة جمعيات لهذا الغرض، لكنه وجد أن النضال الفعلي إنما هو الذي ينطلق من داخل الوطن لا من المهجر. لذلك عاد إلى الوطن في تموز سنة 1930م، ومنها انتقل إلى دمشق سنة 1913 حيث اشترك في تحرير جريدة (الأيام) الدمشقية، ومن ثم عاد إلى بيروت وهو عازم على إنشاء الحزب الدستوري القومي الاجتماعي، مفضلاً الشروع في الوسط الملائم وسط الطلاب، حيث تولى تدريس اللغة الألمانية لطلاب الجامعة الأمريكية.
في 16 تشرين الثاني/1932، أسس أنطون سعادة الحزب السوري القومي الاجتماعي تحت اسم (حزب الشعب السوري) ( S.P.P) من خمسة طلاب في الجامعة الأمريكية، ومن هذا الوسط انتشرت دعوته إلى المناطق بحيث انتظم فيه المئات في غضون السنوات الثلاث الأولى من العمل السري. وقد انكشف أمر الحزب عام 1935 من قبل سلطات الانتداب الفرنسي، فاعتقل سعادة وعدد من معاونيه، وصدرت بحقهم أحكام مختلفة أقصاها السجن لسعادة مدة ستة أشهر.
أما مبادئ الحزب السوري القومي الاجتماعي الذي أسسه سعادة فكانت على الشكل التالي:-
ـ المبدأ الأول: سورية للسوريين، والسوريون أمة تامة.
ـ المبدأ الثاني: القضية السورية هي قضية قومية قائمة بنفسها مستقلة كل الاستقلال عن أية قضية أخرى.
ـ المبدأ الثالث: القضية السورية هي قضية الأمة السورية والوطن السوري.
ـ المبدأ الرابع: الأمة السورية هي وحدة الشعب السوري المتولدة من تاريخ طويل يرجع إلى ما قبل الزمن التاريخي الجلي.
ـ المبدأ الخامس: الوطن السوري هو البيئة الطبيعية الذي نشأت فيه الأمة السورية. وهي ذات حدود جغرافية تميزها عن سواها، تمتد من جبال طوروس في الشمال الغربي وجبال البختياري في الشمال الشرقي إلى قناة السويس والبحر الأحمر في الجنوب، شاملة شبه جزيرة سيناء وخليج العقبة، ومن البحر السوري في الغرب شاملة جزيرة قبرص إلى قوس الصحراء العربية وخليج العجم في الشرق، ويعبر عنها بلفظ عام: الهلال السوري الخصيب ونجمته جزيرة قبرص.
ـ المبدأ السادس: الأمة السورية مجتمع واحد.
ـ المبدأ السابع: تستمد النهضة السورية القومية الاجتماعية روحها من مواهب الأمة السورية وتاريخها الثقافي السياسي القومي.
ـ المبدأ الثامن: مصلحة سورية فوق كل مصلحة.
أما المبادئ الإصلاحية لهذا الحزب، فتمثلت بما يلي:-
ـ المبدأ الأول: فصل الدين عن الدولة.
ـ المبدأ الثاني: منع رجال الدين من التدخل في شؤون السياسة والقضاء القوميين.
ـ المبدأ الثالث: إزالة الحواجز بين مختلف الطوائف والمذاهب.
ـ المبدأ الرابع: إلغاء الإقطاع وتنظيم الاقتصاد القومي على أساس الإنتاج وإنصاف العمل وصيانة مصلحة الأمة والدولة.
ـ المبدأ الخامس: إعداد جيش قوي يكون ذا قيمة فعلية في تقرير مصير الأمة والوطن.
أما على صعيد غاية الحزب وخطته فقد عُبر عنها بالتالي: (إن غاية الحزب السوري القومي الاجتماعي بعث نهضة سورية قومية اجتماعية تكفل تحقيق مبادئه وتعيد إلى الأمة السورية استقلالاً تاماً وتثبيت سيادتها وإقامة نظام جديد يؤمن مصالحها ويرفع مستوى حياتها).
هذا وخلال وجود أنطون سعادة في السجن عام 1935، كتب كتابه الأول (نشوء الأمم)، وبعد خروجه من السجن أُعيد اعتقاله لإعلانه ما سماه قانون الطوارئ تحدياً للسلطة وذلك في عام 1936، وكتب خلال مدة سجنه كتابه الثاني (شرح المبادئ)، وفي أوائل تشرين الثاني خرج من السجن ليعود إليه في أوائل آذار عام 1937، حيث اعتقل وهو في طريقه إلى دمشق لحركة تتعلق في الحزب.
خرج أنطون سعادة من سجنه الثالث بعد ثلاثة أشهر، فأسس جريدة النهضة، والتي صدرت لعام واحد، كما تابع قيادته لحزبه حتى مغادرته البلاد عام 1938 لتنظيم الحزب في المغتربات.
أسس سعادة في البرازيل جريدة (سورية الجديدة)، ثم انتقل من البرازيل إلى الأرجنتين وبقي فيها حتى عام 1947، حيث أسس جريدة (الزوبعة)، وكتب كتابه (الصراع الفكري في الأدب السوري)، بالإضافة إلى نشره لمبادئ حزبه أينما حلّ.
لما خرج الفرنسيون من سورية ولبنان، عاد سعادة إلى الوطن في 2 آذار/1947، وأسس جريدة (الجيل الجديد). وقد اتُهم سعادة بتدبير عصيان مسلح في حزيران/1949، فقامت السلطة اللبنانية بتدبير خطة بالاتفاق مع حزب الكتائب، الذي قام بمهاجمة مكاتب الجريدة ومطابعها وتسبب في حرقها، فعمدت السلطة اللبنانية على إثر هذا الحادث المفتعل والمدبر، إلى ملاحقة الحزب، فانتقل سعادة إلى دمشق وهناك أًعلن الثورة القومية الاجتماعية الأولى لإسقاط حكم الطغيان والفساد والتزوير في لبنان في 4 تموز/1949.
أثناء ذلك نشطت الضغوطات الفرنسية، ونجحت في دفع حسني الزعيم الذي كان يتسلم مقاليد الحكم في ذلك الوقت في سورية، إلى تسليم أنطون سعادة إلى السلطات اللبنانية، في 7 تموز/ 1949، حيث استُنطق وحوكم ونفذ فيه حكم الإعدام خلال أربعة وعشرين ساعة، فكانت وفاته فجر الثامن من تموز/ 1949.
هزت هذه المحاكمة الصورية ضمائر الكثيرين، وأكدت سيطرة حزب الكتائب الذي كان على خلاف شديد مع سعادة على الحكم في لبنان، وقد قال كمال جنبلاط في وفاة أنطون سعادة في استجواب قدمه في 9 أيلول/1949 إلى الحكومة اللبنانية عبر مجلس النواب اللبناني: (وفي الواقع وفي نظر كل من اطلع على خفايا الأمور، لقد تدخلت بعض الدول الأجنبية المعروفة في قضية سعادة وضغطت بحيث أن أكثر الأعمال الاعتباطية التي صدرت عن الحكومة اللبنانية بهذا الشأن إزاء الحزب القومي ومن ضمنها المحاكمة والقضاء على سعادة وبعض أتباعه بهذه السرعة وبهذا الشكل والتي قد تمت بناء على توصيات وتدخلات وتأثيرات دول أجنبية وعربية معروفة).
كان أنطون سعادة يحاول إيجاد هوية إقليمية ضيقة في منطقة الشرق العربي تتجاوز الهوية العامة (العربية الإسلامية) إلى هوية يجد فيها هو ونظراؤه من الأقليات الدينية والعرقية تمثيلاً موازياً لتمثيل الأكثرية. وجاء خلافه مع حزب الكتائب (الموارنة) لأنه كان يدعو إلى وحدة الأراضي السورية، بينما كان المشروع الماروني المدعوم من فرنسا يتبنى انفصال سورية عن لبنان. وقد حظي الحزب القومي السوري بتأييد العديد من الأقليات العرقية والدينية والمذهبية، وكانت له مكانة خاصة في نفوس بعض العلويين والدروز والاسماعيليين وكذا بعض المسيحيين من غير الموارنة. ولقد كان هذا الحزب موضع رهان هذه الأقليات قبل غلبة المد القومي والانتقال إلى حزب البعث.
لقد اعتبر أنطون سعادة نفسه بوصفه المؤسس الأول للحزب زعيماً تاريخياً فاحتفظ لنفسه بحق المرجعية الفكرية والتنظيمية، كما أعلن نفسه زعيماً أبدياً للحزب على الطريقة الفاشية. إن دراسة مفصلة لأفكار أنطون سعادة وسيرته ، ونظرته إلى مكانة الزعيم تفسر سلوك الكثيرين من زعماء المنطقة.
ترك أنطون سعادة مجموعة من الكتب أهمها:-
ـ كتاب (نشوء الأمم).
ـ (الصراع الفكري في الأدب السوري).
ـ (المحاضرات العشر).
ـ( قصة فاجعة حب) حيث طبعت مع (قصة عيد سيدة صيدنايا) في كتاب واحد.
المراجع:
ـ (الأعلام)، خير الدين الزركلي، دار العلم للملايين، بيروت، طبعة خامسة 1980، الجزء الثاني، ص(27،28).
ـ (موسوعة رجالات من بلاد العرب)، د. صالح زهر الدين، المركز العربي للأبحاث والتوثيق، بيروت، طبعة أولى 2001، ص(102ـ 109).
ـ (موسوعة السياسة)، عبد الوهاب الكيالي وآخرون، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، طبعة أولى 1979، الجزء الأول، ص(364،365).
إبراهيم إسماعيل
29-10-2007, 06:13 PM
صلاح جديد
ولد صلاح جديد في قرية (دوير بعبدا) القريبة من مدينة جبلة الساحلية، عام 1926م، وينتمي إلى أسرة متوسطة من عشيرة الحدادين، التي هي من أكبر العشائر العلوية، تخرج من الكلية العسكرية في حمص سنة 1951م.
انتسب جديد في أول الأمر إلى الحزب القومي السوري، ثم أبدل موقعه وانضم إلى حزب البعث العربي الاشتراكي عندما كان ملازماً ثانياً في الخمسينات... تاركاً شقيقه غسان جديد في الحزب القومي السوري وهذا يؤكد البعد الطائفي في المراهنة على الحزبين (القومي السوري ـ البعث)
إباّن الوحدة السورية المصرية كان صلاح جديد برتبة رائد في سرب للطيران الليلي، وقد نقل هذا السرب أواخر عام 1959م إلى مصر. وكان قد أصاب جديد وأربعة من رفاقه شعور بالصدمة والسخط ضد عفلق والبيطار، مؤسسي حزب البعث، اللذين اتخذا قرار حل الحزب سنة 1958م، وقرر جديد ورفاقه (محمد عمران ـ حافظ الأسد ـ عبد الكريم الجندي ثلاثة علويون وواحد إسماعيلي ويقال أن أحمد المير كان من مؤسسي اللجنة) أن يقيموا تنظيماً سرياً أطلقوا عليه اسم (اللجنة العسكرية)، وكانت أهدافهم الظاهرة هي: إعادة بناء حزبهم المشتت، ووصول حزب البعث إلى السلطة، ومن ثم النظر في أمر الوحدة العربية.
بعد الانفصال (28 أيلول 1961) أودع صلاح جديد وزملاؤه السجن في مصر، ثم أطلق سراحهم في عملية مبادلة مع مجموعة من الضباط المصريين المحتجزين في سورية، وصرفتهم القيادة العليا الجديدة ومجموعة من الضباط البعثيين من الجيش، فراح جديد ورفاقه يعملون بشكل جدي على توسيع التنظيم السري الذي بدأوه في القاهرة، وجرت اتصالات بينهم وبين عفلق مؤسس حزب البعث، إذ حصلوا منه على تعهد بدعمهم للقيام بانقلاب على حكومة الانفصال.
ساهم صلاح جديد بصفته واحداً من ضباط اللجنة العسكرية في انقلاب 8 آذار 1963م، واستطاع ورفاقه البعثيون الوصول إلى الحكم، والقضاء على كل مقاومة منظمة لحكمهم.
ورقي جديد إلى رتبة لواء في الجيش، وفي عام 1964م استقال منه وانضم إلى الجناح المدني، وأطلق عليه اسم الرفيق صلاح جديد، وفي مؤتمر حزب البعث في نيسان 1964م انتخب أميناً مساعداً للحزب، وكانت هذه أول مرة يصعد فيها بعثيون عسكريون إلى القيادة.
كان الرفيق جديد يمثل اليسار الماركسي المتطرف في قيادة الحزب، ويطلق الشعارات اليسارية المتطرفة، وقد مهد لصدور قرار التأميم عام 1965م، واستطاع أن يقلب معركة الحزب بين الجناحين العسكري والمدني، ولكن تحت شعار الصراع بين اليسار واليمين، وبذلك استطاع كسب المعركة لمصلحته، وبدأ يفرض إرادته على الحكم ضمن شرعية حزب البعث ونظامه الداخلي، وكان ينادي بالاشتراكية العلمية والحزب القائد والجيش العقائدي.
في الطريق إلى السيطرة على الحزب والسلطة، تمت خطوات عديدة بترتيب مباشر من صلاح جديد؛ منها: تقديم زكي الأرسوزي (علوي)، لأسباب طائفية، على أنه صاحب الفكرة الأولى لتأسيس حزب البعث العربي ليحل محلّ ميشيل عفلق (مسيحي) الذي تم التخلص منه بقرار حزبي، وتم فصل صلاح البيطار من الحزب في مؤتمر نيسان 1964م.
كما تم بترتيبه قصف مدينة حماة، عقب اضطرابات اتّهم بها الأخوان المسلمون، وكذا اجتياح المسجد الأموي في دمشق بالدبابات، وقتل الكثير من المصلين فيه.
كذلك تم بإشرافه حركة تأميمات واسعة، طالت مؤسسات فردية، وورشات صناعية محدودة، بطريقة مثيرة للسخرية في كثير من الأحيان.
في كل أيام سيطرته على الحكم كان صلاح جديد يعمل من وراء ستار سني، أمين الحافظ في البداية، ثم نور الدين الأتاسي بعد انقلاب شباط 1966.
لقد أقصي أمين الحافظ، الذي سمي رئيساً لمجلس الرئاسة والأمين العام للقيادة القطرية والقائد العام للجيش ورئيس الوزراء، بعد أن انحاز هذا إلى عفلق وتخلى عن اللجنة العسكرية، في لعبة الصراع على السلطة، وهي خطوة وضعته فوراً على طريق المجابهة مع صلاح جديد، الذي كان سيد القرار في الشؤون السورية منذ أواخر صيف 1965م، حيث استطاع أن يبني لنفسه قاعدة شخصية هامة، عندما قام بمراقبة الجهاز الحكومي من خلال صديقه (يوسف زعين) الذي عينه رئيساً للوزراء، وكذلك التنقلات والترفيعات العسكرية بواسطة وزير الدفاع حمد عبيد، وأخيراً من خلال رفيقه في اللجنة العسكرية حافظ الأسد وجهازه الحزبي في القوات المسلحة. كان جديد مطمئناً إلى ولاء هذه القوات. وهكذا كان جديد يحكم الجيش باسم الحزب ويتسلط على الحزب باسم الجيش.
بتاريخ 23 شباط 1966م قام صلاح جديد ورفاقه بالانقلاب على أمين الحافظ، فأمسك جديد بالسلطة وبات الجميع في الحزب والجيش والجهاز الحاكم من جماعته، علماً بأنه ظل محتفظاً بمنصبه الحزبي (الأمين العام القطري المساعد)، أماّ الواجهة الجديدة فكان رئيس الدولة نور الدين الأتاسي.
استطاع صلاح جديد بمهارته أن يخفي هويته الطائفية عن طريق استغلاله لجميع الخلافات القيادية، سواء العسكرية أو المدنية في حزب البعث، ليوظف كل ذلك في مصلحته، مع جميع الحزبيين كلٌ حسب طاقته وهوايته.
وهو رجل غامض قليل الكلام ولا يتحدث إلاّ نادراً، وكان دوماً في صفوف المستمعين كي لا يخوض في النقاشات، إلاّ أنه كان يزن كلام الآخرين بعصبية هادئة، وهو يحرك اللعبة بالخفاء ويوجه الأمور لمصالحه الشخصية والطائفية لأنه يعرف ما يريد وما لا يريد، وكان سلاحه الهدوء والسكينة، ولا يظهر على وجهه أي انفعال.
ليس لصلاح جديد أية مؤلفات أو أفكار حزبية مطبوعة أو أبعاد سياسية متداولة، وهو لم يقابل طوال فترة سيطرته على مقاليد الحكم أي صحفي، إذ كان يحاول تجنب الكتّاب والصحفيين والأدباء، حتى لا تطرح عليه أسئلة توضح حقيقة آرائه وأفكاره، لذلك عُرف بالشخصية البعثية الصامتة.
في فترة (1966ـ 1970) بدأ الكلام عن الحرب الشعبية الطويلة الأمد، والتهيئة لإلغاء دور الجيش النظامي، ومنح الحرية المطلقة للمقاومة، فأخذت سورية تعيش كابوساً أمنياً لا يرحم، وأخذت ترقية الضباط العلويين وتيرة متعاظمة، وبلا حسيب فيما سرِّح غير العلويين أو أحيلوا على مهام إدارية لا قيمة لها.
وتوالت التأميمات حتى كادت سورية أن تفرغ من كل ما يمكن تأميمه، واستشرت حملة لا سابق لها على العائلات وأبناء العائلات، فيما وجد الموظفون دخولهم تتآكل من دون أن تتوقف مطالبتهم بالتقشف عند حد. وفي ذلك العهد انفجرت موجة الهجرة من الأرياف إلى المدن بكل مضاعفاتها الاقتصادية والديموغرافية، وكل حساسيتها الاجتماعية والطائفية، ولم يبق هناك حليف للنظام في ظل القطيعة شبه التامة مع غالبية الأنظمة في المنطقة، كذلك ضياع الجولان في حرب 5 حزيران 1967م، وكانت أصابع الاتهام تشير إلى وزير الدفاع حافظ الأسد عضو اللجنة العسكرية، مما أثار في نفسه شعوراً ملحاّ مادام سيتلقى اللوم فليكن له صنع القرارات، فعقد العزم على أن يصبح سيد سوريا.
جاء المؤتمر القطري الرابع في أيلول 1968م ليعلن على الملأ ازدواجية السلطة وصراع القائدين رفيقي الأمس: صلاح جديد وحافظ الأسد، الذي لم يتباطأ في اتخاذ الإجراءات المناسبة ضد أنصار جديد، مما جعل صلاح جديد يصبح في موقف دفاعي.
وجاءت الخطوة القاتلة مع انفجار الحرب الأهلية في الأردن، وبقي التدخل العسكري البري للقوات السورية، المدعوم من صلاح جديد، مكشوفاً بلا غطاء جوي، مما أوقعه تحت سطوة النيران الأردنية. فدعا صلاح جديد إلى مؤتمر طارئ للقيادة القومية في 30 تشرين الأول لمحاسبة الأسد وزير الدفاع، وما أن انتهى المؤتمر الذي أكد خط صلاح جديد ونهجه حتى عاجل الأسد في 16 تشرين الثاني 1970م بـ(الحركة التصحيحية) واعتقل خصومه، فأرسل جديد إلى سجن المزة وظل محتجزاً فيه إلى أن توفي في 19/8/1993م.
اعتبر صلاح جديد لفترة طويلة مهندس التحرك الطائفي في سورية، وينظر إليه الكثيرون على أنه الأكثر حنكة والأبعد نظراً، من رفيقه الذي استولى على حصاده حافظ الأسد. كما أن صلاح جديد يتمتع بقدر من الولاء العشائري والعائلي ضمن الطائفة، يتفوق على ما تمتع به حافظ الأسد. وكذلك فإن لصلاح جديد قاعدة من المؤيدين العسكريين من ضباط الجيش ماتزال تكتم إخلاصها له. كما تحافظ على الولاء له ثلة من السياسيين يقيمون خارج سورية ويعتبرون أنفسهم الورثة الشرعيين لصلاح جديد وللنهج الذي سار عليه.
هذه المعلومات أخذت بتصرف عن كتاب:
ـ (الصراع على الشرق الأوسط) باتريك سيل.
ـ (الموسوعة التاريخية الجغرافية) مسعود الخوند، لبنان، 1997، الجزء العاشر، ص(201ـ 205)، ص(219 ـ 220) .
ـ [ ذاكرة عربية للقرن (1900ـ 2000) حسن السبع، المركز العربي للمعلومات، بيروت، 2000، ص(105) ] .
ـ (موسوعة السياسة) عبد الوهاب الكيالي وآخرون، المؤسسة العربية للدراسات والنشر ببيروت، الطبعة الأولى، 1983، الجزء الثالث ص(639) .
ـ (دولة البعث وإسلام عفلق) مطيع النونو، الطبعة الأولى، 1994 ص(215ـ 219) (227ـ 236) .
إبراهيم إسماعيل
29-10-2007, 06:14 PM
فارس الخوري
ولد فارس الخوري في قرية الكفير التابعة لقضاء حاصبيا في لبنان في 20/تشرين ثاني 1873م. والده يعقوب بن جبور الخوري مسيحي بروتستانتي، كان نجاراً وله بعض الأملاك الزراعية في القرية. والدته حميدة بنت عقيل الفاخوري ابنة رجل قضى في مذبحة عام 1860 بين الدروز والمسيحيين. كانت مهتمة بابنها البكر فارس كل الاهتمام وتخطت كل المصاعب من أجل تعليمه.
تلقى فارس الخوري علومه الابتدائية في مدرسة القرية، ثم بالمدرسة الأمريكية في صيدا، ولما كان متفوقاً على أقرانه فقد عينه المرسلون الأمريكان معلماً في مدرستهم الابتدائية في زحلة.
دخل فارس الكلية الإنجيلية السورية، والتي سميت بعد ذلك (الجامعة الأمريكية) ببيروت. ولكن المرسلين الأمريكيين لم يمكنوه من الاستمرار، فقد عينوه من جديد في مدرستهم بقرية مجدل شمس عام 1892، ثم نقلوه إلى صيدا، وفي عام 1894 عاد للدراسة في الجامعة الأمريكية وحصل على شهادة بكالوريوس في العلوم عام 1897، وكانت هذه الشهادة في ذلك الحين شهادة ثقافية عامة ليس فيها اختصاص في أحد فروع العلوم والآداب، دعاه رئيس الجامعة للتدريس في القسم الاستعدادي كمعلم للرياضيات واللغة العربية.
دعي فارس الخوري لإدارة المدارس الأرثوذكسية في دمشق، ولإعطاء بعض الدروس في مدرسة تجهيز عنبر. ثم عُين ترجماناً للقنصلية البريطانية (1902ـ 1908) حيث أكسبته وظيفته الجديدة نوعاً من الحماية ضد استبداد الحكم العثماني.
لم يترك فارس الخوري الدرس والتحصيل، بل ظل منكباً على الدراسة والمطالعة فدرس اللغتين الفرنسية والتركية لوحده دون معلم وبرع فيهما، كما أنه أخذ يطالع الحقوق لنفسه، وامتهن المحاماة، وتقدم بفحص معادلة الليسانس بالحقوق فنالها. في عام 1908م انتسب لجمعية الاتحاد والترقي فكان هذا أول عهده بالسياسة.
نظم فارس الخوري الشعر وأولع به، فكان شعره وطنياً تناول فيه القضايا العربية، وكذلك كان أديباً حيث ملأت منظوماته الشعرية وكتاباته الصحف السورية والمصرية. إلا أن انشغاله في علوم السياسة والاقتصاد والعمل الوطني والقومي والعلمي جعله ينصرف عن الشعر ولا يقوله إلا في المناسبات.
انتخب فارس الخوري سنة 1914 نائباً عن دمشق في مجلس المبعوثان العثماني. وفي سنة 1916 سجنه جمال باشا بتهمة التآمر على الدولة العثمانية، لكنه بُرئ ونفي إلى استانبول، حيث مارس التجارة هناك.
عاد فارس الخوري إلى دمشق بعد انفصال سوريا عن الحكم العثماني. وفي عام 1919 عُين عضواً في مجلس الشورى الذي اقترح على الشريف فيصل تأسيسه، كما سعى فارس مع عدد من رفاقه إلى تأسيس معهد الحقوق العربي، وكان هو أحد أساتذته، كما اشترك في تأسيس المجمع العلمي العربي بدمشق.
تولى فارس الخوري وزارة المالية في الوزارات الثلاث التي تألفت خلال العهد الفيصلي. وعلى إثر احتلال الفرنسيين لسوريا عام 1920 انصرف الخوري إلى العمل الحر كمحام. ثم انتخب نقيباً للمحامين واستمر خمس سنوات متتاليات، كما عُين حقوقياً لبلدية دمشق، وعين أستاذاً في معهد الحقوق العربي لتدريس مادتي أصول المالية وأصول المحاكمات الحقوقية. لفارس الخوري ثلاث مؤلفات في القانون هي: (أصول المحاكمات الحقوقية) و(موجز في علم المالية) و(صك الجزاء).
أسس فارس الخوري وعبد الرحمن الشهبندر وعدد من الوطنيين في سوريا حزب الشعب رداً على استبداد السلطة الفرنسية... ولما نشأت الثورة الفرنسية عام 1925 اعتقل فارس الخوري وآخرون ونفوا إلى معتقل أرواد.
في عام 1926 نفي فارس الخوري إلى خارج سورية بسبب استقالته من منصب وزير المعارف في حكومة الداماد أحمد نامي بك احتجاجاً على سوء نوايا الفرنسيين.
شارك فارس الخوري وعدد من الوطنيين في تأسيس الكتلة الوطنية، وكان نائباً لرئيسها يضع القرارات ويكتب منشوراتها، وهذه الكتلة قادت حركة المعارضة والمقاومة ضد الفرنسيين، وكانت من أكثر الهيئات السياسة توفيقاً وفوزاً مدة تقارب العشرين عاماً.
على أثر الإضراب الستيني الذي عم سوريا عام 1936 للمطالبة بإلغاء الانتداب الفرنسي تم الاتفاق على عقد معاهدة بين سوريا وفرنسا، ويقوم وفد بالمفاوضة لأجلها في باريس، فكان فارس الخوري أحد أعضاء هذا الوفد ونائباً لرئيسه.
انتخب فارس الخوري رئيساً للمجلس النيابي السوري عام 1936 ومرة أخرى عام 1943، كما تولى رئاسة مجلس الوزراء السوري ووزيراً للمعارف والداخلية في تشرين أول عام 1944... وكان لتولي فارس الخوري رئاسة السلطة التنفيذية في البلد السوري المسلم وهو رجل مسيحي صدى عظيم فقد جاء في الصحف: (... وأن مجيئه إلى رئاسة الوزراء وهو مسيحي بروتستانتي يشكل سابقة في تاريخ سورية الحديث بإسناد السلطة التنفيذية إلى رجل غير مسلم، مما يدل على ما بلغته سورية من النضوج القومي، كما أنه يدل على ما اتصف به رئيس الدولة من حكمة وجدارة). وقد أعاد تشكيل وزارته ثلاث مرات في ظل تولي شكري القوتلي رئاسة الجمهورية السورية.
كان فارس الخوري متجرداً في أحكامه، عميقاً في تفكيره، صائباً في نظرته، وقد جره هذا الإنصاف لأن يقول عن (الإسلام) الذي درسه وتعمق فيه أنه محققاً للعدالة الاجتماعية بين بني البشر. فمن أقواله في الإسلام: (.. يمكن تطبيق الإسلام كنظام دون الحاجة للإعلان عنه أنه إسلام). ـ (… لا يمكننا محاربة النظريات الهدامة التي تهدد كلاّ من المسيحية والإسلام إلا بالإسلام). ـ (… لو خيرت بين الإسلام وبين الشيوعية لاخترت الإسلام). ـ (… هذا هو إيماني. أنا مؤمن بالإسلام وبصلاحه لتنظيم أحوال المجتمع العربي وقوته في الوقوف بوجه كل المبادئ والنظريات الأجنبية مهما بلغ من اعتداد القائمين عليها. لقد قلت ولازلت أقول، لا يمكن مكافحة الشيوعية والاشتراكية مكافحة جدية إلا بالإسلام، والإسلام وحده هو القادر على هدمها ودحرها). ويؤثر عنه كثير ممن عاشره حبه للإسلام وتعلقه به عقيدة وشريعة، وكثيراً ما أسر باعتقاده هذا إلى زائريه ومخلصيه.
في عام 1945 ترأس فارس الخوري الوفد السوري الذي كُلّف ببحث قضية جلاء الفرنسيين عن سوريا أمام منظمة الأمم المتحدة، التي تم تأسيسها في نفس العام، حيث اشترك الخوري بتوقيع ميثاق الأمم المتحدة نيابة عن سورية كعضو مؤسس.
كما ألقى الخوري خطبة في المؤتمر المنعقد في دورته الأولى نالت تقدير العالم وإعجابه. حيث أبدى فيها استعداد سورية وشقيقاتها العربيات لتلبية نداء البشرية من أجل تفاهم متبادل أتم، وتعاون أوثق، كما تحدث فيها عن خطورة المهمة الملقاة على عاتق المؤتمر، وأظهر تفاؤله في إمكانية تحقيق الفكرة السامية التي تهدف إليها المنظمة العالمية. وبناء على جهوده فقد منحته جامعة كاليفورنيا (الدكتوراه الفخرية) في الخدمة الخارجية اعترافاً بمآثره العظيمة في حقل العلاقات الدولية.
انتخب فارس الخوري عضواً في مجلس الأمن الدولي (1947ـ 1948)، كما أصبح رئيساً له في آب 1947، وقد اهتم بالقضية الفلسطينية اهتماماً خاصاً، وأكد رفض الدول العربية إقامة دولة لليهود فيها. كما شرح القضية المصرية وطالب بجلاء الإنجليز عن أراضيها، وأكد على السلام العالمي وطالب بإنهاء تنافس الدول الكبرى، وحذر من وقوع حرب ذرية مدمرة. ولطالما ضجت هيئة الأمم بخطبه ومناقشاته باللغة الإنجليزية من أجل نصرة الحق في القضية العربية.
عاد فارس الخوري إلى بلاده بعد انتهاء عضوية سورية في مجلس الأمن الدولي، وكان قد انتخب رئيساً للمجلس النيابي لعام 1947 عندما كان يمثل سورية في مجلس الأمن. ولكن عندما حل هذا المجلس على أثر الانقلاب الذي قام به حسني الزعيم ثابر فارس الخوري على عمله في الحقل الدولي، وترأس الوفود السورية إلى هيئة الأمم متابعاً نضاله ودفاعه عن القضايا العربية.
في عام 1954 طلب رئيس الجمهورية هاشم الأتاسي من فارس الخوري تشكيل حكومة سورية، لكنها لم تستمر سوى أشهر معدودة، وكان من أهم الأمور السياسية أثناء توليه وزارته الرابعة، الصدى البعيد في المجلس النيابي، وفي دوائر الحكومة وجماهير الشعب الذي أحدثه صدور الأحكام القاسية ضد الإخوان المسلمين في مصر. مما جعل سائر الحكومات العربية (بما فيها الحكومة السورية) تتوسط لدى القاهرة لتخفيف هذه الأحكام، وعرض الخوري وساطته الشخصية بالإضافة لوساطة حكومته والشعب السوري برئيس جمهوريته ومجلسه النيابي وفئاته وأحزابه، وواضعاً كرامته الشخصية كرجل يحفظ له المصريون أخلد الذكريات، لقاء تخفيف هذه الأحكام فلم يجد ذلك نفعاً، ونفذت أحكام الإعدام في ست من أقطاب الدعوة الإسلامية في وادي النيل. فكان لذلك أثر كبير في نفسه لم يزايله بقية عمره.
اعتكف فارس الخوري في منزله.. يذهب مرة كل عام إلى جنيف ليشترك في جلسات لجنة القانون الدولي التي هو عضو فيها. وأقيمت الوحدة بين سورية ومصر ولم يكن للأستاذ فارس الخوري أي رأي بقيامها أو بانهيارها.
في 22 شباط 1960، أصيب فارس الخوري بكسر في عنق فخذه الأيسر بغرفة نومه، وكان يعاني من آلام المرض الشديد في مستشفى السادات بدمشق، حينما منح جائزة الدولة التقديرية في العلوم الاجتماعية من قبل الرئيس جمال عبد الناصر بناء على توصية المجلس الأعلى للعلوم والفنون.
وكانت وفاة فارس الخوري مساء الثلاثاء 2 كانون الثاني 1962، في مستشفى السادات بدمشق.
المراجع:
ـ (فارس الخوري) محمد الفرحاني، مطبعة دار الغد، لبنان/ بيروت، 1964).
ـ (موسوعة رجالات من بلاد العرب) د. صالح زهر الدين ، المركز العربي للأبحاث والتوثيق، بيروت، الطبعة الأولى 2001، ص (592).
إبراهيم إسماعيل
29-10-2007, 06:15 PM
عبد الرحمن الشهبندر
هو عبد الرحمن صالح الشهبندر، من أسرة دمشقية عريقة في سورية. والده السيد صالح الشهبندر، كان معروفاً بصفاته الإنسانية، ومواقفه الوطنية المعادية لكل أنواع الظلم.
ولد عبد الرحمن في 6 تشرين ثاني1879 في دمشق، وتلقى علومه الابتدائية في مدارس الحكومة فيها، ثم دخل الجامعة الأمريكية في بيروت، ونال شهادتها العلمية عام 1901، وكان الخطيب السنوي للجمعية العلمية العربية.
عاد عبد الرحمن إلى دمشق وانضم إلى الحلقة الإصلاحية التي كان يرأسها الشيخ طاهر الجزائري، وبسبب الحوادث التي كانت قائمة يومذاك، قُدم إلى المحاكمة بتهمة الاشتراك في تأليف رسالة موضوعها (الفقه والتصوف) وبأنه أحد الذين كتبوا في جريدة المقطّم المصرية حول (خلافة السلطان عبد الحميد الثاني) غير أن صغر سنه يومذاك أنقذه من السجن أو مما هو أخطر من السجن.
في عام 1902م عاد إلى الجامعة الأمريكية وعكف على دراسة الطب مدة أربع سنوات، حيث كان من المتفوقين، وبعد التخرج وبامتياز اختارته الجامعة الأمريكية أستاذاً فيها وطبيباً لطلابها.
في عام 1908 عاد الشهبندر إلى دمشق، واتصل بالمرحوم الشيخ عبد الحميد الزهراوي، وبأحرار العرب إثر حدوث الانقلاب العثماني في تموز من تلك السنة، وكان عاملاً كبيراً في تأسيس الجمعيات العربية.
وحين اندلعت نيران الحرب العالمية الأولى، لجأ الاتحاديون إلى سياسة البطش والتنكيل وتعليق المشانق، وكاد الشهبندر أن يكون في عداد ضحايا هذه السياسة، لو لم يبادر بالفرار إلى العراق، ومنه إلى الهند، ومن بعدها إلى مصر.
وفي مصر حارب الشهبندر تصرفات جمال باشا السفاح، وزير الحربية وقائد الجيش العثماني الرابع، وما قام به من تنكيل بأحرار العرب في سوريا ولبنان. وتولى تحرير جريدة (الكوكب) التي أنشأتها دائرة الاستخبارات البريطانية في مصر، ثم قدم استقالته منها بعد أن اتضحت معالم السياسة الإنجليزية. وقد سعى الشهبندر مع ستة من إخوانه السوريين بأخذ عهد من بريطانيا أطلق عليه (عهد السبعة)، وهو يقضي بأن كل بلاد عربية يفتحها الجيش العربي تبقى عربية مستقلة، لذا نراه جاهر بالدعوة إلى التعاون مع الإنجليز في الحرب العالمية الأولى، ودعا إلى التطوع في جيش الشريف الحسين بن على من أجل مواجهة الأتراك والانفصال عنهم.
بعد استقلال سورية عن الحكم العثماني، عاد الشهبندر إلى دمشق، وهيأ مع إخوانه في مختلف الأحزاب الحملة الكافية لإظهار البلاد أمام اللجنة الاستفتائية الأمريكية بالمظهر الذي تنشده من حرية واستقلال تام.
في شهر أيار/1920، عندما ألّف هاشم الأتاسي وزارته التي سميت (وزارة الدفاع) عُهد إلى عبد الرحمن بوزارة الخارجية فيها. ولكن بعد دخول الفرنسيين سوريا في تموز/1920، غادر الشهبندر سوريا إلى القاهرة، ولكنه عاد إليها بعد عام وأخذ يعمل في تنظيم الأعمال السياسية لمقاومة الاحتلال الفرنسي.
ويذكر أن زواج الشهبندر سنة 1910 من (سارة) ابنة أحد وجهاء دمشق، المدعو تقي الدين بك المؤيد العظم، لعب دوراً في نشاطه السياسي، ونفوذه الاجتماعي أيضاً، ورفعه إلى واجهة الأحداث الكبرى مدعوماً من عصبية عائلية لها وزنها على هذا الصعيد.
ونتيجة لنشاطه السياسي والوطني هذا، وعلى أثر قدوم المستر (كراين) إلى دمشق عام 1922، واستقباله بمطالبة الجماهير بالحرية والاستقلال، والوفاء بوعد الحلفاء عامة ووعد الأمريكيين خاصة، ولمناداة السوريين بسقوط الانتداب، ورافق ذلك أيضاً مقتل وزير الداخلية (أسعد خورشيد) في بيروت، نتيجة ذلك كله، ألقى الفرنسيون القبض على كثير من البيروتيين والدمشقيين منهم الدكتور عبد الرحمن الشهبندر، وقد حكم عليه بالسجن عشرين عاماً، والنفي إلى بيت الدين (في لبنان)، ثم إلى جزيرة أرواد، وبعد تسعة عشر شهراً صدر العفو عنه. ولما غادر السجن سافر إلى أوروبا وأمريكا لعرض قضية الوطن والعروبة، حيث كان من أوائل الزعماء السوريين في تلك البلاد، يطرح القضية الوطنية، ويشرح كثيراً من المسائل التي تستحق الشرح لتبيان الحقائق واكتساب الدعم.
في تموز/1924، عاد الشهبندر إلى دمشق، ألّف حزباً سياسياً سماه (حزب الشعب) حيث تولى رئاسته، وأطلق على نفسه لقب الزعيم. وأخذ الشهبندر يعمل من جديد في تنظيم العمل السياسي، ويدعو إلى الوحدة العربية، ويطالب بإلغاء الانتداب، وإقامة جمهورية سورية في نطاق الاتحاد مع جميع البلدان العربية المستقلة.
ولما ترامى إلى سمع الشهبندر ما يعانيه جبل العرب من ظلم حاكمه الفرنسي، وما يحضر له زعماء الجبل، وفي مقدمتهم سلطان الأطرش للثورة ضد الفرنسيين، وإنقاذ البلاد من براثن احتلالهم، حتى أخذ يتصل بهم من أجل تنسيق المواقف، ورص الصفوف وتجميع القوى وإعلان الثورة. وهذا ما دفع البعض إلى وصفه (كان الأهم والأبرز من كتاب الأدب السياسي للثورة).
كما التحق الشهبندر بصفوف الثوار لدى اندلاع الثورة في جبل العرب عام 1925، وظل بجانبهم يقاتل حتى كبدوا الفرنسيين خسائر فادحة. لقد وضع الشهبندر كل إمكاناته وطاقاته في سبيل دعم الثورة وإنجاحها، ولكن قوات العدو الكبيرة، أرغمت الشهبندر والأطرش ورفاقهما إلى الانسحاب إلى الأزرق، ومن الأزرق غادر الشهيندر إلى العراق ومن ثم إلى مصر، حيث استقر هناك بعد أن حكمت عليه السلطة الفرنسية بالإعدام، فاضطر للبقاء في القاهرة عشر سنوات، وكان خلالها يعمل للقضية العربية بالتعاون مع اللجنة التنفيذية للمؤتمر السوري الفلسطيني بالإضافة إلى اشتغاله بالطب.
حين أُلغي حكم الإعدام، عاد عبد الرحمن الشهبندر إلى دمشق في الحادي عشر من أيار سنة 1937م. فاستأنف نشاطه السياسي والوطني، وأخذ رفاقه وإخوانه وأنصاره ينظمون له احتفالات جماهيرية كل يوم، يحضرها ألوف من رجال الأحياء والوجهاء ومختلف الطبقات، وكان الشهبندر يُلقي في هذه الاحتفالات اليومية خطباً حماسية، تلتهب لها الأكف بالتصفيق، والهتاف بحياته، وقد هاجم الشهبندر في خطاباته معاهدة 1936 مع فرنسا، وفند بنودها، وعدد مساوئها، الأمر الذي أدى إلى ضجة في البلاد، وانقسم الشعب على أثرها إلى فئتين، قسم أيد المعاهدة والكتلة الوطنية (بقيادة هاشم الأتاسي)، وقسم التف حول الدكتور الشهبندر واقتنع بوجهة نظره في تعداد مساوئ المعاهدة وعيوبها وضرورة الكفاح من أجل تحقيق الاستقلال الكامل والسيادة المطلقة.
قال الأستاذ ظافر القاسمي عن خطب الشهبندر التي كان يلقيها في الحفلات التكريمية إثر عودته من مصر: (وتتابعت الحفلات للزعيم، وأخذ يلقي في كل يوم خطاباً، أو خطباً جديدة الموضوع جديدة الألفاظ، حسبته وهو يتحدث وكأنه يقرأ من كتاب. أما في خطبه فحسبته يعب من بحر لا ساحل له. ألقى أربعين خطاباً في واحد وعشرين يوماً متتابعة، فلم يحص عليه المحصون فيها كلها لحنة واحدة، ولم يجدوا فكرة واحدة معادة، ولا رأياً مكرراً، كان في ذلك آية الله في خلقه. ولله في خلقه شؤون).
وإزاء موقف الشهبندر من المعاهدة السورية الفرنسية، ليس بمستغرب على فرنسا وحلفائها أن تتحين الفرص للإيقاع به والتخلص منه. وهكذا أقدمت مجموعة من الأشخاص على اغتيال الدكتور الشهبندر، وهو في عيادته يمارس عمله الإنساني، فدخلوا عليه زاعمين أنهم مرضى، وأطلق واحد منهم وهو (أحمد عصاصة) الرصاص على رأس الشهبندر فأرداه قتيلاً، وكان ذلك صبيحة يوم السادس من تموز سنة 1940.
وكان لهذا الحادث الأليم وقع كبير على دمشق وبلاد العرب عامة، فشُيّع جثمانه، ودفن إلى جوار قبر صلاح الدين الأيوبي، قرب الجامع الأموي الكبير.
وإمعاناً في التضليل والفتنة بين الشعب الواحد، حاولت السلطة الفرنسية إلصاق التهمة بالقادة الوطنيين والمخلصين، فرمت تهمة القتل على ثلاثة من رجال الكتلة الوطنية، وهم السادة: سعد الله الجابري، ولطفي الحفار، وجميل مردم بك. فقد استغلت هذه السلطة خلاف الرأي الذي نشب بين الكتلة الوطنية والشهبندر، والحملات التي شنها في خطاباته على معاهدة 1936، والذين أيدوها مما اضطر رجال الكتلة الذين أُلصقت بهم التهمة الباطلة إلى مغادرة البلاد ريثما تنجلي الأمور، ويتم التحقيق ويظهر الحق من الباطل.
وبعد شهور عدة من المحاكمة الطويلة، اعترف الفاعلون بفعلتهم وأن الدافع إليها كان دافعاً دينياً، وزعموا أن الشهبندر تعرض للإسلام في إحدى خطبه، وأنهم فعلوا فعلتهم انتقاماً وثأراً للدين الحنيف. فحكمت المحكمة عليهم بالإعدام، ونفذ فيهم الحكم شنقاً يوم الثالث من شهر شباط سنة 1941. وعاد رجال الكتلة الوطنية الثلاثة إلى أرض الوطن مرفوعي الجبين بعد أن تمت تبرئتهم.
نذكر من أقواله:
ـ إن العقيدة لا تكون عقيدة إلا إذا كانت مخلصة لله.
ـ الإسلام رجاء، والقنوط ليس من ديننا.
ـ إن أعظم مواقفي، وأحبها إلي، وأرضاها عندي، وأبعثها للسكينة في جوانب نفسي، موقفي للصلاة بين يدي الله.
ـ من يوجه نفسه إلى الله، ويصلي بقلب ملؤه الإيمان، لا يجوز له أن يقنط.
ـ نحن عرب قبل أن نكون سوريين.
ـ رابطة العروبة أقوى من أن تصاب في قوتها وروحها مادام القرآن يجمعها.
ـ ليس لسورية مجد أكيد، وتاريخ حافل بالمفاخر، إلا من بعد الفتح العربي.
ـ إذا مات الشهبندر أو قتل في ميادين الشرف، ففي الأمة شهبندريون كثيرون.
المراجع:
ـ (موسوعة رجالات من بلاد العرب)، د. صالح زهران، المركز العربي للأبحاث والتوثيق، بيروت طبعة أولى 2001، ص (385ـ 393).
ـ (صفحة من حياة الشهبندر)، حسن الحكيم.
ـ (موسوعة االسياسة)، د. عبد الوهاب الكيالي وآخرون، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، الطبعة الأولى 1990، الجزء الثالث، ص (826).
ـ (الموسوعة التاريخية الجغرافية)، مسعود الخوند، طبع في لبنان، 1997، الجزء العاشر، ص (166).
إبراهيم إسماعيل
29-10-2007, 06:16 PM
سعد الله الجابري
هو سعد الله عبد القادر لطفي الجابري، ولد في حلب عام 1894. والده الحاج عبد القادر مفتي مدينة حلب، أنجب ستة أبناء من بينهم سعد الله الذي بدت عليه مظاهر النباهة والإقدام منذ صغره، فنشأ وترعرع في حلب، وتلقى علومه الابتدائية والتجهيزية فيها وصحا على اجتماعات واتصالات تقوم بها عائلته مع رجالات البلد، حيث كان القوم يجتمعون في منزل الشيخ عبد الحميد الجابري للتداول في أمور البلاد وما آلت إليه .
أنهى سعد الله دراسته الثانوية في حلب، فاستقدمه أخوه إحسان الجابري إلى استانبول لمتابعة دراسته في الكلية الملكية السلطانية، فاتصل هناك بالشباب العربي في الأستانة وأسسوا جمعية العربية الفتاة وأقسموا اليمين للعمل على استقلال البلاد العربية.
أُرسل سعد الله إلى ألمانيا حيث درس سنتين وعاد إلى استانبول بمناسبة إعلان الحرب العالمية الأولى، فجند في الجيش العثماني (كجك ضابط) وعُين مراقباً على الأرزاق وقوافلها في بلدة (أرض الروم) وقضى مدة الحرب هناك.
عندما انتهت الحرب عاد سعد الله إلى حلب، ودخل في حركة حقوق الإنسان، ولما قامت الثورات عام 1919 على أثر نية الحلفاء تقسيم البلاد العربية ودخول الفرنسيين سوريا؛ كان سعد الله الجابري على اتصال بزعيم الثورة في الشمال إبراهيم هنانو يؤيد ثورته ويدعمه، كما جدد اتصاله بمن كان معه في الكلية السلطانية مثل شكري القوتلي وغيره من العناصر الوطنية.
ونظراً لجرأة الجابري في مواجهة الفرنسيين، فقد اعتقل في سجن أرواد مدة من الزمن مع هاشم الأتاسي وجماعة من الوطنيين... ومنذ ذلك التاريخ بدأت رحلة جديدة من النضال إذا كانت سوريا تغرق رويداً رويداً تحت وطأة المحتل الفرنسي.
كان الجابري وجماعته يوالون الاجتماعات والاحتجاجات ورفع المذكرات لجمعية الأمم يشكون فيها الفرنسيين، وحين أعلنت السلطة الفرنسية استعدادها لإقامة حكم دستوري في البلاد، كان الوطنيون قد قرروا في مؤتمرهم الدخول في الانتخابات، ولما أُنتخب إبراهيم هنانو والجابري لأول مجلس تأسيسي رأى الفرنسيون أن هذا المجلس لا يمكن أن يخدم مصالحهم، لذا عمدوا إلى إلغائه، فعاد الوطنيون إلى النضال وقامت المظاهرات والاحتجاجات واعتقل الجابري. وبعدما أّفرج عنه تنادى الوطنيون لوضع ميثاق الكتلة الوطنية ونظامها الأساسي فكان هاشم الأتاسي رئيساً وإبراهيم هنانو والجابري نائبين للرئيس.
لما رفضت الكتلة الوطنية معاهدة عام 1933، قامت المظاهرات في جميع أنحاء سوريا وجرت اعتقالات للوطنيين وكان من بينهم سعد الله الجابري حيث صدر عليه حكم بالسجن ثمانية أشهر.
اشتد الطغيان الفرنسي في سوريا، وأُغلقت مكاتب الكتلة الوطنية وعمت الاعتقالات رجال حلب ودمشق وباقي المدن، واشتد الذعر وأضربت جميع المدن السورية، وأُلقي القبض مجدداً على الجابري ونفي إلى جزيرة (عين ديوار).
تجاه ما وصلت إليه سوريا من الاضطراب، استدعى الفرنسيون الوطنيين واتفقوا معهم على أن يرسلوا وفداً يمثل وطنيي البلاد إلى فرنسا للمفاوضة لعقد معاهدة، فكان الجابري عضواً في هذا الوفد، فصدر عفو عام عن السوريين وأُفرج عن الوطنيين وتمت معاهدة عام 1936م.
شغل الجابري وزارتي الداخلية ثم الخارجية في وزارة جميل مردم بك، في أول حكومة وطنية كان فيها هاشم الأتاسي رئيساً للجمهورية. لكن الفرنسيين أثاروا الفتن والنعرات الطائفية مما أدى إلى تعطيل الدستور وإنهاء الحكومة، فاستقال رئيس الجمهورية وكانت نهاية العهد الوطني.
بتعطيل الحياة الدستورية وإبعاد الوطنيين عن الحكم، زاد إمعان الفرنسيين في اضطهاد الوطنيين، فاستولوا على السلطة مباشرة وأنشأوا حكومة موالية لهم، وفي هذا الظرف وقعت حادثة جعلت سعد الله وصحبه يغادرون سوريا كلاجئين إلى العراق، وذلك حينما وُعِد قاتل الوطني الدكتور عبد الرحمن الشهبندر بالعفو عنه، إذا اعترف أنه كان مدفوعاً إلى القتل من قبل رجال الكتلة الوطنية: شكري القوتلي وسعد الله الجابري وجميل مردم بك،غير أن القضاء برأهم. ولم يعد سعد الله الجابري إلى سوريا إلا حينما دخلت الجيوش البريطانية سوريا بصحبة جيش فرنسا الحرة وأُعلن استقلال البلاد.
عندما انتُخب شكري القوتلي لرئاسة الجمهورية في 17/8/1943، تولى الجابري رئاسة وزارته. هذه الوزارة التي أدى عنادها الوطني إلى قيام الفرنسيين بعدوانهم على سورية عام 1945، وفي عهد وزارته أيضاً تم جلاء القوات الفرنسية عن البلاد.
كان سعد الله الجابري رئيس الوفد السوري في توقيع بروتوكول الإسكندرية، ورئيس وفدها في اللجنة التحضيرية للمؤتمر العربي العام، كما حضر إعلان أنشاص لتأسيس الجامعة العربية.
مرض سعد الله الجابري في آخر زيارة له إلى مصر، حيث كان هناك لحضور مجلس الجامعة العربة عام 1947... فبقي في الإسكندرية للتداوي، إلا أن رئيس الجمهورية شكري القوتلي طلب منه الاستقالة من رئاسة الوزارة فاستقال.
رجع الجابري إلى حلب وقضى فيها بضعة أشهر، وما لبث أن وافاه الأجل في حزيران عام 1947.
هذه المعلومات أخذت بتصرف عن:-
ـ (موسوعة السياسة)، د.عبد الوهاب الكيالي وآخرون، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت طبعة أولى 1983، ص (163).
ـ (ذكرى سعد الله الجابري)، أحمد الجندي، طلاس للدراسات والترجمة والنشر، ص(124ـ 132).
إبراهيم إسماعيل
29-10-2007, 06:17 PM
سامي الحناوي
هو محمد سامي حلمي الحناوي، ولد في مدينة إدلب سنة 1898، وتخرج من مدرسة دار المعلمين بدمشق سنة 1916، ودخل المدرسة العسكرية في استانبول فأقام سنة. خاض معارك قفقاسيا وفلسطين في الحرب العالمية الأولى، ثم دخل المدرسة الحربية بدمشق سنة 1918 وتخرج بعد عام برتبة ملازم ثان، وأُلحق بالدرك الثابت في سنجق الاسكندرونة، وكان من قواد الجيش السوري في معركة فلسطين سنة 1948 حيث رقي إلى رتبة عقيد.
عندما ثار حسني الزعيم على شكري القوتلي وأبعده عن الحكم، أبرق الحناوي يؤيد الانقلاب ويعلن ولاءه لحسني الزعيم، فجعله هذا زعيماً (كولونيل) وقائداً للواء الأول، ولما ضج الناس من سيرة حسني الزعيم، اتفق الحناوي مع جماعة كان بينهم ثلاثة من حزب أنطون سعادة فاعتقلوا الزعيم ورئيس وزرائه محسن البرازي، وأعدموهما بعد محاكمة عسكرية سريعة يوم 14 آب/1949، وأقاموا حكومة مدنية يشرف على سياستها العسكريون وفي مقدمتهم سامي الحناوي، وقد لعب فيها عديله الدكتور أسعد طلس (من حلب ومن كبار موظفي وزارة الخارجية حينئذ دوراً مهماً للاتجاه نحو الوحدة مع العراق).
وبعد يومين على الانقلاب سلم الحناوي السلطة رسمياً إلى هاشم الأتاسي الرئيس الأسبق الذي أذاع فوراً تشكيل الوزارة، ثم أعلن الحناوي أن مهمته الوطنية المقدسة قد انتهت، وأنه سيعود إلى الجيش، وكانت تشكلت لجنة بعد ساعات من وقوع الانقلاب ضمت هاشم الأتاسي وفارس الخوري، ورشدي الكيخيا، وناظم القدسي وأكرم الحوراني، أوصت بتشكيل حكومة مؤقتة يرأسها هاشم الأتاسي تعيد للبلاد الحياة الدستورية، وقد سيطر حزب الشعب على شؤون الحكومة الجديدة، واحتل أعضاؤه الوزارات التي اشترط الحزب احتلالها باستمراره (الخارجية والداخلية) بناء على توصيات صاحب الانقلاب سامي الحناوي.
استمرت الوزارة برئاسة هاشم الأتاسي من 14 آب/1949 حتى 10 كانون أول/1949 دون أن يحصل تبديل بين أعضائها، وكان من بين الموضوعات التي عالجتها:-
1ـ استمرار العمل بالأحكام الصادرة في عهد حسني الزعيم: فقد أعلنت الحكومة احترامها للاتفاقيات المعقودة في عهد الزعيم وأبرزها اتفاق شركة التابلاين لإمرار النفط السعودي عبر سورية، واتفاق شركة أنابيب العراق لإمرار الزيت العراقي عبر سورية، واتفاقيات التصفية للمسائل المعلقة بين سورية وفرنسا، ويأتي في مقدمتها الاتفاق النقدي. اضطرت الحكومة لاتخاذ هذا الموقف بعد اتصالات مع الوزراء المفوضين لكل من الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا الذين أكدوا موقف حكوماتهم بعدم الاعتراف بالانقلاب الجديد ما لم يعتبر تلك الاتفاقيات نافذة.
2ـ تطهير الجهاز الحكومي: فبعد أسبوع من تولي حكومة الأتاسي مهامها تلقت مجموعة من المراسيم بعزل بعض الموظفين وإحالة البعض الآخر على التقاعد موقعة من الزعيم سامي الحناوي ومؤرخة بتاريخ 13 آب/1949. وجرت مداولات بين الحكومة وصاحب الانقلاب الحناوي، لكنه أصر على عزلهم لأن وزراء حزب الشعب لا يميلون إليهم.
3ـ انتخاب جمعية تأسيسية لوضع دستور جديد للبلاد، وهدف حزب الشعب من ذلك هو استبعاد عودة السيد شكري القوتلي لاستلام منصب رئيس الجمهورية، لهذا أقرت الوزارة المراسيم التي أصدرها حسني الزعيم ومن ضمنها مرسوم قبول استقالة القوتلي وحل مجلس النواب. وكانت النتيجة انتخاب هاشم الأتاسي رئيساً للجمهورية، وأهم المواضيع التي ركز عليها في اجتماعات الجمعية التأسيسية: الوحدة السورية العراقية والتي عكسها نص قسم رئيس الجمهورية الذي جرت الموافقة عليه (أقسم بالله العظيم أن أحترم قوانين الدولة وأحافظ على استقلال الوطن وسيادته وسلامة أراضيه، وأصون أموال الدولة، وأعمل لتحقيق وحدة الأقطار العربية) وكان الحناوي أقرب إلى الجهات التي حبذت هذا الاتجاه.
نجحت حكومة حزب الشعب في الحقلين المالي والاقتصادي عندما أقر مجلس الوزراء السماح بتصدير القطن فارتفعت أسعاره، وكذلك سمح بتصدير كمية من الحنطة إلى الخارج فحققت أرباحاً تحولت نحو شراء كمية من الذهب فازدادت نسبة التغطية الذهبية للعملة السورية.
وبعد النكسات التي أصابت جهود زعامة حزب الشعب لإقرار الصيغ الدستورية الكفيلة بإعلان الاتحاد مع العراق، اتفق أقطاب الحزب مع اللواء (سامي الحناوي) على قيام الجيش باعتباره الورقة الأخيرة المتاحة في أيديهم، بالتحرك لتحقيق هذا الهدف، وبتاريخ 16 كانون الأول/ 1949 وجه اللواء سامي الحناوي دعوة إلى خمسة من كبار الضباط للاجتماع به لمناقشة موضوع الاتحاد السوري ـ العراقي، فشعر هؤلاء بأن حضورهم يعني وضعهم تحت سلطة قائد الجيش فيفرض عليهم ما يريد، فاتخذوا التدابير اللازمة لاعتقاله، وبالفعل اعتقل الحناوي وأسعد طلس وآخرين من أنصارهما، وكان هذا الانقلاب الثالث بقيادة أديب الشيشكلي.
سُجن الحناوي مدة ثم أُطلق سراحه، فغادر دمشق إلى بيروت، وهناك ترصده محمد أحمد البرازي فاغتاله بالرصاص في 30 تشرين أول/1950 انتقاماً لمحسن البرازي ونقل جثمانه من بيروت إلى دمشق فدفن فيها.
اشتهر سامي الحناوي بالخلق الكريم والإخلاص في عمله وبأنه كان طيب القلب.
هذه المعلومات أخذت بتصرف عن كتاب:-
ـ وليد المعلم (سورية (1918ـ 1958)، الطبعة الأولى، دمشق، 1985، ص(117ـ 133).
ـ سليمان الصباغ (مذكرات ضابط عربي في جيش الانتداب الفرنسي، دمشق، مطبعة كرم، 1978، ص(198).
ـ خير الدين الزركلي (الأعلام، دار العلم للملايين، بيروت، الطبعة الخامسة 1980، المجلد الثاني، ص(228،229).
ـ عبد الوهاب الكيالي (موسوعة السياسة، بيروت، الطبعة الأولى 1981، الجزء الثاني، ص(539).
ـ مسعود الخوند (الموسوعة التاريخية الجغرافية، بيروت، طبعة أولى 1997، الجزء العاشر، ص(81،82).
إبراهيم إسماعيل
29-10-2007, 06:18 PM
إبراهيم هنانو
هو إبراهيم بن سليمان آغا هنانو، ولد في بلدة (كفر تخاريم) غربي مدينة حلب عام 1869، عائلته من العائلات القديمة العريقة التي لها زعامتها ووجاهتها التقليدية منذ القدم، فوالده سليمان آغا أحد أكبر أثرياء مدينة حلب. ووالدته كريمة الحاج علي الصرمان من أعيان كفر تخاريم.
تلقى إبراهيم هنانو دروسه الابتدائية في كفر تخاريم، رحل بعدها إلى حلب لإتمام دراسته الثانوية، ثم التحق بالجامعة السلطانية بالآستانة لدراسة الحقوق، وبعد أن نال شهادتها عُين مديراً للناحية في ضواحي استانبول، وبقي فيها مدة ثلاث سنوات، وخلال هذه الفترة تزوج فتاة من مهاجري أرضروم، ثم أصبح قائمقاماً بنواحي أرضروم وبقي فيها أربع سنوات، ثم عُين مستنطقاً في كفر تخاريم، وظل فيها زهاء ثلاث سنوات، وانتخب عضواً في مجلس إدارة حلب وبقي فيها أربع سنوات، وأخيراً عُين رئيساً لديوان الولاية وبقي فيها زهاء سنتين، ثم انسحب منها وأعلن الثورة ضد الفرنسيين المستعمرين. ويذكر أن هنانو كان عضواً في جمعية العربية الفتاة السرية في تركيا.
بعد انتهاء الحكم العثماني رجع هنانو إلى حلب، فانتخب ممثلا لمدينة حلب في المؤتمر السوري، الذي اجتمع لأول مرة في دمشق عام 1919م، وكان هنانو من الأعضاء البارزين في المؤتمر في دورته (1919-1920).
وعندما احتّل الفرنسيون مدينة إنطاكية، اختير هنانو لتأليف عصابات عربية من المجاهدين تُشاغل القوات الفرنسية، وجعل مقره في حلب، إذ كان يعمل رئيسا لديوان والي حلب (رشيد طليع) الذي شجّع الثورة في الشمال بإيعاز من حكومة الملك فيصل، وقام هنانو بتشكيل زمر صغيرة من المجاهدين، قليلة العدد، سريعة التنقل، مهمتها إزعاج السلطة الفرنسية في منطقة الاحتلال الفرنسي… وقد حقّقت هذه نجاحاً كبيراً في تنفيذ واجباتها، وذاع صيت هنانو وكثُر أتباعه، وانتشرت الثورة، وتزايد الضغط على فرنسا.
لدى دخول الفرنسيين دمشق عام 1920 ومن ثم حلب، لجأ هنانو وجماعته إلى جبل الزاوية.. وهو موقع متوسِّط بين حماه وحلب وإدلب، واتخذها مقراً له، وقاعدة لأعماله العسكرية، كما ضمّ إليه العصابات التي كانت قد تشكّلت هناك لمواجهة الفرنسيين، وتولّى قيادتها بنفسه، ولقب (المتوكل على الله).
كثرت جموعه واتّسع نطاق نفوذه، فلجأ إلى تركيا لطلب الدعم من الأسلحة وعتاد الحرب، وخاض هنانو سبعاً وعشرين معركة، لم يُصب فيها بهزيمة واحدة، وكان أشدّها معركة (مزرعة السيجري) التي تمكن فيها المجاهدون من أسر عدد كبير من الجنود الفرنسيين. ومعركة استعادة كفر تخاريم، ومعركة (قرية أورم الصغرى)، وقد تكبد الفرنسيون في هذه المعارك خسائر كبيرة في الأرواح، وكذلك في الأسلحة والدواب والذخائر والمواد التموينية مما ساعد هنانو على الاستمرار في ثورته.
بعد أن تضايق الفرنسيون من ثورة هنانو، عمدوا إلى أسلوب الخداع، إذ عرضوا عليه أن يكون رئيس دولة للمناطق التي تضم ثورته وهي (إدلب وحارم وجسر الشغور وأنطاكية)، إلا أنه رفض، ووضع في أول شروطه إلحاق دولة حلب بالدولة العربية وضّمها إليها، واستمّرت أعمال القتال والكفاح.
عزّز الفرنسيون قواتهم في مناطق ثورة هنانو، وضيّقوا الخناق على الثوار، فضعُفت إمكانات الثورة المادية، مما دفع بقادتها إلى التفرق.
اطّلع هنانو على بيان أذاعه الشريف عبد الله بن الحسين يقول فيه أنّه جاء من الحجاز إلى الأردن لتحرير سورية، فكاتبه هنانو ثم قَصده للاتفاق معه على توحيد الخطط.
ولما كان هنانو في منطقة قريبة من حماه مع عدد من فرسانه، اعترضته قوة كبيرة من الجيش الفرنسي، فقاتلهم ونجا وبعض من كان معه، وتابع سيره إلى الأردن فلم يتفق مع الشريف عبد الله، فتوجه إلى فلسطين، وهناك اعتقلته الشرطة البريطانية في القدس، وسلموه للفرنسيين فنقل إلى حلب لمحاكمته بتهمة القيام بأعمال مخلة بالأمن.
حوكم هنانو محاكمة شغلت سورية عدة شهور، وانتهت بإخلاء سبيله باعتبار ثورته ثورة سياسية مشروعة.
تولى هنانو زعامة الحركة الوطنية في شمال سورية خصوصاً أثناء الثورة السورية الكبرى التي قادها المجاهد سلطان باشا الأطرش (1925ـ 1927).
كان هنانو أحد أعضاء الكتلة الوطنية، وفي عام 1928 عُين رئيساً للجنة الدستور في الجمعية التأسيسية لوضع الدستور السوري، وقد عكفت هذه اللجنة برئاسته على وضع دستور يتضمن (115 مادة تتفق في مجملها مع دساتير معظم الدول الأوروبية)، إلا أن هذا لم يرق للمفوض السامي الفرنسي الذي سعى إلى تعطيل الجمعية التأسيسية والدستور مما أدى إلى مظاهرات احتجاج شارك فيها هنانو وطالب بتنفيذ بنود الدستور.
عام 1932 وفي مؤتمر الكتلة الوطنية انتخب إبراهيم هنانو زعيماً للكتلة الوطنية والتي نص قانونها على أنها هيئة سياسية غايتها تحرير البلاد السورية المنفصلة عن الدولة العثمانية من كل سلطة أجنبية، وإيصالها إلى الاستقلال التام وتوحيد أراضيها المجزأة في دولة ذات حكومة واحدة.
وعندما حاولت فرنسا فرض معاهدتها التي تحقق مصالحها على السوريين عام 1933 قام الزعيم هنانو بزيارة إلى دمشق، وحمل حملة عشواء على الحكومة التي كان من أعضائها من هم منتسبون إلى الكتلة الوطنية، وذلك لنيتها قبول المعاهدة الفرنسية بالشكل المفروض على الأمة، مما أدى إلى استقالة حكومة (حقي العظم) بأمر من فرنسا والطلب إليها بتشكيل وزارة جديدة ليس في أعضائها من هو منتسب إلى الكتلة الوطنية، فقامت المظاهرات تجوب شوارع المدن السورية، وكان الزعيم هنانو في مقدمة المتظاهرين.
في 21 تشرين الثاني 1935 فجعت البلاد بوفاة الزعيم إبراهيم هنانو إثر مرض عضال (السل) وقد روع هذا النبأ جميع الأقطار العربية والمدن السورية، وأقيمت له مراسم تشييع ودفن في المقبرة المعروفة باسمه في حلب. ثم دفن إلى جانبه سعد الله الجابري.
من أقواله الموجهة إلى الجيل الصاعد من الشباب العربي:
ـ (نحن لا نشتغل بالسياسة لأجل الوصول إلى كراسي ذليلة يُمن علينا بها ، ولا نحتاج إلى برهان على ذلك فقد كنتم ولا تزالون هنا مشاركين في سرائنا وضرائنا).
ـ (الشباب حصن الوطن المنيع، ودعامة حريته واستقلاله وسيادته ووحدته، ومناكب الشباب المتينة هي التي تقوم عليها النهضة الوطنية، وسواعد الشباب المفتولة هي التي تعمل في حقل الوطن كل عمل نافع).
ـ (هذه واجبات الشباب، وهذه رسالتي إليكم فاحفظوها وحافظوا عليها، واجعلوها نصب أعينكم ورددوها كل صباح وكل مساء: على الشباب العربي أن ينصر الحق ويكون عوناً له، وأي حق أعظم من حق الوطن على بنيه؟ على الشباب العربي أن يفخر بعروبته، مبعث عزته، وقومه مبعث فخره).
زكية هنانو
عند الحديث عن إبراهيم هنانو يجب أن لا نغفل عن دور أخته المجاهدة زكية هنانو، حيث كرست حياتها في سبيل أهداف شقيقها والمبادئ التي ناضل من أجلها، ووقفت ثروتها على الثورة الوطنية العامة، وآثرت أن تبقى دون زواج لتسهر على خدمة شقيقها، وتأمين راحته، لقد تخلت هذه المجاهدة عن كل ما تملكه لشقيقها الزعيم الثائر. وعندما اختفى شقيقها إبراهيم هنانو من وجه الفرنسيين بقصد إشعال نار الثورة في عام 1925، كانت تجتمع سراً مع الشخصيات الوطنية البارزة، وكانت همزة الوصل بينه وبينهم، وتقوم بالدعايات الوطنية وتترأس المظاهرات النسائية، مما جعل منها مثالاً رائعاً للمرأة المجاهدة.
وعندما سجن شقيقها الزعيم، كانت تنقل إليه الأخبار بواسطة المراسلات التي كانت تضعها في طعامه الخاص، وقد رافقته بعد انتهاء الثورة إلى آخر حياته، وكانت من أشد الناس وفاء له ولولديه (نباهت وطارق). ومما يحز في النفوس أن هذه المجاهدة الوطنية عاشت في منزل صغير تابع لجامع الحلوية في حلب، التابع لدائرة الأوقاف لقاء أجرة زهيدة. بعد أن تخلت طواعية أيام الثورة عن ممتلكاتها في سبيل تحرير الوطن.
المراجع:
ـ (موسوعة رجالات من بلاد العرب)، د. صالح زهر الدين، المركز العربي للأبحاث والتوثيق، بيروت، طبعة أولى 2001، ص (13ـ 21).
ـ (الأعلام)، خير الدين الزركلي، دار العلم للملايين، بيروت، طبعة عاشرة 1992، الجزء الأول، ص (41،42).
ـ (سورية (1916 ـ 1946))، وليد المعلم، دمشق، الطبعة الأولى، 1988، ص(231ـ259).
ـ (تاريخ الثورات السورية في عهد الانتداب الفرنسي)، دمشق، 1960، ص(116ـ119).
إبراهيم إسماعيل
29-10-2007, 06:22 PM
مصطفى السباعي
هو مصطفى حسني السباعي، ولد في عام 1915 في مدينة حمص السورية في أسرة علمية عريقة. كان أجداده وأبوه يتولون الخطابة في الجامع الكبير بحمص جيلاً بعد جيل، وكان أبوه الشيخ حسني في طليعة العاملين والمؤيدين للحركات الوطنية، ومن محبي الخير مساهماً في تأسيس الجمعيات الخيرية والمشاريع الاجتماعية، يحرص على عقد مجالس العلم مع لفيف من فقهاء حمص وعلمائها الأخيار حيث كانوا يتدارسون الفقه ويتناقشون في أدلة مسائله.
بدأ مصطفى السباعي بحفظ القرآن الكريم، وتلقى مبادئ العلوم الشرعية على أبيه حتى بلغ السن التي تخوله دخول المدرسة الابتدائية، حيث التحق بالمدرسة المسعودية، وبعد أن أتم فيها دراسته بتفوق ظاهر، التحق بالثانوية الشرعية وأتم دراسته فيها عام 1930 بنجاح باهر لفت أنظار كبار أساتذته الذين كانوا يتوقعون له مستقبلاً علمياً باهراً. ولم يقتصر في دراسته الشرعية على المناهج المدرسية، وإنما كان يحضر مجالس العلم التي كان يعقدها والده مع كبار الفقهاء والعلماء، وكان يتردد على غيرهم من علماء حمص يتلقى عنهم العلوم الإسلامية المختلفة. كما كان السباعي مولعاً بالمطالعة والبحث في كتب الأدب والثقافة المختلفة، وفي ذلك قام بتأليف جمعية سرية لمقاومة مدارس التبشير الأجنبية التي أنشئت بمساعدة السلطات الاستعمارية الفرنسية، وكانت هذه المدارس تحبب إلى طلابها الثقافة الغربية وتعمل على إبعادهم عن عقيدتهم.. فعمل السباعي على محاربتها، كما ساهم في تأسيس وقيادة عدد من الجمعيات الإسلامية في حمص وفي غيرها، ومنها (الرابطة الدينية بحمص) و(شباب محمد صلى الله عليه وسلم) و(الشبان المسلمين في دمشق).
وكان يلقي خطبة الجمعة في كثير من الأحيان في الجامع الكبير نيابة عن أبيه، مما جعله يحتل مكانة مرموقة في بلده، وحاز إعجاب الجماهير التي كانت تتوق لسماع خطبه القوية الحماسية ضد الاستعمار الفرنسي مما أدى إلى اعتقاله مرتين: 1931، 1932، وعندما أفرج عنه رأى أن يتابع دراسته وتحصيله العالي في مصر.
سافر مصطفى السباعي إلى مصر عام 1933، والتحق بالجامعة الأزهرية، وانتسب إلى قسم الفقه، وأدهش أساتذته لما أبداه من تفوق باهر، ثم انتسب إلى كلية أصول الدين، ونال إجازتها بتفوق التحق بعدها بقسم الدكتوراه لنيل شهادتها في التشريع الإسلامي وتاريخه، وقد قدم أطروحته العلمية وموضوعها (السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي) التي نالت درجة الامتياز، وكان ذلك عام 1949 وقد أدهش اللجنة بدقته العلمية، وأصبح هذا الكتاب القيم من أهم المراجع العلمية في موضوعه. وما أن استقر السباعي في القاهرة، حتى بادر للاتصال بداعية الإسلام الشهيد حسن البنا، وكان قد سمع به من قبل وعرف جهاده في سبيل الإسلام، وكان الإمام البنا قد فرغ من بناء جماعته التي استطاعت بقيادته الفذة أن توجد في مصر التيار الإسلامي الذي أثبت وجوده وقد أفزع الإمام البنا الاستعمار وعملاءه، فأقدموا على اغتياله عام 1949، بعد أن أثبت أنه وجماعته قوة ترهب المستعمرين وتهدد وجودهم ومصالحهم.
وقد أعجب السباعي بعمل البنا، ورأى أن ما كان ينشده ويفكر به من تنظيم جماعة تنهض بعبء رسالة الإسلام، قد تحقق على يدي الإمام البنا، فساهم خلال وجوده في مصر بدفع هذه الحركة، وتوسيع نشاطها، وتدعيم أساسها، فاستفاد من تجربتها وأفادها من خبرته ونشاطه. وبلغ نشاطه حداً أقلق الاستعمار البريطاني وأتباعه في مصر آنذاك فألقي القبض عليه من قبل القيادة البريطانية بتهمة تحريض الشعب المصري على الثورة ضد الإنكليز، وزج به في السجن، وبعد شهرين سُلم إلى السلطات الإنكليزية في فلسطين، فأودع معتقل صرفند وبعد مضي أربعة أشهر أفرج عنه لتعيد السلطات الفرنسية اعتقاله من جديد فور وصوله إلى سورية، وزجته في سجون لبنان أكثر من سنتين ونصف، وبعد أن أفرج عنه عاد إلى حمص ثم انتقل إلى دمشق ليتابع نشاطه في الدعوة إلى الإسلام، وقيادة الجماهير في طريق (الحق والقوة والحرية) ورأى أن الوقت قد حان لإخراج الحركة من نطاق العمل الشعبي العام إلى نطاق الحركة المنظمة، وبدأ باصطفاء الأكفياء من الرجال، وانتهى إلى تأسيس الجماعة المنشودة مختاراً لها اسم الحركة الإسلامية في مصر، لإخراج الحركة من النطاق المحلي إلى نطاق الوطن العربي الكبير، فأعلن عام 1945 قيام (جماعة الإخوان المسلمين)، وقد انتخبته الهيئة التأسيسية للجماعة فيما بعد مراقباً عاماً مدى الحياة، فقاد الجماعة قيادة الحكيم حتى استطاع أن يوجد في سورية التيار الإسلامي الواعي الذي استقطب خيرة الشباب المثقف المؤمن، واستمر السباعي القائد يمنح دعوته وجماعته من شبابه المتوقد وحيويته النادرة وعقله الجبار وروحه القوية وكل ذرة من جهده ووقته حتى سقط من الإرهاق، لكنه لم يستسلم للمرض وكان يقول: (خير لي أن أموت وأنا أقوم بواجبي نحو الله، من أن أموت على فراشي، فالآجال بيد الله، وإن ألمي من حرمان الطلاب من دروس التوجيه أشد وأقسى من آلامي الجسدية، وحسبي الله وعليه الاتكال).
بعد أن أنهى السباعي دراسته وعاد إلى بلده انخرط في سلك التعليم، رغبة منه في نشر العلم، وتربية النشء على أخلاق الرجولة، فكان يدرّس اللغة العربية والتربية الدينية في مدارس حمص الثانوية وعندما انتقل إلى دمشق عمل مع فئة من إخوانه على إنشاء مدرسة تحقق ما يصبو إليه من أهداف في التربية والتعليم، فأسس (المعهد العربي) في دمشق الذي انضمت إلى إدارته فيما بعد جمعية التمدن الإسلامي، فأصبح الاسم (المعهد العربي الإسلامي)، ولم يقتصروا على إنشاء هذا المعهد في دمشق بل فتحوا له فروعاً في أكثر المحافظات، وكان السباعي أول مدير لهذا المعهد الذي خرّج في زمانه طلاباً كانوا خيرة ما أنتجته المدارس في سورية.
وفي عام 1950 عيّن السباعي أستاذاً في كلية الحقوق في دمشق، فكان من ألمع الأساتذة في فن التدريس وخصب الإنتاج العلمي. وقد فكر في إنشاء كلية خاصة مستقلة للشريعة الإسلامية، على أرفع المستويات العلمية والفكرية، فنجحت مساعيه رغم العراقيل والصعوبات وتم تأسيسها عام 1955، وكان أول عميد لها إلى جانب قيامه بالتدريس في كلية الحقوق واضطلاعه بكافة المسؤوليات العامة الملقاة على عاتقه كداعية وكصاحب فكرة.
كما عمل السباعي بالتعاون مع إخوانه الذين شاركوه في تأسيس كلية الشريعة على إنشاء موسوعة الفقه الإسلامي تهدف إلى إحيائه، وصياغته صياغة جديدة وتبويبه وتصنيفه على أحدث الأساليب المتبعة في أرقى الموسوعات العلمية والقانونية في العالم لتكون مرجعاً لكل فقيه وعالم، ولتلبي حاجة التشريع، وقد تحدى السباعي كل صعب حتى أخرج المشروع إلى حيز الوجود، وكان أول رئيس لهذه الموسوعة التي جمعت خيرة العناصر العلمية والفقهية والقانونية في الجامعة.
وكان السباعي أيضاً رئيساً لقسم الفقه الإسلامي ومذاهبه في جامعة دمشق. وكان يرى أن مناهج كلية الشريعة لا يجوز أن تقتصر على تلقين العلوم الجافة، وأن غاية الكلية ليست تخريج العلماء والفقهاء فحسب، وإنما كان يريد أن يكون خريجو الشريعة علماء ودعاة، لذلك عني بمناهج التربية والتعليم والتوجيه في الكلية، فأحدث درساً أسبوعياً سماه (قاعة البحث) وقد تولى بنفسه إدارة هذه القاعة، وإلقاء محاضراته التوجيهية.
لم تكن قضية فلسطين، قضية عادية عند السباعي، فهو الزعيم القائد الذي قرن القول بالعمل فطاف أنحاء البلاد من أدناها إلى أقصاها يلقي الخطب الحماسية يثير بها الجماهير المؤمنة في كل مكان، ويأخذ عليها العهود والمواثيق بأن تبذل لفلسطين الإسلامية كل غال، وقد كان ذلك عقب الإفراج عنه سنة 1943 وقد نشرت صحف دمشق وغيرها من الصحف العربية يومئذ أنباء هذه الجولات والمظاهرات التي كان يقودها عقب كل خطاب في كل مدينة وقرية في أنحاء سورية. كما نشرت هذه الصحف محاضراته وخطبه وأحاديثه.
وفي عام 1948 ولدى اعتراف الأمم المتحدة بشرعية دولة إسرائيل في فلسطين، انطلق السباعي يجوب المدن السورية ويدعو إلى التطوع لإنقاذ فلسطين، واندفع في مقدمة الركب يقود كتائب الشباب المؤمن من جماعة الإخوان المسلمين الذين رباهم على مبدأ (والموت في سبيل الله أسمى أمانينا)، وفي أرض المعركة تم لقاء كتائب إخوان سورية بكتائب إخوان مصر، والتقى السباعي بالبنا وتعاون القائدان ووضعا خطة مشتركة للمعركة، وتوزعا أماكن القتال، واستمر مجاهدو الإخوان يقاتلون ببسالة وشجاعة بقيادة الدكتور السباعي حتى صدرت الأوامر العليا بالانسحاب.
وعلى مر الأيام والسنين لم ينس السباعي القضية الفلسطينية، فدعا إلى تخصيص أسبوع من كل عام باسم (أسبوع الخطر الصهيوني) تقام فيه المهرجانات الشعبية في سائر أنحاء البلاد، وبدأ هذا المشروع عام 1955، ودعا فيه قادة الحركة الإسلامية في الوطن العربي للاشتراك في هذا الأسبوع، وطاف معهم في شتى أنحاء البلاد يتحدثون عن الخطر الصهيوني، ويقودون المظاهرات الشعبية لمطالبة الحكومات والمسؤولين بإعداد الشعب للمعركة واتخاذ كافة الاستعدادات لمعركة التحرير.
إبراهيم إسماعيل
29-10-2007, 06:23 PM
كما طالب وإخوانه في المجلس النيابي بتدريس القضية الفلسطينية كمادة أساسية في منهج التعليم، وقد أقر هذا الاقتراح ونفذ بالفعل، حتى تم تجاوزه في المناهج الدراسية في سورية بعد عام 1963 تمهيداً لما سيأتي بعد !!
انتخب السباعي نائباً عن دمشق في الجمعية التأسيسية التي تحولت بعد وضع الدستور إلى برلمان (1949 ـ 1954)، وكان أهلاً لهذه الثقة وسرعان ما لمع نجمه كبرلماني شعبي متفوق يقارع الباطل والفساد ولا يهادن، فاتجهت إليه الأنظار، والتفتت حوله القلوب داخل البرلمان وخارجه انتخب نائباً لرئيس المجلس، وأصبح عضواً بارزاً في لجنة الدستور العامة، وأحد الأعضاء التسعة الذين وضعوا مسودة الدستور، وقدموها إلى اللجنة العامة لإقراره بعد أن ضمَّنه مواد إسلامية رائعة. وقد تبنى مصطفى السباعي في البرلمان السوري حركة العمال ودافع عن حقوقهم وطالب برفع مستواهم المادي والاجتماعي والأخلاقي، وتبنى مطالبهم في مجلس النواب، وطاف القرى وعاش مع الفلاحين وعرف مشاكلهم وطالب برفع مستواهم وإنصافهم. كما قام بإنشاء المعاهد والمدارس، وساهم في تأسيس عدد من الأندية الرياضية في جميع المحافظات السورية، وتأسيس عدد من اللجان لجمع التبرعات وتوزيعها على المحتاجين والأسر الفقيرة.
وقد بذلت له العروض المغرية للدخول في الوزارات المتعاقبة فأبى مؤثراً العمل الشعبي والبقاء بين الجماهير يعيش مشكلاتها وقضاياها عن الانشغال عنها بالمناصب والمغانم.
في عام 1951 رأس مصطفى السباعي وفد سورية إلى المؤتمر الإسلامي العالمي في الباكستان فكان من أبرز شخصيات المؤتمر وأكثرها نشاطاً وإنتاجاً. وفي عام 1954 رأس وفد سورية إلى المؤتمر الإسلامي المسيحي المنعقد في بحمدون، وألقى هناك خطابه المشهور عن (الإسلام والشيوعية) فذعرت له الدوائر الاستعمارية الغربية التي كانت تستتر وراء المؤتمر. وفي عام 1956 أوفدته الجامعة السورية إلى ديار الغرب لزيارة الجامعات الغربية والاطلاع على مناهج الدراسات الإسلامية فيها، فزار تركيا وإيطاليا وبريطانيا وايرلندا وبلجيكا وهولندا والدنمارك والنرويج والسويد وفنلندا وألمانيا والنمسا وسويسرا وفرنسا، واجتمع في هذه البلاد كلها بالمستشرقين من أساتذة الدراسات الإسلامية والشرقية، وناقشهم في مؤلفاتهم عن الإسلام، وكشف لهم الأخطاء العلمية والتاريخية التي وقعوا فيها، وبين لهم حقائق الإسلام بأسلوب علمي فأدهشهم بقوة حجته وغزارة علمه، وحضور بديهته وسعة آفاقه، ومرونة أسلوبه. وقد عاهده فريق منهم على أن لا يكتبوا عن موضوع إسلامي إلا بعد أن يراجعوه في صحة المعلومات التي وصلت إليهم. كما أنه استفاد من وجوده هناك فألقى المحاضرات في المساجد وفي الجامعات وفي الندوات مدافعاً عن حقوق العرب في فلسطين والجزائر، وعن قضايا الشرق والإسلام.
وفي عام 1957 سافر إلى موسكو مع إخوانه عمداء كلية الجامعة بدعوة من جامعة موسكو زار خلالها معظم الجامعات الروسية في مختلف الأقاليم، والتقى بأساتذة الدراسات الشرقية والتاريخية والاجتماعية، وناقشهم في أقوالهم وآرائهم في الإسلام، كما ناقش غيرهم من الشخصيات السوفييتية، فكشف لهم أخطاءهم ووضح لهم رأيه صريحاً في موقفه من الشيوعية في البلاد العربية، كما شرح لهم مواقف الشيوعيين في البلاد العربية من القضايا الوطنية والاجتماعية وفضح أخلاقهم وأساليبهم.
في عام 1955 أسس مصطفى السباعي مع إخوانه جريدة (الشهاب) التي استمرت حتى عام 1958، كما أصدر أيضاً عام 1955 مجلة (المسلمون) بعد احتجابها في مصر، وفي عام 1958، رأى تغيير اسم المجلة فسماها (حضارة الإسلام) وأفرد فيها باباً للقضية الفلسطينية باسم (الدرة المغتصبة).
وفي عهد الشيشكلي في أواخر عام 1952، تعرض الدكتور السباعي لمضايقة السلطة الحاكمة التي فرضت عليه رقابة مزعجة تحصي عليه حركاته وسكناته. ولم يكتف الشيشكلي بهذه المضايقة بل طلب من أساتذة الجامعة ومن كبار الموظفين أداء قسم الولاء لعهده والدخول في الحركة التي أسسها باسم (حركة التحرير)، ولكن السباعي رفض الانصياع للأوامر، فغضب الشيشكلي وأصدر مرسوماً بتسريحه من الجامعة، وأبعده عن البلاد فاختار لبنان وبقي فيه حتى أواخر عهد الشيشكلي، وهناك في لبنان التف حوله مئات الشباب الجامعي المثقف، وأظهروا له استعدادهم لإنشاء حركة إسلامية في لبنان بقيادته، وفعلاً أسس معهم الحركة التي استمرت تسير على النهج الذي رسمه لها.
وفي مطلع عام 1956 حاول أحد المجرمين المأجورين الإقدام على اغتيال السباعي، ولكن الله سلمه، وتمكنت سلطات الأمن من إلقاء القبض على المجرم الذي تبين أنه أحد أفراد عصابة مأجورة لمصلحة دولة أجنبية، وأن سبب الاغتيال وقوف السباعي في وجه الأحلاف الغربية.
كان السباعي رحمه الله عالماً وداعية وسياسياً استطاع أن يقود حركة الإخوان المسلمين في سورية في ظروف كثيرة التقلب بالغة التعقيد، ولكنه كان دائماً يبرز هذه الحركة متشابكة في نسيج المجتمع السوري بأبعاده كافة الإسلامية والاجتماعية والسياسة. كما أنه قاد على الصعيد الإسلامي حركة إصلاح ديني فقاوم البدع والتقاليد البالية، وارتقى بالخطاب الإسلامي إلى مستوى العصر الذي يعيشه المسلمون، وأعطى الدعوة من روحه وعقله وعصبه مما أهلها أن تكون من الحركات الإسلامية المؤثرة في العالم العربي والإسلامي.
توفي السباعي إثر مرض ألم به يوم السبت الثالث من تشرين الأول عام 1964.
وترك عدة مؤلفات هي:
ـ أحكام الزواج والخلالة.
ـ أحكام الوصاية والوصية.
ـ أحكام المواريث.
ـ الوصايا والفرائض.
ـ أخلاقنا الاجتماعية.
ـ اشتراكية الإسلام.
ـ السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي.
ـ أحكام الصيام وفلسفته.
ـ نظام السلم والحرب في الإسلام.
ـ الدين والدولة في الإسلام.
ـ مشروعية الإرث وأحكامه في الإسلام.
ـ المرونة والتطور في التشريع الإسلامي.
ـ القلائد من فرائد الفوائد.
ـ هكذا علمتني الحياة.
ـ المرأة بين الفقه والقانون.
ـ من روائع حضارتنا.
ـ الأحوال الشخصية.
ـ السيرة النبوية.
المراجع:
ـ (معجم الأدباء الإسلاميين المعاصرين)، أحمد الجدع، دار الضياء، عمان، الطبعة الأولى 1999، ص(1247ـ1253).
ـ (الموسوعة التاريخية الجفرافية)، مسعود الخوند، الطبعة الأولى، بيروت، 1997، ص(173،174).
ـ (مصطفى السباعي رجل فكر وقائد دعوة)، عبد العزيز الحاج مصطفى، دار عمار، عمان، الطبعة الأولى 1984
إبراهيم إسماعيل
29-10-2007, 06:24 PM
عبد القادر المغربي
ولد عبد القادر المغربي في اللاذقية عام 1867، وهو من أسرة علمية عريقة في الدين والفضل، فأبوه الشيخ مصطفى بن أحمد بن عبد القادر بن عبد الرحمن المغربي، تولّى نيابة القضاء في اللاذقية وطرابلس الشام كما تولّى نيابة محكمة الميدان الشرعية في دمشق، وعكف أواخر حياته على العبادة ودراسة كتب العلم ولا سيّما صحيح الامام البخاري، حيث كان مشغوفاً بتلاوته ومذاكرة أقرانه في مشكلات مسائله، وكان أبو عبد القادر(الشيخ مصطفى) كلّما وجد فرصة شغلها بالدراسة والتأليف.
وقد كانت أسرة المغربي أسرة قضاء وفُتيا في تونس منذ عهد بعيد، فقد تقلّد جده الأعلى يوسف (درغوث) منصب مفتي الحنفية في تونس، وتسلسلَ ذلك المنَصب السامي في أعقابه من بعده يتوارثونه ولداً عن والد، إلى أن حصل الانقلاب الكبير في تونس، فعزِل محمد درغوث من منصب الإفتاء وسمِّي ابن بيرم مفتياً للحنفية، ولمّا رأى رجالات الأسرة الدرغوثية عَزلهم من ذلك المنصب السامي بعد تقلُّبهم فيه أكثر من قرن، اضطرّوا إلى الهجرة إلى الشرق، واستقروا بمدينة طرابلس الشام وعرفوا بفضلهم وعلمهم، وأصبح لقب الأسرة (المغربي) بعد أن كان (درغوث).
تلقّى عبد القادر العلم في طرابلس الشام، على يد أبيه وأفاضل رجالات أُسرته وكبار علماء بلدته، فكان أبوه يجمع له ضوابط منظومة من قواعد العلوم المختلفة ويحمِله على حفظها، ثم ختم القرآن الكريم وهو ابن عشر سنوات، وحفظ المتون العلمية المشهورة كالألفية والأجرومية والسنوسية وجوهرة التوحيد.
كما اتّصل بالشيخ حسين الجسر العلامة الواسع الإطلاع على الثقافة الإسلامية والعلوم الطبيعية والفلسفية، وكان عبد القادر المغربي ورشيد رضا النابغان الطرابلسيان من ألمع تلامذة الشيخ الجسر وأكثرهم استفادة من طريقته، فاقتبسا منه تعاليم فيها شىء من حرية التقد وانطلاقة الفكر.
اطلّع عبد القادر على جريدة العروة الوثقى التي كانت تصدر من باريس على يد الإمامين الأفغاني ومحمد عبده، واعطاها كل وقته دراسةً وتفهماً، وكان يُعنى بشرح ألفاظها وتعابيرها وكذلك انتقادها، ولم تؤثر عليه العروة الوثقى من الناحية اللغوية فحسب، بل من الناحية الفكرية حيث تعلّم منها كيف يفهم النص الديني فهماً صحيحاً مراعياً قوانين اللغة وقواعد بلاغتها، ويستوثق من مطابقة النص للكتاب والسنة، ثم الجرأة في الدعوة إلى الصحيح المعقول من تلك النصوص والتعاليم، واطِّراح الباطل الدخيل عليها، والجهر بذلك دون خوف من ذي طول. كما استطاع عبد القادر أن يجتمع بالإمامين عبده والأفغاني وأفاد من صحبتهما واجتهد في السير على غرارهما يتتبع آثارهما ويقرأ لهما.
استدعاه الإمام (عبده) إلى مصر. حيث المجال للدعوة الإصلاحية آنذاك أَرحب وأوسع، ولما كان المغرَبي مؤمناً أن الصحافة هي الوسيلة الوحيدة للإصلاح وإنقاذ الأمة الإسلامية من ربقة الجهل والفوضى والتقهقر، وهي وسيلة لإبلاغ آرا ئه ونشر أفكاره انصرف يكتب المقالات الكثيرة في كبريات جرائد مصر (الظاهر) و(المؤيد) حيث أثار العزائم وشحذ الهمم الغافية.
عند عودته إلى طرابلس الشام أنشأ المغربي جريدة (البرهان) وكانت كتاباته تدور حول أمور سياسة الدولة الداخلية وموضوعات الاجتماع الإسلامي والدعوة إلى وحدة الكلمة والعمل على تكوين كتلة اسلامية قوية تستطيع الوقوف في وجه مطامع أوروبا.
اشترك المغربي في تأسيس (الكلية الصلاحية) التي أنشأتها وزارة الأوقاف العثمانية في القدس عام 1915 حيث كان الغرض من هذه الكلية تخريج علماء ودعاة للدين الإسلامي يجمعون بين العلوم الدينية والعلوم العصرية، ودرَّس فيها المغربي الآداب العربية وفنون البلاغة والسيرة النبوية.
أسّست الحكومة العثمانية في دمشق عام 1916م (جريدة الشرق) وكان المغربي مديراً لهيأتها التحريرية، ونشر مقالات له في الآداب والتاريخ والإصلاح الإسلامي، كما دعا المسلمين إلى التجديد ونبذ الخرافات.
لما رزحت سوريا تحت الاحتلال الفرنسي لزم الشيخ داره وعكف على التأليف، ومن تآليفه التي أتمها في تلك الحقبة تفسيره لجزء (تبارك) وقد حذا فيه حذو الأستاذ الشيخ محمد عبده في تفسيره لجزء (عمّ).
كان عضواً عاملاً في (المجمع العلمي العربي) في دمشق، وضع المصطلحات العلمية، وصحّح أخطاء شائعة وألقى محاضرات كثيرة ممتعة في مواضع مُختلفة.
عُهِد إليه بتدريس اللغة والآداب العربية في كلية الحقوق بالجامعة السورية، كما أصدر فؤاد ملك مصر مرسوماً بتسمية المغربي عضواً عاملاً في مجمع اللغة العربية، فكان لا ينقطع عن السفر إلى القاهرة في شتاء كل سنة لحضور جلسات هذا المجمع والمذاكرة مع أخوانه الأعضاء في مواضيعه وتزويد مجلته بالكثير من المقالات والأبحاث العلمية واللغوية المختلفة.
ترأس مجمع دمشق العلمي، واستأنف بحوثه العلمية واللغوية وإلقاء المحاضرات الشيِّقة الممتعة، وفي عام 1941م انتخب عضواً في (المجمع العلمي العراقي) ببغداد، فكان يَمُد هذه المجامع الثلاثة بآرائه وبحوثه التاريخية والأدبية واللَغوية دون انقطاع.
يُذكر أن المغربي سعى إلى توسيع أفقه العلمي والثقافي منذ فجر حياته، فقد أولع بدراسة اللغة الفرنسية وحفظ الشىء الكثير من أشعارها، وكان يُحسِن الترجمة عنها مستعيناُ بالمعجم، وقد ترجم أثناء إقامته في مصر رواية (غادة الكاميليا) لاسكندر توماس.
كان المغربي حر الفكر صريحاً متشدداً في رأيه لا يحيد عنه متى اقتنع أنّه صواب، صابراً على هجمات خصومه في سياساته وآرائه الدينية لا يُبالي بهم، وكان كثير الاهتمام بشؤون العالم الإسلامي وجمع شتات المسلمين والسعي لرفع مستواهم ومجاراة الأمم الأخرى، والتدليل على أنّ الدين يحض على كل ما فيه الخير للبشر، وكان رسوخه وطول باعه في علوم اللغة العربية وأسرارها وتَمكّنه من علم الصرف، كل ذلك كان يساعده على التعمّق في فهم النصوص الشرعية وأقوال شعراء العرب والألفاظ التي نُقلت عنهم واشتقاقاتها.
قام المغربي بحملة للدعوة إلى تعليم المرأة ودعا إلى إنصافها وفق أحكام الشريعة وكتب في ذلك الكثير من المقالات والرسائل والأبحاث.
كان للمغربي قلم سيّال وفكر جوّال عالج بهما قضايا الدين واللغة والأدب معالجة المجتهد الذي لا يألو في خدمة دينه ولغته وآدابها حتى وافاه الأجل في 7-6-1956م. وقد خلَّف لنا آثاراً جليلة من مؤلفاته ومحاضراته ومقالاته نذكر منها:-
ـ كتاب الاشتقاق والتعريب.
ـ كتاب (البينات) في مجلّدين.
ـ كتاب عثرات اللسان في اللغة.
ـ كلمتان في السفور والحجاب.
ـ كتاب (الأخلاق والواجبات).
ـ كتابا (تفسير جزء تبارك) و (على هامش التفسير).
ـ تائية عامر بن عامر البصري الصوفي بشرح المغربي وتحقيقه حيث نشر التائية مع شرح موجز لأبياتها كشف فيه عن رموز الصوفية في أشعارهم وأفكارهم.
ـ محاضرات عن (محمد صلى الله عليه وسلم والمرأة). مع محاضرات في موضوعات أخرى.
ـ كتاب (جمال الدين الأفغاني – ذكريات وأحاديث).
هذه المعلومات أُخذت بتصرف عن:-
- د. محمد أسعد طلس، محاضرات عن الشيخ عبد القادر المغربي، (جامعة الدول العربية، معهد الدراسات العربية العالية،1958)
إبراهيم إسماعيل
29-10-2007, 06:25 PM
الشيخ صالح العلي
هو صالح بن علي بن سلمان، ولد عام 1885 في قرية المريقب التابعة لمحافظة طرطوس في سوريا. كان والده زعيماً يتمتع بحب عشيرته واحترامها لما يتصف به من العلم والدين والتقوى. وكان طوال حياته مرجعاً لطلاب العلم والحاجة يذهبون إليه في مسجده ويحتكمون إليه في كل أمر أو خلاف. له من الأبناء أربعة هم: محمد، وصالح، وعباس، ومحمود. ولما توفي الشيخ علي سلمان أجمعت كلمة العشيرة على مبايعة ولده صالح بالزعامة رغم أنه لم يكن قد بلغ العشرين من عمره بعد ، وذلك لما لمسوه فيه من رجاحة العقل والحكمة والشجاعة.
لما أعلن الشريف حسين بن علي في الحجاز ثورته على الأتراك في العاشر من حزيران 1916، استجاب الكثير من العرب لهذه الدعوة، وكان الشيخ صالح في طليعة من استجاب، ولما علم الأتراك بذلك حاول جنودهم اقتحام بيته في قرية (كاف الجاع) في القدموس، فاتخذ صالح العلي من فعلتهم هذه سبباً، وأطلق عليهم الرصاص فقتل اثنين من جنودهم، وقد حاولت السلطة اعتقاله بعد هذا الحادث لمحاكمته، لكنه استعصى وحمل السلاح وأعلن الثورة، واتخذ قرية الشيخ بدر في قضاء طرطوس مقراً لثورته، وأخذ يترصد من معقله جنود الأتراك وقوافلهم العابرة على طريق حماه ـ طرطوس، وفي منتصف الطريق وفي الموقع الذي يُعرف باسم التويجة نشبت أول معركة بينه وبين رجال القوافل والجنود الأتراك، وقد هاجمهم برجاله وتغلب عليهم وغنم سلاحهم ومعداتهم وحمولة قافلتهم.
بعد أن انتهت الحرب العالمية الأولى، واحتلت قوى الحلفاء بعض الأقاليم التركية، جمع مصطفى كمال فلول الجنود الأتراك وشكل منهم جيشاً شن حملات عنيفة على القوات اليونانية والفرنسية المحتلة ، وعمد إلى مد العون الفني والمادي لثورة صالح العلي في جبال العلويين من أجل إذكاء نارها حتى تجمد قسماً كبيراً من القوى الفرنسية وتشغلها عن إمداد القوى المحاربة في الأناضول.
دخل فيصل بن الحسين سورية في الأول من تشرين الأول 1918، وفي الثامن من الشهر نفسه نزلت الجيوش الفرنسية على الشواطئ السورية وأنزلت العلم العربي عن الدوائر الرسمية ورفعت العلم الفرنسي مكانه. وفي 15 كانون الأول 1918 عقد صالح العلي مؤتمراً ضم عدداً من شيوخ الجبل وزعمائه وتقرر عدم الاستسلام للفرنسيين والدفاع عن الوطن وحريته، ومبايعة صالح العلي بالقيادة. وحين علم الفرنسيون بأنباء هذا المؤتمر، دعوا صالح العلي للاجتماع بهم فرفض لقاءهم، وعند ذلك جهزوا أولى حملاتهم التي تحركت من بلدة القدموس وهاجمته من الشرق في كانون الثاني 1919، لكنه انقض عليها برجاله وهزمها شر هزيمة وغنم منها أسلحة وعتاداً وذخيرة.
وفي الثاني من شهر شباط 1919، كرر الفرنسيون هجومهم على مقر الثورة وكانت (معركة الشيخ بدر) حيث هُزم فيها الفرنسيون من جديد وسقط منهم عشرون قتيلاً وثلاثة أسرى كما استولى الثوار على كميات من الأسلحة والذخائر. ثم كانت معركة (مخفر بابنا) شرقي اللاذقية في 16 نيسان 1919 فقد هاجم الثوار هذه القاعدة لمدة أسبوع كامل وخسر الفرنسيون 15 جندياً وضابطين، فانتقمت السلطة الفرنسية لخسارتها بإحراق 60 شخصاً من بابنا وهم أحياء، ثم كانت معركة قرية سلمى، ومعركة قرية ترتاح. ولقد توسط الجنرال اللنبي البريطاني فعقد في قرية الشيخ بدر مؤتمراً عربياً ـ فرنسياً ـ إنجليزياً، أُمكن فيه التوصل إلى اتفاق لوقف الصراع، ثم نكثت فرنسا الاتفاقية فتجدد القتال، وكانت معركة (وادي ورور) في حزيران 1919، وهي من أكبر معارك المدن الساحلية حيث اشتركت فيها قوة للفرنسيين تزيد على ألفي مقاتل انتهت بسقوط 800 قتيل من الجيش الفرنسي مقابل عشرات الشهداء من الثوار، ثم حدثت معركة قلعة المريقب في 21 تموز 1919 وكانت القلعة تضم سريتين للفرنسيين، فانتهت المعركة بسقوط 6 قتلى وإصابة 22 منهم بجروح بليغة وانسحاب الباقين.
عقد صالح العلي صلحاً مع الفرنسيين شريطة إلحاق الساحل السوري بالدولة السورية وجلاء القوات الفرنسية عنه، وإطلاق سراح الأسرى والرهائن والمعتقلين، ودفع تعويضات إلى السكان عن الأضرار التي ألحقها الجيش الفرنسي بقراهم. وتظاهرت السلطة الفرنسية بقبول هذه الشروط، وفي الوقت ذاته أخذت الإعداد لتصفية قيادة الثورة، فاجتاحت الحامية الفرنسية في القدموس قرية (كاف الجاع) ودمرت منازل القرية فوق سكانها، فدارت معارك طاحنة لصالح الثوار بعد هجومهم على ثكنات طرطوس، مما دفع القيادة الفرنسية لزج القطع البحرية لإنقاذ الثكنات المهددة فاضطر الثوار إلى الانسحاب.
عام 1920 أغار الفرنسيون على دمشق وأخرجوا ملكها فيصل بن الحسين، فقامت في شمال سورية ثورة المتوكل على الله (إبراهيم هنانو) فاتصل صالح العلي بإبراهيم هنانو، وأخذ هنانو يمده بما توفر لديه من سلاح، وراح العلي يوسع حملاته شمالاً إلى قرى القرداحة والمزيرعة ودبلش، بالإضافة إلى إمدادات الملك فيصل منذ بدء الثورة والتي دامت ما يقارب ثلاثة أعوام ونصف، فحقق انتصارات كبيرة وألحق خسائر فادحة بالفرنسيين، وتوالت الوقائع إلى أن قل ما عند صالح من ذخيرة، واشتد المستعمرون في قتاله، واستطاعوا في النهاية تركيز ثلاث حملات كبرى نجحت بواسطتها في تصفية الثورة واحتلال قاعدتها ذاتها (قرية الشيخ بدر) في 7 تموز 1921، بعد أن استمات الثوار في الدفاع حتى آخر رصاصة يملكونها واضطروا في النهاية للتفرق.
مارس الفرنسيون أبشع ألوان الانتقام، وبحث الفرنسيون عن بطل الثورة صالح العلي طويلاً، ورصدوا مائة ألف فرنك فرنسي مكافأة لمن يلقي القبض عليه أو يدل على مخبئه ولكن دون جدوى. وأصدرت محكمتهم حكماً بإعدامه، وألقت الطائرات صورة الحكم في مختلف قرى الجبل، وبقي صالح العلي مختبئاً عاما كاملاً في الكهوف، ثم أصدر الفرنسيون قراراً بالعفو عنه، فظهر مستسلماً ومع ذلك قال للقائد الفرنسي يوم استسلامه: (والله لو بقي معي عشرة رجال مجهزون بالعتاد والسلاح ما تركت القتال). وقد عرض عليه الفرنسيون أن يشارك في الحكم في البلاد فأبى، وعرضوا عليه راتباً كبيراً فرفض أيضاً.
اعتزل صالح العلي بعد ذلك شؤون الحياة العامة إلا الانتفاضة الوطنية عام 1936 حين أراد الفرنسيون فصل جبال العلويين عن سورية وتعطيل الدستور، وظل قابعاً في عزلته حتى شهد عهد الاستقلال في بلاده.
كانت حياة الشيخ صالح العلي نموذجاً صالحاً للأخلاق والفضيلة، كان كريم السجايا ونبيل المزايا، قد وفر على ثورته كثيراً من الضحايا، وحفظها من التفكك تلك السنوات الطويلة رغم وسائلها المحدودة وإمكانياتها القليلة.
توفي الشيخ صالح العلي في 13 نيسان 1950 بعد أن قضى بضعة أشهر في المستشفيات، وقد أشرف على معالجته الطبيب الألماني الشهير الدكتور كارل كورت الأخصائي بأمراض القلب، بتكليف من رئيس الجمهورية هاشم الأتاسي. ودفن الشيخ في قرية (الشيخ بدر) في طرطوس، وسط قبة كبيرة إلى جانب مسجد كان قد بناه. وقد أقيمت له حفلة أربعين في مدينة اللاذقية اشترك فيها رئيس الوزراء، وبعض الوزراء وكبار الشخصيات. توفي الشيخ وله أربع زوجات وثلاث بنات، وما يزيد عن ثلاثين ألف دونم وقفها لأعمال الخير والبر.
كان الشيخ صالح العلي عالماً في فقه الشريعة الإسلامية، وكان مشهوراً بحسن خطه وجمال حرفه، وتنسب إليه قصائد فيها تصوير جميل ودقيق لبعض المعارك التي خاضها.
المراجع:
ـ (ثورة الشيخ صالح العلي)، عبد اللطيف اليونس، سلسلة رواد التحرير العربي، ص(68،182،183،232،233).ـ (موسوعة الأعلام)، خير الدين الزركلي، دار العلم للملايين، بيروت، الطبعة الخامسة، 1980، الجزء الثالث، ص(193).
ـ (موسوعة رجالات من بلاد العرب)، د.صالح زهر الدين، المركز العربي للأبحاث والتوثيق، بيروت، الطبعة الأولى، 2001، ص(319،325).
إبراهيم إسماعيل
29-10-2007, 06:26 PM
عبد الغني العريّسي
هو عبد الغني محمد بن عبد الرحمن العريّسي، ولد ببيروت عام 1891. تلقى دراسته الابتدائية في مدرسة المقاصد الخيرية، ثم في الكلية العثمانية الإسلامية التي أسسها الشيخ عباس الأزهري سنة 1898، ونال شهادته سنة1906، وقد عملت هذه المدرسة على تعميق روح الانتماء لدى طلابها إلى وطنهم وتاريخهم، وبعثت في نفوسهم روح التحرر، وزرعت بذور الثورة ضد الاستبداد.
كما تردد العريسي على حلقة الشيخ طاهر الجزائري، وقد تركت أثراً فيه، إذ كانت أهدافها الأساسية دراسة تاريخ العرب وقواعد اللغة العربية وآدابها، مع وجود هدف خفي آخر هو بعث العروبة في نفوس الشباب لحملهم على مطالبة الدولة العثمانية باتخاذ نظام اللامركزية في الحكم، الذي يحفظ للعرب حقوقهم ويجعل اللغة العربية اللغة الرسمية في المدارس الحكومية، ودواوين الولايات ومحاكمها.
بعد تخرج العريسي من الكلية العثمانية، اختاره مديرها للتدريس فيها فتخصص في تدريس الإنشاء والعلوم الطبيعية مدة سنتين، ثم ابتدأ عام 1909 بنشاطه الصحفي بإصدار جريدة المفيد اليومية، ثم سافر العريسي إلى باريس لإكمال الدراسة هناك بهدف الاطلاع على حياة الأمم الغربية، وأسباب ومظاهر قوتها المادية والمعنوية، وكان خلال مدة الدراسة يبعث بمقالاته لمجلة المفيد، مذكراً أمته بما يجب القيام به لتحفظ كيانها في وجه ما يتهددها من أخطار، ولأجل التجديد في الأفكار.
درس العريسي في باريس في كلية العلوم السياسية أولاً، ومن ثم تابع دراسته في كلية الصحافة، فأصبح بذلك من المختصين في العلوم السياسية والصحافية معاً. ومن ثم عاد إلى بلاده في 10 آب 1913 بعد غياب دام ستة عشر شهراً زار خلالها بيروت عدة مرات لمتابعة نشاطه السياسي فيها.
من حقك أن تلحظ أن ستة عشر شهراً لا تكفي آكاديمياً لينال الطالب الشهادات العلمية الحقيقية في الحقلين اللذين تخصص العريسي فيهما، إذ لا بد أن الزيارة المطولة نوعاً ما قد شابها كثير من النشاطات البعيدة عن الأجواء العلمية البحتة.
كان لدراسة العريسي العلوم السياسية في باريس ولتمكنه من اللغة الفرنسية أثر كبير في زيادة إدراكه وفهمه للمفاهيم السياسية الأوروبية، وبدا هذا على أسلوب مقالاته في (المفيد)، كما بدا تأثره بالثقافة الفرنسية وشغفه بالفكر والأدب الفرنسي وإعجابه الشديد بالفلاسفة والمفكرين الغربيين، إذ أنه يضعهم جنباً إلى جنب مع أسماء الكتاب والمفكرين العرب. ولقد جعل العريسي من جريدته المفيد منبراً لنقل أهم آراء ونظريات العلماء الأوربيين في السياسة والقانون والصحافة إلى الفكر العربي، وهذا دليل على شدة إيمانه بالانفتاح على الغرب والاقتباس عنه. ومن الأمثلة حول إعجاب العريسي بالفكر الغربي قيامه بترجمة بعض الفصول من كتاب غوستاف لويون (حضارة العرب) على صفحات مجلة المفيد فاختار من فصول الكتاب فصلي (العرب في الأندلس) و(تحضير العرب لأوروبا وتأثيرهم في المشرق والمغرب).
انتسب العريسي في باريس إلى جمعية العربية الفتاة في عام 1912، ومن خلالها استطاع ممارسة نشاطاته السياسية، ومن ذلك تأسيس نادي الحرية والائتلاف في بيروت (4 أيلول 1912)، ومشاركته في تأسيس جمعية بيروت الإصلاحية أواخر عام 1912، كما كان العريسي منتسباً إلى حزب (اللامركزية) ومن أصحاب فكرة انعقاد المؤتمر العربي الأول في باريس حزيران عام 1913 من أجل مطالبة الدولة (الاتحادية) بإصلاح بلاد العرب وإعطائها حقها الدستوري، وكان من أعضاء اللجنة التحضيرية للمؤتمر.
وبعد عودته إلى بيروت لم ينقطع العريسي عن نشاطه السياسي، فتابعه من خلال جريدة المفيد والتي كانت سنة 1913 نقطة تحول في خطابها السياسي، إذ اشتد إيمانها بضرورة الإصلاح وركزت على ضرورة تعزيز الهوية العربية في وجه سياسة التتريك التي اتبعتها جمعية الاتحاد والترقي ضد العرب.
وقد عطلت الحكومة الاتحادية جريدة المفيد أكثر من مرة، فصدرت باسم (فتى العرب) وفي أوائل سنة 1914، اغتنمت الحكومة فرصة تضعضع أحوال الجريدة مالياً من جراء توالي دفع الغرامات الباهظة، وعرضت على العريسي مساعدة مالية ومرتباً شهرياً للجريدة بشرط تعديل سياستها فرفض ذلك بكل أنفة وشمم. ولما ساء الحكومة المركزية فشلها الذريع في استمالته بالمال، استدعته إلى الأستانة فسافر إلى هناك واجتمع بطلعت بك وكبار الاتحاديين فحاولوا خداعه واستمالته مرة أخرى ولكن دون جدوى.
ولما أعلنت الحرب العالمية الأولى، عادت الجريدة إلى الظهور باسمها القديم (المفيد)، وقد عدل العريسي سياسة الجريدة منضماً إلى الحكومة، شاداً أزرها بسبب حالة الحرب المعلنة، معتقداً بوجود مناصرة الدولة مادامت في حرب مع الأغيار، مرجأ الاختلافات السياسية إلى ما بعد الحرب، وقد أخلص لها إخلاصاً دعا البعض إلى إساءة الظن به واتهامه بالتذبذب وموالاة الحكومة.
وعندما قبض جمال باشا على البلاد بيد حديدية وغطاها بشبكة من الجواسيس تحصي على المواطنين الكلمة والحركة، وفي هذا الجو بدأت الاعتقالات تستهدف الشباب المثقفين الذين حملوا لواء الإصلاح، تمكن العريسي من الفرار بعدما أدرك سوء نية جماعة الاتحاد والترقي، ولكنهم قبضوا عليه لسوء الحظ بجوار مدائن صالح مع رفاقه توفيق البساط وعمر حمد وعارف الشهابي، وقد دلت عليه سنه الذهبية.
تم تنفيذ حكم الإعدام بحق العريسي بسرعة مذهلة وبمحاكمة صورية هو ورفاقه استناداً إلى وثائق مزورة. وذُكر أن عبد الغني العريسي طلب أن يخرج من الديوان العرفي بعالية إلى ساحة البرج في بيروت، وأن يعدم مع رفيقيه الأمير عارف الشهابي وعمر حمد، فخرج الثلاثة ينشدون:
نحن آبناء الألى سادوا مجداً وعلا
وحين وصل عبد الغني العريسي إلى ساحة الإعدام قال له الشيخ تشهد يا عبد الغني. فأجاب بصوت جهوري: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، وأشهد أن الخلافة للعرب إن شاء الله. وحين وضع حبل المشنقة حول عنقه قال: بلغوا (جمال باشا أن الملتقى قريب، وأن أبناء الرجال الذين يقتلون اليوم سيقطعون في المستقبل بسيوفهم أعناق أبناء الأتراك، إن الدول لا تبنى على غير الجماجم وإن جماجمنا ستكون أساساً لاستقلال بلادنا). وكان ذلك يوم السادس من أيار 1916.
ترك العريسي عددا كبيراً من المقالات الفكرية والسياسية والتربوية تكشف لنا عن مدى ثقافته العميقة، وقوميته الصادقة، واتساع آفاقه الفكرية والسياسية والقومية، وإحساسه العميق بقضايا أمته المصيرية، كما ترجم عن الفرنسية كتاب (البنين) ونشره في المفيد على حلقات مسلسلة.
وللعريسي كتاب بعنوان (المختار من ثمرات الحياة) اختاره من ديوان الشاعر حسن حسني الطويراني وهو كتاب يحتوي على قصائد شعرية يتحدث فيه عن العاطفة الوطنية، وقد أُشير إليه أحيانا باسم (ثمرة الحياة).
المراجع:
ـ (عبد الغني العريسي نشاطه الثقافي والقومي 1891ـ 1916)، رسالة ماجستير، فدوى نصيرات ـ كلية الآداب ـ جامعة اليرموك.
ـ (شهداء النهضة العربي)، فوزي الخطبا، مطبعة الصفدي، عمان 1998، ص(161ـ 177).
ـ (موسوعة الأعلام)، خير الدين الزركلي، دار العلم للملايين، بيروت، الطبعة العاشرة 1992، المجلد الرابع، ص(34،35).
إبراهيم إسماعيل
29-10-2007, 06:27 PM
عبد الكريم الجندي
مثل عبد الكريم الجندي في فترة من الفترات عنصراً هاماً من عناصر المعادلة: الطائفية ـ الحزبية ـ الأمنية ـ السياسية. المعلومات التي توفرت لدى مركز الشرق العربي عن حياة عبد الكريم الجندي كانت محدودة، في هذه الترجمة سنقدم بعض ما تيسر لنا من معلومات، آملين أن نستدرك ما يمكن استدراكه، بعد توفر معلومات إضافية. علماً أن التراجم التي نقدمها ليست محاولة لتصفية الحساب مع الخصوم أو تلميع الأصدقاء وإنما هي محاولة لرصد تاريخ منطقتنا من خلال الأشخاص.
ولد عبد الكريم الجندي في بلدة السلمية في سورية عام 1932، ودرس في مدارس البلدة، وعندما أنهى تعليمه الثانوي دخل الكلية العسكرية في حمص وتخرج منها ضابطاً، وكان قد انتسب إلى حزب البعث العربي الاشتراكي من قبل.
دخل الجيش وترقى فيه وكان برتبة نقيب عندما نقل سرب الطيران الليلي الذي يعمل فيه إلى القاهرة، إبّان الوحدة السورية المصرية، وفي عام 1960 كان عبد الكريم الجندي من بين الأعضاء المؤسسين للجنة العسكرية السرية (جديد ـ عمران ـ الأسد ـ الجندي ـ المير) والتي كانت أهدافها: النظر في قضية الوحدة والانقضاض عليها، للسيطرة على السلطة في سورية.
كان عبد الكريم الجندي ذكياً ونشيطاً، وكان أكثر أعضاء اللجنة العسكرية لفتاً للنظر، شاباً عاطفياً حاد الطبع إلى درجة عدم الاتزان. وتمثلت حدة طبعه على شكل أعمال شديدة الوحشية، كانت تمارس في مقرات الأمن في عهده. وكان لا يطيق أن يشار إليه بنقد ولو على سبيل الدعابة أو المزاح.
تسلم عبد الكريم أولاً وزارة الإصلاح الزراعي، ثم أصبح مسؤولاً عن قوى الأمن الداخلي في أيلول1967.
وكان عبد الكريم متحالفاً مع صديقه صلاح جديد، في شبكة التوازنات الحزبية التي كانت سائدة، وقد ظل صلاح جديد مسيطراً على الأمن والمخابرات العامة بواسطة صديقه عبد الكريم هذا، على الرغم من بدء تقلص نفوذه في الجيش، أمام تصاعد قوة رفيقه اللدود حافظ الأسد.
وقد قام الجندي بتوسيع أجهزة الدولة القمعية توسيعاً كبيراً، فجند جيشاً من المخبرين الصغار، وتفنن في ابتداع أساليب التعذيب النفسي والجسدي، على نحو لم تعرفه سورية من قبل، كما كانت الأجهزة التي يرأسها تعتقل الناس على الشبهة حتى عم الخوف أوساط المجتمع السوري، فحدثت اعتقالات تعسفية كثيرة، ومظالم شديدة. وقد التصقت كل هذه المظالم باسم عبد الكريم الجندي.
كان الجندي من بين أعضاء لجنة التحقيق التي كشفت عن مؤامرة بعض الضباط الدروز بقيادة سليم حاطوم للانقلاب على حكم صلاح جديد، حيث ألقى القبض على سليم حاطوم وقام عبد الكريم الجندي بنفسه بتكسير أضلاع رفيق دربه السابق (سليم حاطوم) قبل إرساله لتطلق عليه النار وهو بين الحياة والموت.
بدءاً من شباط 1969 اشتد التنافس بين جديد والأسد، وراح مؤيدوهما يتصارعون وعلى مستوى (الفتوات والقبضايات) بالمسدس والقبضة، وكان العقيد عبد الكريم الجندي مدير قوى الأمن التابع لجديد يدير الصراع من ناحية وشقيق حافظ الأسد الأصغر رفعت يديره من ناحية أخرى... وانفجر الصراع عندما اعتقد رفعت بأن ( صلاح جديد) يخطط لاغتيال شقيقه، فقد أوقفت سيارة كانت تحوم قرب منزل حافظ الأسد، واعترف سائقها بعد الاستجواب بأن الجندي أرسله لاغتياله، فقرر رفعت الأسد نزع سلاح عبد الكريم الجندي لأنه ما لم يتم ذلك فلسوف يكون هو وأخوته عرضة للخطر.
وفي الأيام الأربعة ما بين 25ـ 28 شباط 1969، قام الأخوان: حافظ ورفعت بانقلاب مصغر، فحركا الدبابات إلى النقاط الهامة في العاصمة، واستبدلا الضباط والمدراء الأمنيين الموالين لصلاح جديد بآخرين موالين لهما. لكن الحادثة الحاسمة كانت بقيام رفعت بتضييق الخناق على الجندي في دمشق، وذلك باعتقاله سائقي سيارات الأمن الداخلي من محطة تزودهم بالوقود من مبنى الأركان، وهكذا تم التقاط سائقِي الجندي واحداً بعد الآخر، فحرم الجندي بذلك من أسطول سياراته وعندما أُخذ سائق الجندي نفسه أدرك الجندي أن وقته قد حان، ونظراً لحدة مزاجه،و عصبيته لم يستطع الجندي أن يتحمل تبعات الموقف، ولا أن يتصور متتالياته فأقدم في ليلة 1ـ 2آذار 1969، وبعد مشادة كلامية بالهاتف مع مدير المخابرات العسكرية علي ظاظا، على قتل نفسه بإطلاق الرصاص على رأسه.
كان الجندي لا يطيق أن يرى نفسه أسيراً بين يدي خصمه رفعت لما يعلمه من قسوته وعنفه، كما لم يستطع أن يتصور بسهولة فكرة مواجهة التحقيق والمحاكمة وصدور الحكم عليه، ولا شك في أنه كان يعلم أنه سوف يُعتبر مسؤولاً عن جرائم كثيرة، فخشي أن يتعرض لمصير كمصير سليم حاطوم الذي عذبه بوحشية بالغة قبل أن يبعث به إلى الإعدام قبل ذلك بعامين.
ولأسباب ماتزال مجهولة أقدمت زوجته أيضاً على الانتحار بعده ببضعة أسابيع.
هذه المعلومات أخذت بتصرف عن كتاب :
ـ (الصراع على الشرق الأوسط)، باتريك سيل، ص (247ـ 249)، (177)، (184ـ 188)
ـ (الموسوعة التاريخية الجغرافية)، مسعود الخوند، لبنان، 1997، الجزء العاشر، ص(224،225).
إبراهيم إسماعيل
29-10-2007, 06:28 PM
لطفي الحفار
هو لطفي بن حسن بن محمود الحفار ولد لطفي الحفار عام 1891 في دمشق، وتلقى المعارف الابتدائية والثانوية في المدارس الرسمية، ثم حصل على دروس خاصة في العلوم الاجتماعية والاقتصادية والمالية على أيدي أساتذة أجلاّء. عمل مع عدد من أصدقائه في ذلك الوقت على إيقاظ الأمة العربية في وقت كان فيه التبشير بالعربية أمراً مكلفاً وقد يقود إلى الإعدام. وحين أعلنت جمعية الاتحاد والترقي الدستور العثماني عام 1908، برزت جمعية العربية الفتاة وكان لطفي الحفار أحد أعضائها ومن أشهر خطبائها، وحين اعتقل الكثيرون ممن ينادون بالنزعة العربية استطاع الحفار أن يتجنب الاعتقال ومصير الشهداء، وذلك بلباقة منه ودهاء كانا من أبرز صفاته التي رافقته في حياته وساعدته على الخلاص من أعقد المواقف.
عند دخول الفرنسيين سورية كان الحفار يعمل في التجارة، وكانت له جولات في الميادين الاقتصادية والمالية ولمع نجمه حين أبدى رأيه الجريء في موضوع الاتفاقات الجمركية التي عقدت بين السلطة الفرنسية وحكومة فلسطين، وصار لولب الغرفة التجارية منذ عام 1923، ونائب رئيسها. وترأس المؤتمرات الاقتصادية، ثم عمل على دراسة القضايا الجمركية بين سورية ولبنان. وكانت آراؤه وبياناته قوية في هذا المجال، كما كان صلة الوصل بين الكتلة الوطنية والوسط التجاري المتميز بالوطنية والسخاء بالتبرع للأعمال الوطنية سراً وعلانية.
شغل لطفي الحفار وزارة الأشغال العامة في حكومة الداماد أحمد نامي، والتي تألفت أثناء الثورة السورية بعد الاتفاق على برنامج يبدل الانتداب بمعاهدة تعترف باستقلال سورية ووحدتها، واستقال منها حين طلبت السلطة من تلك الوزارة إصدار بيان باستنكار الثورة، لذا نفي الحفار إلى الحسكة ومن بعدها إلى أميون في لبنان، فظل في المنفى سنتين كاملتين.
انتخب الحفار عضواً في الجمعية التأسيسية لوضع الدستور عام 1928، ثم انتخب نائباً عن دمشق عام 1936، وتولى وزارة المالية عام 1938 ثم كلف برئاسة مجلس الوزراء عام 1939، ثم انتخب مرة أخرى نائباً عن دمشق عام 1943، ثم صار وزيراً للداخلية لعدة سنوات، كما انتخب نائباً عن دمشق في عدد من المجالس النيابية التالية.
لطفي الحفار من مؤسسي حزب الشعب عام 1924، ولما انفرط هذا الحزب كان في عداد مؤسسي الكتلة الوطنية عام 1928، ثم في 1946 ساهم في تأسيس الحزب الوطني. وكان نائب رئيس الحزب أولاً ثم تولى رئاسته حتى أواخر عام 1947. وفي عام 1955 كان من بين المرشحين لرئاسة الجمهورية قبل أن ينسحب لصالح شكري القوتلي.
من أكثر الأعمال التي تعزى إلى لطفي الحفار دوره القيادي في جر مياه عين الفيجة إلى دمشق منذ عام 1924، وقد انتخب رئيساً لهذا المشروع طول حياته، كما عمل على إنشاء لجنة بناء مياه الفيجة والذي يعد من أجمل الأبنية الدمشقي. والحفار كان من مؤسسي شركتي الإسمنت والإنشاءات.
كان لطفي الحفار مشهوراً بعفة النفس، ونقاء السريرة، والاستقامة في الرأي، لم تؤخذ عليه في حياته شائبة. ومع أنه تولى وزارة الداخلية مرات عديدة، فإنه لم يكن فيها الرجل المتعسف الذي تدعوه السلطة إلى نوازعها فيستجيب. وعندما بدأت الانقلابات على الحكم تتوالى في سوريا انسحب الحفار بالتدريج من الحياة السياسية ولكن بلا تنازلات، وأمضى السنوات الأخيرة من حياته أقرب إلى الانزواء والتفرغ إلى الثقافة. واستبقى بقية نشاطه لندوة تعقد يوم الأربعاء يؤمها عدد من كبار أدباء ووطني سوريا، ثم بدأ الزمان يأكل من الرجال الأصدقاء، فتباعدت الجلسات، وقل عدد الندماء حتى بلغ الثانية والثمانين من العمر، فانتقل إلى رحمة ربه يوم 4/2/1968 ودفن في دمشق.
جمع الحفار ما ألقاه من خطب ومحاضرات في كتاب (ذكريات لطفي الحفار).
هذه المعلومات أخذت بتصرف من:-
ـ (صانعوا الجلاء في سوريا)، نجاة قصاب حسن، بيروت، الطبعة الأولى 1999، ص(197ـ 206).
ـ (الأعلام)، خير الدين الزركلي، دار العلم للملايين، بيروت، الطبعة الخامسة 1980، الجزء الخامس، ص(243).
إبراهيم إسماعيل
29-10-2007, 06:29 PM
سليم حاطوم
ولد سليم حاطوم سنة 1928م لعائلة فقيرة من قرية دبين التابعة لجبل الدروز في سوريا، ودرس في مدارسها. انتسب لحزب البعث في بداية عهده في الأربعينات، دخل الجيش وبنى نفسه بنفسه، وظل يتدرج فيه حتى أصبح مقدماً، كان سليم حاطوم طموحاً شجاعاً وحتى طائشاً، ولكن بدون دهاء سياسي. شق طريقاً جعله يلعب دوره في انقلاب الثامن من آذار سنة 1963م الذي قام به الضباط البعثيون على الحكومة الشرعية، وتسنى لهم أن يسيطروا على مقاليد الحكم ويفرضوا على البلاد حالة الطوارئ، ونظام الحزب الواحد . ومكافأة لحاطوم الذي كان مسؤولاً عن كتيبة الصاعقة التي تتولى حماية القصر الجمهوري ومواقع استراتيجية أخرى، تم ضمه إلى اللجنة العسكرية، وهي لجنة سرية شكلها ضباط بعثيون سوريون في سرب الطيران الليلي في مصر عام 1960، إبان الوحدة السورية المصرية لماّ رأى هؤلاء أن الوحدة لا تحقق أهداف حزبهم، وكان هدفهم: إعادة بناء حزبهم الذي حلّ سنة 1958، ووصول البعث إلى السلطة ثم النظر في قضية الوحدة العربية. وقد شكلها في البداية النقيبان حافظ الأسد وعبد الكريم الجندي والرائدان صلاح جديد وأحمد المير والمقدم محمد عمران وانضم إلى شبكتهم أعداد من الضباط، وقدر لهذه اللجنة فيما بعد أن تغير مجرى تاريخ سوريا. ويلحظ المتابع غلبة الوزن الطائفي على اللجنة منذ تشكيلها الأول، وقد كان (البعث) غطاء للتحركات المريبة التي لم يكتشفها القادة البعثيون إلا بعد حين. والتحاق سليم حاطوم باللجنة جاء ممثلاً لطائفة الدروز فاكتمل بذلك تمثيل الطوائف المذهبية (العلويون ـ الدروز ـ الإسماعيليون).
لعب فريق اللجنة العسكرية دوراً قوياً في مصير الحكم في سوريا بعد انقلاب الثامن من آذار 1963، حيث عين هؤلاء قيادة قطرية جديدة أمينها العام الفريق أمين الحافظ، الذي يبدو للعالم الخارجي بأنه رجل سوريا القوي إذ كان يمسك بيديه مناصب رئيس مجلس الرئاسة والأمين العام للقيادة القطرية والقائد العام للجيش ورئيس الوزراء. ولكن في حقيقة الأمر كانت اللجنة العسكرية هي التي تمسك بلجامه من خلف الكواليس. وكان أمين الحافظ غطاء لاستبعاد القيادات السياسية الثقيلة للحزب: البيطار وعفلق والحوراني وغيرهم.
ولماّ حاول محمد عمران المطرود سابقاً من اللجنة العسكرية، والذي استدعي من مدريد ليعين وزيراً للدفاع في حكومة أمين الحافظ أن يختبر سلطاته الجديدة بنقل سليم حاطوم واثنين آخرين وكلهم من أنصار صلاح جديد إلى وحدات أخرى في الجيش، قامت اللجنة العسكرية بالرد على الضربة حيث شنت هجوماً ترأسه المقدم سليم حاطوم ووحدته الفدائية على منزل الفريق أمين الحافظ الذي قاوم ببسالة، وكانت حصيلة القتال خمسين شخصاً واستسلام أمين الحافظ، وتولّي اللجنة العسكرية بقيادة صلاح جديد وحافظ الأسد مقاليد الحكم الفعلي.
إذاً النظام البعثي بكامله أصبح مديناً بوجوده للمقدم سليم حاطوم، فشعر هذا أن الدَّيْن لم يسدد له، خاصة وأنه لم يتم انتخابه في القيادة القطرية الجديدة للحزب، ولم يحصل على رتبة عالية أو منصب كبير، وبدلاً من ذلك أعيدت كتيبة الصاعقة التابعة له إلى الوظيفة الرتيبة في حراسة محطة الإذاعة والتلفزيون وغيرها من المنشآت. فآذت هذه الضربة كبرياءه ولم ترض طموحه، وشعر بأن زملاءه في اللجنة العسكرية يريدونه أن يتحمل وحده اللوم على قتل ضحايا 23شباط 1966، وهم يخططون للتخلص منه، ثم إقامة تمثال له لتكريمه. فأصبح حاطوم القلق بؤرة للشقاق.
راح سليم حاطوم ينحاز إلى البعثيين القدامى أنصار عفلق والبيطار المطاح بهم، والذين كانوا يبحثون عن حلفاء عسكريين، وكانت خطوته التالية إقامة لجنة عسكرية تابعة له ترأسها ضابط درزي آخر هو اللواء فهد الشاعر... ووضعت خطط الانقلاب، ولكن في كل مرة حدد فيها تاريخاً مقترحاً كان يحدث خطأ ما. وقبل تنفيذ الانقلاب في الموعد المقترح يوم 3أيلول 1966، اكتشفته السلطات فعلاً.
ففي ذات مساء في آب دعي مجموعة من الضباط إلى حفلة شربوا فيها عرقاً حلّ عقدة ألسنتهم، فبدأ بعض الضباط المؤيدين للشاعر بشتم جديد والأسد والقيادة الجديدة، بينما هب آخرون للدفاع عنهم، وانفجر الشجار بينهم فألقي القبض عليهم وسيقوا للمثول أمام محكمة تحقيق عسكرية كان من أعضائها سليم حاطوم نفسه، أي أن المتآمر بدأ يلعب دور المحقق في استجواب تمثيلي صوري، أخذ حاطوم خلاله يتظاهر بضرب الضباط وهو يهمس في آذانهم في الوقت نفسه قائلاً (سوف أقتل كل من يتكلم).
كان صلاح جديد يتابع القضية من دمشق فعين لجنة تحقيق من بين أعضائها عبد الكريم الجندي رئيس جهاز الأمن القومي الذي لا يرحم، فضرب الضباط الشبان ضرباً مبرحاً حتى اعترفوا بأسماء أكثر من مائتي ضابط مشتركين في المؤامرة كان أكثرهم دروزاً.
اختفى اللواء فهد الشاعر، كما هرب البعثيون المدنيون للنجاة بأرواحهم، أماّ سليم حاطوم فجناحه في المؤامرة لم ينكشف بعد.
لكن للقضية ملحق عرّض جديداً والأسد ونظام الحكم للخطر، فقد أدى تطهير الجيش من الدروز بعد التحقيق إلى ضجة كبرى في العاصمة الدرزية السويداء، ولتهدئة الأمور أعلن صلاح جديد أنه سيسافر بنفسه إلى السويداء مصطحباً معه رئيس الدولة ـ الشكلي ـ الأتاسي .
أماّ حاطوم الذي خشي أن ينكشف بسرعة ويسجن، فقرر مع أصدقائه أن يصطادوا جديداً والآخرين في السويداء، ويسيطروا على الحكم، فقاموا بترتيباتهم... وهكذا وفي يوم 8 أيلول 1966، وبينما كان جديد قد جمع عدداً من الشخصيات المحلية البارزة في مكتب قيادة فرع الحزب في السويداء، دخل عليهم فجأة سليم حاطوم وبيده مدفع رشاش وهدد بأن يحصدهم برصاصه جميعاً وتبع ذلك ذعر وصراخ، وأخيراً تمكن كبار رجال الدين الدروز من ضبط حاطوم لأنهم لم يقبلوا أن يتعرض للأذى ضيوف في حمايتهم. ومع ذلك فقد حبس صلاح جديد والآخرون تحت الحراسة في منزل أحد الحزبيين، بينما سيطر حاطوم بمساعدة رئيس فرع المخابرات العسكرية بالسويداء على مقر الحامية وألقى القبض على الضباط العلويين هناك وجردهم من رتبهم.
لكن حاطوم المنتصر مؤقتاً لم يكن قد حسب حساب الأسد الذي أرسل نفاثات سلاح الجو لتحوم فوق قلعة السويداء، وتبع ذلك حديث غاضب بالهاتف بين الأسد في دمشق وحاطوم في السويداء الذي طالب بتطهير الحزب من الجديديين وبأن يعود إلى القيادة القطرية الماركسي الدرزي حمود الشوفي، غير أن سماع صوت الطائرات جعل حاطوم يدرك أن قضيته خاسرة حتماً. وهكذا أخذ الطريق الوحيدة إلى الخارج، الطريق جنوباً نحو الأردن حيث أعطاه الملك حسين ـ الذي لم يكن صديقاً للنظام في دمشق ـ حق اللجوء السياسي ومعه بضعة وعشرون ضابطاً من رفاقه، وفي الأيام القليلة التالية قام سليم من منفاه بتغذية اللهيب في سلسلة من المقابلات الصحفية شجب فيها التطلعات العلوية وطموحاتها التي أعلن أنها أوصلت سورية إلى حافة الحرب الأهلية. وفي آذار 1967، حكم على سليم حاطوم غيابياً بتهمة التجسس لحساب إسرائيل. وبعد شهرين فقط كانت سوريا تخوض الحرب ضد إسرائيل، وفي اليوم السادس من الحرب أعلن سليم حاطوم أنه عائد إلى سورية ليقاتل، ولعله قد تصور بسذاجة أن الحرب مسحت صفحة الماضي، فاستقبله ضباط الأمن واقتادوه إلى دمشق حيث سيق للمثول أمام المحكمة العسكرية التي أكدت عليه حكم الإعدام مع رفيقه بدر جمعة. وقد قام عبد الكريم الجندي بتكسير أضلاعه قبل إرساله لتطلق عليه النار وهو نصف حي في الخامسة من صباح 26 حزيران عام 1967… ولعل هذه الوحشية في انتقام الجندي سببها الإهانات التي وجهها إليه حاطوم. فعندما كان حاطوم يشهّر بالحكومة السورية اتصل بالجندي هاتفياً بوقاحة، وطلب منه أن يرسل إليه زوجته لتنضم إليه، وعندما رفض الجندي انهال عليه حاطوم بشتائم مقذعة. وكان آخر طلب لحاطوم قبل موته هو السماح لزوجته بالاحتفاظ بوظيفتها كمعلمة لتتمكن من تربية أطفالها. وبعد ثلاثة أعوام وعندما أصبح الأسد رئيساً لسورية بعد تخلصه من صلاح جديد، استقبل أرملة سليم حاطوم ومنحها معاشاً.
شهر حاطوم باستهتاره وسكره وعربدته، وتحديه لمشاعر الشعب السوري والأكثرية السنية بشكل خاص، وهو الذي اقتحم المسجد الأموي في دمشق على ظهر فرقته المدرعة وكسر باب المسجد وذلك في أواسط الستينات، ولعله كان بذلك يقوم بدور العصا الغليظة للجنة العسكرية من حيث يدري أو لا يدري.
هذه المعلومات أخذت بتصرف عن كتاب:
ـ (الصراع على الشرق الأوسط)، باتريك سيل، ص (165،167،168،181،188).
ـ (الموسوعة التاريخية الجغرافية)، مسعود الخوند، لبنان، 1997، الجزء العاشر، ص(201).
ـ (دولة البعث وإسلام عفلق)، مطيع النونو، الطبعة الأولى، 1994، ص(218).
إبراهيم إسماعيل
29-10-2007, 06:30 PM
جميل مردم بك
ولد جميل مردم بك في دمشق عام 1893، وهو ينتسب لأسرة سورية عريقة. تلقى علومه الابتدائية والثانوية في معاهد الآباء العازاريين في دمشق، وقصد إلى دمشق للتخصص في العلوم الزراعية، وانتسب في الوقت نفسه إلى معهد العلوم السياسية في باريس، وفي العام 1911 أسس بالاشتراك مع مجموعة من الشباب المثقف جمعية سرية سميت (الجمعية العربية الفتاة) في باريس. وهدف هذه الجمعية تحرير الأرض العربية من الهيمنة الأجنبية.
كان جميل مردم بك واحداً من الثمانية الذين وجهوا الدعوة للمؤتمر العربي لعام 1913، وشغل فيه وظيفة أمين السر العام المساعد، وكانت مهمته تنسيق الجهود وتصنيف المطالب الوطنية للعرب، وصدرت عن المؤتمر قرارات تم تبليغها للدول العظمى ولسفير الإمبراطورية العثمانية في باريس.
وعندما صدرت موجات الحكم بالإعدام من قبل محكمة عالية على رواد القضية العربية، كان مردم بك مايزال في فرنسا، وعلى الرغم من ذلك فقد صدر الحكم عليه غيابياً. وبين عامي 1917 و1918 قام برحلة إلى دول أمريكا اللاتينية بصفته مندوباً عن مؤتمر باريس بهدف تقوية الصلة مع الجاليات العربية التي استقرت في تلك البلاد.
بعد أن نجحت الثورة العربية وأُعلنت الهدنة، قصد الشريف فيصل بن الحسين أوروبا من أجل الدفاع عن التطلعات العربية بعد انسلاخ الأقاليم العربية عن الإمبراطورية العثمانية، وقد انضم جميل مردم بك الذي كان مايزال في فرنسا إلى الشريف فيصل، واستطاع أن يًسمع صوت سوريةفي خطاب ألقاه أثناء مؤتمر الصلح في فرساي.
وقد عاد مردم بك إلى سورية برفقة الشريف فيصل في ربيع 1919، وأصبح بعد إعلان الاستقلال مستشاره الخاص، كما سمي معاوناً لوزير الخارجية الدكتور عبد الرحمن الشهبندر في حكومة الرئيس هاشم الأتاسي.
بعد دخول الفرنسيين سورية بقيادة الجنرال غورو في تموز عام 1920، انتعشت الحركات التحريرية، وانضم جميل مردم بك مع مجموعة من رجال المقاومة إلى حزب الشعب الذي أعلن في العام 1925 الثورة ضد الاحتلال الفرنسي، وساهم في المعارك التي جرت بين قوات الاحتلال الفرنسي وبين المقاومة السورية. وعندما حاصرت القوات الفرنسية جبل الدروز وأمرت باعتقال زعماء الثورة، استطاع مردم بك الفرار والوصول إلى مدينة حيفا الفلسطينية. وقد سبق للمجلس العدلي أن أصدر الحكم عليه بالإعدام غيابياً. ولذا رضخت السلطات البريطانية لطلب تسليم مردم بك، فأوقفته وقامت بتسليمه إلى السلطات الفرنسية التي نفته إلى جزيرة أرواد قبالة مدينة طرطوس على الساحل السوري، وقد أعلن الفرنسيون بتاريخ لاحق العفو عن المنفيين في جزيرة أرواد.
لما شكل زعماء النضال الوطني السوري عام 1928 حركة تحريرية عرفت باسم الكتلة الوطنية، أسندت أمانة السر العامة لهذه الكتلة لجميل مردم بك، وقد اتفق هؤلاء على توحيد نضالهم من أجل الوصول بسوريةإلى الاستقلال التام، مع المثابرة على عدم الاعتراف بالانتداب.
في عام 1928، وبعد أن اقتنعت سلطة الانتداب بأن يكون لسوريةدستور تضعه جمعية تأسيس منتخبة من قبل الشعب، كان مردم بك واحداً من النواب الذين انتخبوا عن مدينة دمشق وساهم في وضع الدستور.
دخل مردم بك الوزارة لأول مرة عام 1932 باسم الوطنيين وتقلد وزارتي المالية والاقتصاد الوطني، إلا أنه استقال بعد أن تأكدت الكتلة الوطنية أن فرنسا ليس لديها نية بالتنازل عن الانتداب، لكنه بقي في ساحة النضال من موقعه في الكتلة الوطنية يعمل بفاعلية ونشاط وقام بزيارة المملكة العربية السعودية والعراق ومصر وفرنسا.
في عام 1934 عندما ثار خلاف بين المملكة العربية السعودية وإمامة اليمن، وتطور إلى نزاع مسلح، الأمر الذي أثار قلق الرأي العام العربي، اشترك مردم بك في لجنة المصالحة التي توجهت إلى الجزيرة العربية وبذلت المساعي الحميدة التي أدت إلى عقد معاهدة صداقة وتحالف بين البلدين.
في مطلع عام 1936، دعت الكتلة الوطنية للإضراب العام، ولبت المدن السورية جميعها، وسارت مظاهرات ضخمة وألقت السلطة القبض على جميل مردم بك في أعقاب خطاب مثير ألقاه في مقبرة الباب الصغير بعد تشييع أحد الشهداء، وقد فرضت عليه الإقامة الجبرية في قصبة قرق خان، وقد استمر الإضراب حوالي الشهرين، انتهى بعد أن عقد اتفاق بين الكتلة الوطنية والسلطة الفرنسية، ينص على أن يذهب وفد سوري إلى باريس للمفاوضة من أجل إبرام معاهدة تضمن استقلال سوريا، وتألف الوفد برئاسة هاشم الأتاسي وكان مردم بك عضواً فيه، وبعد مفاوضات توصل الطرفان إلى عقد معاهدة في 9 أيلول/1936.
ولما وضعت المعاهدة موضع التنفيذ وجرت انتخابات حرة نجح فيها مرشحو الكتلة الوطنية، وقد نجحت القائمة التي ترأسها جميل مردم بك عن مدينة دمشق والغوطتين، وفي أول جلسة عقدها المجلس انتخب النواب فارس الخوري رئيساً للمجلس وهاشم الأتاسي رئيساً للجمهورية. وألف مردم بك أول وزارة وطنية.
وفي خلال عامي 1937 و1938، زار مردم بك فرنسا ثلاث مرات عمل خلالها على استعجال تصديق البرلمان الفرنسي على المعاهدة ومن أجل وضع بعض بنود المعاهدة موضع التنفيذ. وقد أجرى اتصالات عديدة تبادل خلالها وجهات النظر مع عدد من الشخصيات السياسية كان منهم هريو، وبلوم، وفلاندان، وبونيه، وفيينو وسارو.
خلال هذه المرحلة أيضاً، برزت قضية لواء الاسكندرونة، وقام مردم بك بزيارة إلى تركيا تلبية لدعوة تلقاها من حكومتها وتدارس مع رجال الدولة الأتراك مختلف وجوه العلاقات السورية ـ التركية، كما تعرف على الرئيس كمال أتاتورك وتباحث معه في الشؤون التي تهم البلدين. وقد اتسمت هذه الاتصالات بين مردم بك والزعماء الأتراك بطابع التفاهم المتبادل الأمر الذي جعل من المؤسف أن تحل قضية لواء الاسكندرونة دون أي مساهمة سورية.
قدمت حكومة مردم بك استقالتها في شهر شباط في جو عاصف اجتاح العلاقات الفرنسية السورية، وأكد أن فرنسا قد رجعت عن تنفيذ معاهدة 1936
في عامي 1940 و1941 زار مردم بك العراق والمملكة العربية السعودية، كما زار مصر بالاشتراك مع بشارة الخوري عام 1942.
في عام 1943 أعيد العمل بالدستور، وأعيد انتخاب مردم بك في مجلس النواب وكُلف بنيابة رئاسة الحكومة ووزارة الخارجية من (آب 1943ـ تشرين الأول 1944)، ثم وزارة الخارجية مع وزارتي الدفاع والاقتصاد الوطني من (تشرين الأول 1944ـ آذار 1945) ومن جديد تولى وزارة الخارجية مع الدفاع من (آذار 1944ـ إلى آب 1945)، وشغل في هذه الأثناء رئاسة الوزارة بالوكالة في غياب فارس الخوري في سان فرانسيسكو. كما انتدب وزيراً مفوضاً في تشرين الأول عام 1945 إلى مصر لتأسيس المفوضية السورية، وكذلك إلى السعودية في تشرين الثاني عام 1945 للغرض نفسه.
أعاد تشكيل الحكومة في تشرين الأول عام 1947، وتقلد بنفسه وزارة الدفاع الوطني عندما بدأت العمليات الحربية في أيار عام 1948، وأدخل إصلاحات جذرية في مؤسسة الجيش.
شُغلت حكومة مردم بك بأكبر امتحان واجهته سوريةبعد الحرب العالمية الثانية، وذلك هو القضية الفلسطينية. فمع نهاية عام 1947، بدأت الحكومة تتعرض لضغوط من كل جانب لمنع تقسيم فلسطين (ولو بالسلاح)، وحين وصل نبأ قرار الأمم المتحدة بتقسيم فلسطين إلى دمشق، أضربت المدينة وثارت المظاهرات، واقتحمت السفارتين الأمريكية والبلجيكية والمركز الثقافي السوفييتي ومركز الحزب الشيوعي (وقتل أربعة من الشيوعيين)، وعرفت المدن السورية الأخرى حوادث مماثلة. وزاد مجلس النواب الضرائب وأقر قانون خدمة العلم وصوت على شراء أسلحة، واستقال كثيرون من ضباط الجيش السوري كي يشاركوا في جيش الإنقاذ، وبدأت عصابات مسلحة بمهاجمة مستوطنات يهودية قرب الحدود السورية. فتدخلت الوحدات البريطانية، كما بعثت الحكومة البريطانية بمذكرات إلى الحكومة السورية احتجاجاً على غارات المتطوعين العرب الذين كان يوجه عملياتهم فوزي القاوقجي، وقد جعل من سورية مقراً لقيادته، ووقّعت سورية الميثاق السياسي والعسكري للجامعة العربية لتوحيد الجهد تجاه فلسطين. وفي نيسان عام 1948، أثارت مذبحة دير ياسين الشعب السوري، وفي أيار عقد مجلس الجامعة العربية اجتماعاً في دمشق وسط انتقادات لاذعة للاجتماع الذي جاء في الوقت المتأخر، وفي 16 أيار أي بعد يومين من إعلان بن غوريون قيام دولة إسرائيل، دخل الجيش السوري فلسطين، ولكن سرعان ما صد في وادي الأردن بعد قتال عنيف، وتصاعد النقد الموجه للحكومة السورية، وبات معروفاً الفساد الواسع الذي صحب المجهود الحربي، وأعمال لجنة جمع التبرعات لفلسطين. وفي آب عام 1948، تشكلت حكومة جديدة احتفظ مردم برئاستها.
ولم تلبث أن نشبت أزمة سياسية صحبها تدهور اقتصادي وتفجر الإضراب والمظاهرات في المدن السورية كافة، وحصلت مواجهات دموية، فاستقال جميل مردم بك في الأول من كانون الأول عام 1948، وأصبحت سورية بلداً بلا حكومة وبلا أمل في حكومة تنبثق من زعامة مدنية كفؤة. فهو بلد يهيمن عليه مواطنون مكروبون هائجون، واقتصاد منهار، وجيش أحس أن فئة الساسة المخططين قد خانته.
قدم مردم بك استقالة حكومته بعد فشل الجيوش العربية في فلسطين، وغادر سورية إلى مصر وأقام في القاهرة إلى أن وافاه الأجل في عام 1960. وفي خلال هذه المدة جرت محاولات عدة لحمله على العودة إلى النشاط السياسي، لكن حالته الصحية لم تمكنه من ذلك. وعندما سقط حكم الشيشكلي في عام 1954، أوفد الرئيس جمال عبد الناصر كبار الشخصيات لإقناع مردم بك بالعودة إلى سورية ووعده بتقديم الدعم والمساعدة إذا رغب بترشيح نفسه لرئاسة الجمهورية، لكن مردم بك الذي كان يعاني من أول أزمة قلبية تعرض لها، عارض الاقتراح ونصح مخاطبيه بأن يدعموا عودة الرئيس شكري القوتلي إلى رئاسة الجمهورية لأنه أُبعد عنها بطريقة غير دستورية، وعودته سوف تؤكد شرعية السلطة السياسية.
في شهر أيلول عام 1954، أصدر جميل مردم بك تصريحاً أعلن فيه اعتزاله الحياة السياسية ولم يكن قد تجاوز الواحد والستين من العمر، وبتاريخ الأول من شباط عام 1958، دعاه الرئيس جمال عبد الناصر للوقوف معه ومع الرئيس شكري القوتلي عند التوقيع على الإعلان عن الوحدة بين سورية ومصر.
وفي 30 آذار1960، توفي جميل مردم بك في القاهرة، ونقل جثمانه إلى سورية حيث ووري الثرى في مدافن العائلة بدمشق.
المراجع:
ـ (استقلال سوريا، أوراق جميل مردم بك)، سلمى مردم بك، شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، بيروت طبعة أولى 1994.
ـ (الموسوعة التاريخية الجغرافية)، مسعود الخوند، لبنان، 1997، الجزء العاشر، ص(78،89) (194،195).
إبراهيم إسماعيل
29-10-2007, 06:31 PM
علي الطنطاوي
هو علي بن مصطفى الطنطاوي، ولد في مدينة دمشق في 12 حزيران 1909، لأسرة ذات علم ودين. أصله من مدينة طنطا في مصر حيث انتقل جده محمد بن مصطفى في أوائل القرن التاسع عشر إلى دمشق، وكان عالماً أزهرياً حمل علمه إلى ديار الشام فجدد فيها العناية بالعلوم العقلية ولاسيما الفلك والرياضيات. وقد نزح معه ابن أخيه أحمد بن علي جدّ علي الطنطاوي وكان هذا إمام طابور متقاعد في الجيش العثماني.
أما أبوه الشيخ مصطفى فكان من العلماء المعدودين في الشام، انتهت إليه أمانة الفتوى في دمشق. وكان مديراً للمدرسة التجارية في دمشق، ثم ولي منصب رئيس ديوان محكمة النقض عام 1918 إلى أن توفي عام 1925.
وأسرة أمه أيضاً من الأسر العلمية في الشام، كثير من أفرادها من العلماء المعدودين ولهم تراجم في كتب الرجال.. خاله محب الدين الخطيب الكاتب الإسلامي الكبير الذي استوطن مصر وأنشأ فيها صحيفتي (الفتح) و(الزهراء) وكان له أثر في الدعوة فيها في مطلع القرن العشرين.
تلقى علي الطنطاوي دراسته الابتدائية الأولى في العهد العثماني، فكان طالباً في المدرسة التجارية، ثم في المدرسة السلطانية الثانية وبعدها في المدرسة الجقمقية، ثم في مدرسة حكومية أخرى إلى سنة 1923 حيث دخل مكتب عنبر الذي كان الثانوية الوحيدة في دمشق ومنه نال البكالوريا سنة 1928. ثم ذهب إلى مصر ودخل دار العلوم العليا، ولكنه لم يتم السنة وعاد إلى دمشق في السن التالية فدرس الحقوق في جامعتها حتى نال الليسانس سنة 1933.
كان على الطنطاوي من الذين جمعوا في الدراسة بين طريقي التلقي على المشايخ، والدراسة في المدارس النظامية، فقد تعلم في هذه المدارس إلى أن تخرج من الجامعة. وكان يقرأ معها على المشايخ علوم العربية والعلوم الدينية على الأسلوب القديم.
عندما عاد الطنطاوي إلى الشام دعا إلى تأليف لجان للطلبة على غرار تلك التي رآها في مصر فألفت لجنة للطلبة سميت (اللجنة العليا لطلاب سورية) وانتخب رئيساً لها وقادها نحواً من ثلاث سنين. وكانت هذه اللجنة بمثابة اللجنة التنفيذية للكتلة الوطنية التي كانت تقود النضال ضد الاستعمار الفرنسي لسوريا.
ابتدأ الطنطاوي التدريس في المدارس الأهلية في دمشق وهو في الثامنة عشرة من عمره، وقد طبعت محاضراته التي ألقاها على طلبة الكلية الوطنية في دروس الأدب العربي عن (بشار بن برد) في كتاب عام 1930.
بعد ذلك عين معلماً ابتدائياً في مدارس الحكومة سنة 1931 حين أغلقت السلطات جريدة (الأيام) التي كان يعمل مديراً لتحريرها، وبقي في التعليم الابتدائي إلى سنة 1935. وكانت حياته في تلك الفترة سلسلة من المشكلات بسبب مواقفه الوطنية وجرأته في مقاومة الفرنسيين وأعوانهم في الحكومة.
عام 1936 انتقل الطنطاوي للتدريس في العراق، فعين مدرساً في الثانوية المركزية في بغداد، ثم في ثانويتها الغربية ودار العلوم الشرعية في الأعظمية، ولكن روحه الوثابة وجرأته في الحق فعلا به في العراق ما فعلا به في الشام، فما لبث أن نقل مرة بعد مرة، فعلم في كركوك في أقصى الشمال، وفي البصرة في أقصى الجنوب. وبقي يدرس في العراق حتى عام 1939، لم ينقطع عنه غير سنة واحدة أمضاها في بيروت مدرساً في الكلية الشرعية فيها حتى عام 1937.
ثم رجع إلى دمشق فعين أستاذاً معاوناً في مكتب عنبر، ولكنه لم يكف عن مواقفه التي سببت له المتاعب، فنقل إلى مدرسة دير الزور سنة 1940 ولبث فيها فصلاً دراسياً أبعد بعدها قسرياً بسبب خطبة حماسية ألقاها في صلاة الجمعة ضد المستعمر الفرنسي.
عام 1941 دخل الطنطاوي سلك القضاء، فعين قاضياً في النبك مدة أحد عشر شهراً ثم قاضياً في دوما (من قرى دمشق)، ثم قاضياً ممتازاً في دمشق مدة عشر سنوات فمستشاراً لمحكمة النقض في الشام، ثم مستشاراً لمحكمة النقض في القاهرة أيام الوحدة مع مصر.
وقد اقترح الطنطاوي ـ يوم كان قاضياً في دوما ـ وضع قانون كامل للأحوال الشخصية فكلف بذلك عام 1947، وأوفد إلى مصر مع عضو محكمة الاستئناف الأستاذ نهاد القاسم (الذي صار وزيراً للعدل أيام الوحدة) فأمضيا تلك السنة كلها هناك حيث كلف هو بدرس مشروعات القوانين الجديدة للمواريث والوصية وسواها. وقد أعد مشروع قانون الأحوال الشخصية كله وصار هذا المشروع أساساً للقانون الحالي في سورية.
وكان القانون يخول القاضي الشرعي في دمشق رياسة مجلس الأوقاف وعمدة الثانويات الشرعية، فصار الطنطاوي مسؤولاً عن ذلك كله خلال العشر سنين التي أمضاها في قضاء دمشق، فقرر أنظمة الامتحانات في الثانويات الشرعية، وكان له يد في تعديل قانون الأوقاف ومنهج الثانويات، ثم كلف عام 1960 بوضع مناهج الدروس فيها فوضعها وحده بعدما سافر إلى مصر واجتمع فيها بالقائمين على إدارة التعليم في الأزهر واعتمدت كما وضعها.
انتقل الطنطاوي عام 1963 بعد انقلاب الثامن من آذار، وإعلان حالة الطوارئ في سورية، إلى المملكة العربية السعودية ليعمل مدرساً في كلية الشريعة وكلية اللغة العربية في الرياض، ومنها انتقل إلى مكة، للتدريس فيها ليمضي فيها وفي جدة خمساً وثلاثين سنة.
بدأ الطنطاوي هذه المرحلة الجديدة من حياته بالتدريس في كلية التربية بمكة، ثم لم يلبث أن كلف ببرنامج للتوعية الإسلامية، فترك الكلية وراح يطوف على الجامعات والمعاهد والمدارس في أنحاء المملكة لإلقاء الدروس والمحاضرات، وتفرغ للفتوى يجيب على أسئلة وفتاوى الناس في الحرم ـ في مجلس له هناك ـ أو في بيته ساعات كل يوم، ثم بدأ برنامجيه (مسائل ومشكلات) في الإذاعة، و(نور وهداية) في التلفزيون اللذين قدر لهما أن يكونا أطول البرامج عمراً في تاريخ إذاعة المملكة وتلفزيونها.
يعتبر الطنطاوي من أقدم المحاضرين الإذاعيين في العالم العربي، إذ بدأ يحاضر من إذاعة الشرق الأدنى من يافا من أوائل الثلاثينات، ومن إذاعة بغداد سنة 1937، ومن إذاعة دمشق سنة 1942 لأكثر من عقدين متصلين، وأخيراً من إذاعة المملكة وتلفزيونها نحواً من ربع قرن متصل من الزمان.
نشر الطنطاوي أول مقالة له في جريدة عامة في عام 1926، ولم ينقطع عن النشر في الصحف منذ ذلك التاريخ، فشارك في تحرير مجلتي خاله محب الدين (الفتح) و(الزهراء) حين زار مصر عام 1926، ثم كتب في جريدة فتى العرب ثم في (ألف باء)، ثم كان مدير تحرير (الأيام) التي أصدرتها الكتلة الوطنية سنة 1931 وخلال ذلك كان يكتب في (الناقد) و(الشعب) وسواهما من الصحف. وفي سنة 1933 أنشأ الزيات المجلة الكبرى (الرسالة) فكان الطنطاوي واحداً من كتابها واستمر فيها عشرين سنة إلى أن احتجبت سنة 1953. وكتب في مجلة (المسلمون) و(النصر) وفي مكة كتب في مجلة (الحج) وفي جريدة (المدينة)، ونشر ذكرياته في (الشرق الأوسط) على مدى نحو خمس سنين. وله مقالات متناثرة في عشرات الصحف والمجلات التي كان يعجز هو نفسه عن حصرها وتذكر أسمائها.
شارك الطنطاوي في طائفة من المؤتمرات منها حلقة الدراسات الاجتماعية التي عقدتها جامعة الدول العربية في دمشق في عهد الشيشكلي، ومؤتمر الشعوب العربية لنصرة الجزائر، ومؤتمر تأسيس رابطة العالم الإسلامي واثنين من المؤتمرات السنوية لاتحاد الطلبة المسلمين في أوروبا. وأهم مشاركة له كانت في المؤتمر الإسلامي الشعبي في القدس عام 1953 والذي تمخضت عنه سفرته الطويلة في سبيل الدعاية لفلسطين، وقد جاب فيها باكستان والهند والملايو وإندونيسيا.
لما جاوز الطنطاوي الثمانين من عمره وبدأ التعب يغزو جسمه آثر ترك الإذاعة والتلفزيون واعتزل الناس إلا قليلاً من المقربين يأتونه في معظم الليالي زائرين، فصار ذلك له مجلساً يطل من خلاله على الدنيا، وصار منتدى أدبياً وعلمياً تبحث فيه مسائل العلم والفقه واللغة والأدب والتاريخ.
وفي الثامن عشر من حزيران عام 1999 توفي علي الطنطاوي في مستشفى الملك بجدة، ودفن في مكة في اليوم التالي بعدما صلي عليه في الحرم المكي الشريف.
يعد الشيخ علي الطنطاوي أحد رموز الدعوة الإسلامية الكبيرة في العالم العربي وشخصية محببة ذائعة الصيت نالت حظاً واسعاً من الإعجاب والقبول، وله سجل مشرف في خدمة الإسلام والمسلمين.
كان الطنطاوي أديباً وداعية يتمتع بأسلوب سهل جميل جذاب متفرد لا يكاد يشبهه به أحد، يمكن أن يوصف بأنه السهل الممتنع، فيه تظهر عباراته أنيقة مشرقة، فيها جمال ويسر، وهذا مكنه من طرح أخطر القضايا والأفكار بأسلوب يطرب له المثقف، ويرتاح له العامي.
حمل الطنطاوي على كاهله راية الإصلاح الديني في الميادين كافة: التشريعي والسياسي والاجتماعي، فكان في ما يؤلف ويحاضر الداعية المسلم الذي يهجم على الخرافات والتقاليد البالية والسلوكيات المستوردة؛ فيصحح عقائد الناس ويقوم أخلاقهم، كما كان يتصدى لظلم رجال السلطان وأصحاب الدعوات الهدامة بمنطق الحق القويم وسلاسة الأسلوب وعذوبة العبارة مما قيض له قبولاً عند عامة الناس، كما نصب له في الوقت نفسه كثيراً من المعادين والشانئين. وكتبه في ميادين الإصلاح المختلفة كثيرة متعددة الاتجاهات تشهد له بعمق الفكرة وطول الباع وسلامة المنهج، وقد سبق زمانه في طروحاته الإصلاحية على صعيد التشريع والسياسة والاجتماع.
رزق الشيخ الطنطاوي خمساً من البنات، وقد كان لفقد إحداهن (بنان) ـ وقد اغتالتها يد الإرهاب الآثم في مدينة آخن الألمانية ـ أكبر الأثر في نفسه، ولكنه احتسبها عند الله. وتمسك بالصبر والتسليم بقضاء الله.
ترك الطنطاوي عدة مؤلفات هي:
ـ هتاف المجد.
ـ مباحث إسلامية.
ـ فصول إسلامية.
ـ نفحات من الحرم.
ـ صور من الشرق.
ـ صيد الخاطر لابن الجوزي (تحقيق).
ـ فكر ومباحث.
ـ بشار بن برد.
ـ مع الناس.
ـ رسائل الإصلاح.
ـ مسرحية أبي جهل.
ـ ذكريات علي الطنطاوي. (ثمانية أجزاء).
ـ أخبار عمر.
ـ بغداد.
ـ حكايات من التاريخ (من أدب الأطفال).
ـ أعلام التاريخ (سلسلة للتعريف بأعلام الإسلام).
ـ تعريف عام بدين الإسلام.
ـ صور وخواطر.
ـ من حديث النفس.
ـ الجامع الأموي.
ـ قصص من التاريخ.
ـ قصص من الحياة.
ـ أبو بكر الصديق.
ـ عمر بن الخطاب. (جزآن).
ـ في إندونيسيا.
ـ في بلاد العرب.
ـ في سبيل الإصلاح.
ـ رسائل سيف الإسلام.
ـ رجال من التاريخ.
ـ الهيثميات.
ـ التحليل الأدبي.
ـ من التاريخ الإسلامي.
ـ دمشق.
ـ مقالات في كلمات.
المراجع:
ـ أحمد الجدع (معجم الأدباء الإسلاميين المعاصرين) الطبعة الأولى 1999، الجزء الثاني ص (800 ـ 805).
ـ علي الطنطاوي (ذكريات علي الطنطاوي، دار المنار للنشر، السعودية).
ـ مجلة الفيصل السعودية ، العدد 158، ص (17).
ـ مجاهد مأمون ديرانية (علي الطنطاوي 1909 ـ 1999) دار القلم، دمشق، الطبعة الأولى، 2001).
إبراهيم إسماعيل
29-10-2007, 06:32 PM
خير الدين الزركلي
هو خير الدين بن محمود بن محمد بن علي بن فارس الزركلي الدمشقي، ولد في بيروت في 25 حزيران 1893م حيث كان والده تاجراً هناك، والده وأمه دمشقيان.
نشأ الزركلي في دمشق، وتعلم في مدارسها الأهلية، وأخذ عن معلميها الكثير من العلوم خاصة الأدبية منها، كان مولعا في صغره بكتب الأدب، وقال الشعر في صباه. أتم دراسته (القسم العلمي) في المدرسة الهاشمية بدمشق،ثم عمل فيها مدرساً بعد التخرج، كما أصدر مجلة (الأصمعي) الأسبوعية فصادرتها الحكومة العثمانية. انتقل إلى بيروت لدراسة الآداب الفرنسية في الكلية العلمانية (اللاييك)، بعد التخرج عين في نفس الكلية أستاذاً للتاريخ والأدب العربي.
بعد الحرب العالمية الأولى، أصدر في دمشق جريدة يومية أسماها (لسان العرب) إلاّ أنها أُقفلت، ثم شارك في إصدار جريدة المفيد اليومية وكتب فيها الكثير من المقالات الأدبية والاجتماعية.
على أثر معركة ميسلون ودخول الفرنسيين إلى دمشق حُكم عليه من قبل السلطة الفرنسية بالإعدام غيابياً وحجز أملاكه إلاّ إنه كان مغادراً دمشق إلى فلسطين، فمصر فالحجاز.
سنة 1921م تجنس الزركلي بالجنسية العربية في الحجاز، وانتدبه الملك حسين بن علي لمساعدة ابنه (الأمير عبد الله) بانشاء الحكومة الأولى في عمّان، حيث كلّف مفتشاً عاماً لوزارة المعارف ثم رئيساً لديوان الحكومة (1921ـ 1923).
ألغت الحكومة الفرنسية قرار الإعدام على الزركلي فرجع إلى سورية، ومن ثم غادرها إلى مصر، وهناك أنشأ (المطبعة العربية) حيث طبع فيها بعض كتبه وكتباً أخرى.
أصدر في القدس مع رفيقين له جريدة (الحياة) اليومية، إلاّ أن الحكومة الإنجليزية عطّلتها فأنشأ جريدة يومية أخرى في (يافا)، واختير عضواً في المجمع العلمي العربي بدمشق سنة 1930.
عينه الأمير فيصل بن عبد العزيز آل سعود سنة 1934 مستشاراً للوكالة ثم (المفوضية) العربية السعودية بمصر، كما عُيّن مندوباً عن السعودية في مداولات إنشاء (جامعة الدول العربية)، ثم كان من الموقعين على ميثاقها.
مثّل الأمير فيصل آل سعود في عدة مؤتمرات دولية، وشارك في الكثير من المؤتمرات الأدبية والاجتماعية، وفي عام 1946م عين وزيراً للخارجية في الحكومة السعودية متناوباً مع الشيخ يوسف ياسين، وكذلك متناوباً معه العمل في جامعة الدول العربية، واختير في نفس العام عضواً في مجمع اللغة العربية بمصر.
عام 1951م عين وزيراً مفوضاً ومندوباً دائماً لدى جامعة الدول العربية، فاستقر في مصر، وهناك باشر بطبع مؤلفه (الأعلام).
من عام 1957م وحتى عام 1963، عين سفيراً ومندوباً ممتازاً (حسب التعبير الرسمي) للحكومة السعودية في المغرب كما انتخب في المجمع العلمي العراقي سنة 1960.
منحته الحكومة السعودية بسبب مرض ألمّ به إجازة للراحة والتداوي غير محدودة، فأقام في بيروت وعكف على إنجاز كتاب في سيرة عاهل الجزيرة الأول (الملك عبد العزيز آل سعود) وأخذ يقوم من حين لآخر برحلات إلى موطنه الثاني السعودية ودمشق والقاهرة وتركيا وإيطاليا وسويسرا. قام برحلات إلى الخارج يذكر أنها أفادته كثيراً.
ـ إلى إنجلترا سنة (1946) ومنها إلى فرنسا، ممثّلا للحكومة السعودية في اجتماعات المؤتمر الطبي الأول في باريس.
ـ إلى الولايات المتحدة الأمريكية سنة (1947) بمهمة رسمية غير سياسية، حضر خلالها بعض اجتماعات هيئة الأمم المتحدة.
ـ إلى أثينا العاصمة اليونانية سنة (1954) بصفة (وزير مفوض ومندوب فوق العادة) وجعل طريق عودته منها إلى استنابول لزيارة بعض مكتباتها.
ـ إلى تونس سنة (1955) مندوباً لحضور مؤتمر أقامه الحزب الدستوري فيها، ومنها إلى إيطاليا لزيارة أهم مكتباتها.
كان شاعراً مجيداً، ومؤرخاً ثقة، ويكفيه أنه صاحب الأعلام.
قام خير الدين الزركلي في مصر بدور مميز في تنفيذ المهمات القومية السياسية والإعلامية، وذلك من خلال اللقاءات والاجتماعات وكتابة المقالات ونشر الأشعار القومية والوطنية. وتناول الزركلي المستعمرين وأذنابهم بنبرة حادة خشيها الفرنسيون في سوريا كثيراً، فحكموا عليه غيابياً بالإعدام وبحجز أملاكه، وقد تلقى الزركلي النبأ برباطة جأش وقال:
نذروا دمي حنقاً علي وفاتهم
أن الشقـي بما لقيت سعيد
الله شاء لي الحياة وحاولوا
ما لم يشـأ ولحكمه التأييد
وعندا انطلقت الثورة السورية عام 1925م، انطلقت ثورة الزركلي الشعرية بكل لهيبها وروحيتها العربية، فأخذ ينظم القصائد ويرسلها إلى دمشق إماّ منشورة على صفحات الجرائد المصرية، وإماّ بوسائل النقل الأخرى، فأصبحت أبيات قصائده الوطنية على ألسنة الناس يتغنون بها في شوارع المدن السورية. وكانت ردود الفعل الفرنسية أقوى من ردود فعلها عام 1920م فأذاعت حكماً عليه ثانياً غيابياً بالإعدام، وطالبت الحكومة المصرية بإسكاته أو طرده من مصر غير أن الزركلي لم يكترث وظل يرسل قصائده الوطنية من القاهرة سراً، شاحذاً همم العرب حتى لا يسكتوا على الاستعمار ولا يتوانى أحدهم عن النضال. يقول:
تأهبوا لقراع الطامعين بكم
ولا تغركــم الآلاء والنعم
كان الزركلي يراقب ويتابع أحداث وطنه من بعيد، لذلك نراه يشارك إخوانه آلامهم حين ضربت دمشق بالقنابل عام 1925م، فيقول في قصيدته (بين الدم والنار):
الأهل أهلـي والديار دياري
وشعار وادي النيربين شعاري
ما كان مـن ألم بجلق نازل
وأرى الزناد فزنده بي واري
ويحس الزركلي أن دم الثوار الذي يراق في دمشق هو دمه، فيقول:
إن الدم المهـراق في جنباتها
لدمي وأن شــفارها أشفاري
دمعي لما منيـت به جار هنا
ودمي هناك على ثراها جاري
بنى الزركلي علاقات حميمة مع الكتاب والشعراء والمفكرين في مصر، من منطلق أهمية الكلمة التحضيرية في تعزيز الشعور الوطني والقومي في نفوس الجماهير العربية التي تعيش الهم القومي بكل جوانبه من هؤلاء الشاعر أحمد شوقي الذي ألقى قصيدته في حفل أقيم في القاهرة عام 1926، لإعانة منكوبي سوريا حين قامت بالثورة ضد المستعمر الفرنسي والتي مطلعها: سلام من صبا بردى أرقّ ودمع لا يكفكف يا دمشق
يشخص الزركلي صورة الدأب العلمي المنتج في كتابه الأعلام الذي جمع فيه فأوعى فكان بحق أيسر وأشمل معجم عربي مختصر في تاريخ الرجال. فكان الزركلي في حياته مثالاً: للثائر والشاعر والباحث.
في الخامس والعشرين من تشرين الثاني عام 1976، توفي أبو الغيث خير الدين الزركلي.
له من المؤلفات :
ـ كتاب (ما رأيت وما سمعت)، سجل فيه أحداث رحلته من دمشق إلى فلسطين فمصر فالحجاز.
ـ الجزء الأول من ديوان أشعاره، وفيه بعض ما نظم من شعر إلى سنة صدوره (1925).
كتاب (عامان في عمّان)، مذكرات الزركلي أثناء إقامته في عمّان وهو في جزآن.
ـ ماجدولين والشاعر، قصة شعرية قصيرة.
ـ كتاب شبه الجزيرة في عهد الملك بن عبد العزيز.
ـ كتاب (الأعلام)، وهو قاموس تراجم لأشهر الرجال والنساء من العرب والمستعربين والمستشرقين يقع في ثمانية مجلدات.
ـ الملك عبد العزيز في ذمة التاريخ.
ـ صفحة مجهولة من تاريخ سوريا في العهد الفيصلي.
ـ الجزء الثاني من ديوان أشعاره (1925ـ 1970).
ـ قصة تمثيلية نثرية أسماها (وفاء العرب).
هذه المعلومات أخذت بتصرف عن:
ـ (الأعلام)، خير الدين الزركلي، دار العلم للملايين، بيروت، الطبعة العاشرة، 1992، ح8/ (267ـ 270).
ـ (معجم أعلام المورد)، منير البعلبكي، دار العلم للملايين، بيروت، طبعة أولى 1992، ص(220).
إبراهيم إسماعيل
29-10-2007, 06:37 PM
أحمد فارس الشدياق
هو فارس بن يوسف بن منصور الشدياق، من طائفة الموارنة. ولقب الشدياق من ألقاب الشرف التي تطلق على كبار القوم من المتعلمين والكتاب الذين يرتفعون عن طبقة الأميين
ولد فارس الشدياق في قرية صغيرة من قرى لبنان تسمى (عشقوت) سنة 1805، انتقلت أسرته إلى قرية الحدث القريبة من بيروت سنة 1809، ثم دخل مدرسة (عين ورقة) التي تعلم فيها بطرس البستاني، ورشيد الدحداح، فكان ثالث ثلاثة من رواد النهضة الأدبية في القرن التاسع عشر تلقوا العلم في هذه المدرسة المارونية التي كانت تعلم العربية والسريانية وعلوم البلاغة والمنطق واللاهوت.
اشتغل فارس الشدياق بنسخ الكتب لنفسه أو لغيره، وصارت له بهذا شهرة واسعة فاستدعاه الأمير حيدر الشهابي أحد الأمراء الشهابيين ومؤلف التاريخ المشهور، وكلفه نسخ تاريخه وتقلبت به الأعمال بين عمل وفراغ، إلى أن حدثت لأخيه وأستاذه أسعد الشدياق حادثة كانت الشرارة الأولى في تغيير مجرى حياته... فقد تحول أسعد من مذهبه الماروني إلى المذهب الإنجيلي، وقد أثار هذا التحول سخط البطريرك الماروني على أخيه، فنفاه إلى (دير قنوبين) سجيناً معذباً حتى قضى نحبه وهو في ريعان شبابه. وكان لهذا الحادث أثره في نفس فارس، فكره الحياة في لبنان الذي بلغ من التعصب الطائفي هذا المبلغ، فشد الرحال إلى مصر سنة 1825، وبدعوة من المرسلين الأمريكان الذين دعوه ليعلمهم العربية، وكأنهم بذلك أرادوا أن يطيبوا خاطره نظير ما لقيه أسعد بسبب اعتناقه لمذهبهم.
وأسعد الشدياق هذا شقيق فارس يكبره بسبع سنوات، وهو من تلاميذ مدرسة عين ورقة أيضاً، كان يجيد السريانية والعربية واللاتينية والإيطالية والمنطق واللاهوت والخطابة والطبيعيات، وقد شارك في تكوين أحمد فارس الشدياق اللغوي والنحوي.
أتاحت الإقامة بمصر لفارس الشدياق أن يتلقى اللغة والأدب والنحو والبلاغة والصرف والشعر على بعض علمائها وخاصة الشاعر الأديب الشيخ محمد شهاب الدين الذي كان مقرباً إلى بيت محمد علي، وقد أعانه هذا على أن يعين محرراً في جريدة (الوقائع المصرية)، وكان بالإضافة إلى تصحيح لغتها يشارك في تحرير القسم العربي بقلمه وبعبارته المرسلة الرصينة التي كانت جديدة على أهل ذلك الزمان. وفي مصر زادت حصيلة معارفه اللغوية والأدبية والشعرية، فقرأ صحاح الجوهري، وديوان أبي الطيب المتنبي وغيرهما. وكانت سنه حين جاء إلى مصر عشرين عاماً فاستطاع في التسع سنوات التي أقامها فيها أن يكون نفسه في اللغة والأدب تكويناً سليماً على أساس متين.
في سنة 1834 دعاه الأمريكان إلى مالطة لغرضين أولهما: التعليم في مدارسهم هناك، وثانيهما: تصحيح ما يصدر من مطبعتهم من كتب عربية. وهناك أخذت ميوله وعواطفه تتجه نحو المذهب الإنجيلي الذي اعتنقه شقيقه من قبل في لبنان... وكان هذا التحول في نظره انتقاماً لما حدث لأخيه على يد الموارنة. وقد ظل في مالطة أربعة عشر عاماً حتى سنة 1848. ومن أهم ما ألفه فيها من الكتب كتابه (الواسطة في معرفة مالطة)، وهو أول ما كتبه في الرحلات.
قامت للشدياق شهرة أدبية لغوية وخاصة في أوساط المرسلين، ففي سنة 1848 دعته جمعية (ترجمة الأسفار المقدسة) إلى إنجلترا ليسهم في ترجمة هذه الأسفار أو على الأصح في ضبطها وتنقيحها تحت إشراف المستشرق الدكتور (لى)، فلبى الدعوة وبدأ العمل، وأتاحت له هذه المهمة أن يطيل التجوال في إنجلترا وفرنسا، وأن يتعرف إلى ريفهما وحضرهما، وأن يدرس عن كثب أحوالهما وأخلاق أهلهما، وأن يتعلم الإنجليزية والفرنسية ويقرأ أعلامهما، وأن يقرأ في صحفهما ومجلاتهما العلمية والأدبية. وقد أعانه ذلك على أن يؤلف كتابه الثاني في أدب الرحلات، وهو (كشف المخبا، عن فنون أوروبا)، كما ألف كتابه الرائع (الساق على الساق، فيما هو الفارياق).وفي سنة 1853 كانت مدحته الشعرية للسلطان العثماني عبد المجيد بمناسبة الحرب بين روسيا وتركيا، وهي قصيدة تزيد على مائة وثلاثين بيتاً، وقد نظمها وبعث بها من لندن.
جاءت إلى الشدياق دعوتان استجابة للمدائح الشعرية، الأولى لزيارة الأستانة بدعوة من السلطان عبد المجيد، والثانية من أحمد باي تونس الذي دعاه لزيارته والإقامة معه في تونس لقاء القصيدة التي مدحه بها الشدياق وبعث بها إليه من باريس تقديراً لمبراته وخيراته التي وزعها على فقراء مرسيليا وباريس في أثناء زيارته لهما، ولبى الشدياق دعوة باي تونس سنة 1857 الذي بعث إليه بسفينة خاصة تقله إليه.
وفي تونس، ونتيجة لتبحره في علوم الأديان ودراسته اللاهوت المسيحي واطلاعه على عقائد الإسلام، ومعايشته لأحوال الأمم الإسلامية والمسيحية في الشرق والغرب على حد سواء اعتنق الشدياق الإسلام وتسمى باسم أحمد فارس الشدياق، بل أضيف إلى اسمه لقب (الشيخ) الذي اشتهر به في العالم العربي الإسلامي، وتكنى بأبي العباس.
لم يطل مقام الشيخ أحمد فارس الشدياق بتونس على الرغم من قربه من الباي وتوليه هناك أعلى المناصب، فلما كررت الأستانة دعوته إليها غادر تونس ملبياً دعوة السلطان، وهناك ألحق بديوان الترجمة وتولى تصحيح بعض المطبوعات.
في سنة 1860 أنشأ الشدياق صحيفة أسماها (الجوائب) وهي صحيفة سياسية أسبوعية تصدر من الأستانة وتطبع في المطبعة السلطانية، وفي 1870 أنشأ لها الشدياق مطبعة خاصة بها تسمى مطبعة الجوائب. وقد نالت صحيفة الجوائب شهرة في العالم الإسلامي لم تنلها صحيفة سواها منذ إنشاء الصحافة العربية. فأقبل السلاطين والملوك ورؤساء الحكومات العربية الإسلامية عليها، كما كان المفكرون يتهافتون على قراءتها، وبلغت من حسن التبويب والإتقان وبراعة التحرير وجودة الأساليب حداً جعلها أكبر صحف ذلك العهد وأوسعها انتشاراً، كما كانت مطبعتها الخاصة المسماة مطبعة الجوائب من أشهر المطابع في الأستانة والمشرق العربي. وقد أمدت المكتبة العربية بسيل من المطبوعات التي شاركت في إحياء التراث العربي، واشتهرت بين عشاق الكتب بجمال حروفها، وحسن إخراجها، ودقة تصحيحها، حتى كادت مطبوعاتها تداني المطبعة الأميرية ببولاق من هذه النواحي.
أما مكانة الجوائب بين الصحافة العربية والعالمية فيكفي للتدليل عليها أن صحافة الغرب كانت تنقل عنها وتستشهد بها في معرض الحديث عن سياسة الشرق، كما كانت تلقب صاحبها فارس الشدياق (بالسياسي الشهير)، (والصحافي الطائر الصيت). والحق أن صلته الوثيقة بالسلطان العثماني وبرؤساء البلاد العربية والإسلامية جعلت صحيفة الجوائب مركزاً هاماً لسياسة الشرق حقبة من الزمان.
ولم تكتف الجوائب بمركزها السياسي وبمنبرها الشرقي الذي كانت تُسمع منه أجهر الأصوات، بل أضافت إلى ذلك ميدانها الأدبي ومعرضها الحامي في الجدل والمناظرات. وكثيراً ما قامت فيها المعارك الأدبية بين رجال من أمثال: الشيخ إبراهيم اليازجي، والشيخ سعد الشرتوني، والدكتور لويس الصابوني، والكونت رشيد الدحداح، والشيخ إبراهيم الأحدب، وبطرس البستاني وغيرهم، وكان المرحوم عبد الله فكري الأديب والشاعر المصري ينشر فيها بعض مقالاته وطرائفه.
في سنة 1886 جاء الشدياق إلى مصر زائراً بعد أن تعطلت (جوائبه)، وعاد إلى الأستانة فكانت تلك العودة آخر أسفاره في الدنيا، فقد وافته منيته يوم 20 أيلول سنة 1887، وكان قد أوصى أن يدفن في وطنه، وأن تكون أول أرض مس جسمه ترابها هي آخر أرض يطويه فيها التراب.
ويظهر أن التنقل والرحل التي كانت ملازمة للشدياق في حياته ظلت تصاحب جسده بعد مماته فقد حنط جسمه ووضع في تابوت من الرصاص مغلف بآخر من خشب الجوز الثمين، ثم أودع في القصر الذي مات فيه بالمصيف، ثم نقل إلى قصر ولده سليم (ابنه البكر) الذي كان مجاوراً لمبنى نظارة المعارف في استانبول، ثم نقل بعد أيام إلى لبنان حيث دفن في مسقط رأسه (الحدث) مع أجساد الموتى من أسرته ، ثم نقل بعد ذلك إلى مقبرة خاصة في محلة (الحازمية) قرب مدينة بيروت، حيث ابتاع له أهله أرضاً ليدفن هناك.
لقد كانت جنازة الشدياق في الأستانة موكباً رائعاً جمع بين رجال العلم وأقطاب السياسة وأرباب الأقلام، وأصحاب السيوف، ومشايخ الإسلام، وأرباب الطرق الصوفية، ورجال الأديان والصدور العظام فكان مشهداً فخماً رائعاً قلما شهدت الأستانة مثله. وكانت جنازته في بيروت في الخامس من تشرين الأول موكباً فخماً رائعاً سار فيه العلماء والعظماء ورجال الدين، وعلى رأسهم الشيخ عبد الباسط الفاخوري مفتي بيروت... في مشهد عظيم وصلي عليه في الجامع العمري الكبير.
كان فارس الشدياق من أركان النهضة الأدبية العلمية في القرن التاسع عشر، وقد ترك عدداً من المؤلفات: أولاـ المطبوعة:
ـ (سر الليال في القلب والإبدال)، كتاب في اللغة.
ـ كتاب (الجاسوس على القاموس)، وهو كتاب نقد فيه كتاب (القاموس المحيط) للفيروز أبادي.
ـ كتاب (الساق على الساق، فيما هو الفارياق)، في اللغة والأدب والتحليل ووصف الخطرات والنوازع، والسيرة الذاتية، وأدب الرحلات، كل ذلك وغيره على أسلوب لا عهد للعربية به.
ـ كتاب (الواسطة في معرفة أحوال مالطة)، وهو وصف رحلته إلى جزيرة مالطة.
ـ كتاب (كشف المخبا، عن فنون أوروبا).
ـ كتاب (اللفيف، في كل معنى ظريف)، وهو من كتب المختارات في الأدب والحكمة والأمثال والحكايات التهذيبية والنكات اللغوية والمترادفات.
ـ كتاب (غنية الطالب، ومنية الراغب)، كتاب مدرسي في علوم الصرف والنحو.
ـ قصيدة في مدح أحمد باشا باي تونس.
ـ المقالة البخشيشية، أو السلطان بخشيش.
ـ شرح طبائع الحيوان، وهو مترجم عن الإنجليزية.
ـ كنز اللغات، وهو معجم في اللغات الثلاث: الفارسية والتركية والعربية.
ـ خبرية أسعد الشدياق، وهو الكتاب الذي روى فيه فارس الشدياق قصة تحول أخيه عن المذهب الماروني إلى المذهب البروتستانتي.
ـ كتاب (الباكورة الشهية في نحو اللغة الإنكليزية).
ـ كتاب (المحاورة الأنسية، في اللغتين الإنكليزية والعربية).
ـ كتاب (سند الراوي، في الصرف الفرنساوي).
ثانياًـ المؤلفات المخطوطة:
ـ (منتهى العجب، في خصائص لغة العرب).
ـ (المرآة في عكس التوراة)، أفرغه في قالب بديع لم ينسج أحد على منواله، وقد شرع في إنشائه على أثر ترجمته للتوراة في لندن.
ـ النفائس في إنشاء أحمد فارس.
ـ له ديوان شعر من نظمه يشتمل على اثنتين وعشرين ألف بيت.
المراجع:
ـ محمد عبد الغني حسن (أحمد فارس الشدياق، الدار المصرية للتأليف والترجمة، القاهرة، (3ـ 11)، (36ـ 38)، (183ـ 185)، (195ـ 198).
إبراهيم إسماعيل
29-10-2007, 06:37 PM
خالد بكداش
ولد خالد بكداش عام 1912 في حي المهاجرين (حي الأكراد) في دمشق. والده من أصل كردي وعشيرته لم تتميز بأي نشاط وطني أو اجتماعي، رغم أن والده خدم في الجيش في العثماني، ثم في الجيش العربي خلال حكم الملك فيصل سنة 1920.
أنهى خالد بكداش تعليمه الابتدائي والعالي في المدارس الحكومية في دمشق، لكنه لم يتمكن من متابعة دراسة القانون في كلية الحقوق بسبب نشاطه السياسي المبكر، أولع بالسياسة فانكب على المؤلفات السياسية التي كان لها تأثير كبير في قضايا الساعة يومذاك.
انخرط بكداش عام 1929 في صفوف الكتلة الوطنية، وبذل معهم جنباً إلى جنب جهده لشق طريقه في مجال السياسة، وفي عام 1930 انضم إلى الحزب الشيوعي، واعتقل مرتين بتهمة إثارات سياسية كانت الأولى سنة 1931 حيث سجن أربعة أشهر، والثانية سنة 1933 لكنه فر إثر اعتقاله، وفي تلك الأثناء عكف على ترجمة (البيان الشيوعي) وكانت تلك أول ترجمة بالعربية، ثم سافر بعد ذلك إلى موسكو طلباً للعلم.
التحق خالد بكداش في موسكو بمعهد لينين في بادئ الأمر، ثم بجامعة طشقند. وقد تعلم اللغة الروسية حتى صار يتكلمها بطلاقة، كما قرأ الكثير من الأدب الروسي. اختير رئيساً للوفود العربية التي اشتركت في المؤتمر السابع للكومنترن في سنة 1935.
أصبح بكداش قبل ذهابه إلى موسكو أميناً للمجموعة السورية في الحزب الشيوعي السوري اللبناني، وبعد عودته من موسكو اختير أميناً عاماً للحزب، وحين ألفت الجبهة الشعبية الحكومة في فرنسا في عام 1936، وهي الجبهة التي يؤيدها الشيوعيون الفرنسيون برئاسة ليون بلوم، تجلى نشاط بكداش في دمشق في تأييد الحكومة الفرنسية، والدعوة إلى التفاهم معها من أجل الوصول إلى معاهدة ينتهي بموجبها الانتداب الفرنسي ويعلن استقلال سوريا. ولم يكتف بذلك بل توجه إلى باريس ليضمن تأييد الحزب الشيوعي الفرنسي لهذه المفاوضات. ومهد بذلك إلى اجتماع أقطاب السياسة السورية بالأمين العام للحزب الشيوعي الفرنسي، كما هيأ لقاءات مع عدد من أعضاء المجلس النيابي الفرنسي اليساريين لخدمة النظرية الأممية.
ونظراً لدول اليسار الفرنسي في معاهدة 1936 التي اعتبرت معاهدة استقلال بالنسبة للسورين فقد سُمح لبكداش أن يروج للدعاية الشيوعية. وهكذا بدأ تنظيم دعايته بإلباسها ثوب التحرر الوطني، واستغل هو وأتباعه الحرية التي منحت لهم إلى أبعد حد في نشر دعوتهم على نطاق لم يتهيأ لهم من قبل. وفي سنة 1937 ظهرت لأول مرة جريدة تنطق باسم الحزب الشيوعي وهي (صوت الشعب) فنشرت خطابات بكداش والنشرات الشيوعية دون أن تمر على الرقابة، وبذلك امتد نفوذ بكداش فتجاوز المشرق ونودي به زعيماً بدون منازع.
بعد الحرب العالمية الثانية بدأ خالد بكداش بإجراء اتصالات أوثق بين حزبه والأحزاب الشيوعية الأخرى، وعلى الأخص الأحزاب الأوروبية، كما بدأ يشترك في مؤتمرات دولية. وفي سنة 1946 توجه إلى لندن لإجراء محادثات مع الشيوعيين البريطانيين، وحضر وهو في طريقه إلى لندن اجتماعات شيوعية سرية عقدت في شمالي إيطاليا حيث اطلع على النشاط الشيوعي الإيطالي، وظل كذلك على اتصال بنشاط الشيوعيين في البلدان العربية الأخرى، وعلى الأخص في دول الهلال الخصيب الذي كان يمارس بعض النفوذ عليه حتى سمي بالمندوب السامي السوفييتي على الشيوعية العربية. وفي سنة 1947 حضر المؤتمر التاسع عشر للحزب الشيوعي البريطاني كمندوب رسمي، وكان من هذا النشاط في الخارج أن تعززت مكانة بكداش في بلاده وغدا زعيماً معروفاً في المجالس الشيوعية الدولية، وبالتالي فقد عينه الكومينفورم في سنة 1948 مديراً للحزب في الأقطار العربية.
بين عامي 1947 و1949، حين ثارت ثائرة العرب ضد تقسيم فلسطين وحين اندلعت الحرب العربية الإسرائيلية الأولى امتدت الأصابع إلى الشيوعيين تتهمهم بتأييد السياسة السوفييتية التي تنادي بالتقسيم. فقام خالد بكداش الذي عرف عنه دفع الأحزاب الشيوعية العربية إلى التهاون مع قيام الدولة اليهودية في فلسطين، قام بزيارة سرية إلى حيفا حيث عقد محادثات مع الزعماء الشيوعيين الإسرائيليين تتناول خططاً جديدة لمواجهة الانفجارات الشعبية، وربما ليحث هؤلاء الزعماء على انتهاج سياسة يتنصلون فيها عن الجرائم المخزية للمنظمات الإرهابية. ولا شك في أن تأييد السوفييت لتقسيم فلسطين ثم اعترافهم بإسرائيل قد أثر تأثيراً معاكساً في الدعاية للشيوعية في العالم العربي.
خيب الموقف السوفييتي المؤيد لإسرائيل آمال العرب بحيث أثار النزاع في سوريا بين الوطنيين والشيوعيين، ليس هذا فحسب بل إن الكثير من العرب الذين كانوا أعضاء في الحزب الشيوعي انسحبوا منه وعادوا إلى صفوف الوطنيين ثم راحوا يتهمون بالخيانة كل من ظل في المعسكر الشيوعي، ورفضوا أية تسوية معهم. لكن عندما اختارت إسرائيل الاعتماد على المساعدة الأمريكية لا المساعدة السوفييتية حفزت بذلك الاتحاد السوفييتي على تأييد العرب ضد المطالب الإسرائيلية، لذا تنفس خالد بكداش الصعداء لدى رؤيته أهداف حزبه تعود لترتبط بالأهداف الوطنية، ودخل حزب البعث والشبان الوطنيين في تحالف مع الشيوعيين وأقاموا فيما بينهم اتحاداً وطنياً عمل على إسقاط نظام الشيشكلي وإعادة الحكم للرئيس الأتاسي. واستغل بكداش هذا التحالف الجديد وراح يعد نفسه لانتخابات سنة 1954.
عام 1954 انتخب خالد بكداش عضواً في المجلس البرلماني السوري، وكان بكداش أول شيوعي يحتل مقعداً نيابياً في أي بلد عربي، وقد بلغ نفوذ الشيوعيين ذروته خلال القترة التي كان بكداش فيها نائباً من سنة 1954 إلى سنة 1958، فقد تغلغل الشيوعيون في كل دائرة من الدوائر الحكومية واحتلوا مناصب عسكرية رفيعة. وبصفة بكداش زعيماً للحزب الشيوعي فقد زاد من نشاطه في الأوساط الرسمية وغير الرسمية، وأكثر من زيارة الرئيس القوتلي مطالباً بوجوب الاعتراف رسمياً بحزبه، فضلاً عن زياراته المتعددة لموسكو وحضوره الحفلات التي تقيمها المفوضات الشيوعية في دمشق، وقد حاول الشيوعيون مرتين الاستيلاء على الحكم، مرة سنة 1956 ومرة سنة 1957 ولكنهم باءوا بالفشل.
عارض خالد بكداش الوحدة المصرية السورية عام 1958، وحين وافق النواب السوريون بالإجماع على الوحدة كان مقعد بكداش في البرلمان المقعد الوحيد الخالي، حيث ترك دمشق إلى موسكو، ولم يعد إلا عام 1966 في ظل تمتين العلاقات السورية مع الاتحاد السوفييتي.
أعيد انتخاب خالد بكداش مع ستة من أعضاء حزبه في انتخابات 1973، ومثل حزبه بجناحيه وزيران في الحكومة السورية عام 1977 والتي رئيسها اللواء عبد الرحمن خليفاوي.
تعرضت قيادته أوائل السبعينات لنقد شديد داخل الحزب بسبب فرديته وتسلطه ومعارضته للقومية العربية، وتزعم الجناح المعارض له كل من ظهير عبد الصمد و دانيال نعمة ثم سوى الخلاف بينهما، إلا أن جناحاً بزعامة رياض الترك استمر في المعارضة وانتهى أخيراً إلى الانشقاق.
جُدد انتخابه أميناً عاما للحزب عام 1974 ثم عام 1980 وفي مطلع عام 1980 تعرضت قيادته مجدداً للنقد من داخل حزبه ذاته بسبب ممارسته التنظيمية الداخلية التي وصفها خصومه بأنها غير ديمقراطية.
ظل خالد بكداش عضواً في القيادة المركزية للجبهة الوطنية التقدمية منذ تأسيسها عام 1972. تزوج خالد بكداش من فتاة كردية تدعى وصال فرحة سنة 1951، أصبحت داعية نشيطة للشيوعية بين النساء، فكانت مصدر قوة لحزبه.
توفي خالد بكداش في 24 تموز 1995.
له كتاب بعنوان (طريق الاستقلال) أو (طريق الأحزاب الشيوعية في الوطن العربي).
المراجع:
ـ (عرب معاصرون) د.مجيد خدوري، الدار المتحدة للنشر، بيروت، الطبعة الأولى، 1973، ص(277 ـ 306).
ـ (ذاكرة عربية للقرن العشرين)، حسن السبع، المركز العربي للمعلومات، بيروت، 2000، ص(105).
ـ (موسوعة السياسة)، عبد الوهاب الكيالي وآخرون، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، الطبعة الأولى 1981، الجزء الثاني، ص(601).
إبراهيم إسماعيل
29-10-2007, 06:39 PM
أكرم الحوراني
ولد أكرم الحوراني في مدينة حماه السورية عام 1911. والده رشيد محيي الدين الحوراني، كان تاجراً للأقمشة وملاكا صغيراً للأراضي ورجلاً ورعاً من وجهاء حماه، أتقن اللغة العربية والتركية وخلف مكتبة كبيرة تحوي مختلف كتب علوم اللغة والأدب والتاريخ والمنطق والطب. كان على اتصال بالجمعيات السرية (العربية الفتاة) كما كان على صلات وثيقة مع العلماء والمثقفين والتجار.
انتخب كأحد ممثلي المسلمين في مجلس إدارة حماه، كما كان يدعم الفلاحين والتجار في تلك الفترة ضد عوائل الملاكين الكبار، وقد رشح نفسه لعضوية مجلس (المبعوثان) الذي يمثل حماه وحمص في استانبول لكنه لم يعين بسبب معارضة الأسر الكبيرة، توفي خلال الحرب العالمية الأولى بداء الكوليرا.
تعلم أكرم الحوراني في مدرسة دار العلم والتربية مع أبناء الأسر الإقطاعية، وقد أسس هذه المدرسة الملك فيصل الأول بن الحسين في قصر العظم في حماه. وقد تأثر أكرم الحوراني بأستاذه عثمان الحوراني الذي كان يدرسه مادة التاريخ، وكان يغذي في طلابه روح الحرية والاستقلال والمقاومة المسلحة والفخر بالإرث العربي، وكان هذا الأستاذ من المشاركين في ثورة 1925، لذا بدأ وعي أكرم الحوراني السياسي يتكون على وقع أحداث ثورة سورية الكبرى (1925ـ 1927).
بعد تخرج الحوراني من معهد العلم والتربية في حماه، ذهب إلى دمشق وانتسب إلى مدرسة النخبة الثانوية التابع للدولة (مكتب عنبر) والتي خرجت عدداً من القادة الوطنيين، ومنها تخرج الحوراني وكان من الأوائل، ثم انتسب إلى الجامعة اليسوعية في بيروت لدراسة الطب، لكنه عاد بعد سنة إلى دمشق (1931) حيث التحق بجامعتها لدراسة الحقوق، وسبب تركه بيروت هو اشتراكه في التخطيط لاغتيال النائب صبحي بركات. وبعد تخرجه من كلية الحقوق عمل الحوراني في المحاماة إلى أن انتخب عام 1943 نائباً في البرلمان.
كان أول اشتراك للحوراني في العمل السياسي المنظم في عام 1936 بعد تخرجه من كلية الحقوق، عندما انتسب إلى الحزب السوري القومي الاجتماعي منجذباً إلى المبادئ العلمانية لهذا الحزب (فصل الدين عن الدولة، القضاء على الإقطاع وتنظيم الاقتصاد القومي على أساس مصلحة الأمة والدولة، تكوين جيش قوي...) وبقي في هذا الحزب كعضو ناشط إلى أن فصل منه سنة 1939.
في عام 1941، سافر الحوراني وبعض ضباط الجيش السوري ومتطوعون آخرون من بقية الطيف السياسي الوطني إلى بغداد لمؤازرة ثورة رشيد عالي الكيلاني ضد البريطانيين، وبعد أن تمكن البريطانيون من قمع الثورة، عاد الوطنيون الحوراني ومن معه العراق إلى سورية حيث تم احتجازهم لفترة من قبل حكومة الانتداب الفرنسي في دير الزور على الحدود السورية العراقية. ويُذكر أن اتصالات الحوراني بالجيش السوري وبعفلق والبيطار بدأت على إثر هذه الواقعة.
قاد الحوراني انتفاضة الفلاحين في ريف حماه ضد الإقطاعيين، فانتخب نائباً عن حماه سنة 1943، 1947، 1949، كما ساهم في التحريض على الوجود الفرنسي في مدينة حماه عام 1945.
وبعد انتخابه عام 1943، عزز الحوراني صلاته ببعض الضباط الشباب الذي تخرجوا من الكلية العسكرية في حمص أمثال عدنان المالكي وأديب الشيشكلي، وكان الحوراني ورفاقه عفلق والبيطار ينظرون إلى الجيش دائماً كأداة للوصول إلى الحكم، وليس كمؤسسة لحماية البلاد. وقد جنوا مغبة سياستهم الرعناء هذه (استخدام الجيش كذراع سلطوي) منذ ظنوا أنهم نجحوا في الوصول إلى السلطة، إذ سرعان ما انقلبت العصا التي حاربوا بها، إلى سوط يلسع ظهورهم، بل يحطم جماجمهم وجماجم سائر المواطنين. إن كل ما قد يذكر من حسنات للحوراني ورفاقه لا تغفر هذه السيئة التي بددت قرناً من العمل السياسي في تاريخ سورية الحديث وما تزال تدفع ثمنه حتى اليوم !!
ولقد بقيت صلة الحوراني بالجيش الركيزة الأساسية في سياسته والتي أكسبته نفوذاً كبيراً فقد كان الحوراني ورفاقه من رواد البعث أكثر السياسيين تحملاً لمسؤولية تسييس الجيش بعد الاستقلال، حتى أنه قيل أنه كان لضباط الأربعينات وبداية الخمسينات واحد من ثلاثة التزامات: تأييد أحد الحزبين السوري القومي أو البعث، أو الولاء لقائد واحد هو أكرم الحوراني الذي كان يتظاهر بالوقوف إلى جانب حقوق الضباط والأفراد، في فترة تزايد فيها انتقاد السياسيين لهذا الجيش. كما كان الحوراني يلعب اللعبة نفسها مع الفلاحين والعمال.
في أول أمره تولى الحوراني وزارة الزراعة وأحدث فيها بعض ما كان يظنه إصلاحاً. وفي شهر كانون أول 1949 تولى أكرم الحوراني وزارة الدفاع في حكومة خالد العظم، ثم استقال منها في شهر نيسان، وكانت سياسته في وزارة الدفاع السيطرة على الجيش، وربط العلاقات الشخصية، لتوظيفها في مشروعه السياسي، وقد استفاد من البعثات التي وزعها على أصدقائه في توكيد هذه العلاقات. وكان له دور بارز في بناء جهاز مخابرات الجيش لإحكام السيطرة عليه.
وقف الحوراني عندما كان وزيراً للدفاع إلى جانب الشيوعيين في المجلس البرلماني ضد الأحلاف وضد الإخوان المسلمين باسم العلمانية والتحرر متهماً إياهم بالعمالة للاستعمار.
في تشرين أول 1950حصل أكرم الحوراني على ترخيص لتأسيس الحزب العربي الاشتراكي وجعل مدينة حماه مقره الرئيسي.
نظم الحوراني أتباعه من الفلاحين في الحزب العربي الاشتراكي، واستخدمهم ضد الملاكين الكبار، وبلغت حملة التحريض أوجها في مؤتمر في حلب (أيلول 1951) حضره ألوف من الفلاحين، فكان أول مؤتمر من هذا النوع (الثوري !!) في الوطن العربي، واشتدت الحملة وتحول التحريض إلى أعمال عنيفة، فأُحرقت المحاصيل وأُطلقت النار على بيوت الملاكين.
وعندما سيطر الشيشكلي حليف الحوراني على الحكم وأخذ يكمم الأفواه ويُلقي القبض على معارضيه هرب الحوراني على عادته عبر الجبال إلى لبنان، وهناك انضم إليه ميشيل عفلق وصلاح البيطار اللذان هربا هما أيضاً من اضطهاد الشيشكلي. وفي منفاهم عام 1952 قرر الثلاثة دمج حزبي (البعث العربي) و(العربي الاشتراكي) ليصبح (حزب البعث العربي الاشتراكي). وذلك لتصليب الجبهة المعارضة للشيشكلي، وكان هذا الحزب بمثابة تجمع موظفي المدينة والمعلمين وأشباههم مع الفلاحين.
عندما تحققت الوحدة بين مصر وسوريا في شهر شباط عام 1958، وقف الحوراني موقفين مزدوجين وبالغي التناقض: مرة كمدافع متحمس إلى الوحدة مع مصر، وهي التي ما إن تحققت حتى سمي فيها نائباً لرئيس الجمهورية العربية المتحدة، جمال عبد الناصر. ومرة حين انقلب على الوحدة واستقال من مسؤولياتها في 1959، فهرب الحوراني منذ ذلك التاريخ إلى لبنان وشرع يشن الهجوم تلو الهجوم على (الاستعمار المصري !!) وعلى (التواطؤ بين القاهرة وتل أبيب !!)، وما كاد انقلاب 28 أيلول عام 1961 ينهي حكم الوحدة حتى انتقل الحوراني إلى دمشق وبات من أركان (العهد الانفصالي) هو ورفاقه وهم الذين طالما راوغوا الجماهير برفع شعار الوحدة. ويقول الذين كانوا يترددون عليه في أيامه الأخيرة، أن حقده على عبد الناصر لم يفتر ولم يفقد شيئاً من زخمه الأول كما لو أن الرجل يعيش في (1959). ويعزى سبب هذا الحقد إلى أسباب شخصية نظراً إلى أن وضعه السياسي قد تضرر تحت حكم عبد الناصر. فقبل الوحدة كان يظن نفسه صانع الحكام في سوريا. ثم جاء عبد الناصر وانتزع منه كل ذلك وأعطاه بالمقابل منصباً شكلياً فارغاً في حكومة الجمهورية العربية المتحدة.
وبقيام انقلاب 8 آذار عام 1963 الذي حمل البعث إلى السلطة كان الحوراني أحد المغضوب عليهم الذين بالغوا في الخروج من بيت الحزب الواحد، وإذا بالضباط الذين أدخلهم الحوراني إلى الحزب والسياسة يخرجونه من السياسة ويجردونه من حقوقه المدنية فضلاً عن اعتقال دام فترة وجيزة. ثم لم يلبث أن لحق به صاحباه عفلق والبيطار في شباط 1966.
ومنذ ذلك الوقت وأكرم الحوراني يتجول في بلاد الله الواسعة، من بيروت إلى بغداد، ومن بغداد إلى باريس، ومنها إلى عماّن، خائب الأمل. مرة يحاول التعويل على قدامى الرفاق العراقيين، ومرة يحاول تجميع المعارضين السوريين فينتبه إلى أن الأمر قد تغير وأن الذي كان يقود في الخمسينات لا يستطيع أن يقود في التسعينات، لاسيما أن عقله لم يتغير كثيراً.
توفي أكرم الحوراني في عماّن في شباط عام 1996، وشارك في جنازته بضعة أشخاص ربما لا يتجاوزن أصابع اليد كان من بينهم بعض أعدائه من الإخوان المسلمين. ودفن فيها.
هذه المعلومات أخذت بتصرف عن:-
ـ مسعود الخوند (الموسوعة التاريخية الجغرافية، لبنان، 1997، الجزء العاشر ص(188ـ 192)، (84ـ 87)، (90).
ـ مذكرات أكرم الحوراني ( القاهرة، طبعة أولى 2000، ص(1021ـ 1033)، (1114ـ 1125)، (1126ـ 1133)، (1481ـ 1516).
إبراهيم إسماعيل
29-10-2007, 06:40 PM
أحمد مريود
هو أحمد بن موسى بن حيدر مريود، ولد ونشأ في قرية جباتا الخشب، من قرى القنيطرة في هضبة الجولان في سوريا سنة 1886م، وينتمي إلى قبيلة المهيدات التي كانت تقبض على إمارة وزعامة البلقاء في الأردن، وتعود الجذور التاريخية لقبيلة المهيدات إلى قبيلة بني سلام من نسل العدنانية.
عاش أحمد مريود في كنف والديه مع خمسة من إخوانه الذكور وسبع من أخواته الإناث، بالإضافة إلى خاليه أحمد ومحمد الخطيب وهما من قرية شبعا التابعة لمنطقة العرقوب في لبنان، وذلك بعد وفاة والدهما الشيخ على الخطيب زعيم قرية شبعا.كان موسى مريود كثير الحرص على تعليم أفراد أسرته من الذكور والإناث.. فاستدعى إلى بيته أساتذة لتعليمهم أصول الكتابة والقراءة وحفظ القرآن الكريم، بالإضافة إلى عنايته الخاصة حيث غرس في ذاكرة أبنائه حب العلم والتعلم وذكرهم بأن الدين ليس عبادة فحسب بل هو معاملة وأخلاق، وعلمهم روح العصامية والاعتماد على الذات.
أحب أحمد مريود الدراسة فتلقى الدراسة الابتدائية في مدارس القنيطرة، ثم أتم مرحلة التعليم الإعدادي في دمشق، ثم أتم دراسته الثانوية في مكتب عنبر في دمشق وتخرج منها.
أولع مريود بقراءة التاريخ، وكان شديد الشغف بمطالعة تاريخ العرب في عصورهم الزاهرة، تراود نفسه الآمال في استعادة أمجادهم الضائعة. وقد أكد هذه الميزة صديقه الشيخ تركي العبيدات بقوله: (أحمد مريود تحدث في التاريخ العربي وكأنه الطبري أو المقريزي).
أسس مريود جريدة (الجولان) الأسبوعية التي تصدر من القنيطرة، فكانت صوت الحق العربي، يرأس تحريرها ويشرف على موادها، ويكتب زواياها التاريخية والسياسية. إلا أنها توقفت بسبب ظروف صاحبها، وكثرة ترحاله عن أرض الوطن وظروفه العائلية بعد وفاة والده بحيث أصبح سيد ورب الأسرة من بعده.
دخل أحمد مريود في جمعية (العربية الفتاة)، وكان أثناء دراسته في دمشق قد اتصل بعدد من الشبان العرب النابهين، ونسّبهم فيما بعد في التنظيم السري التابع لجمعية العربية الفتاة، كما دأب مريود خلال الحرب العالمية الأولى على تجهيز الفارين من مظالم الاتحاديين الأتراك للحاق بثورة الشريف حسين بن علي في الحجاز واصطحابهم بمن يرشدهم إلى بلوغ البادية.
لما منعت الحكومة العثمانية تصدير الحبوب (الحنطة وأشباهها) من ولاية سورية إلى لبنان، مما أدى إلى انتشار الجوع هناك، كان أحمد مريود يحمل ما استطاع من القمح على خيله ويمضي به خلسة إلى القرى اللبنانية القريبة منه، فيبيعه بسعر الكلفة، وبهذا أنقد عائلات كثيرة كانت معرضة للموت جوعاً.
قُبض على مريود وأودع سجن عالية في لبنان بسبب مساعدته على الفرار للكثير من الرجال الذين كانت مشانق جمال باشا تنتظرهم، وبقي مسجوناً إلى حين انتهاء الحرب العالمية الأولى بقليل.
بعد دخول الجيش العربي إلى دمشق وانتهاء الحكم العثماني، كان أحمد مريود شخصية وطنية قيادية في العهد الفيصلي، وعضواً بارزاً في المؤتمر السوري الذي أعلن استقلال سورية الطبيعية. وعندما ترامت أنباء تقسيم الأراضي العربية بين الحلفاء، ترك أحمد مريود دمشق وقرر أن يهب الجولان بقيادته إلى المقاومة، فقد كان يتمتع بنفوذ كبير لتنظيم وسائل الدفاع في تلك المنطقة مع رفاق له مخلصين وأوفياء، فأعلن الثورة في تشرين أول سنة 1919 ضد المحتل الفرنسي.
تحققت أهداف ثورة 1919 برد الغزو الفرنسي لسوريا عن طريق بوابة مرجعيون، وتحققت أيضاً بوجود المجاهدين الأردنيين والفلسطينيين واللبنانيين من جبل عامل وخوضهم معارك هذه الحرب ببسالة، واكتسابهم كل الخبرات استعداداً لملاقاة الاستعمار الغربي بشقيه الفرنسي والبريطاني في المقبل من التحديات، وتحققت أهداف هذه الثورة بقيادة المجاهد أحمد مريود عندما تعمد السلاح العربي بوحدة ثوابت الأمة في الوحدة والتحرير، وبوجود المجاهدين من كل أطراف سوريا الداخلية والجنوب حتى ما وراء صور وفلسطين والأردن، كما تحققت أهداف هذه الثورة باستمرارية الحماس الثوري واللياقة العسكرية والجاهزية القتالية التي أثبتت مصداقيتها النضالية والقتالية عندما انتقل زعيم الثورة بحشودها إلى الأردن.
لما وصل الإنذار الفرنسي باحتلال سورية للملك فيصل الذي توج ملكا على سورية في 8/3/1920م، هبت على البلاد عاصفة شديدة من الحماسة، وأقبل الناس على التطوع، فغصت بهم الثكنات العسكرية في كل مكان، وشهدت منطقة القنيطرة وقرى جبل الشيخ أروع معاني التلاحم النضالي، فلبى أهلها نداء الزعيم أحمد مريود، وأصبحت جباتا الخشب قبلة يتوجه إليها الثوار، فنظم مريود صفوفهم استعداداً لمواجهة الفرنسيين المحتلين.
رفض أحمد مريود الإنذار باسم الشعب السوري فقد كان عضواً في المؤتمر السوري، وانسحب المجاهد أحمد مريود ورجاله إلى الأردن واتخذ من بلدة كفرسوم قاعدة مركزية لكفاحه وجهاده، ومنها وبدعم من أهلها بدأت مرحلة جديدة من النضال والكفاح المسلح ضد المحتل الفرنسي، فخاض المجاهدون مئات المعارك والمواقع البطولية كان أشدها المشاركة في معركة ميسلون على أثر دخول الفرنسيين البلاد ولما دخل الفرنسيون سوريا كان اسم أحمد مريود من بين المحكوم عليهم بالإعدام.
كان المجاهد أحمد مريود عضواً بارزاً في حزب الاستقلال المنبثق عن الجمعيات الوطنية، والذي تأسس عام 1919، وكان يرى أن الوضع الخاص في شرقي الأردن سيكون عظيم الفائدة لأحرار سوريا، وذلك برسم استراتيجية سياسية قومية بإعادة تنظيم حزب الاستقلال، وخطة عسكرية لشن حرب استنزاف على القوات الفرنسية في سوريا انطلاقاً من الأردن، وكانت هذه القوات تتخوف من ظاهرة النشاط السري التي يديرها ويخطط لها أحمد مريود بهدف إحكام الضغط على المحتل.
وفي ظل المناخ السياسي الشعبي المتحمس في الأردن، قرر مريود اغتيال الجنرال غورو، وبالفعل هوجم موكب غورو المتوجه إلى بلدة القنيطرة، مما زاد من حقد الفرنسيين على مريود لتأكدهم من تدبيره حادثة الاغتيال. وقد أعطت السلطة الفرنسية هذه الحادثة أهميتها الحقيقية.
وبعد محاولة اغتيال الجنرال الفرنسي غورو، ازدادت شكاوي الفرنسيين والإنجليز معاً ضد حزب الاستقلال، وبخاصة ضد أحمد مريود. مما اضطره إلى مغادرة الأردن إلى الحجاز.
وفي الحجاز، استقبله ورفاقه الشريف حسين بن علي ودعاهم ليحلوا في ضيافته، ولم يمض على وجودهم ثلاثة أسابيع إلى وقوع الهجوم السعودي على الطائف في عام 1924، فأسرع الكثيرون يبارحون مكة إلى جدة، وظل أحمد مريود في مكة مع الشريف حسين حتى قرر الشريف حسين مغادرتها، فتوجه مريود إلى العراق بناء على دعوة رفاقه في حزب الاستقلال، واتخذ من خانقين دار إقامة له.
في العراق بدأ أحمد مريود نشاطاته السياسية والإعلامية، والتف حوله مجموعة من المجاهدين والمفكرين العرب. وعندما اندلعت الثورة السورية سنة 1925، قرر أحمد مريود العودة إلى أرض الوطن، فغادر العراق عبر البادية الأردنية باتجاه جبل العرب، فلما وصل كان في استقباله المجاهد سلطان الأطرش القائد العام للثورة السورية وعدد من الزعماء الثوار. فشارك مريود في الثورة.
كان المجاهد أحمد مريود ينطلق من حرصه على تقوية روح الثورة المتجددة، فبدأ بالاتصال بمعظم القوى والشخصيات الوطنية، فعن طريق شكري القوتلي اتصل بأطراف الكتلة الوطنية، وعن طريق الدكتور عبد الرحمن الشهبندر رئيس حزب الشعب اتصل بشخصيات هذا الحزب، كما اتصل بالشخصيات الوطنية المستقلة، وكانت جميع هذه الأطراف ترى فيه الشخص المؤهل لقيادة العمل الكفاحي، وكانت اتصالات ولقاءات واجتماعات أحمد مريود تتم في سرية تامة، وقد تمت جميعها بنجاح، كما تم انتقال الثوار من دمشق إلى منطقة الغوطة أيضاً بنجاح.
وفي الغوطة اندلعت الثورة وأبلى المجاهدون وعلى رأسهم أحمد مريود بلاء حسناً إلا أن السلطة الفرنسية والتي جهزت أكبر حملة عسكرية، هاجمت موقع الثوار في كل قرى الغوطة وأجبرتهم على الانسحاب بعد أن كبدت الثوار عشرات القتلى فانسحبوا إلى الجولان.
ومن الجولان قرر أحمد مريود الانتقال إلى مركز ثورته جباتا الخشب، وهناك فاجأ الفرنسيون أحمد مريود في بيته فـي جباتا الخشب في 30 أيار1926، فثبت لهم وقاتلهم مع عدد من الثوار وابنه البكر حسين الذي كان أصغر المجاهدين، لم يتجاوز عمره الـ16 سنة.
استمات أحمد مريود في القتال حتى استشهد، ولما انسحبت القوات الفرنسية من المعركة أخذت معها جثمان الشهيد أحمد مريود ومجموعة من رفاقه الشهداء إلى دمشق، حيث عرضت جثثهم في ساحة المرجة (ساحة الشهداء) على سبيل التشفي، وتركت الجثث تحت أشعة الشمس، فلما خشي سكان دمشق أن يصيب الجثث التعفن ولم تكن السلطات قد سمحت بسحبها، هرع أهالي دمشق وجمعوا الزهور ونثروها على جثث الشهداء. ولما تقرر نقل الجثث إلى المدافن، رفض أهل دمشق وقادة الأحياء الشعبية بأن يقوم آل مريود بنقل جثمان الشهيد إلى جباتا الخشب، وأصروا على دفنه في احتفال ديني وطني شعبي في مقبرة (قبر عاتكة) إحدى المقابر الدمشقية العريقة، وأُقيم له ولرفاقه مأتم شعبي كبير.
المراجع:
ـ (موسوعة رجالات من بلاد العرب)، د. صالح زهر الدين، المركز العربي للأبحاث والتوثيق، بيروت، طبعة أولى 2001، ص (60ـ 69).
ـ (الأعلام)، خير الدين الزركلي، دار العلم للملايين، بيروت، طبعة خامسة 1980، الجزء الأول، ص (262).
ـ (أحمد مريود قائد ثورة الجولان وجنوب لبنان وشرق الأردن)، محمود عبيدات، رياض الريس للكتب والنشر، بيروت، طبعة أولى 1997.
إبراهيم إسماعيل
29-10-2007, 06:43 PM
الحاج محمد أمين الحسيني
ولد في القدس سنة 1897، ونشأ في عائلة الحسيني العريقة، وتربى في بيت والده الشيخ طاهر الحسيني مفتي القدس، الذي عرف بالعلم الواسع والتقوى والصلاح.
تلقى علومه الابتدائية والثانوية في مدارس القدس، التحق بكلية الفرير بالقدس لتعلم اللغة الفرنسية، بعدها التحق بجامعة الأزهر لتلقي المزيد من العلوم الدينية، وكان يتردد على (دار الدعوة والإرشاد) التي أنشأها محمد رشيد رضا (داعية الإصلاح) حيث نهل من علمه وسار في تياره الفكري الذي يمارس تأثيراً كبيراً على الجماهير. ومن خلال ذلك عرف الكثير عن الصهيونية وأطماعها في فلسطين، إلا أن دراسته في الأزهر لم تطل أكثر من عامين بسبب نشوب الحرب العالمية الأولى.
التحق بكلية الآستانة العسكرية وتخرج منها ضابطاً، والتحق بالجيش العثماني في ولاية أزمير، وعمل في مراكز عسكرية أخرى على البحر الأسود حتى نهاية الحرب مما أكسبه خبرة جيدة، كان لها الأثر الأكبر في شخصيته وحياته.
بعد نهاية الحرب، عاد الضابط الحسيني إلى القدس، وأصبح يعرف بين الناس بالحاج أمين الحسيني إذ كان قد اكتسب لقب الحاج عندما حج برفقة والدته. وهكذا كانت كتابات الحسيني تتلخص إثر عودته إلى بلده في كونه شاباً عربياً مؤمناً ومتعلماً، ملماً بالفكر الإسلامي النير، والعلوم المفيدة، والخبرة العسكرية، ويعرف من اللغات الأجنبية التركية والفرنسية، بالإضافة إلى ذلك كله كان بحكم انتمائه إلى أسرة آل الحسيني، ذات النسب والشرف مهيأ ليكون زعيماً وداعية مسموع الكلمة.
عندما احتل الإنجليز فلسطين، انصرف الحسيني إلى تنظيم الفلسطينيين في حركة وطنية شاملة ضد الاستعمار والصهيونية واستجاب له نفر من أصدقائه فكونوا في القدس أول منظمة سياسية عرفتها فلسطين وهي (النادي العربي) وانتخب الحسيني رئيساً لها، وكان لهذا النادي أثر كبير في انطلاق الحركة الوطنية، وقيام المظاهرات العنيفة ضد الاحتلال الإنجليزي.
تسلم الحسيني منصب الإفتاء رسمياً ـ بالرغم من مقاومة الإنجليز لذلك ـ فأعاد تنظيم المحاكم الشرعية، واختار لها القضاة، ونظم الأوقاف، وعين فيها عدداً من الشبان المخلصين المثقفين، وأخذ يعمل على تقوية المدارس الإسلامية القليلة وتنظيم أمورها، كما أنشأ مجلساً شرعياً إسلامياً لفلسطين تألف من مجموعة من العلماء، وعين الحسيني رئيساً لهذا المجلس الذي سمي (المجلس الإسلامي الأعلى)، الذي أصبح على مرّ الأيام أقوى قوة وطنية إسلامية في البلاد، وقام بعدد من الأعمال والإنجازات الهامة منها: إنشاء دار الأيتام الإسلامية الصناعية في القدس وفتح عشرات المدارس في البلاد، وقام باسترجاع أراضي الوقف الإسلامي التي كانت حكومة الانتداب تسيطر عليها، وتولى إدارتها، وأنشأ العشرات من المحاكم الشرعية، وعين المئات من الوعاظ والمرشدين، فضلاً عن إنشاء فرق الجوالة والكشافة الإسلامية والجمعيات الخيرية والنوادي الأدبية والرياضية، وإصلاح المسجد الأقصى المبارك والصخرة المشرفة وإنقاذها من الأخطار التي كانت تتهددها بالانهيار، وقد تم ذلك بأموال الأوقاف وتبرعات العرب والمسلمين في شتى أنحاء العالم.
استطاع الحسيني أن يجعل لنفسه من خلال المجلس نفوذاً سياسياً ساعد على مواصلة النشاط والجهاد، بالرغم من المعارضة القوية التي كانت موجهة إليه وإلى الحركة الوطنية معاً، وقد قامت هذه المعارضة في البداية على التنافس العائلي على منصب رئيس بلدية القدس، وكانت ركائز هذه المعارضة البلديات التي يسيطر عليها الإنجليز، وأركانها رؤساء هذه البلديات، والإنجليز كانوا يغذونها، وأطلق المعارضون على أنصار الحركة الوطنية اسم (المجلسيين) نسبة إلى المجلس الإسلامي الأعلى الذي رأسه الحاج أمين، واختاروا لأنفسهم اسم (المعارضون) ومن هؤلاء المعارضين عائلة النشاشيبي والشقيري، وهكذا انقسمت البلاد إلى فئتين وكان لهذا الانقسام أثره في حياة فلسطين، وفي حركتها الوطنية، حيث أثارت المعارضة الفتن، والشغب على المجاهدين، وكانت تستعين على هذا بما تتمتع به من عون من الإنجليز واليهود تحقيقاً لمبدأ فرق تسد !! فتستجيب لها وتقع في مصيدتها بعض النفوس الضعيفة.
كان الحاج أمين القوة الدافعة للحركة الوطنية، ومركز الثقل في المقاومة الفلسطينية، والعنصر الفعال الموجه في المحيط العربي الفلسطيني، السياسي والوطني على السواء، هذا بالإضافة إلى الدور العظيم الذي كان يقوم به في مضمار الشؤون الإسلامية، مما حفز الإنجليز وأعوانهم اليهود إلى مقاومته والتخلص منه.
في أواخر تموز 1929 وقع اصطدام عنيف بين الفلسطينيين واليهود في ساحة البراق الشريف بسبب محاولة اليهود اقتحامه وفرض سيطرتهم عليه، ووقف الإنجليز إلى جانب اليهود، وامتدت الاصطدامات وأخذت تتوالى حتى حصل الانفجار الكبير يوم الجمعة 23 آب والذي يعرف (بثورة البراق) حيث حدثت اشتباكات في جميع أنحاء المدينة وغدت الشوارع مسرحاً لقتال العرب واليهود، وكانت حصيلة هذه الاشتباكات التي انتهت في 30 آب مقتل وجرح 450 من اليهود و348 من العرب.
لما رأى الحسيني انحياز الإنجليز مع اليهود، لجأ إلى قوة العالم الإسلامي مستنداً إلى مكانته الدينية، ودعا إلى عقد مؤتمر إسلامي رسمي في القدس، يشعر سلطات الانتداب بأن عرب فلسطين ليسوا وحدهم، فهناك الملايين من العرب والمسلمين يساندونهم. وافتتح المؤتمر الإسلامي العام رسمياً يوم الإسراء 7/12/1931، حضره حشد كبير من العلماء والشخصيات السياسية، استنكروا فيه جميع أنواع الاستعمار وفي أي قطر من الأقطار الإسلامية، كما وضع المؤتمر قرارات رئيسية أهمها: وضع نظام لعقد المؤتمر كل سنتين، إنشاء جامعة إسلامية في القدس باسم (جامعة الأقصى)، التعاهد بالدفاع عن البراق، إيجاد دائرة معارف إسلامية، تأسيس شركة زراعية لإنقاذ الأراضي ومساعدة الفلاحين والقرويين وأرباب الحرف، وإيجاد شركات تعاونية للتسليف.
عندما تدفقت الهجرة اليهودية على فلسطين، ازداد نشاط الحركة الوطنية وقامت بعدة مظاهرات يترأسها الشيخ موسى كاظم الحسيني، وتعاقبت المظاهرات، وأخذ الوضع يتأزم بمرور الزمن خاصة بعد قيام اليهود بتهريب الأسلحة والأعتدة على نطاق واسع، وتوزيعها على المستعمرات اليهودية، وتشكيل عصابات سرية للإرهاب والتخريب، مما جعل الحاج الحسيني يؤلف لجان سرية من شبان فلسطين لشراء السلاح من داخل فلسطين ومن سورية ومن لبنان والعراق وشرق الأردن، ونقله إلى فلسطين، كما أقام المفتي مراكز سرية في عدة مناطق فلسطينية لتدريب الشبان المؤهلين على استعمال السلاح وحرب العصابات مستعيناً بعدد من كبار الضباط العرب المتقاعدين (من فئة الضباط الناجحين في العهد العثماني)، كما شكل مجموعات مسلحة من الوطنيين الصامدين في بعض أنحاء فلسطين في الشمال، وكان الشيخ علي رضا النحوي مسؤولاً عن هذا التنظيم، أما المناطق الجنوبية وخاصة القدس، فقد كون الشبان الوطنيون تنظيماً بقيادة عبد القادر الحسيني أطلقوا عليه اسم (الجهاد المقدس).
توالت الاشتباكات المسلحة بين العرب واليهود بسرعة فائقة، مما أدى إلى إعلان الإضراب العام الذي شمل البلاد كلها، وهو ردة فعل فورية إزاء الأخطار المحدقة بالبلاد إثر الهجرة المكثفة لليهود، وانتقال ملكية الأراضي لليهود، وحرمان العرب من أي نوع من أنواع الحكم الذاتي. واستمر الإضراب في تصاعد مستمر، ودعا المفتي إلى الوحدة الوطنية بين الأحزاب الفلسطينية وانتخبوا لجنة برئاسة الحاج الحسيني وعضوية ممثلي الأحزاب الستة أطلقوا عليها اللجنة العربية العليا، حيث أعلنت هذه اللجنة قرارها بالاستمرار في الإضراب العام إلى أن تمنع الحكومة البريطانية الهجرة اليهودية منعاً باتاً، وتمنع انتقال ملكية الأراضي لليهود، وتوافق على إنشاء حكومة وطنية مسؤولة أمام مجلس نيابي، إلا أن الحكومة البريطانية لم تأبه بمطالب اللجنة العليا، وأصدرت تقريراً يقتضي تقسيم البلاد إلى ثلاث مناطق (منطقة عربية تضم إلى شرق الأردن، منطقة يهودية تشمل أجود الأراضي الساحلية وتمتد من حدود لبنان إلى المجدل عبر سهل مرج بن عامر وبيسان والجليل، ومنطقة واقعة تحت الانتداب البريطاني).
أعلنت اللجنة العربية العليا رفضها قرار التقسيم، لذا اعتبرت بريطانيا المفتي العقبة الوحيدة أمام حل القضية الفلسطينية والتفاهم مع اليهود، ورأت ألا تترك الساحة خالية لنشاطه، بل عليها أن تقيله من مناصبه وخاصة رئاسة المجلس الإسلامي الأعلى، وأن تبطش به وبالفريق المتصلب من المتطرفين، فاقتحمت مقر اللجنة العربية العليا لاعتقال المفتي، لكنه نظراً للحراسة المشددة التي تحيط به تمكن من الإفلات والاختباء في بيته الواقع بين أروقة المسجد الأقصى مما تعذر على الإنجليز دخوله خوفاً من انتهاك حرمة المكان، ولفت الرأي العام العربي لعملهم هذا، واستمرت تحاصر المكان مدة 3 أشهر قطعت خلالها البريد والتلفون والكهرباء، فعاش المفتي في عزلة تامة عن العالم. وخوفاً من نشوب القتال في ساحة الحرم بين المجاهدين الذي جاؤوا لحماية زعيمهم وبين الأعداء، قرر المفتي مغادرة البلاد، وقبل مغادرته كان قد أعد بياناً دعا فيه الشعب لاستئناف حمل السلاح في 15 تشرين أول 1937.
استطاع المفتي التسلل والفرار ـ بعد تعرضه لمشاق كبيرة ـ إلى لبنان، وعند وصوله قامت مظاهرات تأييد له واحتجاجاً على السلطات الفرنسية التي قررت نفيه إلى باريس لكنهم تراجعوا، وفي هذه الأثناء حلت الحكومة البريطانية اللجنة العليا ونفت الزعماء إلى الخارج، لكن الحسيني قبل خروجه من فلسطين أعد لاستئناف الثورة، فلما نجح في الإفلات تفجرت الثورة مرة أخرى، وجعل يشرف على إدارتها من لبنان، ويتابع أخبار المجاهدين وبنفس الوقت يتابع أخبار وتحركات الإنجليز، كما كون اللجنة المركزية للجهاد من الشيخ حسين أبو السعود ومنيف الحسيني واسحق درويش في لبنان وعزة دروزة ومعين الماضي في دمشق، وقامت هذه اللجنة بتوجيه الثورة وإمدادها وإسعاف منكوبيها، كما أخذت تجهز بعض البارزين من المجاهدين وتسيرهم إلى فلسطين ليتولوا قيادة الحركة الجهادية في مرحلتها الجديدة، وتنشئ الصلات بين من بقي منهم في فلسطين وتمدهم بما تستطيعه من مال وسلاح، وتبذل جهودها في سبيل الحصول على التبرعات من مختلف البلاد العربية، ويذكر أنه تعاونت لجنة الدفاع عن فلسطين، برئاسة نبيه العظمة، والمجاهدون السوريون كل التعاون مع اللجنة المركزية، خاصة في المساعدات المادية وفي حماية رجال الثورة من عيون الفرنسيين.
إبراهيم إسماعيل
29-10-2007, 06:43 PM
تأزمت الحال في صيف 1939 في أوروبا، وتقاربت فرنسا وبريطانيا، وطلبت بريطانيا من فرنسا أن تضيق الخناق على المجاهدين الفلسطينيين في سورية ولبنان، ووضع المفتي تحت المراقبة الشديدة من مختلف طبقات المجتمع من موظفي الأمن العام حتى التجار إلى الباعة، لكن بفضل الله ورعايته استطاع في غفلة من الفرنسيين الفرار إلى العراق بعد مكوثه سنتين في لبنان.
كان العراق في تلك الفترة يتمتع باستقلال نسبي، وكان أكثر البلدان العربية ملاءمة لقبول لجوء المفتي إليه، وكان قد وصل إلى العراق قبله مائتا مجاهد فلسطيني، فأظهر لهم الشعب والحكومة العراقية كرماً عظيماً، وبانتقال سماحته إلى بغداد أصبح العراق مركز الثقل للقضية الفلسطينية. وفي العام الأول من وجوده في بغداد قام بتأسيس (حزب الأمة العربية) وقد كان للحزب دستور تلخصت أهدافه السياسية بالاستقلال للبلدان العربية من نير الاستعمار والوحدة بينها، وقد تألفت النواة الأولى للحزب برئاسة المفتي، فانضم إلى هذا الحزب السري عدد من السياسيين والعسكريين العراقيين وعدد من السياسيين العرب الذين كانوا في العراق في ذلك الوقت. حيث كان هذا الحزب القوة السياسية والأساسية المحركة للأحداث على الصعيدين السياسي والعسكري ومن هؤلاء العسكريين العراقيين: رشيد عالي الكيلاني، يونس السبعاوي، ناجي شكوت، وصلاح الدين الصباغ.
انتهز المفتي فرصة وجوده في بغداد، فطلب من السلطات العراقية أن تقوم بتدريب الفلسطينيين تدريباً عسكرياً، ودخل عدد كبير منهم في مدرسة ضباط الاحتياط وحصلوا على شهادتها، وكذلك في كلية الأركان والمعاهد العسكرية وأتموا تدريبهم فيها.
كان الحاج أمين يتمتع بسمعة وطنية كبيرة من جميع الأطراف في العراق، حيث قام بدور كبير في أحداث العراق، وعمد إلى إزالة أسباب الخلاف التي كادت تؤدي بالجيش إلى الصدام، الرابح منه الإنجليز وحدهم، حيث قامت في ذلك الوقت معركة سياسية ضارية قسمت الجيش إلى معسكر يتجمع حول (نوري السعيد) الذي يرى أن التعاون مع الإنجليز في الحرب يوصل العراق إلى حقوقه الوطنية، ومعسكر آخر يتجمع حول رشيد عالي الكيلاني الذي يرى أنه يستحيل الاعتماد على الإنجليز الذين تسيطر عليهم الصهيونية، وكان يذهب إلى التعاون مع الألمان. ازدادت نقمة الإنجليز على المفتي أمام هذا العمل الدؤوب الذي كان لصالح العراق وقضية فلسطين، وزاد هذه النقمة أنه استطاع أن يحسن الجو بين السعودية والعراق، مما أدى إلى تهيئة البلدين لتحقيق وحدة مستقبلية.
طلبت السلطات العراقية من المفتي الاتصال سرياً مع الألمان لطلب السلاح والحصول على تصريح من الحكومة الألمانية بشأن استقلال الأمة العربية وحريتها، وبالفعل تم ذلك حيث أرسل أمين وزارة الخارجية الألمانية رسالة إلى المفتي، بين فيها استعداد ألمانيا دعم الشعب العربي في حالة وقوع حرب مع الإنجليز، إذا مكنتها وسائل المواصلات من ذلك، وذكر أن الشعبين الألماني والعربي متفقان على الكفاح ضد العدو المشترك الإنجليز واليهود، وطلب بقاء هذه الرسالة سرية.
قامت الثورة العراقية في أيار عام 1941، وكان للمفتي دور كبير في الحث عليها والوقوف معها، حيث أقنع القادة العراقيين أن هذه حركة تحريرية وطنية هدفها تحرير العراق من براثن الاستعمار البريطاني، ليمارس سيادته واستقلاله الوطني كاملاً غير منقوص، وصمم العراقيون على الدفاع عن حريتهم وكرامتهم، في حين صمم الإنجليز على الاعتداء على العراق وقامت هذه الثورة بقيادة رشيد عالي الكيلاني، ووقف المفتي إلى جانبه فحشد المئات من المجاهدين الفلسطينيين والعرب الملتفين حوله، وكان يتصل بكبار الضباط ويقوم بتوجيههم، ويثير فيهم روح الجهاد ويعمل على تقوية روح المقاومة عند أبناء الشعب العراقي، إلا أنه ولأسباب عدة لم يكتب لهذه الثورة النجاح.
حاول الإنجليز اعتقال المفتي، لكنه استطاع الإفلات من أذاهم والهروب إلى إيران، ولم تطل إقامته هناك بسبب احتلال القوات الروسية والبريطانية المشتركة للعاصمة طهران حيث كان يقيم، واستطاع بعد جهد ومشاق، السفر إلى إيطاليا عبر تركيا بمساعدة الطليان، ومن إيطاليا توجه إلى ألمانيا، حيث حل ضيفاً على الحكومة الألمانية.
وأثناء إقامة المفتي في ألمانيا، وصل إليها رشيد عالي الكيلاني، فتقدم الاثنان بعدة مشاريع لتصريح رسمي أو معاهدة بين العرب والمحور تضمن للعرب الاعتراف من قبل المحور بالحرية والاستقلال للأقطار العربية الواقعة تحت الحكم البريطاني، وبالعمل للقضاء على الوطن القومي اليهودي في فلسطين، وبعد موافقة هتلر تمكنا من الحصول على تعهد رسمي من ألمانيا وإيطاليا موقع عليه من وزيري الخارجية الألماني والإيطالي، مؤيداً مطالبهم وموضحاً استعداد الحكومة الألمانية للمشاركة مع العرب في الكفاح ضد العدو المشترك الإنجليز واليهود حتى يتحقق النصر.
كما طلب المفتي من السلطات الألمانية أن توسع مجال عملها بشكل يتمكن فيه كل العرب المقيمين في بلاد المحور من الانضمام إلى الجيش الألماني للتدريب وتكوين جيش عربي، وبالفعل قررت الحكومة الألمانية إنشاء (الجيش العربي) ومد هذا الجيش بالأسلحة اللازمة، ولتحقيق هذا بنى الألمان مستودعاً كبيراً تخزن فيه الأسلحة الخفيفة، ووضعوا تحت تصرف الجيش أربع طائرات لنقل العتاد ووضعه في مخابئ سرية لتدريب المجاهدين في فلسطين.
أثناء إقامة المفتي في ألمانيا سمع بالمآسي التي حلت بالشعب البوسني المسلم عندما تصارعت عليه القوميتين الكرواتية والصربية، حيث اجتمع بزعماء بوسنة وهرسك، وبعد البحث معهم ومع قيادة القوات الألمانية في كيفية المحافظة على حياة البشانتة ومنع وقوع المذابح فيهم، وافقت الحكومة الألمانية على تجنيد الشبان منهم وتسليحهم للدفاع عن أنفسهم وعائلاتهم، كذلك اتفق المفتي مع السلطات الألمانية على إنشاء معهد للأئمة لتوزيعهم على وحدات الفرق البوسنية الذين زاد عدهم عن 100 ألف مقاتل، وقد أنشأ المعهد واختير له عدد من علماء البشناق لتوجيه أولئك الأئمة، وأنشأ المفتي كذلك بالاتفاق مع الألمان معهداً آخر في (دردسن) لتخريج الأئمة الأذربيجانيين والقوقازيين وغيرهم، وبذلك زاد عدد المجندين في بلاد المحور من عرب وبوسنيين وأذربيجانيين وغيرهم على مائتي ألف مقاتل، استطاعوا أن يمنعوا المجازر عنهم وعن جميع مسلمي البلقان وشرق أوروبا.
اشتدت غارات الحلفاء على ألمانيا عام 1943، فكانت بعض الغارات تهاجم برلين بألف طائرة أو أكثر، ولما شرع الحلفاء بالزحف على الأراضي الألمانية عام 1945 انتقل المفتي إلى باريس، ومن باريس إلى مصر حيث حل ضيفاً على الملك فاروق.
في مصر قام المفتي بتشكيل الهيئة العربية العليا لفلسطين برئاسته حيث نظم الحركة الوطنية الفلسطينية تنظيماً حديثاً، وقرر إعداد الشعب لخوض الكفاح المسلح ضد الصهيونيين والإنجليز، وألف لجنة من قادة المجاهدين الفلسطينيين وبعض الضباط السوريين والعراقيين والمصريين لوضع الخطط وتحديد المطلوب من الأسلحة والمعدات للجهاد الذي كان أوانه قد اقترب بعد بروز فكرة التقسيم من جديد في الأوساط الأمريكية والبريطانية والصهيونية ومحيط الأمم المتحدة، كما أعاد تنظيم جيش الجهاد المقدس وأسند قيادته إلى عبد القادر الحسيني وأنشأ المفتي كذلك منظمة الشباب الفلسطيني التي انصهرت فيها منظمات الفتوة والجوالة والكشافة وأسند قيادتها للمجاهد الصاغ محمود لبيب ـ وهو قائد بارز من قادة الحركة الإسلامية بمصرـ وكلفه بمهمة تدريب الشباب على القتال.
وبالرغم من الاستعدادات العربية إلا أن ميزان القوى بين العرب واليهود في كل النواحي لم يكن متكافئاً، وحدثت النكبة في 14 أيار 1948، ظل المفتي بعدها يعمل للدفاع عن قضية فلسطين حيث ألف حكومة فلسطينية في منطقة غزة برئاسة أحمد حلمي عبد الباقي أطلق عليها (حكومة عموم فلسطين) لتتولى شؤون الكفاح. لكن التواطؤ والمؤامرات على القضية ظل مستمراً يجمد نشاط وعمل هذه الحكومة بعد أن أرغمت على الانتقال إلى مصر، وكذلك حُرمت الهيئة العربية العليا من حرية العمل والنشاط، وأغلقت في وجهها الصحف والمجلات ومحطات الإذاعة، بينما واصل الأعداء مساعيهم لتصفية القضية وكانت خطتهم الجديدة نقل القضية من أيدي أصحابها إلى الجامعة العربية، فتقرر إنشاء (إدارة خاصة بفلسطين) في مجلس الجامعة تتولى القضية الفلسطينية من جميع نواحيها.
قامت في مصر ثورة يوليو 1952 فاستبشر المفتي خيراً، ورحب بالعهد الجديد برئاسة جمال عبد الناصر، إلا أن روائح الحل السلمي للقضية بدأت تطل من جديد، فخمدت قضية فلسطين وتحولت إلى قضية لاجئين، واتفقت الأمم المتحدة مع الرئيس جمال عبد الناصر على حل القضية خلال عشر سنوات مقابل ثلاثة آلاف مليون دولار تدفع لمصر وسورية والأردن ولبنان مقابل توطين اللاجئين من فلسطين.
وفجأة وبدون سابق إنذار، هبت الصحف المصرية الخاضعة لإشراف الحكومة تشن حملة قاسية ضد الهيئة العربية العليا ورجالها، وتعرضهم لاتهامات باطلة وافتراءات كاذبة جزاء تنبيههم الفلسطينيين والرأي العام العربي لذلك الاتفاق الذي تم بين عبد الناصر وهيئة الأمم المتحدة، مما اضطر المفتي ورجاله مغادرة القاهرة إلى لبنان عام 1959.
استأنف المفتي نشاطه في سبيل فلسطين من العاصمة اللبنانية، وظل ينبه الزعماء العرب إلى الخطر الصهيوني والمطامع اليهودية التي ستتعدى فلسطين إلى الأقطار المجاورة، ومد نشاطه إلى الدائرة الإسلامية حيث كان يرأس مؤتمرات إسلامية في مكة المكرمة، نشأت عنها مؤسسة دائمة باسم (مؤتمر العالم الإسلامي) برئاسته، وظل يشغل هذا المنصب طيلة حياته، إلى أن توفي ـ رحمه الله ـ في بيروت يوم الخميس 4/7/1974 ودفن في مقبرة الشهداء بالحرج.
عقبت الصحف البريطانية على وفاة الحاج المفتي أمين الحسيني ـ رحمه الله ـ بهذه الكلمات (مات عدو الصهيونية والإمبراطورية البريطانية).
المراجع:
ـ كتاب (الحاج أمين الحسيني، رائد جهاد)، للكاتب حسني أدهم جرار.
إبراهيم إسماعيل
29-10-2007, 06:44 PM
القائد الشهيد : عبد القادر الحسيني
هو عبد القادر موسى كاظم الحسيني، ولد في استانبول في 8/4/1908م، توفيت والدته بعد مولده بعام ونصف فكفلته جدته لأمه، وما لبثت هي الأخرى أن فارقت الحياة ، فنشأ في كنف والده.
والده شيخ المجاهدين في فلسطين موسى كاظم الحسيني، شغل بعض المناصب العالية في الدولة العثمانية متنقلاً في عمله بين أرجاء الدولة العثمانية، فعمل في اليمن والعراق ونجد واستانبول ذاتها بالإضافة إلى فلسطين.
ونظراً لخدماته الجليلة للدولة العثمانية، أنعمت عليه الحكومة بلقب (باشا)، وعندما انهارت الدولة العثمانية إبان الحرب العالمية الأولى، ووقعت فلسطين في قبضة بريطانيا كان موسى كاظم (باشا) الحسيني يشغل منصب رئاسة بلدية القدس، كما تم انتخابه رئيساً للجنة التنفيذية للمؤتمر الوطني الفلسطيني.
كان الأب موسى أول من رفع صوته في وجه الانتداب البريطاني، وأول من دعا أهل فلسطين إلى الاحتجاج والتظاهر وإعلان السخط والغضب ضد وعد بلفور، فتولى قيادة أول مظاهرة شعبية في تاريخ فلسطين عام 1920م، وبسبب ذلك عزلته سلطات الانتداب البريطاني عن رئاسة بلدية القدس، فلم يكترث واستمر في نضاله الدؤوب، واشترك في الكثير من المظاهرات، كانت آخرها المظاهرة الكبيرة في يافا في 27/10/1933، حيث أصيب فيها بضربات هراوات قاسية من قبل الجنود الإنجليز ظل بعدها طريح الفراش أياماً، حتى فارق الحياة سنة 1934م.
تربى الابن عبد القادر منذ نعومة أظفاره في بيت علم وجهاد، حيث كان هذا البيت بمثابة الحضن الأول له والذي كان يجتمع فيه رجالات العرب الذين يفدون إلى القدس، لأن والده موسى الحسيني كان رئيساً لبلديتها.
تعلم عبد القادر القرآن الكريم في زاوية من زوايا القدس، ثم أنهى دراسته الأولية في مدرسة (روضة المعارف الابتدائية) بالقدس، بعدها التحق بمدرسة (صهيون) الانجليزية، والتي كانت تعتبر المدرسة الوحيدة في القدس التي من الممكن أن يتناول منها العربي زاده الحقيقي من المعرفة، وأثناء فترة دراسته عكف على قراءة كتب التاريخ، وسير الأبطال والفاتحين.
أتم عبد القادر دراسته الثانوية بتفوق، التحق بعدها بكلية العلوم في الجامعة الأمريكية في مصر، وهناك التقى بالعديد من الشباب العربي وتوثقت صلته بهم، وتحول بيته إلى ناد نضالي، يناقش فيه مختلف القضايا القومية والدينية، وأثناء سنوات دراسته التي قضاها في الجامعة، استطاع عبد القادر أن يكشف الدور المريب الذي تقوم به الجامعة الأمريكية في مصر، ذلك الدور المقنع بالعلم والمعرفة، والذي يحمل وراءه بعض أوبئة الاستعمار الخبيثة.
بعد عودته للقدس، تلقفته السلطات البريطانية حين وصوله، ووضعت بين يديه عدة وظائف رفيعة المستوى وعليه انتقاء ما يلائمه منها ـ محاولة بذلك أن تضمه تحت جناحهاـ إلا أنه آثر العمل في مجال أكثر رحابة يستطيع به ومن خلاله أن يعبر عن آرائه، فالتحق بسلك الصحافة محرراً في جريدة (الجامعة الإسلامية)، وكان الاتجاه الوطني الذي نهجته الجريدة من أهم العوامل التي دفعته للعمل بها.
انضم عبد القادر إلى (الحزب العربي الفلسطيني) بالقدس، وتولى فيما بعد منصب السكرتير في هذا الحزب، وبدأت نشاطاته تبرز في الأفق الفلسطيني، مما أثار عليه حفيظة سلطات الانتداب، فأعادت عليه عرضها لشغل وظيفة (مأمور لتسوية الأراضي) بهدف اشغاله في شؤون الأرض والزراعة، وإبعاده عن مجال السياسة.
ارتضى عبد القادر هذه الوظيفة بعد أن أيقن بأهميتها، حيث استطاع تحت ستارها أن يتصل بإخوانه المواطنين في القرى الفلسطينية المختلفة، الذين يمثلون القاعدة الارتكازية للثورة، فتعرف عليهم وانتقى منهم خيرهم فاستقطبهم، وشكل منهم خلايا سرية، وبث فيهم روح الحمية والجهاد، وجمع الأموال من موسريهم، واشترى أسلحة ومعدات، وخزنها في أماكن أمينة، وتدرب بعض الشباب على استعمالها.
بعد أن تمادت بريطانيا في معاداتها للعرب، واستفحل الخطر اليهودي على فلسطين، وتنادى الشعب الفلسطيني بضرورة مواجهة المخططات الاستعمارية بصورة فعلية وعلنية... استقال عبد القادر من وظيفته الحكومية، ووهب الثورة جهده وشبابه.
بأمر من سماحة الحاج محمد أمين الحسيني تشكلت منظمة واحدة من معظم التنظيمات السرية الفلسطينية، أُطلق عليها (منظمة الجهاد الإسلامي) كي يتسنى للمجاهدين تنظيم شؤونهم النضالية، ومواجهة المستعمر بصورة أكثر دقة وشمولاً، واختير عبد القادر الحسيني قائداً لهذه المنظمة.
قرر عبد القادر ولأسباب عديدة أن يتخذ بلدة (بير زيت) مقراً لقيادة الجهاد المقدس، كما قسم فلسطين إلى مناطق قتالية، وولى على كل منطقة منها قائداً من قادته، أما الخلايا السرية وقياداتها فظلت تابعة له مباشرة.
كان عبد القادر أول من أطلق النار إيذاناً ببدء الثورة على بطش المستعمر في 6 أيار 1936، حين هاجم ثكنة بريطانية (ببيت سوريك) شمالي غربي القدس، ثم انتقل من هناك إلى منطقة القسطل، بينما تحركت خلايا الثورة في كل مكان من فلسطين... وبلغت الثورة الفلسطينية أوج قوتها في تموز عام 1936، حيث انضم إليها من بقي من رفاق الشهيد عز الدين القسام، وبلغت أنباؤها العالم العربي كله، فالتحق بها المجاهدون العرب أفواجاً، وخاض الثوار العرب معارك بطولية ضد المستعمرين البريطانيين والصهاينة، ولعل أهم هذه المعارك كانت (معركة الخضر) الشهيرة في قضاء بيت لحم، وقد استشهد في هذه المعركة المجاهد العربي السوري سعيد العاص وجرح عبد القادر جرحاً بليغاً، وتمكنت القوات البريطانية من أسره، لكنه نجح في الفرار من المستشفى العسكري في القدس، بعد مغامرة رائعة قام بها المجاهدون من رفاقه فهاجموا القوة البريطانية التي تحرس المستشفى وأنقذوه وحملوه إلى دمشق حيث أكمل علاجه.عاد عبد القادر إلى فلسطين مع بداية عام 1938، وتولى قيادة الثوار في منطقة القدس، وقاد هجومات عديدة ناجحة ضد البريطانيين والصهاينة، ونجح في القضاء على فتنة دينية كان الانتداب البريطاني يسعى إلى تحقيقها ليوقع بين مسلمي فلسطين ومسيحيها.
وفي خريف عام 1938، جُرح عبد القادر ثانية في إحدى المعارك، فأسعفه رفاقه في المستشفى الإنجليزي في الخليل، ثم نقلوه خفية إلى سورية، فلبنان. ومن هناك نجح في الوصول إلى العراق بجواز سفر عراقي يحمل اسم محمد عبد اللطيف.
وفي بغداد عمل عبد القادر مدرساً للرياضيات في المدرسة العسكرية في معسكر الرشيد، وفي إحدى المدارس المتوسطة، ثم التحق بدورة لضباط الاحتياط في الكلية العسكرية.
أيد عبد القادر ثورة رشيد عالي الكيلاني في العراق عام 1941، وشارك مع رفاقه في قتال القوات البريطانية، لكنه بعد فشل الثورة أُلقي القبض عليه مع رفاقه من قبل السلطات العراقية، وصدر عليهم الحكم بالسجن، وتحت ضغط الرأي العام العراقي والرموز الوطنية العراقية، استُبدل السجن بالنفي عشرين شهراً إلى بلدة زاخو في أقصى شمال العراق.
كما مثُلت أمام المحكمة السيدة (وجيهة الحسيني) زوجة عبد القادر بحجة مساعدتها وإيوائها للثوار، وتحريضهم على القتال، وحكم عليها بالإقامة الجبرية في بيتها ببغداد مدة عشرين شهراً.
وعلى أثر اغتيال فخري النشاشيبي في شارع الرشيد ببغداد، اتُهم عبد القادر بتدبير خطة الاغتيال هذه، فبقي موقوفاً في بغداد قرابة السنة بهذه التهمة .. ثم نقل إلى معتقل العمارة، وهناك أمضى ما يقرب من سنة أخرى، حيث أفرجت الحكومة العراقية عنه في أواخر سنة 1943، بعد أن تدخل الملك عبد العزيز آل سعود ملك العربية السعودية. فتوجه إلى السعودية وأمضى فيها عامين بمرافقة أسرته.
وفي مطلع عام 1944 تسلل عبد القادر من السعودية إلى ألمانيا، حيث تلقى دورة تدريب على صنع المتفجرات وتركيبها، ثم انتقل وأسرته إلى القاهرة وهناك وبسبب نشاطه السياسي وصلاته بعناصر من حزب مصر الفتاة وجماعة الإخوان المسلمين، وتجميعه الأسلحة، وتدريبه الفلسطينيين والمصريين على صنع المتفجرات، أمرت حكومة السعديين المصرية بإبعاده.. لكن الضغوط التي مارستها القوى الإسلامية المصرية حالت دون تنفيذ ذلك الإبعاد.
عندما علمت الهيئة العربية العليا نية الأمم المتحدة تقسيم فلسطين، سارعت الهيئة برئاسة المفتي أمين الحسيني إلى الانعقاد، وقررت مواجهة الخطط الاستعمارية الصهيونية بالقوة المسلحة، وتقرر إنشاء جيش فلسطين لممارسة الجهاد الفعلي، واختير المفتي قائداً أعلى لهذا الجيش وأعاد تموين منظمة الجهاد المقدس، ثم حولها إلى جيش الجهاد المقدس الفلسطيني. وأسند قيادته العامة إلى عبد القادر الحسيني، بالإضافة لمهمة الدفاع عن القدس ورام الله وباب الواد.
وعندما أصدرت الأمم المتحدة قرارها القاضي بتقسيم فلسطين عام 1947، تسلل عبد القادر إلى فلسطين سراً مع بعض رفاقه، وفي نفس الوقت اجتاز الحدود الفلسطينية عدد من المجاهدين القادمين من سورية ولبنان، والتقوا جميعاً بعبد القادر ، وأخذوا يرسمون خطة جديدة للبدء في المرحلة القادمة من الجهاد. فأعادوا تشكيل قوات الجهاد المقدس، واتخذت بلدة (بير زيت) مقراً رئيسياً لتلك القوات، وتألفت في حيفا والناصرة وجنين وغزة قوات أخرى تابعة لها.
تعتبر هذه القوات طليعة العمل النضالي العربي التي انبثقت تنظيماتها من صميم الشعب الفلسطيني، وكانت في الحقيقة أول مظهر من مظاهر القوات الشعبية التي تحمل في جوهرها صفة الجيش الشعبي في بلد كان يرزح تحت نير الاستعمار البريطاني.
قامت هذه القوات بتنفيذ جزء كبير من واجباتها، فقد تمكنت من إجبار (115) ألف يهودي على الاستسلام في مدينة القدس نتيجة حصارهم باحتلال مضيق باب الواد وإقفاله، وقاموا بعدة معارك محلية، ونصبوا مئات الكمائن للقوافل اليهودية والإنجليزية، كما قامت فرق التدمير بنسف العديد من المنشآت والمباني مثل معمل الجير، عمارة المطاحن بحيفا، وعمارة شركة سولل بونيه اليهودية.
كما خاضت هذه القوات بقيادة عبد القادر أروع ملاحم البطولة والفداء مثل معركة بيت سوريك، ونسف شارع ابن يهوذا، ونسف مقر الوكالة اليهودية، ومعركة الدهيشة... وقد تكبد اليهود في هذه المعارك الخسائر الفادحة في الممتلكات، وقتل العدد الكبير منهم، وغنم المجاهدون الكثير من الأسلحة والعتاد والتي ساعدتهم على الاستمرار في نضالهم.
تكللت جميع معاركهم التي خاضوها ضد العدو الصهيوني والبريطاني بالنجاح، إلى أن كانت معركة القسطل التي دامت أربعة أيام بكاملها من 4ـ8 نيسان 1948، وانتهت بأن تمكن المجاهدون من انتزاع البلدة العربية من أيدي الصهاينة، إلا أنهم لم يمكثوا فيها سوى بضع ساعات، تمكن الصهاينة بعدها في خضم ذهول المجاهدين وتضعضعهم بسبب استشهاد قائدهم عبد القادر، من شن هجوم معاكس واحتلال البلدة من جديد.
استشهد عبد القادر صبيحة 8/4/1948، حيث وجدت جثته قرب بيت من بيوت القرية فنقل في اليوم التالي إلى القدس، ودفن بجانب ضريح والده في باب الحديد... وسمي بطل القسطل، وقد استشهد رحمه الله وهو في الأربعين من عمره، أي في أوج عطائه الجهادي.
المراجع:
ـ (موسوعة رجالات من بلاد العرب)، د. صالح زهر الدين، المركز العربي للأبحاث والتوثيق، بيروت، طبعة أولى 2001، ص (445ـ452).
ـ (قضية فلسطين في سيرة بطل/ الشهيد الحي عبد القادر الحسيني) نبيل خالد الآغا، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 1982
إبراهيم إسماعيل
29-10-2007, 06:45 PM
أمين الريحاني
هو أمين فارس أنطون يوسف بن المطران باسيل البجاني، ولد في 23 تشرين ثاني 1876 في بلدة الفريكة قضاء المتن في جبل لبنان، ولقب بالريحاني لكثرة شجر الريحان المحيط بمنزله. والده، فارس تاجر حرير ميسور الحال، حاد الطباع، كريم الخلق، يجسم عقلية اللبناني المتوسط المحافظ على التقاليد. والدته، أنيسة ابنة جفال البجاني شيخ القرنة الحمراء، تصرف أوقاتها في العبادة والزهد.
تلقى الريحاني في بلدته الفريكة مبادئ اللغة العربية والفرنسية، أرسله والده في صيف 1888 مع عمه إلى أمريكا وكان عمره اثنتي عشرة سنة، وفيها تعلم مبادئ اللغة الإنكليزية، وبرز ميله إلى المطالعة. ثم ترك المدرسة ليتسلم مهمة المحاسبة في متجر عمه في منهاتن.
اندفع الريحاني إلى المطالعة ليل نهار، فاطلع على أعمال الشعراء والكتاب أمثال شكسبير وهيجو وسبنسر وهاكسلي وكارليل وآخرين من المعاصرين والقدامى،وفي عام 1895التحق بفرقة تمثيل محلية بعد أن ولدت فيه المطالعات ميلاً إلى فن التمثيل، فجال معها ثلاثة أشهر، ثم تركها لأسباب مجهولة لم تذكر.
وفي عام 1897 التحق بمعهد الحقوق في جامعة نيويورك، واستمر فيه سنة حيث مرض فأشار عليه الطبيب بالعودة إلى لبنان، فعاد إليه عام 1898، وهناك درس الإنكليزية في مدرسة أكليريكية، وتعلم اللغة العربية بالمقابل وبدأ في كتابة المقالات في جريدة (الإصلاح) التي اتخذها منبراً للهجوم على الدولة العثمانية.
عام 1899 رجع الريحاني إلى أمريكا فاشتغل بالتجارة والأدب، وبدأ في إصدار الكتب وكان أولها (نبذة عن الثورة الفرنسية)، كما ترجم إلى الإنكليزية مختارات من شعر الشاعر أبي العلاء المعري، ومنذ ذلك الحين كرس حياته للكتابة، وفي هذا الإطار تعترف صحيفة (الأوبزرفر) اللندنية بأن (أمين الريحاني هو أول من أعطى كتباً بالإنجليزية عن البلاد العربية والشرق الأدنى).
وفي سنة 1904 عاد الريحاني إلى لبنان مروراً بمصر، فزار الخديوي عباس حلمي، واتصل بأبرز الأدباء والزعماء السياسيين، وباحثهم في أحوال الشرق العربي الاجتماعية والسياسية والفكرية ووسائل النهوض بها، وفي لبنان تابع نشاطه الفكري والاجتماعي العاصف والمتعدد الأوجه، وأصبحت صومعته في قريته (الفريكة) ملتقى عشرات الأدباء من أمثال: محمد كرد علي وبيرو باولي والأخطل الصغير والشيخ مصطفى الغلاييني وغيرهم، كما كان ينتقل من مدينة إلى أخرى يلقي الخطب داعياً إلى الحرية ومهاجماً الإقطاع والخنوع والجهل، ويحاضر في الجامعة الأمريكية في بيروت وفي معاهد أخرى في لبنان وسوريا، ويكتب وينشر في المجلات والجرائد العربية والإنكليزية.
وفي سنة 1911 قفل أمين الريحاني راجعاً إلى نيويورك ليطبع كتابه (كتاب خالد)، ومنذ ذلك الحين أصبح يتنقل بين نيويورك وبلدته الفريكة. وأصبح مرموقاً في كل من أمريكا وإنكلترا وكندا، وكذلك في أوروبا والشرق الأدنى والبلاد العربية. وفي الحرب العالمية الأولى كان الريحاني أحد أعضاء (اللجنة السورية ـ اللبنانية) التي مارست نشاطاً سياسياً ضد السيطرة التركية. فقد اشترك الريحاني سنة 1918 في مؤتمر انعقد في واشنطن من أجل الحد من التسلح، وزار أوروبا عدة مرات حيث التقى في إحدى زياراته الفيلسوف (ولز) صاحب النظرية المستقبلية فجرى نقاش بينهما حول الشرق والغرب.
انطلق عام 1922 في رحلته الشهيرة، فزار الحجاز وقابل شريف مكة الحسين بن علي، ثم زار (لحج) وقابل سلطانها عبد الكريم فضل ، و(الحواشب) وفيها قابل سلطانها علي بن مانع، وصنعاء حيث التقى إمامها يحيى، ونجداً حيث اجتمع إلى سلطانها عبد العزيز بن سعود، والكويت فزار فيها شيخها أحمد الجابر آل الصباح، والبحرين وفيها اجتمع إلى شيخها أحمد بن عيسى، وأخيراً بغداد حيث قابل الملك فيصل الأول... فكان نتاج هذه الرحلات عدداً كبيراً من كتب الرحلات والتاريخ بالعربية والإنجليزية.
وخلال سنوات تمتد منذ 1927 ـ 1939، حاضر الريحاني في الولايات المتحدة الأمريكية حول مخاطر الدور الصهيوني في الوطن العربي، وشن حرباً دفاعاً عن الحرية والتحرر والحقوق الإنسانية، وقد طلب إليه الحاج أمين الحسيني أن يشترك في الوفد الفلسطيني لمفاوضة الحكومة البريطانية فاعتذر، ولما عاد إلى لبنان تصدى للفرنسيين المستعمرين وراح يدعو لتحقيق الاستقلال فنفي إلى بغداد ولم يعد إلا بعد ضغط كبير من الجاليات العربية في المهاجر.
في عام 1911 جرى اختيار أمين الريحاني عضواً مراسلاً للمجمع العربي بدمشق، وكان عضواً في جمعية الشعراء الأمريكيين وفي منتدى الصحافة النيويوركية ونادي المؤلفين الأمريكيين والجمعية الشرقية الأمريكية، كما اختاره معهد الدراسات العربية في المغرب الأسباني رئيس شرف له.
توفي أمين الريحاني في بيروت يوم 13 أيلول 1940، إثر سقوطه عن دراجة اعتاد أن يركبها على طرقات الجبل حول بلدته الفريكة. ودفن في بلدته وقد أقيم له تمثالاً نصب في باحة كلية الآداب في الجامعة اللبنانية.
ترك الريحاني العديد من المؤلفات في العربية والإنكليزية في السياسة والأدب والشعر والتاريخ والفن. ومنح أمين الريحاني عدة أوسمة هي: ـ وسام المعارف الأول الإيراني ـ وسام المعارف الأول للمغرب الإسباني ـ وسام الاستحقاق اللبناني الأول المذهب.
المراجع:
ـ ( رجالات من بلاد العرب)، د. صالح زهر الدين، المركز العربي للأبحاث والتوثيق، بيروت، الطبعة الأولى 2001، ص(81ـ93).
ـ (أعلام نهضة العرب في القرن العشرين)، جميل عويدات، الطبعة الأولى 1994، ص(47).
ـ (مجلة تاريخ العرب والعالم)، تصدر عن دار النشر العربية، 1980، العدد 32، ص(33ـ41).
ـ (موسوعة أعلام العرب المبدعين في القرن العشرين)، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، الطبعة الأولى 2001، ص(471ـ476).
ـ (أمين الريحاني)، عيسى ميخائيل سابا، دار المعارف، القاهرة، الطبعة الثالثة، ص(25،27ـ29،47).
ـ (خمسة رواد يحاورون العصر)، محمد دكروب، مؤسسة عيبال للدراسات والنشر، الطبعة الأولى 1992، ص(12،13).
إبراهيم إسماعيل
29-10-2007, 06:46 PM
إسعاف النشاشيبي
ولد إسعاف النشاشيبي في القدس سنة 1885، درج في بيت جليل بعلمه وثرائه وحسبه ومكانته، قيل إن جده الأكبر قدم إلى بيت المقدس في عهد الملك الظاهر بيبرس، ونسبت الأسرة إلى صناعة النشاب التي كانت تمتهنها. أما والده السيد عثمان بن سليمان النشاشيبي فمن أبرز رجالات عصره ذكاءً وعلماً وبسطة حال، تقلب في مناصب الدولة العثمانية حتى أصبح عضواً في مجلس المبعوثان في الأستانة، ووالدته ابنة الحاج مصطفى أبو غوش الملقب بـ(ملك البر) في جبل القدس وابنة عمة أبيه عثمان.
نشأ إسعاف في بيت حصنه العلم والمال، فكانت تنعقد حلقات الدرس في بيت والده، وتضم عدداً كبيراً من أعيان العلماء المقادسة والوافدين أمثال: أسعد الإمام وراغب الخالدي ومحمد جار الله وغيرهم، وكان هؤلاء يتقارضون الشعر ويتذاكرون الأدب ومسائل الفقه، ولعل النشاشيبي ارتاد الحلقة مراراً، وسمع نوادر اللغة والأدب، ورأى الكتب النفيسة في خزائن والده وخزائن الشيوخ.
التحق إسعاف بكتاتيب القدس، وأخذ عن شيوخها وحفظ بعض القرآن الكريم، بعدها التحق بمدرسة دار الحكمة في بيروت وتتلمذ على يد كبار الأساتذة خاصة الشيخ عبد الله البستاني الذي تأثر به وطبع بطابعه اللغوي، ويتجلى ذلك في أسلوبه الأدبي.
وقد أتيح لإسعاف في بيروت وبيت المقدس أن يزامل ثلة من أعلام اللغة والأدب والفكر أمثال شكيب أرسلان وأحمد شوقي والسكاكيني وحنا العيسى وعبد العزيز شاويش، كما ألم بالفرنسية إلماماً حسناً أعانه على قراءة بعض الكتب العلمية والصحف.
اشتهر النشاشيبي بكنيتين ولقبين، فهو أولاً أبو الفضل، وهي كنية بديع الزمان الهمداني، وإنما تكنى بها إسعاف لتعلقه به ونسجه على منواله في مقاماته، وهو ثانياً أبو عبيدة، ولعلها اقتداء بأبي عبيدة معمر بن المثنى اللغوي الأخباري المشهور، وإسعاف أديب العربية وخطيب فلسطين، لأنه أخذ على نفسه عهداً بالدفاع عن العربية بأسلوب حماسي يعتمد الخطبة.
عين النشاشيبي في المدرسة أو الكلية الصلاحية أستاذاً للغة العربية ـ وهي مدرسة أسسها السلطان صلاح الدين الأيوبي في القرن السادس الهجري، وجددها القائد التركي أحمد جمال باشا، وجعلها معهداً علمياً دينياً تدرس فيه العلوم الإسلامية والحديثة ولغتا التدريس فيه العربية والتركية، كذلك كانت تدرس فيه اللغات الأجنبية كالفارسية والإنجليزية والفرنسية والألمانية، والهدف من إنشاء هذه المدرسة إعداد جيل من المبشرين والدعاة لإرسالهم فيما بعد إلى مختلف أنحاء العالم الإسلامي لتحريض شعوبه على الثورة على الاستعمار الأوروبي، لكن لم يطل عمرها أكثر من سنتين ـ كما وعين إسعاف مديراً للمدرسة الرشيدية ـ التي تأسست عام 1906 في عهد السلطان عبد الحميد الثاني، وسميت بهذا الاسم نسبة إلى أحمد رشيد بك متصرف القدس، وتعتبر من أحسن المدارس الحكومية في فلسطين، وكانت أولية وفيها قسم ثانوي، ثم زاد التعليم فيها عن الثانوي إذ صارت تؤهل خريجيها الحاصلين على شهادة الثانوية العامة لدراسة الطب والهندسة بدراسة مواد خاصة تحضيرية قبل الالتحاق بالجامعات، وما لبث حيناً فيها حتى صار مفتشاً للغة العربية في فلسطين حتى عام 1929، حيث انقطع للقراءة والكتابة والرحلات إلى مصر والشام.
كان إسعاف مربياً ناجحاً في المدارس، ويركز على الحماسة في إلقاء الدروس ويرى فيه وسيلة من شأنها إنجاح العملية التربوية،" فإن أردت غرس الأخلاق والقيم العليا في نفوس التلاميذ، فعليك اختيار النصوص الجميلة من قرآن وحديث ومَثَل سائر وخطبة بليغة وشعر فصيح، ثم اقرأ لهم هذه النصوص بفهم ومتعة وشخصية قوية، اقرأ لهم كي يستشعروا حبك لها وحماستك، ثم عد إلى كل نص من هذه النصوص وعلّق على مفرداتها التعليق الذي يكشف أسرار الألفاظ ودلالاتها المعجمية الدقيقة ". هذه كانت طريقة إسعاف في التعليم: اختيار النص والتعليق عليه ثم الطلب من التلاميذ حفظه، وعليه كانت القراءة وكان السماع وسيلتين من الوسائل الأساسية في تعليم النشء وتثقيفه، وهذه هي طريقة السلف الصالح في دروس العلم، إنها طريقة تقوم على دعامتين: الكتاب والأستاذ.
كان إسعاف يشترك في أكثر الحفلات التي تقام بفلسطين، خاصة تلك التي تقام لمناسبات وطنية وقومية أو أدبية واتسمت خطبه بالثورية والتحريضية التي تدعو الشعب للتحرك من أجل تحقيق الأهداف وحفظ الأوطان، كما كان واعظاً ومرشداً في المساجد. كتب إسعاف الكثير من الشعر والمقالات الأدبية نادباً ما أصاب الأمة العربية من ضعف وفرقة وتمزيق بين المستعمرين، ودعا الأمة العربية إلى وحدتها وجمع كلمتها، وإلى حمل السلاح لدفع العدوان وتحقيق الاستقلال لها، وإنقاذ فلسطين التي يخطط لها المستعمرون كي تصبح وطناً قومياً لليهود.
كان إسعاف شديد الغيرة على القرآن الكريم واللغة العربية والحضارة الإسلامية، ولعل حدة المزاج التي كان يتصف بها ناتجة مما كان يلمسه من انقباض الناس عن هذه الأركان وإقبالهم على نمط الحياة الغربية وتعلقهم بالدعوات الهدامة التي راح دعاة السوء من الغربيين وأتباعهم من المسلمين والعرب يروجونها في أسواق الشرق.
وتبدو غيرته هذه في كل مصنفاته، ولاسيّما كلمته المطولة بعنوان "البطل الخالد صلاح الدين والشاعر الخالد أحمد شوقي". عاش إسعاف في زمن شهد صراعاً عنيفاً بين دعاة التجديد والمحافظين على دور القديم في اللغة والحياة، ولماّ كان إسعاف من مؤيدي القديم وكان يعي تقدم الغرب على الشرق في مضمار العلم، فقد دعا إلى الانتفاع بالجديد مع حماية للقديم ليقوم الجديد على قاعدة صلبة، كما دعا إلى التجديد في اللغة والأدب، لكن التجديد الذي يحفظ اللغة من كل ما يؤدي إلى فسادها واضمحلالها، التجديد الذي يطور وينمي ويزيد في صرح الحضارة من الجانب الأدبي واللغوي، لا التجديد الذي يقضي على اللغة العربية ويعتمد اللهجات العامية أو الذي يلغي القافية بدعوة حرية الشعر وتجديده.
وكان النشاشيبي يصر على اعتبار اللغة هي الأمة، والأمة هي اللغة وضعف الأولى ضعف الثانية، وهلاك الثانية هلاك الأولى، وما الأمة إلاّ لغتها وأدبها وخلقها، حسب ما جاء في مقالته " العربية المصرية ".
كان النشاشيبي عضواً نشيطاً من أعضاء المجمع العلمي العربي بدمشق ، انفرد بأسلوب من البيان، وبقدر متميز من الحماسة للغة العربية. توفي ـ رحمه الله ـ في القاهرة عام 1948م، وقد لحده في قبره بيده الحاج أمين الحسيني.
ولا نجد خيراً من قول صديقه أحمد حسن الزيات فيه غداة وفاته: "إن النشاشيبي كان خاتم طبقة من الأدباء واللغويين المحققين، لا يستطيع الزمن الحاضر بطبيعته وثقافته أن يجود بمثله، فمن حق المحافظين على التراث الكريم، والمعتزين بالماضي العظيم، أن يطيلوا البكاء على فقده وأن يرثوا لحال العروبة والعربية من بعده".
نذكر من المصنفات اللغوية التي تركها لنا ـ رحمه الله ـ :
العربية المصرية، وفيه دفاع عن العربية وذكر لخصائصها، وتأكيد لدور مصر في المحافظة على العرب والعربية.
العربية وشاعرها الأكبر شوقي، ويدور حول شوقي في خدمة الأدب ولغته، ويعكس تحمس المؤلف وغيرته على اللسان العربي.
اللغة العربية والأستاذ الريحاني، وهو مقالة رد فيه على الأستاذ الريحاني الذي انتقد خطبته في الدفاع عن العربية، واتهمه بتكلف الغريب والوحشي.
العربية في المدرسة، وهي خطبة كان إسعاف قد ألقاها عندما كان يعمل مفتشاً في معارف فلسطين، حيث ركز فيها على العروة الوثقى بين القرآن واللغة.
حماسة النشاشيبي، وهي نصوص مختارة قرآنية وأدبية، جزلة الألفاظ سامية المعاني، تنم عن سعة إطلاع واهتمام بمصادر اللغة.
كلمة في اللغة العربية، تعد أوضح مصنفات النشاشيبي دلالة على اهتمامه باللغة، وتبياناً لجهوده وفكره في مجالها.
البستان وهو كتاب مدرسي لُغَوي.
الإسلام الصحيح، أبحاث إسلامية دعا فيها إلى تصفية الإسلام من البدع.
نقل الأديب، مختارات من عيون الأدب العربي وطرائفه.
أمثال أبي تمام.
قلب عربي وعقل أوروبي.
التفاؤل والأثرية في كلام أبي العلاء المعري.
مقام إبراهيم، وهي كلمة تأبين للبطل إبراهيم هنانو (شهيد الثورة السورية ضد الفرنسيين).
البطل الخالد صلاح الدين والشاعر الخالد أحمد شوقي.
بيروت والغلاييني.
المراجع:
ـ (أعلام فلسطين)، محمد عمر حمادة، دار قتيبة، دمشق 1985، الجزء الأول، ص(298ـ 315) ).
ـ (الأعلام)، خير الدين الزركلي، دار العلم للملايين، بيروت، الطبعة العاشرة 1992، الجزء السادس، ص(30،31) ).
ـ (إصدار هيئة الموسوعة الفلسطينية)، الموسوعة الفلسطينية دمشق، الطبعة الأولى1984، مجلد 3، ص (659،660)، مجلد 4، ص (171) ).
ـ (محمد إسعاف النشاشيبي) أ.د. يحيى جبر، مكتبة الجمعية العلمية، نابلس،1994).
إبراهيم إسماعيل
29-10-2007, 06:48 PM
راغب النشاشيبي
ولد راغب النشاشيبي في القدس سنة 1880، وأتم دراسته الابتدائية في مدارسها، ثم اتجه إلى الأستانة حيث أتم دراسته الثانوية والتحق بالجامعة العثمانية ودرس الهندسة فيها، ثم عاد إلى القدس فعُين مهندساً للأشغال العامة في لواء القدس، وقام بشق الطرق بين المدن والقرى.
والده السيد رشيد النشاشيبي من أبرز الشخصيات في آل النشاشيبي، عند إعلان الدستور العثماني سنة 1908، انتمى راغب إلى جماعة الاتحاد والترقي، وكان أحد النواب في مجلس النواب العثماني من أول دورة دستورية وبقي يتكرر عن القدس في كل انتخابات تالية حتى نهاية الحرب سنة 1918، كما عمل ضابطاً في الجيش التركي إبان الحرب العالمية الأولى.
بعد انتهاء الحرب عاد راغب إلى القدس، فانتخب في المؤتمر السوري سنة 1919، وفي سنة 1920 عُين راغب رئيساً لبلدية القدس من قبل الحاكم العسكري الإنجليزي بعدما أقال موسى كاظم الحسيني، وكان راغب من الداعين إلى التعاون مع الإنجليز والانتداب... وبقي يتكرر في مركزه هذا أربعة عشر عاماً، قام خلالها بعدد من المشاريع الإنشائية كشق الطرق، وإدخال المياه إلى المدينة وإنشاء المجارير، وبناء دار البلدية، وكان أنصاره يجدون فيه الرجل الذي حول مدينة القدس إلى مدينة عصرية من خلال المشاريع العديدة التي قام بها خاصة مشروع مياه رأس العين.
في سنة 1934 انتخب الدكتور حسين الخالدي رئيساً لبلدية القدس بعد فشل راغب في الانتخابات لهذا المنصب، فكان من الطبيعي أن يبادر النشاشيبي إلى إنشاء قوة سياسية أخرى بديلة عن بلدية القدس، تمكنه من مقارعة خصومه من آل الحسيني الذين يتمتعون بمقاعد شعبية ومؤسسية قوية، حيث كان في ذلك الوقت الحاج أمين الحسيني مفتياً للقدس ورئيساً للمجلس الإسلامي الأعلى وقائداً للحركة الوطنية الفلسطينية.. وهناك أسباب محلية عديدة ساهمت في تكوين تلك القوة السياسية أهمها التنافس العائلي على المراكز الهامة في القدس وهي ثلاثة: الإفتاء والمحكمة الشرعية ورئاسة البلدية. إلا أن السبب الأقوى كان دائماً رغبة سلطة الانتداب في إحداث الفرقة في الحركة الوطنية السياسية، وهي لذلك دعمت عبر جميع المراحل تلك الفئة المنافسة والمعارضة والتي أطلق عليها اسم المعارضة.
أدت هذه المنافسة العائلية بين آل الحسيني وآل النشاشيبي إلى منافسة سياسية علنية، وفي وقت أصبحت الجماهير فيها تعتبر الحاج أمين على رأس الحركة الوطنية، والمجلس الإسلامي وما يمثله مؤسسة هامة من المؤسسات الوطنية، وما كان بإمكان خصوم الحاج أمين وعلى رأسهم راغب النشاشيبي تجاهل هذه الحقيقة، وفي الوقت نفسه ما كان بوسعهم الاعتراف علناً بأن هؤلاء هم الوطنيون، ومن هنا أطلق على معسكر الحاج أمين وأنصاره لقب (المجلسيين) وعلى المعسكر الآخر لقب (المعارضين) لسياسة المجلس.
أخذ هؤلاء المعارضون بإطلاق الاتهامات ضد الحاج أمين وجماعته ومن ثم معارضتها كي يكسبوا تأييد الرأي العام، كل ذلك بإيعاز من الانجليز، فمثلاً عقد المعارضون مؤتمر الأمة الإسلامية في فندق الملك داوود الذي يملكه اليهود، وهو مؤتمر معاكس لمؤتمر العالم الإسلامي الذي عقد في القدس برئاسة أمين الحسيني، ودعا إليه كبار الأئمة والعلماء والسياسيين من مختلف الأقطار العربية والإسلامية، كي يشعر سلطات الانتداب بأن عرب فلسطين ليسوا وحدهم، فهناك الملايين من العرب والمسلمين يساندونهم. وأقام هؤلاء المعارضون (على رأسهم راغب النشاشيبي وأسعد الشقيري وفخري النشاشيبي) بتقديم مذكرات إلى الحكام العرب والمسلمين يحذرونهم فيها من عقد المؤتمر، كما بعثوا وفوداً إلى عدد من الدول العربية والإسلامية لإطلاع المسؤولين على نوايا المفتي وأهدافه الحقيقية التي حفزته إلى الدعوة لعقد المؤتمر، وذكروا لهم أن المفتي ينوي إثارة موضوع الخلافة الإسلامية واستصدار قرار انتخاب أحد الملوك من أصدقائه خليفة للمسلمين. لكن انعقاد مؤتمر المعارضين هذا أثناء انعقاد المؤتمر الإسلامي العام، كان فضيحة أثارت نفور الشعب الفلسطيني واشمئزازه.
في منتصف الثلاثينات نشأت الأحزاب في فلسطين، فشكل أمين الحسيني حزباً أسماه الحزب العربي، أما كتلة المعارضين فقد شكلوا حزب الدفاع الوطني وترأسه راغب النشاشيبي، حيث ضم هذا الحزب عدداً من رؤساء البلديات ومن كبار المزارعين الأثرياء ومن زعماء العشائر ومن السياسيين الذين كانوا بسبب خلافهم مع المفتي يبحثون عن أرض سياسية أخرى يعملون عليها، ومن الطبقات ذات المصلحة في عدم الصدام مع حكومة الانتداب مثل أسعد الشقيري وفخري النشاشيبي وسليمان طوقان وغيرهم.
اتخذ الحزب بزعامة النشاشيبي القدس مقراً له، وقدم نفسه على أساس أنه يعمل لقيام حياة سياسية ديمقراطية، وبأنه يمثل غالبية النخبة المثقفة من أبناء العائلات، ونادى بفكرة التعاون مع حكومة الانتداب لإقامة مجلس تشريعي في الوقت المناسب، والحقيقة أن هذا الحزب استقطب حوله كبار الأثرياء وبالتالي النخبة المثقفة من أبناء العائلات بسبب سياسة المسايرة للسلطة الانتدابية، ففي مثل هذه السياسة عادة طمأنينة وضمانة للأثرياء أصحاب رؤوس الأموال والأراضي الشاسعة.
كان لحزب الدفاع الوطني الأثر السيئ في حياة فلسطين وفي حركتهم الوطنية، حيث أصبح أنصار هذا الحزب يثيرون الفتن واشغب على المجاهدين الفلسطينيين، ويستعينون على هذا بما يتمتعون به من عون الإنجليز واليهود تحقيقاً لمبدئهم فرّق تسد.
من جملة ما ذكر عن راغب النشاشيبي وعلاقته مع الإنجليز، أنه اشترك هو وعلي جار الله القاضي في محكمة الاستئناف في حفل افتتاح الجامعة العبرية، مما ترك أسوأ الأثر عنهما، علماً بأن الأحزاب والجمعيات السياسية كلها بما فيها الدفاع الوطني قد شاركت في الإضراب والمقاطعة لدى دخول بلفور لفلسطين بناء على ما جاء في الصحف من نداء لذلك.
كذلك قال جمال الحسيني في أسعد الشقيري ـ والذي هو من أقوى دعائم المعارضة: (كذلك لا يجب أن نعتب على الأمة لاشتباهها في الحزب الوطني عندما نرى أعظم ركن فيها، ذلك الشيخ الذي أدمى قلب الأمة، وأسال دموع عذاراها، إذ كان جاثماً بجانب السفاح جمال باشا وهو يعلق أجسام شبان هذه الأمة في ساحات بيروت ودمشق والذي طأطأ رؤوسنا إذ أقبل بعمته الضخمة على الكونت دي روتشلد يقبل يده عند زيارته لفلسطين قبل سنين..).
على الرغم من تعاطف حزب الدفاع الوطني مع الإنجليز واليهود، إلا أن تدفق الهجرة الصهيونية والغليان الوطني ضد الغزو الصهيوني، دفع حزب الدفاع في اتجاه سياسة الالتقاء مع الأحزاب الأخرى تحت اسم اللجنة العربية العليا، استجابة لمطالب الجماهير في الوقوف بحزم إزاء تفاقم الوضع السياسي في البلاد، وهكذا شارك هذا الحزب في الموقف الموحد لأول مرة... إلا أنه ما لبث أن أعلن انسحابه من اللجنة العليا بعد فترة قصيرة تمهيداً للموافقة على مشروع تقسيم فلسطين عام 1937، لكنه لم يجرؤ على إعلان موافقته اتقاء للسخط العام.
ومنذ انسحاب الحزب بزعامة النشاشيبي من اللجنة العليا، انفصل من المسيرة الوطنية العامة، وعاد يعمل بمفرده... لذا فر قادته إلى القاهرة خشية انتقام الثوار وأنصار الخط الوطني منهم، وفي القاهرة تركز خط حزب الدفاع على مواجهة المفتي الذي استقطب التأييد الوطني العام، ولاسيما بعد وضوح موقفه إلى جانب الثورة ضد الإنجليز والصهيونية بشكل صدامي، وفي هذه الفترة تخلى عن حزب الدفاع العديد من أعضائه وأعلنوا انسحابهم منه رسمياً.
في سنة 1939 اختير راغب النشاشيبي عضواً في الوفد الفلسطيني العربي الذي سافر إلى إنكلترا، وحضر مؤتمر المائدة المستديرة بلندن للبحث في القضية الفلسطينية.
في سنة 1946 وبعد أحداث متتالية حلت بالحركة الوطنية ونفي معظم أعضائها لخارج فلسطين، أُعيد تشكيل اللجنة العربية العليا، فاختير الراغب عضواً فيها، وبعد وقوع النكبة عام 1948 وضم الضفة الغربية لشرقي الأردن، عُين الراغب وزيراً للزراعة في الحكومة الأردنية ثم وزيراً للنقل والمواصلات، ثم حاكما عاماً للضفة الغربية والحارس العام للحرم الشريف والأماكن المقدسة... وأخيراً عُين عضواً في مجلس الأعيان الأردني. وتوفي سنة 1951.
المراجع:
ـ عجاج نويهض (رجال من فلسطين)، منشورات فلسطين المحتلة، بيروت، طبعة أولى، 1981، ص(287 ـ 298).
ـ د. عبد الوهاب وآخرون (موسوعة السياسة، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، الطبعة الأولى1981 الجزء الثاني ص(302،303).
ـ محمد عمر حماد (أعلام فلسطين، دار قتيبة، دمشق، بيروت، طبعة أولى 1991، الجزء الثالث، ص(109،110).
ـ بيان نويهض الحوت (القيادات والمؤسسات السياسية في لفلسطين، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، بيوت، الطبعة الأولى 1971، ص(301ـ 306).
إبراهيم إسماعيل
29-10-2007, 06:49 PM
أكرم زعيتر
ولد أكرم زعيتر في مدينة نابلس عام 1909، والده الشيخ عمر الجزائري من كبار رجالات نابلس، وترأس بلديتها في أوائل القرن العشرين. أخوه العلامة عادل زعيتر شيخ المترجمين العرب.
درس أكرم زعيتر الصفوف الابتدائية في مدينة نابلس، وأكمل دراسته الثانوية في كلية النجاح ثم انتسب إلى الجامعة الأمريكية في بيروت، والتحق بعدها بكلية الحقوق في القدس.
زاول زعيتر في بداية حياته مهنة التعليم في ثانويات فلسطين، وعلى اثر الثورة عام 1929 في فلسطين وحملة المندوب البريطاني على الثوار العرب استقال من مهنة التدريس ليتفرغ للعمل في الحقل الوطني، فتولى رئاسة تحرير جريدة (مرآة الشرق) في القدس، وبعد ثلاثة أشهر من عمله في الصحافة قبض عليه وأودع السجن نتيجة لانخراطه في العمل الوطني، وحوكم بالإبعاد مدة سنة إلى نابلس، وهناك قاد المظاهرات الوطنية خاصة يوم إعدام الشهداء الثلاثة: فؤاد حجازي ومحمد جمجوم وعطا الزير، ولدى عودته إلى القدس مرة أخرى تولى تحرير جريدة الحياة التي قامت بدور هام في تحريك أحداث عام 1931، لكن جرى اعتقال زعيتر وأُغلقت جريدة الحياة، وتم إبعاده مرة أخرى إلى مدينة نابلس حيث تولى التدريس في كلية النجاح، وألف مع نخبة من الأحرار جمعية (العناية بالمساجين العرب). وفي تلك الفترة أسس مع عدد من رفاقه حزب (الاستقلال) في فلسطين. وكان ينشر مقالاته الوطنية على صفحات جريدة (الدفاع) و(الجامعة الإسلامية) اليافية.
كما اشترك أكرم في تأسيس عصبة العمل القومي في سوريا، وكان نائباً لرئيس مؤتمرها التأسيسي الذي انعقد في لبنان عام 1933، وحينما توفي الملك فيصل الأول في بغداد، مثل أكرم حزب الاستقلال في مراسم جنازته، فالتقاه ياسين الهاشمي وطلب منه البقاء للعمل في معاهد العراق موجهاً قومياً، وهناك ساهم بتأسيس (نادي المثنى) و(الجوال القومي).
بعد عودته إلى فلسطين شرع في عقد الاجتماعات الشعبية في جميع أنحاء فلسطين داعياً للمقاومة ولمجابهة الانتداب البريطاني. وعلى أثر الصدام الذي وقع عام 1936 بين الوطنيين الفلسطينيين وقوات الأمن البريطاني دعا أكرم زعيتر إلى تأليف لجان قومية، وتولى هو أمانة سر لجنة نابلس.
تولت لجنة نابلس الاتصال بأحرار فلسطين والعرب ودعت إلى الاضراب العام الكبير الذي امتد ستة أشهر، والذي كان الممهد لثورة عام 1936، فاعتقل أكرم وكان أول معتقل في هذه الثورة، حيث أُرسل إلى سجن عوجا الحفير في صرفند، وبعد فترة لجأ إلى دمشق حيث حضر مؤتمر بلودان، وتولى العمل الإعلامي للقضية الفلسطينية في سورية والدول المجاورة.
وبعد مطاردة قوات الانتداب للأحرار العرب، اتجه أكرم إلى العراق حيث عمل مفتشاً في وزارة المعارف وأستاذاً في دار المعلمين العراقية إلى أن نشبت ثورة رشيد رضا الكيلاني عام 1941 فشارك فيها، وحين أخفقت الثورة لجأ أكرم وصحبه إلى بادية الشام واختفوا مدة فيها، ثم لجأ إلى حلب ومنها إلى تركيا ليقضى ثلاثة أعوام لاجئاً سياسياً في الأناضول.
بعد إعلان استقلال سوريا عام 1945 عاد أكرم إليها، وأصبح مقرباً من رئيسها شكري القوتلي، كما مثل سوريا في كثير ممن النشاطات القومية، وكان مستشاراً لوفدها لدى جامعة الدول العربية، وعضواً في لجنة فلسطين الدائمة في الجامعة العربية.
في عام 1947 ترأس وفداً عربياً إلى أمريكا اللاتينية لشرح قضية فلسطين والدفاع عنها، واشترك في معظم المؤتمرات الوطنية والإسلامية المنعقدة في الشرق العربي، ثم تولى أمانة سر الندوة الإسلامية في دوراتها الثلاث المنعقدة في بيت المقدس عام 1959، ومثل الأردن في الدورة السادسة عشر للأمم المتحدة، وفي عام 1963 عُين سفيراً للأردن لدى سورية حيث أمضى قرابة العام ثم سفيراً للأردن لدى إيران وأفغانستان، وفي عام 1966 عُين وزيراً للخارجية الأردنية، وفي عام 1967 أصبح عضواً في مجلس الأعيان الأردني، ثم وزيراً للبلاط الملكي.
وفي عام 1971 أصبح سفيراً للأردن لدى لبنان واليونان حتى عام 1975، ثم عاد ثانية إلى عضوية مجلس الأعيان الرابع عشر والخامس عشر والسادس عشر والسابع عشر.
أثناء إقامة أكرم زعيتر في لبنان في الثمانينات ساهم بنشاط في الحركة الثقافية، وكان رئيساً للمركز الثقافي الإسلامي لسنوات طويلة، كما شارك الشعب اللبناني آلامهم ومعاناتهم أثناء الحصار الإسرائيلي لبيروت عام 1982، فقد أصيب منزله كما احترقت مكتبته التي تضم رسائل من كبار الشعراء والأدباء العرب في الوطن والمهجر، فسبب ذلك له حزناً عميقاً، فغادر بيروت إلى عمان، حيث تولى رئاسة اللجنة الملكية لشؤون القدس.
كان زعيتر عضواً في مجمع اللغة العربية الأردني، وعضواً مراسلاً في مجمع اللغة العربية بدمشق، كما كان عضواً في المجمع الملكي لبحوث الحضارات الإسلامية في مؤسسة آل البيت.
كان أكرم زعيتر خطيباً مفوهاً تأثر أدبه بالجاحظ وأبي حيان التوحيدي وابن حزم، كما تتلمذ على شقيقه عادل زعيتر، ومحمد إسعاف النشاشيبي وأمير البيان شكيب أرسلان، وخليل السكاكيني الذي ارتبط به أكرم بوثاق شديد، وظل طوال عمره يباهي بتلمذته على هذا الأديب الكبير، وبلغ من تأثره بعلمه وشخصه أن أطلق اسم (سري) على بكر أبنائه تشبهاً بأستاذه السكاكيني أبي سري.
توفي أكرم زعيتر بمنزله في عمان إثر إصابته بسكتة قلبية يوم الخميس الموافق الحادي عشر من نيسان سنة 1996، فصلي على جثمانه في مسجد مدينة الحسين الطبية، ووري الثرى في المقبرة الإسلامية في سحاب بالقرب من عمان.
احتلت مؤلفات زعيتر مكانة مرموقة في المكتبة العربية، وقد انفرد بتسجيل أدق تفاصيل الكفاح الفلسطيني لحظة حدوثها بأمانة وموضوعية، ومن أهم المؤلفات:
ـ أوراق أكرم زعيتر، وثائق القضية الفلسطينية (1918 ـ 1940).
ـ يوميات الثورة الكبرى والإضراب العظيم (1936 ـ 1939)
ـ وثائق الحركة الوطنية الفلسطينية (1918 ـ 1939).
ـ يوميات أكرم زعيتر، وثائق الحركة الوطنية الفلسطينية (1935 ـ 1939).
ـ من أجل أمتي، من مذكرات أكرم زعيتر (1939 ـ 1946).
ـ كتاب (بدوي الجبل وإخاء أربعين عاماً).
ـ كتاب (رسالة في الاتحاد) بالاشتراك مع الأستاذين ساطع الحصري وكامل مروة.
المراجع:
ـ (أعلام فلسطين من القرن السابع حتى العشرين ميلادي)، محمد عمر حمادة، دار قتيبة، طبعة أولى 1985، ص(350ـ 356).
ـ كتاب (ذكرى أكرم زعيتر) تقديم د. قسطنطين زريق
إبراهيم إسماعيل
29-10-2007, 06:49 PM
ناصيف اليازجي
هو ناصيف بن عبد الله بن جنبلاط اليازجي، ولد عام 1800 في قرية كفرشيما في لبنان. كانت أسرته في بداية القرن السابع عشر تقطن قرى حوران فهاجر أفراد منها إلى مدينة حمص وراحوا يكتبون للولاة والحكام فأطلق عليهم اسم الكاتب وهو بالتركية (اليازجي). وفي أواخر القرن السابع عشر هاجر أفراد من هذه الأسرة الكبيرة إلى غربي لبنان وعلى رأسهم (سعد اليازجي)، فأصبح كاتباً للأمير (أحمد المعني) آخر حاكم للبنان من المعنيين، ونال حظوة عنده فلقبه (بالشيخ) لوجاهته وعلمه، وأصبح هذه اللقب يدور مع أفراد الأسرة. خلال القرن الثامن عشر كتب آل اليازجي للأمراء الأرسلانيين والشهابيين. وكان عبد الله اليازجي والد ناصيف كاتباً للأمير حيدر الشهابي في قرية كفرشيما، كما كان طبيباً على مذهب ابن سينا، وكان يحب الأدب ويميل إليه.
تلقى الشيخ ناصيف اليازجي علومه الأولية على أبيه وأنهاها على راهب ماروني، إلى جانب مطالعاته الوافرة لعظيم الكتب، فجمع بذلك الصرف والنحو والبيان واللغة والشعر، وأتقن المنطق وتم له اطلاع واسع على الطب والفلسفة والموسيقى والفقه، وقد ألف في تلك العلوم جميعاً ما عدا القفه احترماً وتهيباً، وهو إلى هذا شاعر زجال، نظم الأزجال عفو الخاطر في صباه، وفاق من تقدمه في نظم الشعر التاريخي على حساب الجمل، ولم يبزه في ذلك إلا الشيخ عبد الله البستاني.
تألق نجم الشيخ ناصيف وهو بعد في السادسة عشرة من عمره بما كان ينظمه، وعني بالخط عناية خاصة فجوده وبرع به، فوصل خبره إلى البطريك أغناطيوس فدعاه ليكتب له في دير (القرقفة) الواقع على هضبة من هضبات كفرشيما، فبقي عنده مدة سنتين رجع بعدها إلى قريته ليواصل الدرس والمطالعة وقرض الشعر. وترامت شهرته في أنحاء لبنان فاستدناه الأمير بشير الشهابي الكبير حاكم لبنان وجعله من كتاب ديوانه، وراح اليازجي ينظم في الأمير شعراً كثيراً، تلقفته الأيدي وأحبته الأسماع، وأذاعت شهرته وصيته، فاكتسب بذلك رضى الأمير وعطفه، وأتاح له ذلك الاتصال بوزراء الدولة وعلماء ذلك العصر وأعيان البلاد.
عاد اليازجي إلى بيروت عام 1840 بعد أن أُرغم الأمير الشهابي على مغادرة البلاد، فاتصل بالمرسلين الأمريكيين يصحح مطبوعاتهم ولاسيما الكتاب المقدس الذي كان باشر بترجمته الدكتور عال سميث ودخل عضواً في الجمعية السورية وهي إذ ذاك أشبه ما تكون بمجمع علمي، فالتف حوله الكثير ليفيدوا من معرفته المدهشة للعربية ومن ثقافته الواسعة في النحو والبيان، فتتلمذوا عليه وجعله الأمريكان أستاذاً في مدارسهم وسار ذكره في البلاد العربية قاطبة وراسله كبار الشعراء.
عام 1863 استقدم بطرس البستاني ناصيف اليازجي للتعليم في المدرسة الوطنية التي افتتحها في بيروت واشتغل معه بتصحيح الجزء الأول من كتاب (محيط المحيط)، ولما أنشئت المدرسة البطريكية كان الشيخ ناصيف من أساتذتها المبرزين، وكان يقوم بالتدريس في المدرستين المذكورتين معاً، وبعد مدة دعي إلى التدريس في الكلية الإنجيلية السورية (الجامعة الأمريكية فيما بعد)، فدرس فيها اللغة العربية وآدابها واتصل به المستشرقون من كل مكان، وبلغت شهرته خارج سورية كما هي داخلها. وانصرف إلى وضع كتب جليلة يعلم بها الجيل في النحو والصرف والبيان على أساليب العصر، وخرج على الناس بشروح ومتون تعد من أثمن ما ترك العلماء تقريباً للأفهام وبعداً عن الأوهام والإبهام، إذ رفع مستوى الكتابة من ركاكة التركيب وغثاثة الانحطاط إلى متانة التعبير ، وتجلى فيها السهولة والانسجام والصفاء، فأصبحت كتبه نبراساً للعقول في ختام عصر الانحطاط وفجر النهضة الأدبية.
وقد أخذ الشيخ ناصيف اليازجي على نفسه تهذيب اللغة، وعمل على تقريب متناولها فحببها إلى القلوب وأصبح من محركي الحركة القومية العربية، إذ حمل الناس على المساهمة في إحياء تراث اللغة ونشره، فكان ذلك منه دعوة غير مباشرة للوعي القومي العربي وإيقاظاً للفكر العربي الهاجع.
واقتصر اليازجي فيما وضع من المؤلفات المختلفة على التقليد والتخليص والتبسيط ومجاراة العرب الأقدمين فيما صنفوا وألفوا فكان في كل ما نظم وكتب مقلداً لمن سبقه.
ومن صفاته التي ازدان بها وتنوقلت عنه، أنه لم يكن يبت حكماً لم يتحققه، ولا يؤكد خبراً ما لم يتمحصه، ولا يثبت رواية لم يعد النظر إليها، وكان هذا أدبه في حديثه وكتاباته وذلك لحصافة في عقله وشهامته في خلقه. وقد نقل عنه أنه كان قليل الكلام ولاسيما بما لا يعنيه، فلم يُسمع له في قصائده أو رسائله أنه هجا أحداً.
ويتحدث عنه معاصروه: أنه كان واسع الاطلاع، كثير النكات والنوادر، يروي القصة بتواريخها وأسماء أصحابها وأمكنتهم، ومن غريب ذاكرته ما يروى: أنه كان إذا نظم الشعر لا يكتبه بيتاً بيتاً بل كان ينظم القصيدة في ذاكرته ثم يكتبها. ويقال أنه كان قوي الذاكرة إلى حد الغرابة، يحفظ زبدة كل كتاب يقرؤه فيرسخ في ذهنه فلا تذهب به الأيام، وقلما طالع كتاباً واحتاج إلى مطالعته مرة ثانية ولا ريب أن هذه المزية التي خص بها كانت من الأسباب المهمة التي ساعدته على البلوغ إلى ما بلغ من العلم وسعة المعارف.
قيل أنه كان يحفظ القرآن آية بعد آية. وشعر المتنبي بيتاً بعد بيت لا يخل بحرف ولم يسمع بيتاً من الشعر إلا عرف من قائله وربما ذكر السبب الذي قيل من أجله، وقد وعى في صدره أيام العرب وأشعارها ونوادر أخبارها.
ويروى عنه أنه كان يذكر أموراً كثيرة وأحاديث غريبة وقعت له أو سمعها يوم كان عمره خمس سنوات. وكان مولعاً بالصوت الجميل والغناء الحسن حتى أنه كان يلقن التواشيح لأحد تلامذته، ـ وكان ذا صوت حسن ـ لينشدها على أصولها.
وإلى جانب ذلك كله كان ناصيف اليازجي محافظاً على لهجة قومه وتقاليد أهل بلاده في الطعام واللباس والجلوس وسائر العادات، فكان لا يطيب له إلا أن يغني بأغاني قومه، ويحذو حذوهم في كل شيء، فيلبس العمامة على رأسه والجبة والقطفان على بدنه ويضع الدواة تحت منطقته.
ظل الشيخ ناصيف اليازجي يدرس ويعلم ويؤلف حتى أصيب بفالج شل شطره الأيسر، وفي أثناء مرضه أصيب بفقد ابنه حبيب بكر أولاده وهو بعد في شرخ الشباب، فمات بعده بقليل متأثراً من شدة حزنه عليه، وكان ذلك عام 1871.
ترك ناصيف اليازجي عدة مؤلفات هي:
ـ طوق الحمامة.
ـ قطب الصناعة في أصول المنطق والتذكرة في أصول المنطق.
ـ الحجر الكريم في الطب القديم.
ـ فاكهة الندماء في مراسلات الأدباء.
ـ رسالة تاريخية في أحوال لبنان في عهده الإقطاعي.
ـ العرف الطيب في شرح ديوان أبي الطيب. هذبه وأكمله ابنه إبراهيم اليازجي.
المراجع:
ـ (مصادر الدراسات الأدبية)، يوسف أسعد داغر، بيروت مكتبة لبنان، الطبعة الأولى 2000، ص(536ـ539).
ـ (قدماء ومعاصرون)، د. سامي الدهان، دار المعارف، مصر، 1961، ص(143ـ148).
ـ (موسوعة الأعلام)، خير الدين الزركلي، دار العلم للملايين، بيروت، الطبعة العاشرة، 1992، المجلد السابع ص(350،351).
ـ (الشيخ ناصيف اليازجي)، عيسى ميخائيل سابا، دار المعارف، القاهرة، 1965.
إبراهيم إسماعيل
29-10-2007, 06:51 PM
إحسان الجابري
هو إحسان الله بن عبد القادر لطفي الجابري، ولد في مدينة حلب عام 1879 في أسرة ذات دين وعلم وجاه. ووالده الحاج عبد القادر الجابري كان مفتي حلب.
تلقى إحسان الله دراسته الأولى في مدينة حلب، ثم انتقل إلى الأستانة فدرس العلوم الإدارية والسياسية وعمل مع شباب العرب فيها وسجن مراراً، وتخرج من كلية الحقوق حاملاً شهادة الدكتوراه برتبة (علي الأعلى). اتصل بالهيئات السياسية والجمعيات الوطنية العربية التي تنادي باستقلال البلاد العربية، فأدخل السجن ثانية عام 1902 وقضى فيه ستة أشهر بتهمة تلقيه رسائل من عبد الرحمن الكواكبي. مارس المحاماة في استانبول من 1902ـ 1904، ونال في هذه الأثناء جائزة الشعر بالتركية.
دخل إحسان الله بواسطة صهره الكوراني ناظر الداخلية سلك الوظيفة في الدولة العثمانية، حيث عُين ترجماناً لوزارة الضابطة ثم كاتباً أولاً، وترقى في الوظيفة إلى أن أصبح رئيس ومفتش تنسيقات وتنظيمات الشرطة العامة، ثم أمين سر السلطان محمد الخامس فمحمد السادس. وفي عام 1913 حضر مؤتمر باريس الذي وضع قرارات هامة تضمنت مطالب وحقوق العرب في ظل الإمبراطورية العثمانية.
جمع من وظيفته ثروة مكنته بعد سقوط الدولة العثمانية من العمل طليقاً في السياسة يجوب بلداناً أوروبة وعربية. عاد إلى سورية بدعوة الملك فيصل حيث عُين رئيساً لبلدية حلب سنة 1919، ثم اختير عضواً في مجلس الشورى، فاشترك في إعلان استقلال سورية بصفته كبير الأمناء ورئيس ديوان الملك فيصل.
حضر الجابري معركة ميسلون عام 1920 فخرج مع الملك فيصل من سورية، وحكم عليه الفرنسيون بالإعدام وحجزوا أملاكه، فأقام في أوروبا يعمل لاستقلال بلاده. دعاه الجنرال غورو بكتاب رسمي مؤرخ (20/11/1920) للمفاوضة معه، لكن لم يتم الوصول إلى اتفاق، فاضطر لمغادرة باريس إلى جنيف حيث انتخب عضواً دائماً في المؤتمر (السوري ـ الفلسطيني) للدفاع عن القضية، وقد اشترك في هذا المؤتمر حزب الاستقلال والوفد الفلسطيني وممثلون لأمريكا الشمالية والجنوبية من العرب في المهاجر الأمريكية، وتألف المؤتمر من (إحسان الجابري، وشكيب أرسلان، وسليمان كنعان وبعد وفاته انتدب رياض الصلح). وبقي الوفد يعمل بكل ما أوتي من قوة حتى كانون الأول عام 1923 أي بعد أن حضر مؤتمر لوزان.
سافر إحسان الله عام 1923 بدعوة من الشريف حسين إلى عمّان حيث حضر المؤتمر العربي فيها، وتمكن من دخول سورية وهناك أسس جمعية حقوق الإنسان فأقبل الألوف من الشبان في المدن السورية على الانخراط في عضويتها، ومنها انبثق حزب الشعب وبعده الكتلة الوطنية. وعلى أثر هذا النشاط حاولت السلطة الفرنسية إلقاء القبض عليه إلا أنه تمكن من الهرب إلى تركيا، فحكمته السلطة الفرنسية للمرة الثانية بالإعدام، وغادر تركيا إلى سويسرا ومكث هناك حتى عام 1926، حيث دعي إلى باريس مع لطف الله وشكيب أرسلان لعقد معاهدة، وفعلاً تم الاتفاق ووقع بالأحرف الأولى، ولكن مجيء بوانكاريه إلى الحكم سبب تأخير الأمر، فعاد إلى سويسرا وأصدر في جنيف مع الأمير شكيب أرسلان مجلة باللغة الفرنسية بعنوان (الشعب العربي) للدفاع عن حقوق العرب والدفاع عن سورية.
بعد عقد معاهدة 1936 بين الحكومة السورية وفرنسا، وصدور العفو العام عاد إحسان الله إلى سورية، وبعد شهرين أجبرته الحكومة على قبول محافظة اللاذقية، وبقي هناك ما يقرب السنتين بمصارعة الانتداب الفرنسي، وفي نهاية العهد الوطني اعتقل وحددت إقامته في عينطورة في لبنان مدة أربع سنوات.
ثم عاد إلى حلب، وبعد وفاة أخيه سعد الله الجابري، انتخب نائباً عن حلب وترأس قائمة الوطنيين، كما انتخب رئيساً للجنة الشؤون الخارجية فبقي فيها طيلة نيابته، وأعيد انتخابه عام 1954، وترأس التجمع القومي إلى أن تمت الوحدة بين مصر وسورية فترأس اتحاد الدول العربية.
وبعد اعتزاله السياسة أقام في القاهرة حيث توفاه الله ونقل جثمانه بالطائرة إلى عمّان في 11/3/1980، ومنها جواً إلى حلب حيث دفن هناك.
وُهب إحسان الله ذاكرة فذة، وكان يكتب مذكراته يوماً بيوم، وبلغ من أهميتها أنه عرض عليه مبلغ ستين ألف دولار في عام 1935 فرفض. لكن هذه المذكرات تلفت في منزله بالقاهرة أثناء غيابه في حلب وتحت ضغط أصدقائه حاول كتابتها من جديد، فوصل فيها حتى عام 1927، ومرة أخرى سُرقت منه وهو قادم بالباخرة من بيروت إلى الاسكندرية.
له مؤلفات باللغة التركية:
(موقع اقتدار).
(الاشتراكية المثلى).
المراجع:
ـ (موسوعة السسياسة)، د. عبد الوهاب الكيالي، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، الطبعة الثالثة 1986، الجزء الأول، ص(85،86).
ـ (الموسوعة التاريخية الجغرافية)، مسعود الخوند، لبنان، طبعة أولى 1997، الجزء العاشر، ص(183).
ـ (مصادر الدراسة الأدبية)، يوسف أسعد داغر، مكتبة لبنان، بيروت، الطبعة الأولى 2000، ص(1326، 1327).
ـ (ذكرى سعد الله الجابري)، أحمد الجندي، طلاس للدراسة والترجمة والنشر، ص(126).
إبراهيم إسماعيل
29-10-2007, 06:54 PM
رفيق العظم
هو رفيق بن محمود بن خليل العظم، ولد عام 1867 في مدينة دمشق، في أسرة عريقة رفيعة المكانة واسعة الجاه مترفة. والده الأديب الشاعر محمود العظم لم يصرفه إلى الدراسة في المدارس الحكومية العثمانية، وإنما دفعه إلى شيوخ العصر يتردد إليهم ويأخذ عنهم، فتعلق بكتب الأدب ودواوين الشعر وهو مازال صغيراً، ثم انصرف إلى كتب النحو والصرف والمعاني والبيان، لازم العلماء والأدباء وبعض المتصوفة، وأقبل على الأساتذة سليم البخاري وطاهر الجزائري وتوفيق الأيوبي، ونزع كما ينزعون إلى البحث في الاجتماع والتاريخ والأدب، وتعلق بالإصلاح وكتب فيه لما وجد من أحوال العصر الإدارية والسياسية.
اجتمع رفيق العظم إلى أحرار العثمانيين وتعلم اللغة التركية، وتقرب من الجمعيات السياسية السرية ووقف على العنف والاستبداد والاستعمار، فأخذ ينتقد ويقبح في جرأة وصراحة لفتت الأنظار إليه.
زار رفيق العظم مصر سنة 1892ومنها انتقل إلى الأستانة ثم عاد إلى دمشق، ليغادرها عام 1894 إلى مصر هرباً من مضايقة السلطات لأحرار البلاد، وفي القاهرة تعرف العظم على أعلام البلاد، واتصل بحلقة الإمام محمد عبده، وفي هذه الحلقة كبار الكتاب والمفكرين أمثال قاسم أمين وفتحي زغلول وحسن عاصم. فأفاد من مجالسهم وكذلك اتصل بالشيخ علي يوسف صاحب جريدة المؤيد، وعرف مصطفى كامل ومحمد فريد من زعماء الإصلاح في مصر، فاختمرت في نفسه فكرة الإصلاح السياسي والاجتماعي.
كما انصرف العظم إلى الكتابة والتصنيف، وأخذ ينشر المقالات والدراسات في التاريخ والأدب والاجتماع والإصلاح في كبريات الجرائد: الأهرام، والمقطم، واللواء وفي أشهر المجلات: المقتطف الهلال، والمنار، والموسوعات فوثقت صلاته بعلماء وكتاب وسياسي مصر.
كما انصرف العظم إلى تأسيس الجمعيات السياسية، فأنشأ مع صحبه (جمعية الشورى العثمانية) الحرة، وفيها كبار الشخصيات من عرب وأتراك وجركس وأرمن، وكانت لها صحيفتها يحرر القسم العربي فيها. وكانت هذه الجمعية قبل ذلك تطبع المنشورات وتذيع البيانات في الوطن العربي وفي غيره. وتنبهت الجمعية (الاتحاد والترقي) إلى خطر هذه الجمعية وأثرها، فسعت إلى التقرب منها والاعتماد عليها في مقاومة الظلم والطغيان ولكن الشعار كان يختلف في كل منهما، والأهداف تباعد بينهما... فجماعة الاتحاد والترقي كانوا يعتمدون على العنصرية التركية في رفع الجنس الطوراني، أما جماعة الشورى فكانوا يريدون الحرية للشعوب.
لذا سعى رفيق العظم مع صديقه الشيخ رشيد رضا في تكوين جمعية عربية سرية، هدفها التأليف بين أمراء الجزيرة العربية، والسعي في جمع شمل العرب لحفظ حقوق العرب في الدولة العثمانية، والعمل لمستقبل يعيد إليهم أمجادهم وتاريخهم. وقد ساق إلى تأليف هذه الجمعية ما ظهر من ضعف الدولة العثمانية بعد انكسارها في حرب البلقان، وبدا خطر وقوعها في براثن الغربيين، فنهض العظم مع زملائه من الساسة في تأسيس حزب اللامركزية، لئلا يصيب الأقطار العربية خطر الانهيار الذي يقع على العاصمة، وليصبح كل قطر في منجى من السقوط فريسة للأوربيين.
وظل رفيق العظم يعمل في الأحزاب وفي السياسة لخير قومه وأمته وبلاده حتى ساءت صحته، فلما قامت الثورة العربية وتسلمت الحكومة الفيصلية مقاليد البلاد، عاد العظم إلى دمشق زائراً فاستقبلته البلاد خير استقبال، وعرضت عليه أن يتقلد بعض الرئاسات الكبرى، فاعتذر لسوء صحته، ولزهده في المناصب، وعاد إلى القاهرة ولازم داره.
وقد أُعجب المجمع العلمي العربي في دمشق بكتابات العظم وروعة أسلوبه وجميل خدماته للعربية، فانتخبه عضواً مراسلاً إكباراً لأياديه، ولكنه لم يتح له أن يشارك في أعماله، وإنما أوصى بمكتبته كلها هدية إلى المجمع العلمي العربي، وهي في نحو ألف مجلد، كلها من أنفس الكتب. توفي في القاهرة سنة 1925.
من آثاره:
ـ كتاب (الدروس الحكمية للناشئة الإسلامية).
ـ كتاب (البيان في أسباب التمدن والعمران).
ـ رسالة (البيان في كيفية انتشار الأديان).
ـ (الجامعة الإسلامية في أوروبا).
ـ (السوانح الفكرية في المباحث العلمية).
ـ (أشهر مشاهير الإسلام) كتب منه أربعة أجزاء طبعت مراراً، ولكنه لم يتمه، واستفاضت به الشهرة في أقاصي البلاد ودانيها.
ـ (تنبيه الافهام إلى مطالب الحياة الاجتماعية في الإسلام).
ـ مجموعة آثار رفيق العظم، عني بجمعها شقيقه عثمان العظم.
من آثاره الخطية ديوان شعر محفوظ في دار الكتب الظاهرية. وشرع بوضع كتب لم يتمها منها: تاريخ السياسة الإسلامية، ورسالة في الخلاف بين الترك والعرب كتب منها 67 صفحة. وله الكثير من المقالات في النواحي الاجتماعية والسياسية نشرت في كبريات المجلات والجرائد.
المراجع:
ـ د. سامي الدهان (قدماء ومعاصرون، دار المعارف، مصر، 1961، ص(166ـ 172).
ـ يوسف أسعد داغر (مصادر الدراسة الأدبية، بيروت، مكتبة لبنان، الطبعة الأولى 2000، ص(471، 472).
ـ عبد الوهاب الكيالي (موسوعة السياسة، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، الطبعة الأولى 1981، ص(826،827).
ـ جميل عويدات (أعلام نهضة العرب في القرن العشرين، الطبعة الأولى 1994 ص(100).
إبراهيم إسماعيل
29-10-2007, 06:55 PM
الشيخ محمد الحامد
هو محمد بن محمود الحامد، ولد عام 1910 في مدينة حماة، وعاش في بيئة علم ودين وأدب. أبوه الشيخ محمود الحامد كان عالماً متصوفاً أديباً، تلقى التصوف على الشيخ عبد الفتاح العبد فكان شيخ الطريقة النقشبندية بحماة ومن الصالحين الجامعين على الله. أما والدته فهي من بيت اشتهر بالعلم والشعر، وخاله الشيخ سعيد الجابي من العلماء المشهورين، وجده لأمه الشيخ مصطفى الجابي عالم وشاعر.
نشأ محمد الحامد منذ نعومة أظفاره ميالاً إلى التدين والأدب، يألف المساجد ويحضر دروس العلماء. مات أبوه وأمه وهو لم يتجاوز السادسة من عمره، فعاش سني طفولته يتيماً يتولى أمره أخوه بدر الدين الذي أدخله المدرسة الابتدائية، وأيقظ فيه روح الجد لما كان يرى فيه من مخايل الذكاء. فأنهى دراسته الابتدائية بتفوق سنة 1922، ولما شب اتجه للدراسة في مدرسة دار العلوم الشرعية في حماة، وفيها تحدد مستقبله العلمي الشرعي الذي يطمح إليه، وظهرت عملياً إمكاناته الفكرية الهائلة، وقد تأثر في هذه المدرسة بخاله الشيخ محمد سعيد الجابي المدرس العام في حماة، والشيخ محمد سعيد النعساني مفتى حماة، والشيخ أحمد المراد أمين الإفتاء والذي صاهره فيما بعد.
بعد أن نال محمد الحامد شهادة دار العلوم الشرعية بدرجة ممتازة عام 1928، قصد حلب والتحق بكليتها الشرعية التي تدعى (المدرسة الخسروية)، وكانت تعتبر في ذلك الوقت أرقى المدارس الشرعية في بلاد الشام، فالتدريس فيها مناط بنخبة من العلماء الكبار منهم الشيخ أحمد الزرقا وأحمد الكردي وعيسى البيانوني وإبراهيم السلقيني وغيرهم، فضلاً عن المناهج الواسعة التي كانت تدرس فيها. وفي هذه المدرسة ظهرت شخصية محمد الحامد العلمية بين أقرانه وحتى بين شيوخه، وقد وصفه الشيخ أحمد الشماع ـ وهو أحد شيوخه في المدرسة ـ قائلاً (بحر علم لا تنزحه الدلاء) ولم يكن يكتفي بدروس المدرسة، بل كان يحرص على شهود الدروس العلمية التي تلقى في مساجد حلب، إذ كان يداوم على دروس عالم حلب الكبير الشيخ نجيب سراج الدين، هذا إلى جانب مطالعته للكثير من المصنفات.
عاد محمد الحامد إلى حماة عام 1935، بعد تخرجه من المدرسة الخسروية بتفوق، ولم تطل فترة استقراره فيها، فقد رحل عنها سنة 1938 ملتحقاً بالأزهر الشريف، ورغم قصر مدة إقامته في حماة بعد التخرج من الخسروية فقد كانت ذات أهمية كبرى في حياته حيث أثبت مكانته العلمية فجذب أنظار علماء بلده إليه حتى أنهم حملوه على استلام بعض المناصب الدينية. لم ينقطع محمد الحامد عن الدراسة العلمية، فقد كان دائب المطالعة، يحضر الحلقات العلمية ويقوم بالتدريس في جامع الأشقر ومن بعده الجامع الجديد ثم جامع السلطان الذي كان المركز الرئيسي لجهوده التعليمية.
في عام 1938 انتقل محمد الحامد إلى مصر، وانتسب إلى الأزهر الشريف ليتمم دراسته العالية فيه، وهناك تعرف على الشهيد حسن البنا وتحولت هذه المعرفة إلى علاقة قوية بينهما، كما التقى بالعالم الكبير زاهد الكوثري والشيخ مصطفى الحمامي، وكان هؤلاء من خارج الأزهر استفاد الشيخ محمد الحامد من الأزهر طريقة تحقيق المسائل وتدقيقها، والمنهجية العلمية في البحث والاستنباط وهو أمر ظاهر في آثاره العلمية وفي أجوبته الفقهية، وكان زملاؤه في الدراسة يدهشون من كثرة معلوماته وغزارة محفوظاته، وخاصة في الأحكام الفقهية، حتى إن الشيخ مصطفى السباعي وكان زميله في الدراسة كثيراً ما يقول له: (إنك مدهش، من أين لك معرفة كل هذه الأحكام).
لما أنهى الشيخ الحامد دراسته العالية بتفوق، طُلب منه أن يدخل قسم التخصص (العالمية)، ولكنه أبى وآثر العودة إلى بلده، لأنه ملّ الدراسات المقيدة ذات الصبغة المدرسية المحدودة. وآثر القيام بواجبه في عملية الدعوة والإصلاح الديني في بلده.
بعد عودة الشيخ محمد الحامد إلى حماة عام 1942 بدأ عمله مدرساً في ملاك وزارة التربية والتعليم لمادة الديانة والعربية وبقي في عمله هذا دون انقطاع حتى أجهده المرض.
حين عاد الشيخ إلى حماة كانت البلاد في ذروة جهادها الوطني من أجل الحصول على الاستقلال، فضم صوته إلى أصوات المطالبين بالاستقلال، وكان يذكي بخطبه الحماسية جذوة النضال والجهاد في قلوب المواطنين، داعياً إلى الثورة المسلحة ضد الفرنسيين.
عندما استقلت سورية، أدرك الشيخ محمد الحامد أن الأمة أصبحت على مفترق الطرق، فقد ظهرت فيها دعوات مختلفة الاتجاهات تدعو إلى العقائد والأفكار المستوردة، كما تدعو إلى الميوعة والتحلل من التكاليف الدينية، ونشر الفساد في البنية العامة للمجتمع. فوقف الشيخ في وجه هذه التيارات من أجل الحفاظ على عقيدة الأمة وذاتيتها المستقلة.
ولما وقعت مأساة فلسطين عام 1948، دعا الشيخ محمد الحامد إلى الخروج إلى الجهاد، وأراد أن يخرج بنفسه، ولكن كبار العلماء أشاروا عليه بالبقاء لحاجة المدينة إليه، ولكثرة عدد المجاهدين، فانضم إلى اللجان المشكلة لأجل مساعدة اللاجئين ومواساتهم، وجمع المعونات المادية لهم، وكان يطوف على الناس بنفسه لهذا الغرض. ولقد استحوذت قضية فلسطين على اهتمامه فخصص لها الكثير من خطبه المنبرية، وكتب عنها عدداً من المقالات في الصحف والمجلات.
وفي عام 1956 وأثناء الاعتداء الثلاثي على مصر، انضم الشيخ إلى صفوف المقاومين الشعبيين، وحمل السلاح بنفسه، وكان يخرج على رأس إحدى المجموعات إلى حقول التدريب.
ولما وقعت نكسة حزيران عام 1967 أخذ الشيخ يشد من عزيمة الناس ويعمل على تقوية معنوياتهم ويدعوهم إلى التدريب على استعمال السلاح، وقد عُين عضواً في اللجان المشكلة حينئذ لتنظيم الدفاع عن البلد، كما قام بدعوة لجان من الأحياء المختلفة بواسطة جمعية العلماء لمساعدة المحتاجين وأسر المجاهدين.
وكان الشيخ في إصلاحه الاجتماعي ومعارضته السياسية يحرص على السلم والأمن، ويتجنب إثارة الفتن والفوضى لئلا يؤدي ذلك إلى فساد أكبر ومنكر أعظم. وكان كثيراً ما يردد: (نحن عنصر سلام، وأينما حللنا حل السلام. لا نريد الشر لأحد من الناس، ونتمنى أن يخلق الله الخير على يد أي إنسان). كان المسجد وسيلة اتصاله بالناس، يلتقي بهم كل جمعة في خطبه المنبرية التي يتناول فيها الموضوعات المهمة والساخنة. بعضها في العقيدة وبعضها في عرض مسائل علمية يحتاج الناس إليها وبعضها في حاضر العالم الإسلامي وقضاياه.
كان الشيخ رحمه الله رجل المواقف الصعبة في حماة، قوالاً للحق صداعاً به لا يخاف في الله لومة لائم. تشهد له المدينة وأهلها بل أبناء سورية أجمع بأنه الجريء بالحق الذي تصدى في أكثر من موقف في وجه الطغيان والاستبداد واستنقذ بمواقفه الجريئة تلك الكثير من أبناء حماة من براثن الطغاة ولم يكن موقفه يوم قرر بعض العسكريين استباحة مدينة حماة في أوائل الستينات بسر.
كما كان الشيخ مع العلم والفقه والحكمة والجرأة مربياً فذاً يجمع القلوب عليه ويوحد الكلمة ويقود جماهير المدينة بعلمه وإرشاده ولا يكاد يمر أسبوع دون أن يكون في حلقة الشيخ تائب يتوب من معصية، أو مبتدع يقلع عن بدعته أو صاحب هوى يلقي بمقاليد قلبه بين يدي الشيخ الجليل وكان الشيخ بمثابة الأب الحاني بالنسبة لكل من قصده أو طرق بابه لحاجة من حوائج الدنيا والآخرة.
الشيخ محمد الحامد شاعر موهوب، كان للوراثة والبيئة أثر كبير في تكوينه الشعري، فكان جده لأمه شاعراً، وكان أخوه بدر الدين شاعراً قوياً واشتهر بقصائده الوطنية أيام الاحتلال الفرنسي لسورية. كما كان للبيئة التي عاش فيها أثر واضح في شعره، إذ أكسبته المناظر الطبيعية الجميلة في حماة حساً شعرياً وذوقاً سليماً، كما أن تغربه للدراسة في حلب ومصر كان حافزاً لقول الشعر وخاصة في الحنين، وقد نظم الشيخ الحامد شعره في أغراض كثيرة... في المديح والاستغفار والتوسل والتصوف الرفيع وفي الوصف والحنين والرثاء وفي الدعابة الأدبية.
الشيخ محمد الحامد كما وصفه عبد الحميد طهماز أحد تلامذته: (كان حاداً على من خالف الشرع والأدب، صديقي الرقة، عُمَري الحدة، يتحرى الصدق في أقواله وأفعاله وأحواله، كان عليماً بزمانه، ينزل الناس منازلهم، ويخاطبهم على قدر عقولهم، شديد الملاحظة في كل شيء. كان قوي الفراسة، صادق الكشف، يكاد يحدثك بخبيئة نفسك، يدخل إلى الناس من زوايا الخير فيهم، وينميها لهم، ولا يقابل أحداً بما يكره، يقيل عثراتهم ويسارع في حاجاتهم).
أصيب الشيخ محمد الحامد وهو في خضم أعماله بمرض في الكبد لم يمهله طويلاً وتوفي يوم الاثنين من شهر أيار عام 1969. وكان يوم وفاته يوماً مشهوداً خرج فيه آلاف الناس من أبناء سورية لتشييع جثمانه، وصلي عليه في جامع السلطان ودفن في حماة.
أما مؤلفاته فالمطبوع منها من الكتب ما يلي:
ـ نظرات في كتاب اشتراكية الإسلام.
ـ ردود على أباطيل. وهو كتاب ضخم، طبع الجزء الأول منه وهو مجموعة رسائل فقهية، بعضها طويل وبعضها متوسط، ومجموعة أسئلة فقهية وأجوبتها.
ـ كتاب في تحريم نكاح المتعة في الإسلام.
والمطبوع من الرسائل:
ـ حكم الإسلام في الغناء.
ـ رحمة الإسلام للنساء.
ـ آدم لم يؤمر باطناً بالأكل من الشجرة.
ـ القول في المسكرات وتحريمها من الناحية الفقهية.
ـ حكم اللحية في الإسلام.
ـ التدارك المعتبر لبعض ما في كتاب القضاء والقدر.
ـ بدعة زيادة التنويرات في المساجد ليالي رمضان وغيرها.
ـ لزوم اتباع مذاهب الأئمة حسماً للفوضى الدينية.
ـ حكم مصافحة المرأة الأجنبية.
وأما الذي لم يطبع بعد فهو:
ـ القسم الثاني والثالث من كتاب الردود.
ـ تعليقات وحواش على كتاب الهدية العلائية لم يتمه رحمه الله تعالى.
ـ تعليقات وحواش على كتاب تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق للزيلعي. لم يتمه أيضاً.
المراجع:
ـ (العلامة المجاهد الشيخ محمد الحامد)، عبد الحميد طهماز، دارالقلم، بيروت، الطبعة الأولى 1971.
ـ (معجم الأدباء الإسلاميين المعاصرين)، أحمد الجدع، دار الضياء، الطبعة الأولى 1999، ص(49ـ57).
معتصم الحارث الضوّي
29-10-2007, 06:58 PM
أخي النبيل لا تصالح
كنز من المعلومات عن صفوة من رجال الأمة. موضوع يستحق المتابعة و القراءة العميقة، فإلاستنارة بمواقف العظماء زاد مهم في الدرب الوعر.
لك التقدير و المودة الأخوية
إبراهيم إسماعيل
29-10-2007, 06:58 PM
محمد عزة دروزة
ولد محمد عزة دروزة آخر شهر يونيو سنة 1888 في مدينة نابلس الفلسطينية، أبوه عبد الهادي بن درويش إبراهيم بن حسن دروزة، وقد سمع من جده أن أسرته تنسب إلى عشيرة الفريحات التي تستوطن قرية (كفرنجة) في محافظة عجلون شرق الأردن. ويبدو أن قسماً كبيراً منها قد هاجر في أوائل القرن الحادي عشر الهجري، واتجه بعضهم إلى نابلس ولقبوا بعائلة دروزة بمعنى الخياطة، حيث كان بعض أجداده يعمل درازاً أو خياطاً.
التحق محمد عزة دروزة حين بلغ الخامسة من عمره بأحد كتاتيب مدينة نابلس ليتعلم القراءة والكتابة وتجويد القرآن، وفي عام 1895 ألحقه والده بالمدرسة الابتدائية الحكومية بعد قيامها مباشرة، ثم انتقل بعد أن حصل على شهادتها إلى المدرسة الرشيدية الإعدادية وتخرج منها سنة 1906، وعلى الرغم من تفوق دروزة في دراسته الإعدادية إلا أن أحوال أسرته لم تسمح له بمواصلة الدراسة في الخارج.
دخل دروزة متمرناً في دائرة البرق والبريد، وما لبث أن دخل سلك الوظيفة في الدائرة نفسها، وتنقل في عدة وظائف: وكيلاً لمديرية بيسان، فمأموراً ووكيلاً لمديرية نابلس، فرئيساً لبيع الطوابع في بيروت فمأموراً متجولاً، ثم مفتشاً على مراكز البرق والبريد المدنية في سيناء، ثم صار سكرتيراً لديوان المديرية العامة في بيروت إلى نهاية الحرب العالمية الأولى. وقد أتاحت له هذه الوظيفة فرصة التعرف على أجزاء كبيرة من البلاد فعرف خان يونس وغزة وبيسان من أراضي فلسطين، واربد ومادبا في شرق الأردن، وأذرع والنبك في سوريا، كما أتاحت له هذه الوظيفة فرصة الاطلاع على الجرائد والمجلات التي كانت ممنوعة من دخول الأراضي العثمانية كجرائد المؤيد والأهرام والمقطم، ومجلات المنار والمقتطف والهلال وذلك قبل إعلان الدستور العثماني سنة 1908.
وقد كان لحرمان دروزة من التعليم العالي أثر كبير في نفسه، حيث ولد لديه رغبة وطموحاً كبيرين لتعويض ما فاته من ذلك، فبدأ يطالع كل ما يقع في يده من كتب قديمة وحديثة، عربية وأجنبية. فكان يقرأ لغوستاف لوبون وهربرت سبنسر وغيرهما من رجال العلم والفلسفة الأوروبية، وكان يقرأ للشيخ محمد عبده ورشيد رضا والرافعي وشكيب أرسلان بالإضافة إلى اطلاعه المستمر على ما كان ينشر من مقالات أدبية واجتماعية لجورجي زيدان وشبلي شميل وقاسم أمين وغيرهم.
وقد استمر اهتمام دروزة بالعلم والتعليم ولم تشغله أعباء وظيفته عـن ذلك، بـل كان ـ على حد قوله ـ يحمل صندوق كتبه في كل أسفاره وتنقلاته، وصار لا يترك الكتاب من يده في معظم يومه حتى أنه قرأ في فترة لا تتجاوز الثلاثين سنة ألف وخمسمائة كتاب ومجلد في مختلف الموضوعات من لغة وصرف ونحو وأدب وشعر وقصص وتاريخ وتفسير وسيرة وحديث. غير أنه لم يتلق العلم على أيدي علماء متخصصين إلا لفترات بسيطة ومتقطعة حضر فيها دروساً في الفقه على الشيخ مصطفى الخياط في الجامع الكبير بنابلس، ودروساً في الحديث من كتاب صحيح البخاري على الشيخ سليمان الشرابي، وأخرى في النحو والصرف على الشيخ موسى القدومي الذي كان مديراً للمعهد الديني في نابلس حتى عام 1967.
كان دروزة في مقتبل عمره عنصراً متفتحاً، يفتح له علية القوم مجالسهم ويشترك معهم في المجالات السياسية والوطنية والعلمية، وقد أتاح له عمله الوظيفي فرصة التعرف على كثير من المتنورين من أبناء جيله وكانت له صلات كثيرة مع أولئك بحكم عمله في أماكن مختلفة وفي وظائف متباينة، فقد عمل في دائرة البرق والبريد حتى أصبح سكرتيراً لديوان المديرية العامة للدائرة نفسها في بيروت، والتحق بعد ذلك للعمل سكرتيراً في ديوان الأمير عبد الله بن الحسين، ثم صار مديراً لمدرسة النجاح الوطنية الثانوية في نابلس من سنة 1922ـ 1927، ثم صار مديراً للأوقاف الإسلامية في فلسطين من سنة 1933 إلى سنة 1937 وهو أعلى منصب شغله في حياته. وفي خريف هذه السنة وضع الإنجليز يدهم على الأوقاف الإسلامية، والمجلس الإسلامي الأعلى الذي كان يشرف على هذه الأوقاف بسبب الثورة الفلسطينية التي اندلعت سنة 1936 فأقالوه ولم يعد بعد ذلك موظفاً.
عمل دروزة في الأوقاف لفترة طويلة أحدث تغييراً ملحوظاً في اتجاهه الثقافي العام، ففي حين كان اهتمامه منصباً على النواحي السياسية والقومية في فترة العشرينات، فإنه مع بداية الثلاثينات اتجه إلى التحديد والتركيز على النواحي الدينية، فانكب يطالع ما يقع تحت يده من كتب التفسير والفقه والحديث، وظل هذا الاتجاه يتعمق تصاعدياً حتى بداية الأربعينات ليبدأ بعدها مرحلة الإنتاج والتأليف. هذا بالإضافة إلى المصادر والمؤثرات الأولى التي أثرت في تحديد إطاره الفكري وتوجيهاته الإسلامية منذ البداية وأهمها نشأته في أسرة متدينة محافظة، وثقافته الصوفية التي اكتسبها من انضمامه إلى الطريقة النقشبندية، واتصاله بمشايخها في مجالسهم ودروسهم وحلقات أورادهم وهذا فضلاً عن ثقافته الاجتماعية الواسعة التي اكتسبها من تجاربه الذاتية وعلاقاته الاجتماعية وتجواله المستمر في المدن والأرياف بحكم عمله في دائرة البريد في بداية الأمر، وبحكم انتمائه إلى بعض الأحزاب والتنظيمات السياسية في مرحلة لاحقة.
بدأ محمد دروزة نشاطه السياسي عقب إعلان الدستور العثماني سنة 1908، فقد انتسب في بداية الأمر إلى نادي جمعية الاتحاد والترقي في نابلس ولكنه سرعان ما انفصل عنه بعد أن تبين له أن القائمين عليه تنكروا لوعودهم، ثم سارع مع نفر من أصدقائه في مدينة نابلس إلى تأسيس فرع لحزب الائتلاف والحرية الذي تأسس في الأستانة ليكون معارضاً لأفكار جماعة الاتحاد والترقي، وتسلم دروزة سكريتيرية هذا الفرع الذي كان له دور ملحوظ في إحباط أحد المشاريع الاستيطانية المبكرة في غور نابلس.
وفي سنة 1912 قام دروزة مع عدد من رفاقه من ذوي الميول القومية بتأسيس فرع لحزب اللامركزية المؤسس في مصر والذي كان من جملة أهدافه الاستقلال المحلي عن التبعية العثمانية، غير أن الدولة ما لبثت أن انضمت إلى محور ألمانيا، وأعلنت الطوارئ وحالة الحرب فتجمد نشاط الفرع.
كان دروزة قبل ذلك قد اندمج في حركة المطالبة بالإصلاح وفي حركة المؤتمر العربي الذي انعقد في باريس سنة 1913، وفي سنة 1916 انضم إلى جمعية العربية الفتاة السرية، وقد انتخب مرتين في الهيئة المركزية لهذه الجمعية.
عندما اندلعت الحرب العالمية الأولى عام 1918، ودخل الملك فيصل دمشق مع الإنجليز، كان دروزة وقتها في بيروت، ولما احتلت فرنسا لبنان اضطر دروزة للعودة إلى نابلس حيث أسهم مع رفاق له في تأسيس (الجمعية الإسلامية المسيحية) وانتخب سكرتيراً لأول مؤتمر عربي فلسطيني انعقد في القدس سنة 1919. وقد أقر المؤتمر ميثاقاً وطنياً يحدد مطالب البلاد التي تتلخص في المناداة باستقلال فلسطين وسوريا كجزء من الأمة العربية، ورفض وعد بلفور والهجرة اليهودية. كما انتدبه المؤتمر ليذهب ممثلاً له إلى سوريا، ولكن الإنجليز منعوه من السفر. وفي هذه الأثناء دعا الحكم الفيصلي إلى مؤتمر سوري ليعرض مطالب أهل سوريا على لجنة الاستفتاء الأمريكية، فانتدب دروزة لتمثيل نابلس في المؤتمر. وقد اختاره المؤتمر السوري سكرتيراً له، وكان من أعضاء المؤتمر الذين اختيروا لمقابلة اللجنة الأمريكية.
وعندما أسس حزب الاستقلال الذي كان بمثابة واجهة سياسية للحكم الفيصلي في سوريا، كان دروزة عضواً مؤسساً لهذا الحزب ومقرراً للدستور فيه، غير أن فترة العهد الفيصلي لم تدم طويلاً فقد تم الاتفاق الإنجليزي الفرنسي بجعل سوريا تابعة للنفوذ الفرنسي، وتخلت بريطانيا عن فيصل الذي دعا إلى المؤتمر السوري لإعلان استقلال سوريا من طرف واحد، وكان دروزة أحد الذين اشتركوا في صياغة هذه الدعوة بصفته سكرتير المؤتمر، وهو الذي تلاها على الجماهير السورية المحتشدة يوم 8 آذار 1920 من شرفة البلدية بدمشق، وأدى ذلك إلى تدخل سريع من فرنسا حيث غزت قواتها سوريا وأسقطت الحكم الفيصلي فيها في 24 تموز 1920، ثم أصدرت المحاكم العسكرية أحكاماً بالإعدام على عدد كبير من رجال العهد الفيصلي من سوريين وفلسطينيين من بينهم محمد عزة دروزة.
رجع دروزة إلى فلسطين، وأخذ ينشط مع رفاقه في النضال والمقاومة في وجه الحكم الإنجليزي والخطط الصهيونية فعاد إلى سكرتيرية الجمعية الإسلامية المسيحية التي تحولت باسم الجمعية الوطنية، وظل سكرتيراً لها إلى نهاية سنة 1932، وكتب العديد من المقالات التي تنبه إلى خطورة القائمين على أمر الحركة الصهيونية الذين يلجؤون في سبيل تمرير مخططاتهم إلى التمويه والخداع لحجب نواياهم وأهدافهم.
وفي هذه الفترة كانت الدعوة إلى إنشاء نواد تضم شباب المسلمين قويت في بعض البلدان الإسلامية، فقرر شباب فلسطين أن ينشئوا جمعيات باسم جمعيات الشبان المسلمين، وقامت في نابلس جمعية انتخبت دروزة رئيساً لها وكان ذلك سنة 1928، وكان خلال هذه الفترة عضواً في المؤتمرات الفلسطينية ولجانها التنفيذية، كما كان عضواً في المؤتمر الإسلامي العام المنعقد في القدس وسكرتيراً أول له.
وفي سنة 1932، أنشأ دروزة مع عدد من رفاقه الاستقلاليين القدماء حزباً جديداً في فلسطين هو حزب الاستقلال العربي الفلسطيني تجديداً لذكرى حزب الاستقلال الفيصلي في سوريا، وكان من أهداف هذا الحزب: مواجهة الانتداب البريطاني لأنه أصل الداء وأساس البلاء، ومقاومة الصهيونية ومحاربة مخططاتها الاستيطانية في فلسطين، والعمل على استقلال البلاد العربية ووحدتها بما فيها فلسطين التي هي جزأ لا يتجزأ من سوريا الطبيعية، كما عمل على تشجيع الصناعات الوطنية وطالب بمقاطعة البضائع المستوردة.
كان دروزة يشترك مع رفاقه أعضاء الحزب ثم أعضاء اللجنة التنفيذية للمؤتمر الفلسطيني في تنظيم مظاهرات وقيادتها، وقد شج رأسه من قبل خيالة الإنجليز في إحدى هذه المظاهرات التي قامت في يافا في 27/10/1933، ثم اعتقل وحكم عليه بالسجن عشرة أشهر مع الأشغال الشاقة.
إبراهيم إسماعيل
29-10-2007, 06:59 PM
في أوائل سنة 1936، أُعلن الإضراب الكبير في فلسطين، الذي انبثقت عنه حركة ثورية ضد الإنجليز واليهود، وشكلت نتيجة لذلك لجنة عليا مؤلفة من ممثلي الأحزاب برئاسة الحاج أمين الحسيني، مثّل حزب الاستقلال فيها المحامي عوني عبد الهادي، وعندما اعتقل حل محله دروزة ليصبح عضو اللجنة العربية العليا لفلسطين وسكرتيراً لها، ولكنه اعتقل بعد ذلك لمدة ثلاثة أشهر.
ولما طالت مدة الإضراب العام، ولحق الضرر بمصالح الشعب تدخل الملوك والحكام العرب بإيعاز من بريطانيا ووجهوا نداءهم الشهير من أجل إنهاء الإضراب، وانتدبت اللجنة العليا العربية محمد عزة دروزة وبعض رفاقه لمقابلة ملكي بغداد والرياض لشرح وجهة نظر اللجنة العليا ورئيسها، وإطلاع العرب على حقيقة موقف الإنجليز. كما انتخب دروزة عن اللجنة العليا لحضور المؤتمر العربي الذي انعقد في بلودان عام 1937 من أجل الحصول على تأييد عربي لرفض التقسيم، وألقى كلمة فلسطين في المؤتمر. ثم سافر دروزة إلى العراق لإنشاء لجنة الدفاع عن فلسطين، وفي أثناء وجوده في بغداد سنة 1937، انفجرت الثورة في فلسطين ثانية، وأعلنت السلطات حالة الطوارئ ووضعت يدها على الأوقاف الإسلامية وعزلت دروزة، ونفت بعض زعماء الثورة إلى جزر سيشل، وأصدرت قانوناً منعت به دروزة ومن لم يكن موجوداً من أعضاء اللجنة العليا في فلسطين من العودة، وظل هذا القانون نافذاً إلى آخر أيام الانتداب البريطاني، عندها سافر دروزة إلى دمشق، وهناك التقى الحاج أمين الحسيني، واشتركا معاً في إدارة الثورة وتمويلها، وكان ذلك سبباً لاعتقاله من قبل السلطات الفرنسية، حيث حكمت عليه بالسجن خمس سنوات، قضى منها أربعة أشهر في قلعة المزة، واثني عشر شهراً في قلعة دمشق، ثم أفرج عنه مع المسجونين السياسيين السوريين إثر هزيمة فرنسا في نهاية عام 1940 بمساعدة من صديقه الرئيس شكري القوتلي.
بعد الإفراج عنه بثلاثة أشهر ولدى دخول الإنجليز والديغوليين سوريا غادر دروزة مع عدد من رفاقه سوريا لاجئاً إلى تركيا... غير أن السلطات الإنجليزية لم تتركهم وشأنهم في تركيا بل لاحقتهم بتقاريرها وجواسيسها حتى قررت الحكومة التركية نفيهم إلى الأناضول أو تسفيرهم إلى أوروبا، فاختار دروزة النفي، لكنه عاد إلى سوريا ثانية بعد أن نالت استقلالها عام 1945، وأخذ ينسق مع الحكومة السورية واللجنة العسكرية التي تولت مهمة إعداد المتطوعين الفلسطينيين وتدريبهم، وقد ساهم دروزة في حث عدد كبير من الشباب للإقبال على التسليح والتدريب.
وفي خريف سنة 1948، اشتد على دروزة مرض المرارة، فأدخل المستشفى الأمريكي في بيروت حيث أجريت له عملية جراحية خرج على أثرها منهوك القوى، وكان قبل ذلك قد أصيب بثقل في سمعه مما اضطره إلى الاعتكاف في بيته في دمشق والانصراف بالدرجة الأولى إلى التأليف والتدوين والنشر. وكل ما كان له من نشاط بعد ذلك: الاشتراك في المؤتمر الإسلامي العام في دمشق سنة 1954 الذي دعت إليه لجنة إسلامية خاصة من أجل فلسطين والمقدسات الإسلامية فيها، ثم الاشتراك في المؤتمر الشعبي القومي الذي عقد في دمشق سنة 1956 بمناسبة العدوان الثلاثي على مصر.
وقد اختير عام 1964 عضواً في المؤتمر الوطني المنعقد في القدس من أجل إنشاء منظمة التحرير الفلسطينية ثم أسهم بعد ذلك في تكوين جمعية رعاية أسر الشهداء في دمشق، وبعد نكسة حزيران 1967 واصل دروزة مساعيه القلمية والشخصية في سبيل تقوية العمل الفدائي وتوسيعه وتوحيده حتى يصبح حركة تحرير شاملة تستمر إلى أن ينهار بنيان الدولة اليهودية وتعود فلسطين إلى حظيرة السيادة العربية.
محمد عزة دروزة أحد أكبر المفكرين العرب والمسلمين، وهو مؤرخ مرموق، بدأ نشاطه العلمي في الكتابة والتأليف في سن مبكرة عقب إعلان الدستور العثماني 1908، حيث كتب نحو عشرين مقالاً في جريدة الحقيقة البيروتية تناول فيها شئوناً متنوعة في الأخلاق والسياسة والاجتماع والأدب. كذلك ألف رواية بعنوان (وفود النعمان على كسرى أنوشروان)، وفي عام 1913 ألف رواية السمسار، بين فيها خطر السماسرة الذين كانوا يسعون في شراء الأرض لصالح اليهود. وأثناء توليه إدارة مدرسة النجاح ألف روايتين بعنوان (صقر قريش) و(آخر ملوك العرب في الأندلس)، وقد ألف دروزة الكتب المدرسية في التاريخ القديم والمتوسط والحديث، وطبعت هذه الكتب أكثر من مرة في الأردن وفلسطين ومصر والعراق ودرس بعضها في مدارس الأردن وفلسطين.
كما كتب مقالات عدة اجتماعية وتربوية وأخلاقية نشرت في مجلات عربية مختلفة وترجم كتابين عن الفرنسية أحدهما رواية (لامارتين) للكاتب الفرنسي روفائيل، والثاني (دروس في التربية للمربي الفرنسي كومبرة).
وعندما سجن دروزة سنة 1939 حفظ القرآن الكريم، وبدأ يكتب مسودات كتبه الثلاثة (سيرة الرسول) و(عصر النبي) و(الدستور القرآني). وعندما خرج إلى تركيا استغل فترة مكوثه أربعة سنوات فعمق ثقافته الدينية واطلع على الكثير من التفاسير وكتب الفقه والحديث في مكتبات الأستانة، وكانت ثمرة ذلك كتابة مسودة التفسير الحديث، ومقدمة تفسيره (القرآن المجيد) وكتابيه تركيا الحديثة وحول الحركة العربية الحديثة.
وقد انتخب دروزة سنة 1960 عضواً في المجلس الأعلى للفنون والآداب في القاهرة ومقرراً للجنة التاريخية فيه، لكن ثقل سمعه وحالته الصحية جعلته يعتذر عن الاستمرار في هذه العضوية. وكان قبل ذلك قد انتخب عضواً مراسلاً في مجمع اللغة العربية في القاهرة سنة 1956، ورأى أن هذا لا يتطلب منه جهداً كبيراً فقبل ذلك وعده تشريفاً له.
والطابع الغالب على مؤلفات دروزة هو الطابع الديني والطابع التاريخي، وهو يمتاز بغزارة إنتاجه حتى بلغ ما كتبه حوالي (100 ألف صفحة)، طبع منها أكثر من عشرين ألف ورقة، وما يزال الباقي مخطوطاً قيد الطبع، وقد واصل الكتابة والتأليف حتى في سن الشيخوخة بالرغم من ضعف بصره وفقد سمعه، وكان ينوي نشر مذكراته التي شرع في كتابتها قبل وفاته بوقت طويل والتي بلغت صفحاتها قرابة عشرة آلاف صفحة، لكنه قضى دون تحقيق هذه الغاية. توفي محمد عزة دروزة سنة 1984.
وفيما يلي ثبت بكتبه المطبوعة والمخطوطة:
أولاً ـ مؤلفاته التاريخية والقومية:
1. كتبه المطبوعة:
ـ مختصر تاريخ العرب والإسلام.
ـ دروس في التاريخ المتوسط والحديث.
ـ تركيا الحديثة.
ـ حول الحركة العربية الحديثة.
ـ مشاكل العالم العربي الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.
ـ الوحدة العربية.
ـ تاريخ الجنس العربي في مختلف الأطوار والأقطار من أقدم الأزمنة.
ـ العرب والعروبة في حقبة التغلب التركي.
ـ عروبة مصر قبل الإسلام وبعده.
ـ نشأة الحركة العربية الحديثة.
2. مؤلفاته المخطوطة:
ـ تاريخ العروبة والإسلام تحت راية العباسيين.
ـ تاريخ العروبة والإسلام في الأندلس.
ـ تاريخ العروبة والإسلام في جزيرة العرب.
ـ تاريخ الكويت والخليج العربي إبان فترة الحكم العثماني.
ـ رسالة موجزة عن الوحدة العربية: مقوماتها وضروراتها.
ثانياً ـ مؤلفاته في القضية الفلسطينية.
1. الكتب المطبوعة:
ـ تاريخ بني إسرائيل من أسفارهم.
ـ مأساة فلسطين.
ـ جهاد الفلسطينيين.
ـ الجذور القديمة لسلوك وأخلاق بني إسرائيل.
ـ قصة الغزوة الصهيونية.
ـ في سبيل قضية فلسطين.
ـ عبرة من تاريخ فلسطين القديم.
ـ الجزء الأول والثاني من كتاب العدوان الإسرائيلي القديم والعدوان الصهيوني الحديث على فلسطين وما جاورها.
2. المؤلفات المخطوطة:
ـ في سبيل قضية فلسطين والوحدة العربية.
ـ مجموعة مقالات في القضية الفلسطينية.
ـ مذكرات دروزة خمسة وتسعون عاماً في الحياة (1888 ـ 1982) تعتبر من أغنى الوثائق بمادتها العلمية والتاريخية، ففيها تفاصيل حضارية للبيئة والمجتمع والحياة والطبيعة في البلاد الفلسطينية إضافة للأحداث السياسية التي رافقت الانتداب الإنكليزي والاستيطان الصهيوني ونهوض الفلسطينيين لمقاومتهما، وفي المذكرات تفاصيل الحالة في أواخر الدولة العثمانية ومحاولات العرب الوحدوية وترجمات لعشرات الرجالات العرب البارزين الذين التقى بهم وعايشهم لسنين طويلة أيام التدريس والجهاد والنفي والعمل لأجل قضية فلسطين والوحدة العربية.
ثالثاً ـ مؤلفاته في الفكر الإسلامي:
1. كتبه المطبوعة:
ـ عصر النبي وبيئته قبل البعث.
ـ سيرة الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ من القرآن الكريم.
ـ القرآن والمرأة.
ـ القرآن والضمان الاجتماعي.
ـ القرآن المجيد.
ـ الدستور القرآني في شؤون الحياة.
ـ التفسير الحديث.
ـ المرأة في القرآن والسنة.
ـ الإسلام والاشتراكية.
ـ القرآن والمبشرون.
ـ القرآن والملحدون.
ـ الجهاد في سبيل الله في القرآن والسنة.
2. المخطوطات:
ـ خمسون حديثاً إذاعياً ألقيت في إذاعتي مكة ودمشق في سني 1954 ـ 1957 في مبادئ الجهاد العربي في القديم والحديث.
ـ مجموعة محاضرات دينية وتربوية وأخلاقية ألقيت في المدارس الثانوية والأندية الفلسطينية في القدس ونابلس ورام الله.
ـ مجموعة مقالات في شؤون إسلامية متنوعة نشر بعضها في مجلات الوعي الإسلامي وحضارة الإسلام والمجتمع العلمي وهدي الإسلام.
المراجع:
ـ (محمد دروزة)، حسين حمادة، صفحات من حياته وجهاده ومؤلفاته، دمشق، طبعة ثانية، 1983، ص(87).
ـ (من أعلام الفكر في فلسطين)، حسن عبد الرحمن سلوادي وآخرون، القدس، طبعة أولى 1991، ص(37ـ61).
ـ (موسوعة السياسة)،عبد الوهاب الكيالي وآخرون، المؤسسة العربية للنشر، بيروت، طبعة أولى 1990، ص(92).
إبراهيم إسماعيل
29-10-2007, 07:00 PM
يوسف العظمة
يعتبر يوسف العظمة واحداً من كبار المناضلين والشهداء في سبيل استقلال سورية بشكل خاص، وقضية الحرية بشكل عام، كما يعتبر أيضاً أحد الفدائيين الاستشهاديين في بداية القرن العشرين متحدياً بقواته المحدودة القوة العسكرية الفرنسية المتقدمة باتجاه دمشق سنة 1920م للسيطرة على سورية واحتلالها.
ولد يوسف العظمة في دمشق سنة 1884م، وتعلم في مدارسها، أكمل دراسته العليا في المدرسة الحربية بالأستانة سنة 1906م وتخرج برتبة (يوزباشي) أركان الحرب، وتنقل في الأعمال العسكرية بين دمشق ولبنان والأستانة، وأرسل إلى ألمانيا للتمرن عملياً على الفنون العسكرية فمكث سنتين، وعاد إلى الأستانة فعين كاتباً للمفوضية العثمانية في مصر، وعندما نشبت الحرب العالمية الأولى هرع إلى الأستانة متطوعاً، وعُيّن رئيساً لأركان حرب الفرقة العشرين ثم الخامسة والعشرين، وكان مقرها في بلغاريا ثم في غاليسيه النمساوية ثم في رومانيا. ذكر عنه أنه كان يجيد بالإضافة إلى العربية اللغة التركية والفرنسية والألمانية وبعض الإنجليزية.
عاد إلى الأستانة فرافق أنور باشا (ناظر الحربية العثمانية) في رحلاته إلى الأناضول وسورية والعراق، ثم عُيّن رئيساً لأركان حرب الجيش العثماني المرابط في قفقاسية، فرئيساً لأركان حرب الجيش الأول بالأستانة.
ولماّ وضعت الحرب أوزارها عاد إلى دمشق، فاختاره الأمير فيصل مرافقاً له، ثم عينه معتمداً عربياً في بيروت فرئيساً لأركان الحرب العامة برتبة قائم مقام في سورية، ثم وُلّي وزارة الحربية سنة 1920م بعد إعلان تمليك فيصل بدمشق، فنظّم جيشاً وطنياً يناهز عدده عشرة آلاف جندي، واستمر إلى أن تلقى الملك فيصل إنذار غورو الشهير الذي كان من بنوده وجوب حل الجيش العربي وتسليم السلطة الفرنسية خط (رياق ـ حلب)، وقبول تداول ورق النقد الفرنسي السوري، وغير ذلك مما فيه القضاء على استقلال البلاد وقبول الاحتلال، فتردد الملك فيصل ووزارته بين الرضى والإباء، ثم اتفق أكثرهم على التسليم.
فأبرق الملك فيصل إلى الجنرال غورو بالموافقة، وأوعز بحل الجيش، ولكن بينما كان الجيش العربي المرابط على الحدود يتراجع منفضاً، كان الجيش الفرنسي يتقدم (بأمر من الجنرال غورو)، ولماّ سُئل عن هذا الأمر أجاب: بأن برقية فيصل بالموافقة على بنود الإنذار وصلت إليه بعد أن كانت المدة المتفق عليها (24ساعة) قد انتهت.
وعاد فيصل يستنجد بالوطنيين السوريين لتأليف جيش أهلي يقوم مكان الجيش المنفض في الدفاع عن البلاد، وتسارع شباب دمشق وشيوخها إلى ساحة القتال في ميسلون، وتقدم يوسف العظمة يقود جمهور المتطوعين على غير نظام، وإلى جانبهم عدد يسير من الضباط والجنود، وكان قد جعل على رأس (وادي القرن) في طريق المهاجمين ألغاماً خفية، فلماّ بلغ ميسلون ورأى العدو مقبلاً أمر بإطلاقها فلم تنفجر، فأسرع إليها يبحث عن السر في عدم انفجارها فوجد أن أسلاكها قد قُطّعت، فعلم أن القضاء نُفّذ، فلم يسعه إلاّ أن ارتقى ذروة ينظر منها إلى دبابات الفرنسيين زاحفة نحوه، وجماهير الوطن من أبناء البلاد بين قتيل وشريد، فعمد إلى بندقيته وهي آخر ما تبقى لديه من قوة، فلم يزل يطلق نيرانها على العدو حتى أصابته قنبلة أردته شهيداً. وفاضت روحه في أشرف موقف، ودفن بعد ذلك في المكان الذي استشهد فيه، وقبره إلى اليوم رمز التضحية الوطنية الخالد تحمل إليه الأكاليل كل عام من مختلف الديار السورية.
اعتبر يوسف العظمة رمزاً وطنياً، كما اعتبرت معركة ميسلون على الرغم من نهايتها الفاجعة تعبيراً عن إرادة الصمود في هذه الأمة. وكان يوسف العظمة آخر وزراء الدفاع الذين ينزلون إلى الميدان ليتصدوا للعدو وكل من جاء بعده إنما كانوا وزراء مكاتب فحسب.
المراجع:
ـ (موسوعة رجالات من بلاد العرب)، د. صالح زهر الدين، المركز العربي للأبحاث والتوثيق، بيروت، الطبعة الأولى 2001، ص (882ـ 886) ).
ـ (موسوعة السياسة)، د. عبد الوهاب الكيالي وآخرون، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، الطبعة الأولى 1994، الجزء السابع، ص (459).
إبراهيم إسماعيل
29-10-2007, 07:01 PM
سلطان باشا الأطرش
ولد سلطان باشا الأطرش في عام 1889، في قرية (القرياّ) قضاء صلخد في جبل العرب، والده ذوقان بن مصطفى بن إسماعيل الثاني مؤسس المشيخة الطرشانية (1869)، قاد معركة ضارية في نواحي الكفر عام 1910، وهي إحدى معارك أبناء الجبل ضد سامي باشا الفاروقي، والتي كانت تشنها السلطنة العثمانية على جبل الدروز لكسر شوكته وإخضاعه لسيطرتها، أعدمه الأتراك شنقاً بسبب تمرده عام 1911. أماّ والدة سلطان فهي شيخة بنت إسماعيل الثاني.
أدى سلطان الأطرش الخدمة العسكرية في بلاد الرومللي، ومنذ عودته تابع الاتصال بالحركات العربية بفضل علاقته الدائمة بدمشق، فصارت (القرياّ) ملجأ ومعقلاً للفارين من الأتراك وللمناضلين الملتحقين بالثورة العربية في العقبة... وكان سلطان الأطرش أول من رفع علم (الثورة العربية) على أرض سورية قبل دخول جيش فيصل، حيث رفعه على داره في القرياّ، وكان في طليعة الثوار الذين دخلوا دمشق سنة 1918، بعد أن رفع العلم العربي في ساحة المرجة فوق مبنى البلدية بدمشق، منحه الملك (فيصل الأول) لشجاعته لقب (أمير) عام 1916، كما منحه أيضاً رتبة فريق في الجيش العربي، وهو يوازي لقب باشا.
في تموز 1920، جهز سلطان الأطرش قوات كبيرة لملاقاة الفرنسيين في ميسلون، لكنه وصل متأخراً بعد انكسار الجيش العربي واستشهاد القائد يوسف العظمة وزير الدفاع.
في 7 تموز 1922، كانت ثورته الأولى على الفرنسيين لاعتدائهم على التقاليد العربية في حماية الدخيل، حين اعتقلوا (أدهم خنجر) الذي كان في حماية الأطرش بينما كان غائباً عن داره، وكان خنجر قد لجأ إليه وطلب حمايته بعد عملية اشترك بها واستهدفت اغتيال الجنرال غورو.
بالغ الفرنسيون في طغيانهم وظلمهم لأهالي سورية الذين لم يعد أمامهم سوى الثورة. وهكذا انطلقت (الثورة السورية الكبرى) وامتدت إلى كل الديار السورية، ودامت حتى عام 1927، وقد تولى سلطان باشا الأطرش قيادتها بالإجماع، وتعد من أهم الثورات ضد الاحتلال الفرنسي باعتبارها شملت عدة مناطق في سورية، ووصلت إلى قسم من لبنان، وامتازت بمعارك حربية بين الثوار وقوات الاحتلال الفرنسية التي منيت بخسائر فادحة في الأرواح والمعدات. وكان من أبرز هذه المعارك: معركة (الكَفر) في تموز عام 1925، ومعركة (المزرعة) في أول آب 1925، ومعارك الإقليم الكبرى، ومعركة صلخد، والمسيفرة، والسويداء وغيرها.
وبتاريخ 23 آب 1925 أعلن السلطان الأطرش الثورة رسمياً ضد الفرنسيين، فانضمت دمشق وحمص وحماه ونواحيها إلى الثورة، وأبلى الثوار بلاءً حسناً في إنزال الهزائم بجيوش المستعمرين الفرنسيين... حتى إن فرنسا اضطرت بفعل هذه الهزائم إلى عزل مفوضيها الساميين وضباطها العسكريين في سورية وتعيين البدائل عنهم، كما حصل مثلاً مع المفـوض السامـي (سرايل) بعـد مهاجمة الثـوار لقصر العظـم بدمشق، فعينت المسيو (دي جوفنيل) وقصفت دمشق بالطيران لمدة 24ساعة متواصلة كما أرسلت فرنسا أحد أبرز قياديها الجنرال (غاملان) بعد تزايد قوة الثوار وانتصاراتهم.
وعندما هزت هذه الانتصارات فرنسا الاستعمارية، وجدت نفسها أمام مأزق كبير فلجأت إلى إرسال آلاف الجنود إلى سورية ولبنان مزودين بأحدث الأسلحة، مقابل قلة مصادر تموين الثوار، مما أدى إلى قلب الميزان لصالح الفرنسيين، فأعادوا سيطرتهم على كثير من المدن بعد أن استمرت المقاومة الباسلة حتى ربيع عام 1927، وكان الفرنسيون قد حكموا على سلطان الأطرش بالإعدام.
أجبرت الثورة الفرنسيين على إعادة توحيد سورية بعد أن قسمتها إلى أربع دويلات: دمشق، وحلب، وجبل العلويين، وجبل الدروز... كما اضطرت إلى الموافقة على إجراء انتخابات فازت فيها المعارضة الوطنية بقيادة إبراهيم هنانو وهاشم الأتاسي.
بعد توقف الثورة نزح سلطان الأطرش بجماعات من الثوار إلى الأزرق في الأردن، وبعد توقيع معاهدة 1936 بين سورية وفرنسا عاد الأطرش إلى سوريا بعد إعلان العفو العام عن الثوار من قبل الانتداب الفرنسي.
لم يتوقف نضال سلطان الأطرش عند هذا الحد، بل شارك أيضاً بفعالية في الانتفاضة السورية عام 1945، والتي أدت إلى استقلال البلاد، كما دعا في العام 1948 إلى تأسيس جيش عربي موحد لتحرير فلسطين، وبالفعل تطوع المئات من الشباب واتجهوا للمشاركة الفعلية في حرب 1948.
وأثناء حكم الشيشكلي، تعرض سلطان لمضايقات كثيرة نتيجة اعتراضه على سياسة الحكم، فغادر الجبل إلى الأردن في كانون ثاني 1954، عندما عمّ الهياج أنحاء سورية لاسيما بين الطلبة الذين كانوا في حالة إضراب مستمر، واعتقل العديدون بينهم منصور الأطرش أحد أبناء سلطان الأطرش، فجرت محاولة درزية لإخراجه من السجن أدت إلى اشتباك مسلح، سرعان ما تحولت إلى معركة في جبل الدروز، وعاد الأطرش إلى بلده بعد سقوط الشيشكلي.
أيد سلطان الأطرش الانتفاضة الوطنية التي قادها الزعيم الدرزي كمال جنبلاط في لبنان عام 1958، ضد سياسة كميل شمعون، كما بارك الوحدة العربية التي قامت بين مصر وسورية عام 1958، ووقف بحزم وثبات ضد عملية الانفصال عام 1961.
وكان جمال عبد الناصر قد كرم سلطان باشا الأطرش في عهد الوحدة فقلده أعلى وسام في الجمهورية العربية المتحدة، أثناء زيارته لمحافظة السويداء.
عام 1966 بعث الأطرش خطاب احتجاج مفتوح إلى هيئة الأركان، عندما كان حافظ الأسد وزيراً للدفاع بسبب حملة التطهير الجماعية للضباط الدروز من الجيش عقب فشل انقلاب الرائد الدرزي سليم حاطوم على نظام صلاح جديد.
وفي عام 1970، كرم الرئيس السوري حافظ الأسد الأمير سلطان باشا الأطرش لدوره التاريخي في الثورة السورية.
توفي سلطان باشا الأطرش عام 1982، وحضر جنازته حوالي مليون شخص، وأصدر رئيس الجمهورية رسالة حداد شخصية تنعى القائد العام للثورة السورية الكبرى.
هذه المعلومات أخذت بتصرف عن:
ـ (موسوعة رجالات من بلاد العرب)، الدكتور صالح زهر الدين، المركز العربي للأبحاث والتوثيق، طبعة أولى 2001، ص(266ـ 277).
ـ (الموسوعة التاريخية الجغرافية)، مسعود الخوند، لبنان، بيروت 1997، الجزء العاشر ص(216ـ 218).
إبراهيم إسماعيل
29-10-2007, 07:02 PM
كمـال جنبـلاط
ولد كمال جنبلاط في المختارة التابعة لمنطقة الشوف في لبنان في 6 كانون الأول/1917 من عائلة ورثت الإمارة والشهرة والثروة. والده فؤاد جنبلاط شغل مناصب عالية، فكان قائم مقام جبل لبنان أيام الانتداب الفرنسي إلى جانب تبوئه مراكز أخرى في الحكم، اغتيل على يد أحد قطاعي الطرق. أما والدته فهي نظيرة جنبلاط، اختارها الجنبلاطيون زعيمة تتكلم باسمهم بعد موت زوجها فؤاد وكانت تقيم في قصر المختارة، وقد استطاعت أن توفق بين دورها كأم عليها أن تحتضن كمال وليندا الذين فقدا الأب وبين دورها السياسي الذي خولها أن تكون الحاكم الذي ملأ الفراغ الذي تركه زوجها فؤاد جنبلاط وبهذا استطاعت أن تؤثر في الدروز وأن تحظى برضى الأكثرية مستمدة قوتها من علاقتها المتينة بالفرنسيين.
بعد أن أنهى كمال دراسته على يد مربيته الخاصة، التحق بمدرسة عينطورة الثانوية للآباء العازاريين في كسروان عام 1936 حتى نال شهادتها عام 1937، وكانت رغبته التخصص في الهندسة غير أن والدته التي كانت تعده للعمل السياسي أرادت له أن يدرس المحاماة.
توجه كمال جنبلاط عام 1938 إلى باريس حيث التحق بجامعة السوربون وباشر دراسة الحقوق، ثم انضم في الوقت نفسه إلى معاهد الفلسفة وعلم النفس وعلم الاجتماع، ونال شهادتها في كل تلك المواد، غير أنه بسبب انفجار الحرب العالمية الثانية عاد إلى بيروت وتابع دراسة الحقوق في الجامعة اليسوعية، وفي هذا الوقت شكل جمعية تعاونية (استهلاكية) لإنقاذ الناس من خطر العوز والجوع اللذين خلفتهما الحرب العالمية الثانية.
في العام 1943 جرت مبايعته بالزعامة بعد موت ابن عمه ونسيبه حكمت جنبلاط وذلك فور انتهاء مراسم الدفن مباشرة وكان عمره مايزال 25 عاماً. وفي العام نفسه فاز في الانتخابات النيابية ودخل المعترك السياسي، وأعلن جهارة صراعه العنيف ضد قوى الانتداب الفرنسي ووقوفه إلى جانب حكومة الاستقلال، وربطه المتين بين استقلال لبنان وبين عروبتها.
وبهذا خط كمال جنبلاط خطاً جديداً لسياسة جديدة تناقضت خطوطها تناقضاً تاماً مع سياسة أمه، إذ أبى السير على خطواتها التي تميل نحو البرجوازية وتدعم بالتالي الطبقات والعائلات الأرستقراطية، وتظل خاضعة وتابعة لوصايا الفرنسيين... لذا نراها اختلفت مع ولدها، فانتقلت من قصرها في المختارة إلى قصر ابنتها وصهرها حكمت جنبلاط وبقيت فيه حتى آخر أيامها.
وبعد الاستقلال تابع كمال جنبلاط عمله السياسي مشدداً على وجوب المحافظة على الاستقلال، ثم دخل في عدة وزارات مشاركاً في الحكم. وبدأ في العام 1947 مرحلة المعارضة السياسية بعد أن اكتشف عمق الفساد والرشوة والفوضى التي تتخبط بها البلاد.
في الأول من أيار عام 1948، اقترن كمال جنبلاط بالآنسة مي، ابنة الأمير شكيب أرسلان وهي ذات ثقافة عالية، ورزق منها وحيده وليد في 7/8/1949، وهو اليوم رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي ووريث الأسرة، غير أن السيدة مي رفضت، لأسباب شخصية، أن تعيش مع كمال جنبلاط وتكمل معه درب الحياة.
في 17 آذار/1949، أسس كمال الحزب التقدمي الاشتراكي رسمياً، وفي الأول من أيار/1949 أعلن ميثاقه هو ورفاقه: ألبير أديب، وفريد جبران، والشيخ عبد الله العلايلي، وفؤاد رزق، وجورج حنا. وقد أُعلن بهذا الصدد أن غاية الحزب هي السعي لبناء مجتمع على أساس الديمقراطية الصحيحة تسود فيه الطمأنينة الاجتماعية والعدل والرخاء والحرية والسلم، ويؤمن حقوق الإنسان التي أقرتها الأمم المتحدة ومن جملتها لبنان. كما أعلن، مردداً مقولات الاشتراكيين، أن (العمال الذين ليس على جسدهم قميص هم الذين سيحررون العالم).
في عام 1951 أسس الجبهة الاشتراكية الوطنية لمحاربة الفساد الداخلي في لبنان، ثم دعا باسم الحزب التقدمي الاشتراكي إلى مؤتمر الأحزاب الاشتراكية العربية الذي عُقد في بيروت في أيار/1951، كما مثل لبنان في مؤتمر حرية الثقافة الذي انعقد في سويسرا في حزيران/1952.
استمر كمال جنبلاط في مواقفه الوطنية والقومية والإنسانية من منطلق مبدئي ثابت. حيث عقد في آب 1952 مؤتمراً وطنياً في دير القمر باسم الجبهة الاشتراكية الوطنية، مطالباً رئيس الجمهورية بشارة الخوري بالاستقالة. وفي أيلول من العام نفسه استقال الخوري، وجرى انتخاب كميل شمعون عضو الجبهة رئيساً للجمهورية، لكنه اختلف معه في العام التالي لعدم التزامه بمقررات المؤتمر الوطني (دير القمر 1952) ولا ببرنامج الجبهة. بعد ذلك أسس الجبهة الاشتراكية الشعبية المعارضة لعهد كميل شمعون في أيلول/1953، وشارك في مؤتمر الأحزاب العربية المعارضة الذي عُقد في بيروت في أيلول/1954، وساند كفاح مصر ضد العدوان الثلاثي عليها سنة 1956، وأسهم بالعمل المباشر في إعادة إعمار ما تهدم في زلزال 1956 في لبنان. ثم قاد، مستنداً إلى عبد الناصر، الانتفاضة الوطنية العارمة عامي 1957ـ 1958 سياسياً وعسكرياً ضد عهد كميل شمعون الذي حاول ربط لبنان بالأحلاف الأجنبية الاستعمارية. وعلى أساس ذلك أيد انتخاب قائد الجيش فؤاد شهاب رئيساً للجمهورية في أيلول/1958، وزاول مهامه في الحكم معاوناً له ومن بعده شارل الحلو ثم الرئيس فرنجية حتى عام 1973.
أسس كمال جنبلاط جبهة النضال الوطني عام 1960، ووضع نواة جبهة الأحزاب والقوى التقدمية والشخصيات الوطنية عام 1965، ثم مثل لبنان في مؤتمر التضامن الآسيوي الإفريقي، وترأس وفداً برلمانياً وشعبياً إلى الصين الشعبية عام 1966، فضلاً عم موقفه الصلب في نصرة الجزائر.
وعندما شن الكيان الصهيوني عدوانه على الدول العربية في حزيران/1967، وقف كمال جنبلاط إلى جانب مصر وسوريا والأردن في مواجهة العدوان، وأيد القضية الوطنية العادلة للشعب العربي الفلسطيني وساند نضاله. ثم ترأس اللجنة العربية لتخليد جمال عبد الناصر عام 1973، كما انتخب بالإجماع أميناً عاماً للجبهة العربية المشاركة في الثورة الفلسطينية في العام نفسه.
وعندما كانت أحداث 1975ـ 1976 في لبنان تصدى كمال جنبلاط للمؤامرة الصهيونية الانعزالية، وقاد نضال الحركة الوطنية اللبنانية معلناً برنامج الإصلاح المرحلي للنظام السياسي في آب/1975، وتأسيس المجلس السياسي المركزي للأحزاب الوطنية والتقدمية.
عُرف كمال جنبلاط بأنه متحدث قوي في الندوات الصحافية التلفازية، إذ يطل على الناس وفي جعبته آلاف وآلاف القضايا، كما أنه أنشأ جريدة الأنباء السياسية بعد أن أنشأ الحزب التقدمي الاشتراكي، وكثيراً ما كان يشترك في الحفلات التي تقيمها السفارات الأجنبية، ويحاضر في ندوات سياسية واجتماعية وحتى ثقافية، وقد تقلد وسام لينين للسلام.
من أجل قضيته جاب كمال جنبلاط العالم شرقاً وغرباً شمالاً وجنوباً، من الاتحاد السوفييتي إلى الصين إلى مصر إلى الدولة الأفريقية إلى ألمانيا وغيرها، وفي الهند كان الرحالة الشهير الذي وقف أمام كل عظيم متفحصاً ومستقياً للمعلومات خاصة الدينية في ما يتعلق بالتصوف والتنسك والعبادة. وقد عاد بكثير من العقائد والطقوس المشرقية التي كان لا يخفي ممارسته لها.
يعتبر كمال جنبلاط نصير فلسطين وشعب فلسطين، يتحدث باسم الشعب الفلسطيني في العديد من المؤتمرات الشعبية، يكرّم سجناء الثورة في المهرجانات، ويتفقد المخيمات بين الحين والحين يحمل القضية الفلسطينية ويتكلم عنها في شتى المجالات، وليس سراً القول أن العروض انهالت عليه مقترحة عليه أن يقايض دعمه للثورة الفلسطينية بما يشاء من وزن سياسي، لكنه كان يرفضها كلها، صامداً عند الموقف السياسي الصلب القائل بأن أي توازن سياسي لبناني لا يؤدي إلى دعم كفاح الشعب الفلسطيني هو توازن لا طمع في الحصول عليه. كما أن أية حماية لهذا الكفاح لا يمكن أن تتم عملياً بغير تحقيق توازن سياسي تحتل فيه الحركة الوطنية اللبنانية وزناً راجحاً.
اغتيل كمال جنبلاط في 16 آذار من عام 1977، على مدخل بلدة دير دوريت في الشوف مع مرافقيه حافظ الغصيني وفوزي شديد، ولم يكن اغتياله لغزاً فقد كان هذا الاغتيال مكافأة أخيرة له على الموقف الصلب الذي لم يتراجع عنه تأييداً للقضية الفلسطينية وثورتها ودفاعاً عن وحدة لبنان وعروبته.
آمن كمال جنبلاط بالعلم سبيلاً إلى المعرفة، وبالفضيلة قرينة للعلم، فعمل لإنقاذ الآخرين وخاصة النشء الصاعد، فسكب في سراج العرفان الزيت ليشع نوره ويتعالى، فقد أنشأ مدرسة أسماها العرفان في الشوف إيماناً منه بالعلم والمعرفة. كان كمال جنبلاط أديباً وشاعراً وفيلسوفاً. له عدة مؤلفات مطبوعة:-
ـ ثورة في عالم الإنسان.
ـ حقيقة الثورة اللبنانية.
ـ في مجرى السياسة اللبنانية.
ـ أدب الحياة.
ـ الديمقراطية الحديثة.
ـ فيما يتعدى الحرف.
ـ البوذية.
ـ كتاب صحي (العلاج بعشب القمح).
ـ افتتاحيات في جريدته (الأنباء).
ـ ديوان شعري (فرح).
هذه المعلومات أخذت بتصرف من:-
ـ مجلة (شؤون فلسطينية)، مركز الأبحاث في منظمة التحرير الفلسطينية، العدد 65، سنة 1977.
ـ (موسوعة رجالات من بلاد العرب)، د. صالح زهر الدين، المركز العربي للأبحاث والتوثيق، طبعة أولى 2001، ص(681ـ 687).
ـ (واقع الدروز)، حافظ أبو مصلح، المكتبة الحديثة للطباعة والنشر، بيروت، طبعة ثانية، ص(43ـ 45، 173ـ 190، 223ـ 229).
إبراهيم إسماعيل
29-10-2007, 07:03 PM
فوزي القاوقجي
ولد فوزي القاوقجي في مدينة طرابلس (لبنان) عام 1890، وخرج منها طفلاً إلى الأستانة للدراسة، وظل يتدرج في المدارس التركية إلى أن وصل إلى المدرسة الحربية حيث بدأت بواكير وعيه السياسي تتفتح.
تخرج القاوقجي سنة 1912 ضابطاً في سلاح الخيالة العثماني، وقد عمل أولاً في الموصل حيث ظهرت قدراته فغدا بعد وقت قصير معلماً للفروسية في الكتيبة كلها.
لما نشبت الحرب العالمية الأولى اتصل به بعض الساسة العرب ليقوم بالدعاية للثورة بين قبائل البدو التي يعرفها حق المعرفة وتكن له الحب والتقدير.
اشترك في الحرب ضد الإنجليز الذين احتلوا البصرة، وأصيب سنة 1914 في معركة القرنة، وأُدخل المستشفى للعلاج، ثم غادره سراً.
عُين في شهر أيار عام 1916 في فرقة الخيالة العثمانية الثالثة المرابطة على خط بئر السبع ـ غزة الدفاعي في وجه القوات البريطانية، وقد أكسبته أيامه في بئر السبع خبرة واسعة في أصول الاستطلاع ونصب الكمائن، ونال شهرة واسعة لجرأته وحصل على عدد من الأوسمة، وقويت صلته بالقادة الألمان وأصبح مرافقاً لهم.
آثر القاوقجي الولاء للجيش العثماني حتى نهاية الحرب العالمية الأولى، وظل يقاتل في صفوف الأتراك، رغم مضايقتهم له وكرهه لتسلطهم وتيقنه من خسارتهم. ويعلل ذلك بشكه في نوايا البريطانيين والفرنسيين الذين اعتمدت عليهم الثورة العربية.
عاد القاوقجي فور انتهاء الحرب إلى مسقط رأسه طرابلس عام 1918، وأقام هناك إلى أن زارها الملك فيصل بن الحسين ودعاه إلى العمل في خدمة الدولة العربية الجديدة فقبل الدعوة، وقد عُين في الشعبة الثالثة في ديوان الشورى الحربي، وهناك تكشف له غدر الحلفاء، فطلب نقله إلى إحدى الوحدات العاملة، فعُين آمر السرية الأولى من لواء الخيالة الهاشمي، ولدى دخول الفرنسيين دمشق كان القاوقجي يتولى حراسة قصر الملك وقلعة دمشق.
أصبح القاوقجي أيام الانتداب الفرنسي آمراً لسرية الخيالة في حماه، ومعاوناً للمستشار الفرنسي، فسعى جهده لاكتساب ثقة الفرنسيين والعمل على تخفيف مظالمهم، وقد أثرت أحداث ثورة الأمير عبد الكريم الخطابي في الريف المغربي وشجعته على التفكير بثورة مماثلة.
بدأ القاوقجي يعد للثورة ويدعو لها وينظم الخلايا، ثم أطلق الشرارة في 5/10/1925 مغتنماً فرصة ثورات صالح العلي وإبراهيم هنانو وسلطان الأطرش، وكاد يستولي مع من معه على مدينة حماه لولا قصف الطائرات، فخرج إلى البادية حيث استثار القبائل ضد الفرنسيين وكان أبرز آثار حركته تخفيف الضغط على الثوار في جنوبي سورية.
انتقل القاوقجي مع نفر من المجاهدين إلى منطقة القلمون وغوطة دمشق وجبل العرب، وأسند إليه مجلس الثورة الوطني قيادة الثورة في منطقة الغوطة مع سلطات واسعة، واستطاع أن يحقق انتصارات كبيرة على الجيش الفرنسي، لكن نقص العتاد واستشهاد الكثير من رجاله اضطراه إلى الانسحاب باتجاه جبل العرب.
استدعته اللجنة الثورية إلى عمّان والقدس سنة 1927، وكلف السفر إلى تركية لإقناعها بمساعدة الثورة السورية، ولكنه عاد إلى القاهرة حيث كانت الخلافات قد اشتدت بين الزعماء السياسيين للثورة، فلم يمكث فيها طويلاً وذهب إلى السعودية سنة 1928.
استطاع القاوقجي في السعودية بمساعدة الأمير فيصل بن عبد العزيز (الملك فيصل فيما بعد) إقناع الملك عبد العزيز بن سعود بتكوين جيش نظامي مدرب. وحاول تنظيم بعض الأمور ولكن العراقيل الكثيرة التي وضعت في طريقه والدسائس التي تعرض لها أجبرته على الاستقالة، وبعد ذلك عُين مستشاراً للأمير فيصل.
غادر القاوقجي السعودية سراً إلى مصر عقب اندلاع أحداث فلسطين سنة 1929، والتقى أعضاء الوفد الفلسطيني المسافر إلى لندن لمفاوضة الإنجليز محاولاً إقناعهم بعدم جدوى المفاوضة، وأن لا بد من العمل والإعداد العسكري كما يفعل الصهاينة، ولكنه أخفق في سعيه وعاد إلى السعودية.
ترك القاوقجي السعودية بعد سنتين ونصف، والتحق بخدمة الملك فيصل بن الحسين في بغداد أواخر سنة 1932. وعين معلماً للفروسية وأستاذاً للطبوغرافيا في المدرسة الحربية الملكية برتبة نقيب.
ومع تفاقم أحداث فلسطين مع الإضراب الكبير واشتعال نار الثورة فيها، كُلف القاوقجي من قبل زعماء الثورة الفلسطينية تجهيز قوة من المتطوعين لنجدة فلسطين. فبدأ الاتصال بالأردن وسورية ولبنان لاختيار الشبان العرب المجاهدين وتزويدهم بالسلاح وإرسالهم إلى جبهة الثورة في فلسطين، وفي 25/8/1936 وصل القاوقجي على رأس حملة من العراق واتخذ من مثلث نابلس ومنطقة جنين خاصة ساحة لنشاط حملته ووزع بوصفه القائد العام للثورة منشوراً ثورياً يدعو فيه الثوار إلى الالتفاف حوله والانضمام إليه ويقرر ميثاقاً له (الاستمرار في النضال إلى أن تتحرر فلسطين وتستقل وتلتحق بقافلة البلاد العربية المحررة).
خاضت قوات الثورة بقيادة القاوقجي معارك عدة هزمت فيها الإنجليز وألحقت بهم خسائر كبيرة، وعندما أُعلنت الهدنة بين الإنجليز والفلسطينيين وفُك الاضراب بقرار سياسي من اللجنة العربية العليا بعد وساطة ملوك العرب ورؤسائهم، أوعزت القيادة السياسية للقاوقجي بسحب قواته من فلسطين، فانسحب عبر نهر الأردن إلى الأردن، وهناك سرح معظم القوات وعاد مع المفرزة العراقية إلى العراق.
أقام القاوقجي في بغداد مدة، ثم نفته حكومة بكر صدقي في العراق إلى كركوك لتقييد حركته استجابة لطلب الإنجليز، ولاحتجاج السفير التركي على موقف القاوقجي من قضية لواء الاسكندرون. وهناك طفق يتصل من منفاه بعدد من الشخصيات السورية والأردنية والفلسطينية لتجهيز حملة تعيد تفجير الثورة، ولاسيما بعد إعلان مشروع التقسيم الذي أوصت به اللجنة الملكية سنة 1937.
أُفرج عن القازقجي بعد مقتل بكر صدقي فعاد إلى بغداد، ولما نشبت ثورة رشيد عالي الكيلاني في العراق سنة 1941، قاد القاوقجي فريقاً من المتطوعين السوريين والفلسطينيين والعراقيين وتصدى لقوافل الإنجليز العسكرية القادمة من الأردن عند الرطبة وخاض عدداً من المعارك الناجحة، ثم أصيب بجراح خطرة حين سارع إلى صد هجوم إنجليزي على تدمر، فنقل إلى مستشفى دير الزور ثم مستشفى حلب حيث تم تدبير نقله إلى برلين، وقد أُجريت له عدة عمليات جراحية استخرجت فيها 19 رصاصة وشظية من جسده وظلت رصاصة واحدة تسكن رأسه حتى أواخر حياته.
عندما دعا الألمان القاوقجي إلى العمل معهم أصر على أخذ اعتراف رسمي بحقوق العرب واستقلالهم قبل الالتزام بالعمل، وشعر أنهم يحاولون استغلاله واستغلال غيره من الزعماء العرب الموجودين هناك. وقد اتهم القاوقجي الألمان النازيين بتسميم ابنه مجدي (وكانت أسرته قد لحقت به إلى ألمانيا) لأنه، أي الأب، لم يتعاون معهم.
مع تراجع ألمانيا على مختلف الجبهات، أخذت آمال القاوقجي وبقية العرب تخبو، وبدخول السوفييت برلين عام 1946، اعتقل القاوقجي وزوجته ومرافقه ثم أُطلق سراحهم بعد شهر، وظل هناك تحت الرقابة ولكنه استطاع أن يصل إلى باريس عبر القطاع الفرنسي من برلين، ومن باريس طار إلى القاهرة ثم إلى مدينة طرابلس الشام وذلك بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية.
في سنة 1947، تولى فوزي القاوقجي قيادة (جيش الإنقاذ) للدفاع عن فلسطين وذلك بتكليف من جامعة الدول العربية، وفي ظل ظروف شديدة الصعوبة منها عدم التكافؤ بين قوات الشعب الفلسطيني والمتطوعين من جهة والقوات الصهيونية من جهة أخرى من حيث الإعداد والتدريب والتسليح، إضافة إلى تحفظات الهيئة العربية العليا على قيادته، وتشكيل جيش الجهاد المقدس، إلا أنه أبلى بلاء حسناً في كل المعارك التي خاضها ضد الإنجليز والصهاينة، وكانت معركة (المالكية) من أهم المعارك وأشهرها والتي خاضها القاوقجي مع الجيش السوري واللبناني بتاريخ 6 حزيران 1948، وانتصروا فيها، فضمن من خلالها لجبل عامل بأسره البقاء في يد العرب.
أدرك فوزي القاوقجي بعد تلكؤ المسؤولين العرب عن نصرته، وتواطؤ البعض الآخر ونقص العتاد في جيشه، وبعد إبرام الهدنة بين الدول العربية والصهاينة، أن الاستمرار بهذا العمل غير مجد، ويؤدي إلى الكارثة، فقدم استقالته إلى الأمين العام لجامعة الدول العربية عبد الرحمن عزام، ثم انسحب إلى جنوب لبنان، وبعد ذلك انسحب عن مسرح الأحداث بمرارة وألم.
شعر القاوقجي بمرارة الهزيمة حين وقعت الدول العربية اتفاقيات الهدنة الدائمة في رودس، فانتقل إلى دمشق ليعيش فيها فيما يشبه العزلة، ثم غادرها إلى بيروت تحت وطأة ظروف مادية ونفسية أليمة حتى وافاه الأجل عام 1977، وقد ترك مذكرات له بعنوان (مذكرات فوزي القاوقجي).
المرجع:
ـ (الموسوعة الفلسطينية)، إصدار هيئة الموسوعة الفلسطينية، دمشق، طبعة أولى 1984، المجلد الثالث، ص (480ـ 484).
إبراهيم إسماعيل
29-10-2007, 07:04 PM
عارف العارف
ولد عارف العارف في بيت المقدس بفلسطين عام 1892، وأكمل دراسته الابتدائية فيها ثم قصد إلى استانبول عاصمة الخلافة العثمانية وأتم دراسته الثانوية في إحدى مدارسها عام 1910، ثم انتسب لكلية الآداب في جامعة استانبول ونال شهادتها عام 1913. وأثناء دراسته مارس الصحافة في جريدة (بيام) (الرسالة) التركية.
انتسب عارف العارف أثناء دراسته إلى (المنتدى الأدبي) الذي أسسه نفر من الشبان العرب الأحرار المقيمين في استانبول. وبعد تخرجه من الجامعة عُين موظفاً في قلم الترجمة التابع لوزارة الخارجية التركية، ولكن نشوب الحرب العالمية الأولى عام 1914 أفضى به إلى دخول الكلية العسكرية والتدرب فيها مع رهط من زملائه الجامعيين على فنون القتال، وبعد أن تخرج منها برتبة ضابط أُرسل إلى القفقاس للاشتراك مع الجيش العثماني في الحرب القائمة بينه وبين الجيش الروسي على مقربة من أرض الروم، ونشبت معركة ضارية بين الجيشين أسفرت عن إبادة الفرقة التركية التي كان عارف يعمل في صفوفها، ولم ينج من أفرادها سواه وعشر آخرون، فوقع في أسر الروس الذين أرسلوه إلى سيبيريا حيث قضى على مقربة من مدينة (كراس نويا رسك) أسيراً ثلاث سنوات (1915 ـ 1917)، تعلم خلالها اللغة الروسية من الضباط والجنود الروس الذين كانوا يحفرون ذلك المعتقل، كما تعلم الألمانية من الأسرى الألمان والنمساويين الذين كانوا معه في الأسر، وقد تمكن وهو معتقل من ترجمة كتاب (ويلت زاتجل) للمؤلف الألماني آرنست هيغل ـ ترجمه إلى التركية ـ كما وأصدر جريدة عربية هزلية بخطه سماها (ناقة الله) صدر عددها الأول في رجب 1335 (1916) والعدد الخامس والأربعين وهو الأخير منها في جمادى الآخرة 1936 (1917).
وفي آخر سني أسره تناهت الأنباء عن قيام الثورة العربية التي أعلنها شريف مكة الحسين بن علي على الترك، فأقنع عارف واحداً وعشرين أسيراً عربياً بالهرب من المعتقل للانضمام إلى صفوف الثورة، وسلكوا طريق منشوريا ـ اليابان ـ الصين ـ مصر عن طريق البحر الأحمر، وخلال هذه الرحلة الطويلة كانت الهدنة قد أعلنت وهدأت الحرب، فقصد العارف موطنه وهناك أصدر مع الأستاذ حسن البديري جريدة (سوريا الجنوبية)، وقد حملا فيها على الانتداب والصهيونية، وفضحا النوايا الخبيثة، وكشفا عما يبيتان لفلسطين من شر مستطير، وفي كثير من الأيام كانت السلطات البريطانية تصادر هذه الصحيفة، وتسجن صاحبيها. وحين نشبت أول ثورة للعرب ضد الانتداب واليهود في بيت المقدس صباح 4 نيسان 1920 اعتبر الإنجليز عارفاً محرضاً على تقتيل اليهود، فأودعوه السجن، لكنه بعد ثلاثة أيام لاذ بالهرب إلى مدينة الكرك، ثم قصد دمشق والتحق بالملك فيصل عام 1920، واشترك في المؤتمر السوري ممثلاً لأهل فلسطين.
ولما تأسست حكومة مدنية في فلسطين تسلم زمام أمورها (هربرت صموئيل) أول مندوب سام، وقد جنح هذا إلى سياسة اللين والمهادنة فعفا عن جميع المحكومين باستثناء عارف العارف وسماحة الحاج محمد أمين الحسيني ما لم يعودا إلى فلسطين مستسلمين للسلطة البريطانية، غير أنهما رفضا العودة المشروطة.
ظل عارف يعمل حراً طليقاً ويشرح ظلامة وطنه، وأسس مع نفر من إخوانه الفلسطينيين جمعية سياسية أسموها (الجمعية العربية الفلسطينية) وانتخب عارف سكرتيراً لها. ولما احتلت فرنسا سوريا بقيادة الجنرال غورو، غادر عارف العارف دمشق مع لفيف من إخوانه المناضلين إلى الأردن خشية أن تسلمهم السلطات الفرنسية إلى السلطات البريطانية، وعاش في مدينة السلط، وظل يعمل في كتمان حتى صدر العفو عنه من المندوب السامي، فعاد إلى القدس وحاول ممارسة السياسة مرة أخرى فلم يسمح له الإنكليز بذلك، وحظروا عليه الاشتغال بالسياسة. وتخلصاً منه عرضوا عليه وظيفة حكومية فرفض قبولها ما لم يقبلوا شرطه وهو أن يحتفظ لنفسه بمبادئه السياسية. فقبلوا هذا الشرط، ودخل السلك الإداري بوظيفة (قائمقام)، وقضى في الإدارة سبعاً وعشرين عاماً (1921 ـ 1948) متنقلاً بين جنين ونابلس وبيسان ويافا وبئر السبع وغزة.
وفي عام 1926 استعارته حكومة الشرق العربي (حكومة شرقي الأردن فيما بعد) سكرتيراً عاماً، فقصد عمان وقضى فيها ثلاثة اعوام (1926 ـ 1928)، لكن الإنجليز اتهموه بتشجيع المعارضة وتحريض رجالها على رفض المعاهدة الأردنية البريطانية، فأعادوه إلى فلسطين وعينوه (قائمقام) في بئر السبع ثم في غزة، وتقديراً لمواهبه رفّع مساعداً لحاكم لواء القدس وعهد إليه لإدارة قطاع رام الله.
وبعد زوال الانتداب البريطاني على فلسطين وتوحيد ضفتي الأردن عُين العارف رئيساً لبلدية القدس وانتخب رئيساً لها للمرة الثانية عام 1951، وللمرة الثالثة عام 1955. وفي أعقاب عام 1955 تولى العارف وزارة الأشغال العامة، واستقال منه بعد أيام لخلاف وقع بينه وبين رئيس الوزراء لإصراره على تجنيب الأردن الدخول في حلف بغداد.
وفي عام 1964 لبى دعوة (رابطة الطلاب المسيحيين الديموقراطيين) لزيارة ألمانيا والتحدث إلى شعبها عن القضية الفلسطينية، فزار عدداً من المدن الألمانية وألقى عدداً من المحاضرات والأحاديث عن القضية الفلسطينية باللغة الألمانية.
وفي عام 1967 عُين مديراً لمتحف الآثار الفلسطيني بالقدس، وكان هذا النوع من العمل من ألذ هواياته. لم يغادر عارف العارف فلسطين بعد الاحتلال الإسرائيلي، وأقام في مدينة رام الله إلى أن توفي عام 1973.
عارف العارف يحسن من اللغات : العربية والتركية والعبرية والفرنسية والألمانية والإنكليزية والروسية. وهو مؤرخ ثقة زود الخزانة العربية بعدة مؤلفات هي:
ـ تاريخ بئر السبع وقبائلها.
ـ تاريخ الحرم القدسي.
ـ تاريخ غزة.
ـ تاريخ القدس.
ـ قبة الصخرة المشرفة والمسجد الأقصى المبارك.
ـ القضاء يبن البدو.
ـ المسيحية في القدس.
ـ المفصل في تاريخ القدس.
ـ الموجز في تاريخ عسقلان.
ـ النكبة: نكبة بيت المقدس والفردوس المفقود، 6 مجلدات.
ـ النكبة في صور.
ـ الدور الفلسطينية التي هدمها الفلسطينيون.
ـ سجل الخلود: أسماء شهداء حرب فلسطين.
ـ الفلسطينيون في سجون إسرائيل.
ـ الفلسطينيون المبعدون عن بلادهم.
ـ مأساة البدو في النقب وقطاع بئر السبع.
ـ مذكراتي عن نشاط المقاومة الفلسطينية.
ـ المعذبون في السجون الإسرائيلية من أبناء فلسطين.
ـ مآخذي على الحكم الإسرائيلي في القدس.
ـ المفصل في تاريخ القدس.
ـ أحداث رفح ومأساة البدو من أهلها.
ـ غزة نافذة على الجحيم.
ـ رؤياي (ضمنه أحلام ذهبية مشرقة فتنبأ بقيام الجامعة العربية).
ـ علم الإحصاء.
ـ أسرار الكون، تأليف آرنست هيغل، شرح فيه نظرية دارون. نقله عارف إلى التركية.
المراجع:
ـ (مصادر الدراسات الأدبية) يوسف أسعد داغر، مكتبة لبنان، طبعة أولى 2000، ص(1466ـ 1468).
ـ (من أعلام الفكر والأدب في فلسطين) يعقوب العودات، وكالة التوزيع الأردنية، الطبعة الثانية، عمان، 1987، ص(400 ـ 403).
ـ (موسوعة الأعلام) خير الدين الزركلي، دار العلم للملايين، بيروت، الطبعة العاشرة، 1992، المجلد الثالث، ص(245،246).
إبراهيم إسماعيل
29-10-2007, 07:05 PM
الشيخ عز الدين القسام
ولد عز الدين القسام في بلدة (جبلة) التابعة لقضاء اللاذقية في سورية عام 1882، نشأ في أسرة ريفية عرفت بالعلم والتقوى، أبوه الشيخ عبد القادر مصطفى القسام من المشتغلين بعلوم الشريعة الإسلامية، وأمه حليمة قصاب من عائلة علم ودين.
كان أبوه من المهتمين بنشر العلم، حيث درّس في كُتّاب القرية القرآن الكريم والعربية والخط والحساب وبث روح الجهاد بتعليم الأناشيد الدينية والحماسية، ثم عمل لفترة مستنطقاً في المحكمة الشرعية.
تعلم عز الدين في كتاب البلدة القراءة والكتابة وتلاوة القرآن الكريم، وتميز بنبوغه وتفوقه على أقرانه وامتاز بميله للتأمل وطول التفكير.
بعد تفوقه في دراسته في الكتاب، التحق عز الدين للدراسة في الأزهر في مصر، فقد كان الأزهر في ذلك الوقت منارة كبرى لنشر علوم الشريعة والعربية، فحضر دروس الشيخ محمد عبده، وارتوت نفسه من علمه وفهمه. كما تتلمذ على معظم حلقات الأزهر، واعتكف في أروقة مكتباته، وكان يرافق اهتمامه بدروس العلم اهتمام آخر بحركات التحرر التي كان يغذيها رجال الأزهر، ففهم عز الدين أن الإسلام دين عز وقوة وتحرر وجهاد.
تعرف القسام في مصر على الاستعمار الغربي وجهاً لوجه، حيث كانت مصر خاضعة للاحتلال البريطاني المباشر بعد ثورة عرابي عام 1882، وكان فيها تيار المقاومة الإسلامي للاحتلال قوياً، كما رأى القسام هجوم المفكرين المتغربين على الإسلام فكراً وحضارة وتاريخاً، وعايش بنفسه الصراع الدائر بين هؤلاء وبين المفكرين الإسلاميين، كما تعرف في مصر على المشروع الصهيوني بأبعاده، وأدرك خطره على الأمة الإسلامية، وأنه وليد الاستعمار الغربي، وسمع عن تطلعات الصهاينة وأطماعهم في فلسطين. وبين مدرسة الشيخ محمد عبده ومدرسة الشيخ رشيد رضا الشامي المقيم في مصر اتضح أمام عيني الشيخ عز الدين القسام الجهاد وسيلة للدفاع عن حقوق الأمة وللعودة بها إلى سابق مجدها.
عاد القسام إلى جبلة عام 1906 بعد أن قضى عشر سنوات في الدراسة في الأزهر، بعدها حصل على شهادة الأهلية، ومن ثم قام برحلة إلى تركيا للإطلاع على طرق التدريس في جوامعها، وبعد عودته عكف على التدريس في زاوية والده، في جامع السلطان بن أدهم قطب الزاهدين. كما أخذ القسام دور والده في تدريس أطفال البلدة قواعد القراءة والكتابة وتحفيظ القرآن الكريم، وبعض العلوم الحديثة، وتولى خطبة الجمعة في مسجد المنصوري الذي يتوسط البلدة، وغدا بخطبه ودروسه وسلوكه موضع احترام الناس، وامتدت شهرته وسمعته الحسنة إلى المناطق المجاورة فقدم الإسلام بفهمه الواسع الطلق، وربطته بكثير من المواطنين صداقات متينة، فكثر أتباعه، وعظم شأنه، وذاع صيته.
لماّ دخلت القوات الإيطالية طرابلس الغرب (ليبيا) عام 1911، قاد القسام مظاهرة طافت شوارع جبلة تأييداً للمسلمين هناك، ودعا الناس إلى التطوع لقتال الطليان، وجَمع التبرعات للأسر المنكوبة، إلا أن السلطات التركية منعته ورفاقه المتطوعين من السفر إلى ليبيا، فعادوا بعد أربعين يوماً من الانتظار، وبنوا مدرسة بمال المتبرعين لتعليم الأمّيين.
وعندما دخلت القوات الفرنسية سورية عام 1920، رفع القسام راية المقاومة ضد المستعمرين الفرنسيين في الساحل الشمالي لسورية، وكان في طليعة المجاهدين الذين حملوا السلاح في الثورة (1919ـ 1920) مع المرحوم عمر البيطار، فقد ترك قريته على الساحل، وباع بيته ـ وهو كل ما يملك ـ واشترى أربعاً وعشرين بندقية، وانتقل بأسرته إلى قرية جبلية ذات موقع حصين.
حاول الفرنسيون إقناع الشيخ القسام بترك الثورة والرجوع إلى بيته وإغرائه بالمناصب، إلاّ أنه رفض عرضهم، ونتيجة لإصراره على خط الجهاد حكم عليه الديوان العرفي الفرنسي في اللاذقية وعلى مجموعة من أتباعه بالإعدام، وطارده الفرنسيون فقصد دمشق ومنها إلى فلسطين.
عاش القسام ورفاقه في حيفا، ونزلت عائلاتهم في بيت واحد في الحي القديم من المدينة، وهو الحي الذي يجمع فقراء الفلاحين النازحين من قراهم بعد الاستيلاء عليها وتوطين اليهود المهاجرين إلى فلسطين.
أبدى القسام اهتماماً حقيقياً بتحسين أحوال معيشة هؤلاء الفلاحين، وبدأ يكافح الأمية في صفوفهم من خلال إعطاء دروس ليلية، وسرعان ما أصبح فلاحو المنطقة الشمالية وعمالها يكنون له المودة والاحترام بفضل زياراته المتكررة لهم وبما يتسم به من أصالة في الخلق والتقوى.
عمل القسام مدرساً في المدرسة الإسلامية بحيفا، وكان يحرص على لفت أنظار الطلاب إلى الدور المستقبلي الذي ينتظرهم في ظل وجود الاستعمار، ثم عمل إماماً وخطيباً في جامع الاستقلال بموافقة من مفتي القدس وزعيم الحركة الوطنية الحاج محمد أمين الحسيني، واتجه القسام في أسلوبه إلى توعية الشعب الفلسطيني بالأخطار الماثلة أمامه، وكان يكثر من القول: (بأن اليهود ينتظرون الفرصة لإفناء شعب فلسطين، والسيطرة على البلد وتأسيس دولتهم)
كما كان للشيخ القسام دروس في المسجد تقام عادة بين الصلوات المفروضة، وقد جعل منها وسيلة لإعداد المجاهدين وصقل نفوسهم وتهيئتها للقتال، معتمداً اختيار الكيفية دون الكمية.
عمل على تأسيس جمعية الشبان المسلمين عندما استفحل الخطر البريطاني في فلسطين وانتشرت الجمعيات التبشيرية التي تدعو إلى تنصير المسلمين، وقام القسام من خلال نشاطه في الجمعية بتربية جيل من الشباب المسلم، الذين أنقذهم من دائرة الانحراف والضياع بسبب قسوة الظروف الاقتصادية والسياسية، وأدخلهم في دائرة العمل الجاد لصالح الوطن... كما أنه وثق اتصالاته بقيادات المدن الفلسطينية الأخرى، وكسب عدداً من شباب المناطق المختلفة للانضمام إلى تنظيم الجهاد. وقد واظب القسام خلال وجوده في الجمعية على إعطاء محاضرة دينية مساء كل يوم جمعة، وكان يذهب كل أسبوع بمجموعة من الأعضاء إلى القرى، ينصح ويرشد ويعود إلى مقره. وقد تمكن من إنشاء عدة فروع للجمعية في أكثر قرى اللواء الشمالي من فلسطين، وكانت الفرصة للّقاء بالقرويين وإعدادهم للدفاع عن أراضيهم.
عمل القسام مأذوناً شرعياً لدى محكمة حيفا الشرعية سنة 1930، وقد كانت هذه الوظيفة للقسام وسيلة من الوسائل التي اتصل عن طريقها بمختلف فئات المواطنين من شباب وشيوخ، وعمال وفلاحين، وطلاب وموظفين، وتجار وحرفيين، وتحدث إليهم وأقام معهم علاقات قوية كان لها أثر كبير في اتساع دائرة حركته الجهادية.
يعتبر القسام صاحب دعوة مستقلة وأسلوب متميز وحركة جهادية رائدة سبقت جميع الاتجاهات في ميدان الجهاد المعاصر في فلسطين.
ويتلخص هذا الأسلوب في تربية جيل من المجاهدين، فكان يعقد اجتماعات سرية مكتومة في بيته وفي بيوت بعض أصدقائه، يحضرها عدد من الأشخاص المغمورين (غير البارزين أو المعروفين في ميدان الحركة الوطنية)، وكان يختارهم من الذين يحضرون دروسه ومواعظه، ويقوم بتهيئتهم وإعدادهم للجهاد، ويكوّن منهم خلايا جهادية، تقتصر عضويتها على نفر من المؤمنين الصادقين الذين لديهم الاستعداد الكامل للتضحية والفداء.
وعندما تم إنشاء القوة المجاهدة بشكل متكامل، كانت مقسمة إلى وحدات مختلفة المهام، حيث لكل وحدة دور خاص بها تتولاه، وهذه الوحدات هي:
الأولى: وحدة خاصة بشراء السلاح.
الثانية: وحدة خاصة للاستخبارات ومراقبة تحركات العدو البريطاني واليهودي.
الثالثة: وحدة خاصة بالتدريب العسكري.
الرابعة: وحدة خاصة للدعاية في المساجد والمجتمعات، وأبرز أعمالها الدعوة إلى الجهاد.
الخامسة: وحدة العمل الجماهيري والاتصالات السياسية.
السادسة: وحدة جمع المال من الأعضاء والأنصار، ورعاية أسر المعتقلين والشهداء.
ولماّ قطعت الحركة شوطاً من الإعداد تم فيه تهيئة المقاتلين للجهاد، ابتدأ رجال القسام بتنفيذ عمليات فدائية ضد المستوطنات اليهودية عن طريق إعداد كمائن والهجوم على أفراد محددين ومستوطنات معينة، بهدف دفع اليهود في الخارج إلى وقف الهجرة إلى فلسطين.
ولم تكن أعمال القسام مهاجمة المستعمرات فحسب وإنما قاموا بمجموعة أعمال أخرى ذكرها الأستاذ أميل الغوري في كتابه (فلسطين عبر ستين عاماً) فقال: (أماّ الأعمال التي قام بها القساميون فكانت من أروع ما قام به المجاهد في فلسطين، وعلى الرغم من كثرتها وتعدد أشكالها ومظاهرها، فإنها ظلت محاطة بالسرية والكتمان إلى مدى كان معه أكثر الناس يجهلون مصدر هذه الأعمال، بل كانوا لا يعرفون إطلاقاً بوجود حركة القساميين، وكان من هذه الأعمال: ملاحقة وتأديب الذين يخرجون عن الشعب ومصالحه، مثل التعاون مع الحكومة ضد الحركة الوطنية، والتجسس لحساب المخابرات البريطانية، أو بيع الأراضي لليهود أو السمسرة عليها للأعداء. وكان من أعمال القساميين العديدة الواسعة النطاق، التصدي لدوريات الجيش والشرطة، وقطع طرق المواصلات والإغارة على ثكنات الجيش ومراكز الشرطة، ومهاجمة حرس المستعمرات اليهودية، وزرع الألغام والمتفجرات فيها).
وفي الوقت الذي اعتبرت فيه أعمال القسام بمثابة الروح التي سرت في أوصال الأمة، فحركت الهمم وشدت العزائم، وحفزت الناس إلى العمل، كانت الحكومة البريطانية تعلن عن مكافآت ضخمة لمن يدلي بأية معلومات عن منفذي هذه الأعمال، لأنها فعلاً ألقت الرعب في قلوب اليهود الذين رأوا ولأول مرة عملاً جديداً من حديد ونار، وهذه لم يتعود عليها اليهود في فلسطين... وازدادت الحكومة البريطانية واليهود ذعراً وبثوا الأرصاد، ونشروا الجواسيس في الليل والنهار، وصار الاعتقال لمجرد الشبهة.
لذا أصبحت تحركات جماعة القسام تلاقي صعوبة شديدة، إذ استطاعت الشرطة الإنجليزية الحصول على معلومات بشأن عدد أفراد الجماعة وأسمائهم وأسلحتهم، نتيجة التحقيقات المكثفة التي قامت بها، وكذلك استطاعت الحصول على معلومات تساعدهم أكثر وأكثر على تحديد مكانهم.
وأخيراً وفي أحراش يعبد في منطقة جنين يوم 20 تشرين ثاني عام 1935، حددت الشرطة البريطانية مكانهم وهاجمتهم بقوات عسكرية كبيرة ودارت معركة رهيبة بين المجاهدين والشرطة، صمد فيها رجال القسام، وقاتل شيخهم قتال الأبطال، وظل يكافح حتى خر صريعاً في ميدان الجهاد شهيداً كريماً في سبيل إعلاء كلمة الله فوق أرض فلسطين، واستشهد معه بعض إخوانه المجاهدين، وجرح آخرون وتم أسرهم.
نقل الشهداء إلى حيفا، وتمت الصلاة عليهم في جامع الاستقلال، وشيعت جثامينهم الطاهرة بتظاهرة وطنية كبرى نادت بسقوط الإنجليز ورفض الوطن القومي اليهودي.
كان لاستشهاد القسام أعمق الأثر في شباب فلسطين في الثلاثينات والأربعينات، كما أصبح القسام رمزاً للتضحية والفداء، مما جعل بعض المؤرخين يعتبرونه بحق شيخ ثوّار فلسطين.
هذه المعلومات أخذت بتصرف عن:
ـ (الشيخ عزالدين القسام قائد حركة وشهيد قضية)، حسني جرّار، (دار الضياء للنشر والتوزيع، عمان، طبعة أولى، 1989)
ـ (موسوعة السياسة)، د.عبد الوهاب الكيالي وآخرون، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، طبعة ثانية،1990 ج4 ص(101ـ 103).
إبراهيم إسماعيل
29-10-2007, 07:07 PM
عدنان المالكي
هو عدنان محمد شمس الدين المالكي، ولد في دمشق في حي المهاجرين عام 1919. والده كان يعمل بالزراعة، عرف بالصدق والاستقامة وكان مرجعاً لفض النزاعات بين الأهالي إذ كانوا يسعون إليه لمساعدتهم في حل مشاكلهم، حتى أن المحاكم كانت تعتمد عليه للاستفادة من خبرته في ما كان يتعذر عليها حله من القضايا الزراعية المعروضة عليها، وقد انتخب رئيساً للغرفة الزراعية خلال عدة دورات انتخابية. وإبان الثورة السورية كان يمد الثوار السوريين بالمال والسلاح والمؤن.
درس عدنان المالكي المرحلة الابتدائية والثانوية في مدارس دمشق، واشتهر بتفوقه الدائم وجرأته الأدبية وكان منذ صغره ميالاً للجندية وشديد الشغف بمطالعة سيرة أبطال التاريخ العسكري وبدراسة تاريخ المعارك الحربية الكبرى. وما كاد يتم دراسته الثانوية عام 1937 حتى التحق بالكلية العسكرية في حمص وتخرج منها عام 1939 برتبة مرشح ضابط، ورفع عام 1940 إلى رتبة ملازم ثان، وخدم في الجيش في قطاعات مختلفة حيث كانت تسند إليه مهام تدريب الجنود والرقباء، كما عين مدرباً في الكلية العسكرية.
ولم يكن يفتأ خلال خدمته في الجيش تحت إمرة القيادة الفرنسية من نشر الروح الوطنية بين مرؤوسيه من ضباط ونقباء وجنود مذكراً إياهم دوماً أن الجيش للوطن، وكان نشاطه الوطني يقلق القادة الفرنسيين وكانت له مواقف مشهورة معهم، فوضع تحت الرقابة الشديدة إلى أن تفاقمت الحوادث بين السوريين والقوات الفرنسية فالتحق بالقوات السورية ومن ثم عين عضواً في لجان تسليم قوات ومعدات الجيش الخاص من قبل الفرنسيين إلى الحكومة السورية.
عام 1948 حين نشبت حرب فلسطين كان المالكي آمراً لدورة في الكلية العسكرية فاختصرها والتحق مع عناصر الكلية بالجبهة العسكرية حيث تسلم قيادة سرية مشاة مؤلفة من عناصر احتياطية، فخاض غمار الحرب بشجاعة، وقام خلال معركة (مشمار هايردين) بإمكانيات محدودة باحتلال التل المشرف على تلك المستعمرة اليهودية والذي سمي بعد السيطرة عليه بـ (التل المالكي) وقد أصيب بجرح بليغ في رأسه لم يكد يبرأ منه حتى أسندت له قيادة الفوج الثامن الذي قام هو بتشكيله وتدريبه وساهم بفك الحصار عن جيش الإنقاذ في الجبهة اللبنانية. وعاد إلى قيادته ليلقى ثناءها وتشجيعها.
اجتاز عدنان المالكي بتفوق دورة المدرسة الحربية العليا في فرنسا والتي أهلته شهادتها لحمل لقب ضابط (ركن مجاز)، وبعد الجلاء ساهم مساهمة فعالة في تأسيس الجيش السوري حيث أسس مدرسة صف الضباط، وخرّج أولى دوراتها وكان مديراً لدورات عدة في الكلية العسكرية. ساهم المالكي من موقعه العسكري والحزبي في تسييس الجيش السوري، وحرفه عن مهمته الحقيقية في الدفاع عن الوطن، فاشترك في تنفيذ انقلاب حسني الزعيم في (30 آذار1949). كما حاول في عهد أديب الشيشكلي أن يقود حركة تمرد، حيث قدم للشيشكلي قائمة من المطالب فأمر باعتقاله مع رفاقه ومسانديه، وقضى في السجن ما يزيد على سبعة أشهر.
وبعد عودة الحكم الوطني للبلاد برئاسة هاشم الأتاسي، عاد عدنان المالكي إلى الجيش وتسلم منصب معاون رئيس الأركان العامة، وكان يعمل على توظيف الجيش لمصلحة حزب البعث الذي كان يتحالف معه بقوة.
فترت حماسة المالكي للحزب منذ هزيمة أخيه رياض أحد القياديين الحزبيين في انتخابات عام 1954، إذ اعتبر أن الحزب لم يمنح أخاه رياض الدعم الكامل، فبدأ بمحاولة تعيين ضباط في هيئة الأركان مناهضين للبعث، إغراقاً في عملية تسخير الجيش للمآرب الشخصية.
تم اغتيال العقيد المالكي في الملعب البلدي بدمشق يوم 22 نيسان 1955 خلال مباراة لكرة القدم، كان يرعاها بين منتخب سورية ومصر. وارتكب جريمة القتل رقيب في الجيش السوري يدعى (يونس عبد الرحيم) كان مكلفاً بحراسة المنصة الرئيسية، وقد تم إطلاق الرصاص على القاتل فوراً من قبل أحد مساعدي الشرطة العسكرية فأرداه قتيلاً لئلا يتم اكتشاف ملابسات الجريمة. ثم حمل الحزب القومي السوري مسؤولية الاغتيال فتمت ملاحقة أعضائه وتصفيته.
المراجع:
ـ (الموسوعة التاريخية الجغرافية)، مسعود الخوند، لبنان، طبعة أولى 1997، الجزء العاشر، ص(225ـ227).
ـ (تاريخ سورية 1918ـ1958)، وليد المعلم، دمشق، طبعة أولى 1985، ص(188،189).
ـ (دولة البعث وإسلام عفلق)، مطيع النونو، الطبعة الأولى 1994، ص(1994، ص(108،109).
ـ (مذكرات ضابط عربي في جيش الانتداب الفرنسي)، الملازم أول سليمان علي الصباغ، مطبعة كرم، دمشق، 1978، ص(208،209).
ـ( ذكريات على درب الكفاح والهزيمة)، رياض المالكي، مطبعة الثبات، دمشق، 1972، ص(104،105)، (170،171).
ـ (شاهد على أحداث سورية وعربية)، مذكرات مصطفى رام حمداني، دار طلاس، دمشق، الطبعة الأولى 1999، ص(134).
ـ (المالكي رجل وقضية)، منشورات الفرع الثقافي العسكري، دمشق، 1956، ص(134).
إبراهيم إسماعيل
29-10-2007, 07:08 PM
شكري القوتلي
هو شكري بن محمود بن عبد الغني القوتلي. ولد في دمشق عام 1891، تلقى علومه الابتدائية في مدرسة الآباء العيزرية بدمشق. وفي عامه الحادي عشر انتسب إلى مدرسة عنبر ليتم دراسته الثانوية، أكمل تعليمه في الكلية الشاهانية بالأستانة وتخرج منها يحمل الليسانس في العلوم السياسية عام 1912.
انضم القوتلي في الأستانة إلى جمعية (العربية الفتاة) السرية، القائمة على الدعوة إلى تحرير العرب، ومقاومة ما تعمل له جمعية (تركيا الفتاة) من تتريك العناصر العثمانية، قبل ذلك كان يعمل في صفوف شبيبة المنتدى الأدبي.
وُشي به في الحرب العالمية الأولى عقب الانتهاء من مجزرة المجلس العسكري العثماني ببلدة عالية، فاعتقل وزج به في سجن (خان الباشا) بدمشق، وهدد بالتعذيب، فخشي أن يبدر منه في حالة الإغماء ما يقضي عليه وعلى أخوته في جمعية الفتاة، فحاول الانتحار بقطع شريان يده، وكتب رسالة بدمه وجهها إلى جمال باشا السفاح يحذره فيها من مغبة الظلم، وغاب عن وعيه فنقل للمعالجة، وبهذا نجا من المحاكمة. والتقارير عن بطولة القوتلي رفعته إلى دائرة الأضواء كبطل قومي، وفي عام 1918 أسس مع بعض أصدقائه حزب الاستقلال العربي.
كلفه الملك فيصل بتشكيل ولاية دمشق، ولما احتل الفرنسيون سورية كان اسمه في قائمة المحكوم عليه بالإعدام. فنزح إلى القاهرة ثم حيفا، وبقي أربعة أعوام يتنقل بين فلسطين ومصر وأوروبا يدعو للقضية السورية. عاد إلى دمشق عام 1924، ولما نشبت الثورة السورية ضد الفرنسيين عام 1925 التحق بها فصدر عليه حكم الإعدام من جديد.
عاد إلى دمشق سنة 1930 بعد سقوط حكم الإعدام عنه، واشترك في المؤتمر العربي القومي الذي عُقد في القدس في كانون الأول 1931 ووقع على الميثاق التاريخي، وفي عام 1932 كان أحد الأعضاء المؤسسين للكتلة الوطنية التي تحولت فيما بعد إلى الحزب الوطني المنادي باستقلال سورية كهدف أساسي له.
أثناء وجود الوفد المفاوض في باريس تولى القوتلي إدارة مكتب الكتلة الوطنية، وانتخب مجلس النواب السوري عام 1936 فكان من أعضائه، ثم تولى في أول حكومة وطنية وزارتي المالية والدفاع، وفي أثناء غيابه في السعودية عقد جميل مردم بك رئيس الوزراء اتفاقيتي البنك السوري والبترول مع فرنسا، وكذلك مساعي جميل مردم بك لدى وكيل وزارة الخارجية الفرنسية والتي انتهت بإعطاء الحكومة الفرنسية ضمانات باحترام حقوق الأقليات، وقبول الخبراء الفرنسيين، ومتابعة سياسة التعاون بين البلدين السوري والفرنسي. لكن الوزراء والنواب اعترضوا على هذه الاتفاقية، وكان أشدهم نقمة شكري القوتلي فاستقال من الوزارة في 22/3/1938 احتجاجاً، واكتفى بالنيابة، وفي العام نفسه انتخب نائباً لرئيس مجلس النواب.
عام 1941 انتخب القوتلي زعيماً للكتلة الوطنية خلفاً للمرحوم إبراهيم هنانو، فأعاد تنظيم صفوفها بعد أن لجأ زعماؤها إلى العراق بعد اتهامهم بمقتل عبد الرحمن الشهبندر، وقد ألصقت هذه التهمة بالوطنيين وكان ذلك في تموز عام 1940، أما القوتلي فلجأ إلى حماية قنصل السعودية في دمشق والذي تربطه صلات وثيقة بالفرنسيين فتدخل لديهم باسم الملك عبد العزيز، وحقق مع القوتلي وثبتت براءته والوطنيين بعد اعتراف قاتل الشهبندر بالجريمة.
على أثر دخول الديغوليين سورية في الحرب العالمية الثانية، كان القوتلي السياسي الأكثر شعبية، وبعد وفاة تاج الدين الحسني رئيس الجمهورية بالتعيين، قاد القوتلي معركة الانتخابات بقائمة موحدة في سائر البلاد، وبالتئام مجلس النواب انتخب رئيساً للجمهورية في 17/8/1943، وهو أول زعيم وطني تولى رئاسة الجمهورية السورية.
ازدهرت سورية في أيام القوتلي، كما قاد التحرك السياسي في فترة الاستقلال من 1943 ولغاية الجلاء عام 1946، والتي تميزت بالنشاط السياسي السوري في الحقل العربي، وقد تمحور هذا النشاط حول ثلاثة مواضيع:-
1ـ دعم استقلال سوريا التام أي ضمان جلاء الجيوش الأجنبية عن أراضيها.
2ـ العمل من أجل قضية الوحدة العربية (الجامعة العربية) خاصة بعد إعلان الأمير عبد الله أمير شرق الأردن مشروع سوريا الكبرى.
3ـ العمل من أجل قضية فلسطين.
بعد انقلاب حسني الزعيم انتقل القوتلي إلى مصر، واستقر في الإسكندرية، وتغيرت الأوضاع في سورية مع مرور الأيام، فعاد إلى دمشق وانتخب رئيساً للجمهورية عام 1955 للمرة الثالثة.
في عام 1958 قصد مصر على رأس وفد من سورية، فاتفق مع رئيس الجمهورية الرئيس جمال عبد الناصر على توحيد القطرين وتسميتهما (الجمهورية العربية المتحدة)، وتنازل عن منصبه لصالح الوحدة، وانتخب عبد الناصر رئيساً لها، وقد أُطلق عليه لذلك لقب المواطن العربي الأول. تنقل بعد قيام الوحدة بين سوريا ومصر وأوروبا، وعندما وقع انقلاب الانفصال في 28 أيلول1961 كان في جنيف، فعاد إلى دمشق بطلب من حكومة الانفصال، وبقي في دمشق حتى انقلاب 8 آذار1963 حيث غادرها إلى جنيف وبعد عام انتقل إلى بيروت واستقر بها. واشتدت عليه القرحة التي كان مصاباً بها إلى أن توفي في (30 حزيران1967)، فنقل جثمانه إلى دمشق حيث دفن في مقبرة الباب الصغير.
كان ما ألقاه من الخطب الرسمية قد جمع أيام رئاسته الثانية في كتاب (مجموعة خطب الرئيس شكري القوتلي). كما عمل مدة في تدوين مذكراته، لكن لا علم بما حل بها.
المراجع:
ـ (موسوعة الأعلام)، خير الدين الزركلي، دار العلم للملايين، بيروت، الطبعة الخامسة 1980، الجزء الثالث، ص(172ـ173).
ـ (موسوعة السياسة)، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، الطبعة الأولى 1983، ص(488).
ـ الموسوعة التاريخية الجغرافية، مسعود الخوند، لبنان، 1997، الجزء العاشر، ص(90ـ 218،219).
ـ (سوريا 1918 ـ 1958)، وليد المعلم، دمشق، الطبعة الأولى 1985، ص(40،41)،(61،62).
ـ (صانعو الجلاء في سورية)، نجاة القصاب، شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، بيروت، الطبعة الأولى 1999، ص(111ـ113).
إبراهيم إسماعيل
29-10-2007, 07:10 PM
تاج الدين الحسيني
هو محمد تاج الدين بن محمد بدر الدين بن يوسف الحسيني المراكشي الأصل، ولد بدمشق سنة 1890م. والده الشيخ محمد بدر الدين الحسيني، محدث الديار الشامية الأكبر، كان شديد الورع، حاد الذكاء قوي الذاكرة ألّف ما يزيد على الأربعين كتاباً وهو لم يتجاوز العشرين من عمره.
نشأ محمد تاج الدين في كنف والده ورعايته، ودخل المدارس الرسمية في دمشق، ثم طلب العلم على والده وتلاميذه مثل علم الحديث والتفسير والعلوم العربية وأصول الفقه والعلوم الدينية.
تميز تاج الدين بالذكاء والدهاء وحسن التودد إلى الناس، واستغل رغبة الحكام العثمانيين في إرضاء والده فانصرف إلى الاتصال بهم، فعين مدرساً للعلوم الدينية في المدرسة السلطانية بدمشق سنة 1912م، ثم كان من أعضاء مجلس إصلاح المدارس، ومن أعضاء المجلس العمومي لولاية سورية في عهد العثمانيين، كما تولى تحرير جريدة الشرق سنة 1916، والتي أمر بإنشائها جمال باشا قائد الجيش الرابع العثماني في الحرب العالمية الأولى.
بعد انتهاء الحكم العثماني على سوريا، انتخب تاج الدين عضواً في المؤتمر السوري، كما عينه الملك فيصل سنة 1920م مديراً عاماً للأمور العلمية في دائرة كانت مرجعاً أعلى لدوائر الأوقاف والفتوى والمحاكم الشرعية والخط الحجازي ـ وهذه الوظائف تشبه المشيخة الإسلامية في العهد العثماني ـ كما درّس في معهد الحقوق مادة أصول الفقه والأحوال الشخصية والفرائض والوصايا.
لماّ دخل الفرنسيون سوريا، خرج تاج الدين لوداع الملك فيصل، ثم لماّ دخل الجنرال غورو دمشق دُعي تاج الدين لاستقباله بصفته الرسمية، فامتنع وقال عبارته المشهورة: (من ودع فيصلاً لا يستقبل غورو)، فأُقصي من عمله، وبقي شهوراً عدة منزوياً، إلى أن تشكل وفد لمقابلة الجنرال غورو في أمور تتعلق بمصلحة البلاد، وكان من جملة حديثهم أن بينوا له مكانة الشيخ تاج الدين، وأن عزله عن منصبه لا يليق، فعين حينذاك عضواً في مجلس الشورى، ثم في محكمة التمييز، وبعد ذلك صار قاضياً شرعياً.
لم تستقر الأوضاع في سوريا منذ دخول الفرنسيين، فأرادت فرنسا اصطناع زعيم تسوس من خلاله المجتمع السوري. فرأت في الشيخ تاج الدين رجلاً مناسباً فعين رئيساً للجمهورية في 14 شباط 1928م.
تولىّ تاج الدين الحسيني رئاسة الدولة السورية في الموعد المذكور، فبدأ بإصدار عفو عن السجناء السياسيين مستثنياً ما يزيد عن 70 شخصاً منهم الزعماء الوطنيون الدكتور عبد الرحمن الشهبندر وشكري القوتلي وعادل العظمة وسلطان الأطرش وشكيب أرسلان وفوزي القاوقجي وكان هؤلاء محكوماً عليهم بالنفي خارج البلاد مما جعل الشعب يزداد غضباً، ونعتوا العفو بـ( العفو الأعرج) إشارة إلى العرج المصاب به الرئيس تاج الدين، كما ألغى الأحكام العرفية التي ظلت قائمة خلال ثلاث سنوات، واستطاع نشر الهدوء في البلاد إلى جانب إنشائه المشاريع العمرانية الكثيرة مثل المرافق العامة ودور الدولة وآثار أخرى تشهد بسهره واهتمامه.
وبعد مدة من حكمه، أقنع تاج الدين الفرنسيين بضرورة انتخاب جمعية تأسيسية تضع دستوراً للبلاد، فعلى إثر ذلك جرت انتخابات الجمعية التأسيسية بحماس ونشاط، وظهرت قائمتان رئيسيتان: قائمة الوطنيين وقائمة المعتدلين الموالين للانتداب. وكان اسم الشيخ تاج الدين على رأس كل منهما، وظل يحافظ على دهائه وهدوئه ويبذل من الجهود ما يرضي الفرقاء، مما هيأ له الفوز في الانتخابات دون أي اعتراض.
عملت الجمعية التأسيسية لمصلحة البلاد ووضعت دستوراً وافقت عليه حكومة الانتداب، بعد إقناع مستمر من تاج الدين الحسيني رئيس الدولة، ونشرته في 14أيار عام1930، لكن بعد إضافة مادة (116) عطل مضمونها جوهر الدستور، فقد ركزت على أمور كثيرة لا تصبح ناجزة إلا بعد (اتفاق بين الحكومتين الفرنسية والسورية)، مما جعل الأوضاع تزداد اضطراباً. فأصدرت حكومة الانتداب قراراً بإنهاء حكومة تاج الدين الحسيني التي استمرت أربع سنوات رغم وصفها بالحكومة المؤقتة.
في سنة 1934 وعلى أثر المظاهرات والاضطرابات التي رفضت معاهدة السلم والصداقة بين فرنسا وسورية، دعي الشيخ تاج الدين إلى تشكيل حكومة جديدة، فازدادت المظاهرات الغاضبة التي عمت أرجاء سورية، ومضى تاج الدين في سياسته الأولى حتى عام 1936 حيث قدم استقالته بعد أن تأزم الوضع، وكثرت الاعتقالات، وسافر إلى أوروبا ينتقل بين عواصمها، وأنهى تطوافه بإقامته في باريس، وبقي فيها إلى قيام الحرب العالمية الثانية ثم رجع إلى دمشق.
عهد المندوب العام لفرنسا في الشرق في 12أيلول1941 إلى الشيخ تاج الدين الحسيني بمهمة رئاسة الجمهورية السورية، وفي 27أيلول1941 تقدم المندوب العام إلى الحكومة السورية بتصريح خطي يتضمن إعلان استقلال سورية، وقعه تاج الدين الحسيني. في هذه الأثناء عيّنت بريطانيا الجنرال ادوارد وزيراً مطلق الصلاحية لبريطانيا في سورية ولبنان.
اشتد الخلاف بين رئيس الجمهورية تاج الدين ورئيس وزرائه حسن الحكيم، فأصدر مرسوماً بحل الوزارة، وعهد بتأليفها إلى حسني البرازي، وسارت هذه الوزارة مدة ستة أشهر على تفاهم مع رئيس الجمهورية تاج الدين وسلطة الانتداب، إلى أن بدأ الخلاف حول العلاقة مع الانتداب، إذ كان البرازي يصرح بترجيح موالاة بريطانيا، بينما ثابر رئيس الجمهورية على حسن الصلات بفرنسا، ودام هذه الخلاف ثلاثة أشهر كان البرازي خلالها كثير الاتصال بالجنرال البريطاني ادوارد، وتمكن تاج الدين رئيس الجمهورية من إزاحة البرازي وكلف بتشكيل حكومة ثالثة في عهده، وبعد أيام قليلة توفي تاج الدين صريع مرض مفاجئ حار فيه الأطباء في 17ـ كانون ثاني سنة 1943، وأثارت الصحافة الشكوك من حوله إلى حد القول أنه مات مسموماً، خاصة وأن الشيخ تاج الدين كان بين مطرقتين: المطرقة الفرنسية لحمله على عقد معاهدة بين سورية وفرنسا، والمطرقة البريطانية التي كانت تعمل على تحقيق المزيد مما في نفس الشيخ من رفض وإصرار ضد المعاهدة.
لماّ سُئل الأستاذ فارس الخوري عن الشيخ تاج الدين الحسيني وصحة ما كانت تقول عنه الكتلة الوطنية من أنه صنيعة الفرنسيين وممالئلاً لسياستهم الاستعمارية أجاب: (لم يكن تاج الدين كذلك، ولكنه كان وطنياً سورياً مخلصاً وعاملاً باراً في الحقل العام.. إلا أنه كان يختلف عنا معشر رجال الكتلة بالاجتهاد، فيقول ليس بالإمكان أبدع مما هو كائن، ولذا فإنه كان يتظاهر بالتفاني بصداقته للفرنسيين لجلب أكبر نفع لبلاده، ودرء ما يمكنه درؤه من الضرر، إضافة إلى أنه كان عمرانياً كبيراً خلّف آثاراً كثيرة في مختلف أنحاء الوطن السوري ناطقة بفضله) كما سُئل فارس الخوري عما إذا كان راضياً بدخول شقيقه فائز الخوري في الحكم كوزير للخارجية السورية في عهد الشيخ تاج الدين غير الدستوري عام (1941ـ1943) فأجاب: طبيعي أنني كنت راضياً وإلا لما كان دخل في الحكم.
هذه المعلومات أخذت بتصرف عن:-
ـ (الموسوعة التاريخية الجغرافية)، مسعود خوند، لبنان 1997، جزء 10، ص (194، 58، 59، 60، 61، 65).
ـ (مذكرات أكرم الحوراني)، القاهرة، طبعة أولى 2000، ص (82).
ـ (موسوعة الأعلام)، خير الدين الزركلي، دار العلم للملايين، بيروت، الطبعة الخامسة، 1980، المجلد السابع ص(82،83)
ـ (تاريخ علماء دمشق في القرن الرابع عشر الهجري)، شكري فيصل، دار الفكر، دمشق، الطبعة الأولى 1986، الجزء الثاني ص(576ـ 578).
ـ (فارس الخوري)، محمد الفرحاني، مطبعة دار الغد، لبنان،بيروت 1964، ص(400).
إبراهيم إسماعيل
29-10-2007, 07:11 PM
أديب الشيشكلي
هو أديب بن حسن الشيشكلي، ولد عام1909 في مدينة حماه في سورية، من عائلة كبيرة ومعروفة، نشأ فيها وتخرج بالمدرسة الزراعية في سلمية، ثم بالمدرسة الحربية في دمشق، تطوع في جيش الشرق الفرنسي، ثم انتقل مع غيره من الضباط إلى الجيش السوري، شارك في معركة تحرير سورية من الفرنسيين سنة 1945، ثم كان على رأس لواء اليرموك الثاني بجيش الإنقاذ في فلسطين سنة 1948، اشترك مع حسني الزعيم في الانقلاب الأول في (30 آذار/1949)، لكنهما اختلفا فصرفه الزعيم من الخدمة، كما اشترك مع الحناوي في الانقلاب الثاني في (14 آب/1949) والذي عينه قائداً للواء الأول برتبة عقيد، لكن الشيشكلي لم يحقق في الانقلابين طموحه الشخصي، فهو مغامر يتطلع إلى السلطة ويبحث عن سلم يوصله إلى قمتها بأسلوب بارع ومقبول من الجماهير. له شقيق هو النقيب صلاح الشيشكلي عضو في الحزب القومي السوري الاجتماعي، وبحكم هذا الواقع ارتبط الشيشكلي بصلات قريبة مع العقيد أمين أبو عساف والنقيب فضل الله أبو منصور اللذين ساهما في اعتقال سامي الحناوي، ومهدا الطريق لأديب الشيشكلي المسيطر على مجلس العقداء، لمنازعة رئيس الدولة هاشم الأتاسي على السلطة، حيث أصدر الشيشكلي في صباح (19 كانون الأول/1949) بلاغاً بتوقيعه، أكد فيه إقصاء سامي الحناوي وأسعد طلس عن القيادة، لتآمرهم على سلامة الجيش وكيان البلاد ونظامها الجمهوري.
عُرف عهد الانقلاب الثالث بعهد الحكم المزدوج (أديب الشيشكلي وهاشم الأتاسي)، ولما كان الشيشكلي عضواً في مجلس العقداء ومسيطراً عليه فقد حل هذا المجلس وألّف بديلاً عنه مجلساً أسماه المجلس العسكري الأعلى.
وهكذا دخلت البلاد في عهد الانقلاب الرابع. ففي ليل 31 تشرين الثاني/1951 تمت خطوة الشيشكلي الحاسمة في الطريق إلى الحكم إذ اعتقل رئيس الوزراء معروف الدواليبي وزج به وبمعظم أعضاء وزارته في السجن، واعتقل رئيس مجلس النواب وبعض النواب، فما كان من رئيس الجمهورية هاشم الأتاسي إلا أن قدم استقالته. بعد ذلك أذيع البلاغ العسكرية رقم (1) بتاريخ (2 كانون الأول/1951) جاء فيه (إن المجلس الأعلى بناء على استقالة رئيس الجمهورية وعدم وجود حكومة في البلاد يأمر بما يلي:-
يتولى رئيس الأركان العامة ورئيس المجلس العسكري الأعلى مهام رئاسة الدولة، ويتولى كافة الصلاحيات الممنوحة للسلطات التنفيذية.
تصدر المراسيم اعتباراً من (2 كانون الأول/1951) من رئيس الأركان رئيس المجلس العسكري الأعلى.
كتب مراسل مجلة (آخر ساعة) المصرية محمد البيلي بتاريخ 10/2/1951مقالاً جاء فيه: (... شيء واحد يجب أن لا يغيب عن البال: أن العقيد أديب الشيشكلي هو الرجل الحديدي في سورية، لقد استطاع أثناء هيمنته على المدنيين أن يتخلص من مناوئيه، فدبر اغتيال العقيد محمد ناصر قائد سلاح الطيران على يد العقيد إبراهيم الحسيني، ثم اغتيل سامي الحناوي في لبنان وأخيراً نفي العقيد إبراهيم الحسيني رئيس المكتب الثاني إلى باريس.. و..و.. وهكذا فرط الزعيم عقَد مجلس العقداء، وبات يحكم البلاد عبر حفنة من الملازمين الأوائل، بينما فُرضت الرقابة العسكرية على جميع الضباط المناهضين للشيشكلي).
انصب اهتمام الشيشكلي نحو ترسيخ جذور الانقلاب الرابع في البلاد عبر حكم عسكري مباشر واجهته الزعيم (فوزي سلو) بعد تعيينه رئيساً للدولة وحقيقته العقيد أديب الشيشكلي رئيس الأركان، وأصدر مرسوماً بحل البرلمان، وآخر بتولي الأمناء العامين في الوزارات صلاحية الوزراء، ريثما يتم تشكيل حكومة جديدة. كما أصدر مرسوماً آخر بإلغاء جميع الأحزاب السياسية، وآخر بتوحيد الصحف وجعلها أربعة صحف تصدر في دمشق وحمص وحلب والجزيرة.
استمر الحكم العسكري المباشر بقيادة العقيد أديب الشيشكلي مدة ستة اشهر، وخلال هذه المدة أراد الشيشكلي الرد على الحملات العربية، ومعارضة الأحزاب والسياسيين لانقلابه بتحقيق إصلاحات سياسية واقتصادية واجتماعية في البلاد، للبرهان على أن ما حققه العسكريون خلال ستة أشهر لم يحققه السياسيون خلال ست سنوات منذ الجلاء. فقد صدر عن رئيس الدولة (257) مرسوماً، تناولت تنظيم الحياة الداخلية في البلاد، فبدأت هذه المراسيم بقانون إلغاء الأحزاب وقانون جمع الصحف، وقانون منع انتماء الطلاب والمعلمين والموظفين والعمال إلى الأحزاب السياسية أو الاشتغال بالسياسة، وصدر قانون لتنظيم الشؤون المالية اعتمد على مبدأ فرض الضرائب التصاعدية والتخفيف قدر الإمكان من الضرائب غير المباشرة التي تقع على كاهل ذوي الدخل المحدود، وأُلغيت الرقابة على النقد الأجنبي فسمح باستيراده بينما منع خروج النقد المحلي، وصدر قانون الإصلاح العقاري لتنظيم العلاقة بين المالك والمستأجر، وآخر للإصلاح الزراعي يقضي بتوزيع أملاك الدولة على الفلاحين ممن لا أرض لهم، وباشرت الدولة بتوزيع 5 ملايين هكتار على 50 ألف أسرة فلاحية بهدف توطين ربع مليون نسمة.
وبدأت الدولة خططاً لتنفيذ مشاريع الري الكبيرة في البلاد، وأبرزها مشروع تجفيف الغاب، ومشروع اليرموك، وبدأت مفاوضات مع مصرف الإنشاء والتعمير الدولي الذي تسيطر عليه الولايات المتحدة لتمويل خطة الدولة لري 120 ألف دونم، وتوطين 25 ألف أسرة، وقطعت الدولة شوطاً في تنفيذ مشروع مرفأ اللاذقية لتفريغ 800 ألف طن من البضائع سنوياً، ووضعت خطة خمسية لإنجازه، بالإضافة إلى مشاريع الكهرباء وإنارة الريف.
كما أولت الدولة اهتماماً خاصاً بالجيش لزيادة قدراته وتزويده بالأسلحة الحديثة. فاشترت ثلاث سفن حربية فرنسية، وعقدت صفقة لشراء طائرات نفاثة مقاتلة بريطانية ، وأجرت اتصالات مع الولايات المتحدة للحصول على الدبابات والمدفعية، وشجعت أجهزة الإعلام التي تنادي بتجنيد النساء في صفوف القوات المسلحة.
وعلى الصعيد الأمني، شهدت البلاد حالة من الهدوء والطمأنينة. انخفضت نسبة الجرائم وحوادث السرقة والسطو، بينما سارت أمور وزارات الدولة بإشراف الأمناء العامين سيراً حسناُ، وأعلم الشيشكلي مندوبي الدول العربية والأجنبية أن لا حاجة لحصول انقلابه على اعتراف جديد وأنه يكتفي بالاعتراف القائم.
حقق الشيشكلي استقراراً داخلياً لم تشهده البلاد من قبل، ولإزالة طوق العزلة العربي الذي فُرض على نظامه، شن سلسلة من التصريحات ضد إسرائيل، وصلت حد التهديد بشن حرب ضدها، وقال في أحد تصريحاته: (إن الطريق من دمشق إلى الخليل سيكون سالكاً أمام الجيش السوري).
عندما شعر الشيشكلي بتعاظم المعارضة الداخلية لنظامه العسكري، أصدر مرسوم تشكيل وزارة في (6 حزيران/1952) وأعلن بعد تشكيل الوزارة بأن الجيش سيدعم مشاريع الحكومة دون التدخل بشؤونها، وأكد بأن هذه الحكومة مؤقتة مهمتها إيصال البلاد إلى الانتخابات النيابية في إطار قانون جديد للانتخابات يفتح السبيل أمام تمثيل حقيقي للشعب.
اعتمد الشيشكلي على أنصاره من الحزب القومي السوري، ودعا إلى تأسيس حزب جديد باسم (حركة التحرير العربي) حتى يكون الحزب الوحيد في البلاد استعداداً لخوض الانتخابات، وبعد الإعلان عن تأسيسه، بدأ الشيشكلي عقد اجتماعات جماهيرية لإلقاء الخطب الطنانة التي تلهب حماس الجماهير وتجعل تحرير فلسطين في متناول اليد. ولما اطمأن إلى قاعدته الجماهيرية وجهازه الإعلامي، التفت لتنظيم جهاز القمع، وبدأت حملة الاعتقالات والتعذيب ضد كل من يعارض العقيد شملت الطلاب والمدرسين ورجال السياسة وقادة الأحزاب والأقلام الحرة، وعندما شعر الشيشكلي بأن الساحة خلت له ولحزبه دعا إلى إجراء الانتخابات النيابية في (10 تموز/1953)، وفاز حزب التحرير العربي بـ 83 مقعداً، وبعد أن وضع دستوراً جديداً للبلاد، انتخب رئيساً للجمهورية طبقاً لأحكام هذا الدستور، وهكذا مهد لمرحلة فرض الديمقراطية من خلال الديكتاتورية العسكرية. أما قيادة الأحزاب السياسية المعارضة فقد ألّفت جبهة شعبية معارضة تصدت لسياسة الشيشكلي عبر المظاهرات الطلابية والعمالية والفلاحية، وبدأت معركة المعارضة في دمشق بإلقاء المتفجرات، وأًعلن العصيان في جبل الدروز، فقاومه الشيشكلي بالدبابات والطائرات، فزاد من النقمة على النظام، ثم تنادى السياسيون من الأحزاب والهيئات إلى عقد اجتماع في حمص لعقد (ميثاق وطني) فيما بينهم، ووجهوا إنذار إلى الشيشكلي لإعادة الأوضاع الدستورية والإفراج عن المعتقلين السياسيين ووقف الحرب الأهلية في جبل العرب. وكان رد العقيد على الإنذار باعتقال كل من وقع عليه، وشهدت البلاد حالة من الاضطراب والمظاهرات الطلابية، قاومها رجال الأمن بالعنف والقنابل المسيلة للدموع، وعطلت الدراسة في المدارس، وعمت المظاهرات المدن السورية وهي تنادي بسقوط الديكتاتورية وإلغاء البرلمان، وعودة الحياة الدستورية إلى البلاد، فكانت التمهيد الشعبي المناسب لإسقاط الشيشكلي وبدء الانقلاب الخامس.
ولما شعر الشيشكلي بأن زمام الأمور أًفلت من يده، كلف أحد أعوانه بالاتصال مع الحكومة اللبنانية لقبوله كلاجئ سياسي ثم اتخذ ترتيبات مغادرته لسورية وسطر كتاب استقالته وسلمه للزعيم شوكت شقير، وتوجه إلى بيروت في 25 شباط/ 1954 ناجياً بنفسه إلى المملكة العربية السعودية حيث ظل لاجئاً إلى أن توجه سنة 1957 إلى فرنسا، وحُكم عليه غيابياً بتهمة الخيانة فغادر باريس سنة 1960 إلى البرازيل حيث أنشأ مزرعة وانقطع عن كل اتصال سياسي، إلا أن شخصاً مجهولاً يُظن أنه من رجال الدروز فاجأه في شارع ببلدة سيريس في البرازيل وأطلق عليه النار فقتله.
المراجع:
ـ (الموسوعة التاريخية الجغرافية)،مسعود الخوند، طبع في لبنان، الجزء العاشر ص(186ـ 188).
ـ (موسوعة السياسة)، د. عبد الوهاب الكيالي وآخرون، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، الطبعة الأولى 1979، ص(118).
ـ (الأعلام)، خير الدين الزركلي، دار العلم للملايين، بيروت، الطبعة الخامسة 1980، الجز الأول، ص(285،286).
ـ (سوريا 1918ـ 1958 التحدي والمواجهة)، وليد المعلم، دمشق، الطبعة الأولى 1985، ص(133ـ 170).
إبراهيم إسماعيل
29-10-2007, 07:12 PM
هاشم الأتاسي
هو هاشم بن خالد بن محمد بن عبد الستار الأتاسي، ولد في حمص عام 1875 في بيئة دينية علمية، وتلقى علومه الابتدائية والثانوية فيها، ثم في المدرسة الملكية بالأستانة ونال إجازة في الإدارة، وتدرج في مناصب الإدارة في العهد العثماني ، إذ عُين مأموراً بمعية والي بيروت عام 1894، ثم قائم مقام عام 1897 ثم صار متصرفاً عام 1913، وعُين في حماه وعكا والأناضول، وكان ناجحاً فيها جميعاً بمقدرته ونزاهته وأخلاقه الرفيعة. ويذكر أنه كان منتسباً للجمعية العربية الفتاة لمناهضة أعمال التتريك للعرب.
في العهد الفيصلي اختير عضواً في المؤتمر السوري الأول عام 1919، ثم انتخب رئيساً له عام 1920. تولى رئاسة الوزراء مدة قصيرة أواخر أيام فيصل 30/5/1920 فكانت في أيامه معركة ميسلون حيث دخل الفرنسيون دمشق، فاستقال هاشم الأتاسي وعاد إلى حمص. وفي 25 أيار من العام نفسه اعتقله الفرنسيون لمدة أربعة أشهر في جزيرة أرواد ثم أطلقوا سراحه.
اختير هاشم الأتاسي رئيساً للكتلة الوطنية لدى تشكيلها عام 1927، وظل رئيساً لها حتى انشقاقها، والتي لعبت دوراً بارزاً في الحياة السياسية في ذلك الوقت. وفي نيسان 1928 انتخب نائباً عن حمص في الجمعية التأسيسية ثم رئيساً لها، وهي التي صاغت دستوراً عطل الانتداب الفرنسي أهم مواده بالمادة الملحقة (116) والتي أُضيفت إليه بحيث عطل مضمونها جوهر الدستور من حيث تركيزها على أمور كثيرة لا تصبح ناجزة إلا بعد اتفاق بين الحكومتين الفرنسية والسورية.
ترأس هاشم الأتاسي مؤتمراً وطنياً في 23/10/1927، أي أعقاب الثورة السورية مباشرة، واتخذ المؤتمر موقفاً شجاعاً كان استمراراً سياسياً للثورة السورية الكبرى، التي بدأت أحداثها تتراجع بعد التعب الشديد الذي أصاب الثوار وانقطاع المدد عنهم، والوساطات الفرنسية لوقف الثورة، والمفاوضة بين فرنسا والشعب السوري، وكان هذا المؤتمر قد أعلن في بيان شجاع استمرار المطالبة باستقلال سورية ووحدة أراضيها.
أُعيد انتخاب الأتاسي في مجلس النواب عام 1932 بالتزكية عن حمص، فقاد مجموعة النواب الوطنيين لإحباط التصديق على معاهدة رئيس الوزراء حقي العطم والمفوض الفرنسي (دو مارتيل) والتي وصفت بأنها: (معاهدة سلم وصداقة بين فرنسا وسوريا المستقلة ذات السيادة). وفي 22 كانون الثاني عام 1936 بدأ (دو مارتيل) مفاوضاته مع هاشم الأتاسي بصفته أبرز الزعماء الوطنيين وتقرر إرسال وفد منهم إلى باريس حيث يتفق مع وزارة الخارجية الفرنسية على دستور يضمن لسورية استقلالها ووحدتها بموجب معاهدة تعقد بين البلدين.
ذهب هاشم الأتاسي بصحبة عدد من الوطنيين في عام 1934 في مهمة وساطة بين السعودية واليمن اللتين كانت الحرب بدأت بينهما، وقد نجحت وساطتهم ووقفت الحرب.
ترأس هاشم الأتاسي الوفد السوري إلى المفاوضة في باريس عام 1936، وخرج بمعاهدة تضمنت تسع مواد تنص على مختلف أوجه التعاون بين دولتين حليفتين وعلى إسقاط المسؤوليات المترتبة على الحكومة الفرنسية، وانتقالها إلى الحكومة السورية فور وضع المعاهدة موضع التنفيذ... لكنها لم تأت على ذكر الانتداب ولا على موعد انتهائه وانسحاب الجيش الفرنسي من البلاد والاستقلال الناجز، وتضمنت المعاهدة أيضاً ثماني مواد تدور جميعها حول التعاون العسكري.
انتخب المجلس النيابي هاشم الأتاسي ـ رئيس الكتلة الوطنية ونائب حمص ـ رئيساً للجمهورية في كانون الأول عام 1936 وذلك بعد استقالت محمد علي العابد، وبقي في منصبه حتى استقالته في تموز عام 1939 عندما نقض الفرنسيون المعاهدة وأبطلوا النظام الجمهوري وتم سلخ لواء الاسكندرون وضمه إلى تركيا.
تولى هاشم الأتاسي حكومة انتقالية لإعادة الأوضاع الدستورية والاستقرار في البلاد بعد الانقلاب الثاني الذي قام به الزعيم سامي الحناوي في 14 آب 1949، إلى ما بعد انتخاب الجمعية التأسيسية. وبعد انتخاب الجمعية التأسيسية أعيد انتخاب هاشم الأتاسي رئيساً للجمهورية عام 1950.
إلا أنه استقال احتجاجا على تدخل أديب الشيشكلي في شؤون الدولة، وعارض حكمه ورعى مؤتمراً من الأحزاب في حمص لمناهضته ونشر بيان باسمه، وبعد الإطاحة بحكم الشيشكلي أُسندت رئاسة الجمهورية إلى هاشم الأتاسي لاستكمال مدته الدستورية فاستمر حتى انتهت مدة ولايته في أيلول/1955، فاعتكف في داره بحمص إلى أن توفي في 6/12/1960، ودفن في حمص.
عرف هاشم الأتاسي بنقاء السيرة والنزاهة والإخلاص، وكان دائماً في مقدمة الصف الوطني صلابة ومركزاً واحتراماً، ومقدرة على معالجة الأمور باستقامة. وإذا لم يرتح ضميره إلى موقف، غادر الحكم بشجاعة وبلا تردد.
هذه المعلومات أخذت بتصرف عن كتاب:-
ـ وليد المعلم (سوريا 1918ـ 1958)، دمشق، الطبعة الأولى 1985، ص (5ـ133).
ـ خير الدين الزركلي (الأعلام، دار العلم للملايين، بيروت، الجزء الثامن، الطبعة الخامسة 1980، ص (65).
ـ مسعود الخوند (الموسوعة التاريخية الجغرافية، لبنان، 1997، الجزء العاشر، ص(60، 61،166).
ـ عبد الوهاب لكيالي (موسوعة السياسة، بيروت، طبعة أولى 1994، الجزء السابع، ص(28).
ـ حسن السبع (ذاكرة عربية للقرن (1900ـ 2000)، المركز العربي للمعلومات، بيروت، 2000، ص(102).
ـ نجاة حسن القصاب (صانعو الجلاء في سورية، شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، بيروت، الطبعة الأولى 1999، ص(101ـ 108).
إبراهيم إسماعيل
29-10-2007, 07:13 PM
محمد علي العابد
هو محمد علي بن أحمد عزت بن محيي الدين أبو الهول ابن عمر بن عبد القادر العابد، ولد في دمشق عام 1867. والده أحمد عزت العابد، ولد في دمشق وتلقى علومه فيها ثم تابع في بيروت، وأتقن الفرنسية والتركية بالإضافة إلى لغته العربية. عُين مفتشاً للعدلية في سورية واعتبر واحداً من أشهر سياسي عهد انهيار السلطة العثمانية عدّ في بدء أمره من أنصار الإصلاح، وأصدر جريدة أسبوعية بالعربية والتركية أسماها (دمشق). ثم سافر إلى الأستانة وخدم السلطان عبد الحميد الثاني فأصبح مستشاره الأقرب خصوصاً فيما يتعلق بسياسة السلطان الأوروبية، حيث أعانه عزت العابد على انتهاج سياسة تحول دون اتفاق الدول الأوروبية على البلاد. كثرت فيه أقوال الناس بين معجب بدهائه وبين ناقد يتهمه بالاشتراك في استبداد الحكومة العثمانية. من أهم ما هو معروف عن عزت العابد مسعاه الدؤوب لإنشاء سكة الحديد الحجازية، غادر البلاد العثمانية بعد انقلاب 1908، فذهب إلى لندن ثم أخذ يتنقل بين إنكلترا وسويسرا وفرنسا إلى أن استقر في مصر وتوفي فيها عام 1924 فنقل جثمانه إلى دمشق.
نشأ محمد العابد في دمشق، وتعلم القراءة والكتابة في معاهدها الابتدائية ثم انتقل إلى المدرسة الإعدادية في بيروت، وبعد أن نال شهادتها انتقل إلى الأستانة لاحقاً بأسرته، فدخل مدرسة غلطة سراي، ثم أُرسل إلى باريس فدخل كلية الحقوق ونال شهادتها. عاد إلى الأستانة فعُين في قلم المستشار القضائي لوزارة الخارجية. ثم درس أصول الفقه الإسلامي بعدما درس الفقه الروماني والتشريع الأوروبي، وظل يتدرج في مناصب وزارة الخارجية بفضل نفوذ والده وقربه من السلطان حتى عُين سنة 1908 وزيراً مفوضاً للدولة العثمانية في واشنطن، فقصدها مع زوجته وأولاده.
لم تطل إقامة محمد علي العابد في واشنطن، بل اضطر أن يغادرها على أثر إعلان الدستور العثماني يوم 23 تموز عام 1908، وفرار والده من الأستانة بباخرة خاصة خوف فتك الشعب به، وشعر محمد علي وهو في واشنطن بما شعر به والده من الخوف من الأستانة فغادرها سراً، ومنها قصد كاليفورنيا وركب البحر متخفياً وانضم إلى والده وظلا يتنقلان مع أسرتيهما بين سويسرا وفرنسا وإنكلترا ومصر حتى وضعت الحرب العالمية أوزارها، فقدما مصر وفيها توفي والده.
انتقل محمد علي إلى دمشق في صيف 1920 بعدما تم للفرنسيين الاستيلاء عليها، ولما أنشأ الجنرال غورو الاتحاد السوري سنة 1922 عينه وزير مالية له، فظل في هذا المنصب نحو سنة ثم غادره لإلغائه.
أجاد العابد عدا لغته العربية اللغتين التركية والفرنسية إجادة تامة، وهو محيط بتاريخ الأدب الفرنسي وبالعلوم الاقتصادية فلا يكاد يفوته الإطلاع على شيء، يكتب في جميع هذه العلوم تقريباً. وكذلك فهو يفهم الإنجليزية والفارسية ويستطيع التفاهم بهما.
انتخب محمد علي العابد في 30 نيسان 1932 نائباً عن دمشق بصفته أحد مرشحي السلطة الفرنسية وفي يوم 11 حزيران من السنة نفسها انتخب رئيساً للجمهورية السورية وقد تميز عهده بخضوع الدولة للسلطات الفرنسية، حيث كانت الإرادة الشعبية والوطنية مغيبة.
ظل محمد علي العابد رئيساً للجمهورية السورية حتى عام 1936 حيث استقال ثم غادر البلاد إلى باريس، وتوفي في عام 1939 فنقل جثمانه إلى دمشق. وقد استمر في منصبه رئيساً للجمهورية أربع سنوات وست أشهر وعشرة أيام.
المراجع:
ـ (ملوك المسلمين والمعاصرين ودولهم)، أمين محمد سعيد، مكتبة مدبولي، 1999، ص(337ـ 351).
ـ (الموسوعة التاريخية الجغرافية)، مسعود الخوند، بيروت، 1997 الجزء العاشر، ص(227).
ـ (موسوعة السياسة)، عبد الوهاب الكيالي، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، الطبعة الأولى، 1990، المجلد السادس، ص(97).
ـ (موسوعة الأعلام)، خير الدين الزركلي، دار العلم للملايين، بيروت، الطبعة العاشرة، 1992، المجلد السادس، ص(304).
إبراهيم إسماعيل
29-10-2007, 07:14 PM
حسني الزعيم
هو حسني ابن الشيخ رضا بن محمد بن يوسف الزعيم. ولد في حلب عام 1897، كان والده مفتياً في الجيش العثماني، وكان فاضلاً من رجال العلم، استشهد في هجوم على قناة السويس في الحرب العالمية الأولى سنة 1915. أما والدته فكردية، وله شقيقان: الأول الشيخ صلاح الزعيم والثاني بشير الزعيم.
درس حسني الزعيم في المدرسة الحربية بالأستانة، وقبل أن يتم دراسته جُعل من ضباط الجيش العثماني، اعتقله البريطانيون في الحرب العالمية الأولى. ثم تطوع في الجيش الفيصلي الذي دخل دمشق وحارب العثمانيين، وفي عهد الانتداب الفرنسي تطوع في الجيش الفرنسي، وتابع علومه العسكرية في باريس. بعد وصول قوات فيشي إلى سورية انقلب على الديغوليين، وحارب ضدهم، وفي عام 1941 اعتقله الديغوليون، وأُرسل إلى سجن الرمل في بيروت حتى 17 آب 1943، حيث أُفرج عنه، وسُرح من الجيش وهو برتبة كولونيل (عقيد).
منذ عام 1945 ظل يتردد على السياسيين وأعضاء مجلس النواب لإعادته إلى الجيش، فتعرف على رئيس تحرير صحيفة (ألف باء) نذير فنصة، الذي توسط له وأعاده إلى الجيش، فعين رئيساً للمحكمة العسكرية في دير الزور، ثم انتقل إلى دمشق مديراً لقوى الأمن. وفي أيلول 1948 أصدر رئيس الجمهورية مرسوماً بتعيين الزعيم قائداً للجيش بعد ترفيعه إلى رتبة زعيم.
تطورت العلاقة بين الزعيم ونذير فنصة، بعد زواج الزعيم من شقيقة زوجته. عرف عنه إدمانه على شرب الخمر، ولعب القمار، وحب الظهور والمغامرة بصورة مسرحية ملفتة للانتباه، أصيب بمرض السكري الذي جعله عصبي المزاج متهوراً.
كان الزعيم منذ صغره تواقاً للسلطة. له كلمة مأثورة: (ليتني أحكم سورية يوماً واحداً ثم أُقتل بعده).
يعتبر حسني الزعيم، صاحب أول انقلاب عسكري في تاريخ سورية المعاصر، ففي ليلة 30 آذار 1949 قام بانقلابه متفقاً مع بعض الضباط، فاعتقل رئيس الجمهورية شكري القوتلي، ورئيس وزرائه وبعض رجاله، وحل البرلمان، وقبض على زمام الدولة وتلقب بالمشير. وألّف وزارة، ودعا إلى انتخابه رئيساً للجمهورية، فانتخبه الناس خوفاً في 26 حزيران 1949، وكان يحكم وقد وضع له غروره نصب عينيه صور نابليون وأتاتورك وهتلر.
يقول أوين في كتابه (أكرم الحوراني): (لقد تأكد حديثاً بعد السماح بنشر بعض الوثائق السرية، وبعد ما يقرب من أربعين عاماً من انقلاب حسني الزعيم تورط الولايات المتحدة بأول انقلاب عسكري في العالم العربي، وكان قد أُشيع لسنوات بأنها ساندت انقلاب حسني الزعيم، كما كان مايلز كوبلند عضو المخابرات المركزية السابق قد ذكر في كتابه لعبة الأمم عن المساعدات الأمريكية لحسني الزعيم. ولكن روايته لم تؤخذ آنذاك على محمل الجد، واستناداً لما كتبه فإن سورية كانت على حافة اضطراب سياسي عنيف، بينما كانت حكومة الكتلة الوطنية عمياء عنه. ورأى السفير الأمريكي في سورية أن الأوضاع ستأخذ أحد مجرين: إما احتمال قيام الانتهازيين قريباً مع مساعدة السوفييت بانتفاضة دموية، أو أن يسيطر الجيش على السلطة بمساعدة الأمريكيين السرية للمحافظة على النظام، إلى حين إحداث ثورة سلمية. ويقول المؤلف أيضاً: وهكذا شرعت المفوضية الأمريكية بالقيام بعملية هدفها تشجيع الجيش السوري على القيام بانقلاب، من أجل الحفاظ على سورية من الاختراق السوفييتي، وجلبها إلى طاولة السلام مع إسرائيل، ولم يكن حسني الزعيم الخيار الأول لفريق العمل السياسي الأمريكي المشرف على العملية، ولكنه أصبح هدفها لأنه لم يكن هناك الكثير مما يمكن عمله، لقد رأى فيه الأمريكيون نواحي إيجابية عديدة، فقد كانت له مواقف شديدة العداء للاتحاد السوفييتي، وكان يرغب في الحصول على مساعدات عسكرية أمريكية، بالإضافة لكونه مستعداً لعمل بناّء بخصوص (القضية الفلسطينية)، واستناداً للوثائق السرية التي سمح بنشرها التقى الزعيم حسني الزعيم مرات مع مسؤول من السفارة الأمريكية، للنقاش حول الانقلاب، وقد بدأت هذه اللقاءات في أواخر 1948، وانتهى الإعداد للانقلاب أوائل 1948، وفي شهر آذار من العام نفسه تقدم حسني الزعيم بطلب المساعدة من الأمريكيين للقيام بانقلابه).
دفع حسني الزعيم ثمناً للدول الكبرى لاعترافها به، اتفاقياتٍ تخولها إقامة نفوذ ومصالح لها في سورية، ففي 30 حزيران سُمح لشركة التابلاين الأمريكية أن تمارس عملها، وأن تنشئ المطارات وسكك الحديد وأن تشتري البضائع وتقيم المنشآت المعفاة من الرسوم والضرائب مقابل حصول سوريا على مبلغ 20ألف إسترليني سنوياً.
كما صادق على الاتفاق الموقع بين سوريا وشركة المصافي المحدودة البريطانية، بشأن المصب في بانياس لتصدير البترول العراقي، ونصت الاتفاقية حصول الشركة على امتياز لمدة سبعين عاما لإنشاء وصيانة مصفاة أو مصافي في الأراضي السورية، على أن تؤول ممتلكات الشركة في سورية إلى الحكومة السورية بعد أن تنتهي مدة الامتياز، وتتعهد الحكومة السورية لقاء العائدات بإعفاء الشركة من الضرائب والرسوم وعدم انتزاع الأراضي التي تمتلكها طول مدة الامتياز. وتتعهد الحكومة بإعطاء الشركة أفضلية في الموانئ السورية كما لها الحق في إنشاء وصيانة ميناء أو موانئ في سورية لأغراض المشروع، وأن تضع عوامات لربط السفن وتنشئ إشارات وأضواء على الشاطئ وحواجز لصد الأمواج. ولها حق إنشاء السكك الحديدية، والطرق البرية وإنشاء وصيانة شبكات هاتفية وبرقية ولاسلكية، وتتعهد الحكومة بمنح موظفي الشركات الأجانب تسهيلات خاصة لتنقلاتهم عبر مراكز الحدود. وتحصل الحكومة على عائدات نسبية (6 مليون جنيه عن 2 مليون طن نفط الأولى، و10 مليون عن 4 مليون الأولى و13 مليون جنيه عن 6 ملايين طن فما فوق).
كما صادق حسني الزعيم على الاتفاقية بين الحكومة السورية وشركة خطوط أنابيب الشرق الأوسط المحدودة البريطانية، لنقل النفط العراقي عبر أنابيب مارة في سورية إلى البحر الأبيض المتوسط. وقد حصلت هذه الشركة على امتياز لمدة سبعين سنة أيضاً لمد وصيانة خط أو خطوط الأنابيب من الحدود السورية ـ العراقية شرقاً وحتى البحر الأبيض غرباً. وتضمنت الاتفاقية بنوداً مشابهة لبنود الاتفاقية الموقعة مع شركة المصافي المحدودة.
وفي 7 تموز 1949 سلم الزعيم الحكومة اللبنانية (أنطون سعادة) زعيم الحزب القومي السوري الاجتماعي، الذي التجأ إليه وكان محكوماً عليه بالإعدام، ليتم إعدامه في 8 تموز، مما أثار سخط السياسيين وعامة المواطنين عليه.
فقد الزعيم في غضون ثلاثة أشهر معظم شعبيته، وأثار عداء مختلف فئات المواطنين. فسياسته الموالية للغرب أثارت عليه الفئة المحايدة، وتصرفاته الرعناء جلبت عليه سخط الزعماء الدينيين وأتباعهم من المدنيين، وأساليبه الأوتوقراطية قوضت آماال الليبراليين. والأهم من ذلك كله أنه خلق سخطاً بين الضباط بتعيينه اللواء عبد الله عطفة الذي أخفق كقائد للجيش السوري في الحرب الفلسطينية وزيراً للدفاع، وكذلك بترفيعه لكثير من أصدقائه ومؤيديه في الجيش.
وضع حد لحكم الزعيم حين أطاح به خصومه العسكريون ليلة 13 آب 1949. وضُم إليه رئيس وزرائه محسن البرازي ونذير فنصة مستشاره الخاص، واجتمع المجلس الحربي الأعلى برئاسة الزعيم سامي الحناوي، وأجرى محاكمة سريعة لرؤوس العهد، وأصدر حكمه: بإعدام (حسني الزعيم ومحسن البرازي) وبعد لحظات من صدور الحكم نُفذ بهما حكم الإعدام رمياً بالرصاص، وذلك في 14 آب 1949.
هذه المعلومات أخذت بتصرف عن:-
ـ عبد الوهاب الكيالي وآخرون (موسوعة السياسة، بيروت، طبعة أولى 1981، الجزء الثاني ص (539).
ـ خير الدين الزركلي (الأعلام، دار العلم للملايين، بيروت، الطبعة الخامسة 1980، المجلد الثاني ص (228،229).
ـ مسعود الخوند (الموسوعة التاريخية الجغرافية، بيروت، طبعة أولى 1997، الجزء العاشر ص (81، 207ـ 209).
ـ وليد المعلم (سورية 1918ـ 1958، الطبعة الأولى، دمشق 1985، ص (95ـ 115).
إبراهيم إسماعيل
29-10-2007, 07:15 PM
عبد الحميد الزهراوي
هو عبد الحميد بن محمد شاكر بن إبراهيم الزهراوي، ولد بحمص عام 1855، وبدأ دراسته بتعلم اللغة العربية وآدابها، عكف على دراسة اللغة التركية فأتقنها، وأتم دراسته في المكتب الرشدي في حمص، ثم طلب العلوم العقلية والنقلية على أيدي علماء عصره بحمص أمثال: الشيخ عبد الباقي الأفغاني، والشيخ عبد الستار الأتاسي... ولما نضج وعيه واطلع على ما كانت تعانيه البلاد العربية من تخلف وفقر وضعف؛ أصدر في حمص صحيفةس أسماها (الدبور) وكان يطبعها ويوزعها سراً يثير فيها كوامن النفس ويوقظ بها الشعور الوطني، وينتصر للحرية والدستور.
سافر الزهراوي إلى الأستانة عاصمة الدولة العثمانية متاجراً، وهناك اشتغل بتحرير جريدة (معلومات) مع صديقه جميل بك العظم صاحب الصحيفة فأخذ يكتب المقالات التي يستمدها من تاريخ الأمة، وينبه إلى سوء الحالة التي رانت على البلاد والعباد.
بعدما انتصرت بريطانيا في حرب البوير المعروفة، ذهب الزهراوي مع لفيف من الأدباء والكتاب العثمانيين لتهنئة السفير البريطاني، فاجتمع به وجرى بينهما حديث لمساعدة الحركة القومية ضد الدولة، وقد تنبه السلطان عبد الحميد إلى هذه العلاقة المريبة فأعاده بلده، فانكب على الدرس والكتابة والحركة الفكرية، وألف رسالته المشهورة (الفقه والتصوف) التي حمل بها على بعض الاعتقادات السخيفة، فما كان من بعض الجامدين في دمشق إلا أن سعوا به إلى الوالي (ناظم باشا) الذي أرسله إلى الأستانة مكبلاً، وهناك توسط في أمره أبو الهدى الصيادي (شيخ السلطان عبد الحميد) فأعيد إلى حمص، ومن ثم غادر إلى مصر واشتغل بالصحافة، وبقي هناك حتى أعلن الدستور سنة 1908، فعاد إلى وطنه ممتلئاً حماساً وعزماً على مواصلة الجهاد والنضال ضد أعداء الأمة العربية ممثلة بجماعة الاتحاد والترقي.
انتخب الزهراوي مبعوثاً عن لواء حماه في البرلمان العثماني، فظهرت منه أعمال تدل على استقلال فكره ورأيه ودفاعه عن حقوق الفرق والطوائف في الدولة، واشتد الصراع الحزبي تحت قبة البرلمان حتى قررت الحكومة منع قيام أي جمعية ذات أهداف سياسية.
ساهم عبد الحميد الزهراوي في تأسيس حزب (الحرية والاعتدال) عام 1912، وهو حزب برلماني تشكل من أبناء القوميات التي تتألف منها الدولة العثمانية. وقد توصل هذا الحزب إلى الحكم في الفترة ما بين 1912ـ 1913، كما ساهم الزهراوي في تأسيس حزب الائتلاف المعارض لجماعة الاتحاد والترقي. ثم امتزج الحزبان باسم حزب (الحرية والائتلاف)، فتولى منصب وكيل رئيس الحزب، وفي هذه الفترة أصدر جريدته (الحضارة) وكانت تسير على مبدئه الثابت وهو الاعتدال، حتى أن كبار رجال الاتحاد والترقي كانوا يعجبون من اعتداله مع معارضته لرأيهم.
كان بيته أثناء إقامته في الأستانة محج الناس على اختلاف الأديان واللغات، يستمدون منه آراءه السديدة وكانت هذه الجلسات تستمر إلى ساعة متأخرة من الليل، ومع هذا لا يأخذه ملل مما يدل على سعة صدره وحسن مجلسه، وفي أواخر دورة لمجلس المبعوثان وقع خلاف شديد أدى إلى فض المجلس، وتجديد الانتخاب ثانية فسعت الحكومة الاتحادية إلى إسقاط الزهراوي وغيره من أحرار العرب في الانتخابات.
عاد الزهراوي إلى سورية، فوقعت حرب البلقان وفي أثناء ذلك سافر إلى مصر فانتخب من حزب اللامركزية رئيساً للمؤتمر الذي انعقد في باريس من أجل مطالبة الدولة العثمانية بإعطاء البلاد العربية حقها الدستوري. وذلك لمكانته العلمية والاجتماعية والسياسية، ولمواقفه المشرفة في مجلس المبعوثان، وموافقته للحزب في أهدافه الإصلاحية.
بعد الانتهاء من أعمال المؤتمر مكث الزهراوي في باريس خمسة أشهر لمتابعة قرارات المؤتمر، وفي هذه الأثناء كان يكاتب الحزب ويعمل بمشورته، ثم انتقل إلى الأستانة عاصمة الدولة، وبدأ في المفاوضات الرسمية مع جمعية الاتحاد والترقي من أجل تنفيذ القرارات، وقد أدرك الزهراوي مماطلة الاتحاديين، إلا أن الحكومة الاتحادية استطاعت أن تقنعه أنها بصدد إقامة مدرستين سلطانيتين في دمشق وبيروت وأساتذتهما عرب، وجعل اللغة العربية رسمية في المحاكم والدواوين، كما أصدرت قراراً بتعيينه في مجلس الأعيان، فازدادت ثقته بجماعة الاتحاد والترقي، وبنى آمالاً وطموحات عظيمة خاصة أن الحكومة بدأت تتقرب إلى رجال الإصلاح والشبيبة العربية، وتعمل على إقناعهم بحسن نيتها. وكان هذا التحالف بمثابة استكمال لحلقة المؤامرة (العربية الطورانية) ضد ما تبقى من الهيئة الإسلامية العثمانية.
دافع عبد الحميد الزهراوي عن الاتحاديين في كل مجلس وناد إلى أبعد حد، حتى أن أصحابه عجزوا عن تعديل شيء من أفكاره تجاه الحكومة الاتحادية. وفي أحد الأيام من شهر جمادى الآخرة عام 1916 طُلب عبد الحميد الزهراوي من الأستانة للديوان العرفي في لبنان، وبعد بضعة أيام طلب الخلوة بجمال باشا السفاح، فسمح له دون أن يدري أحد ما دار بينهما من حديث... وفي أوائل شهر أيار من عام 1916، سيق الزهراوي على قطار خاص مع ثلة من رجال العرب الإصلاحيين إلى ساحة المرجة في دمشق، وفي منتصف الليل شد وثاقه كما شد وثاقهم جميعاً، ونصبت مشانقهم. وعندما علق الزهراوي في المشنقة وبعدما أزيح الكرسي من تحت قدميه قطع الحبل، فأعيد إلى المشنقة مرة ثانية وأزهقت روحه.
ترك عبد الحميد الزهراوي عدداً من المؤلفات نذكر منها: (النحو والبلاغة والمنطق)، (الفقه)، (رسالة في الحب والبغض) وكتاب (خديجة أم المؤمنين).
كما أن له مجموعة من المحاضرات والرسائل والخطب والمقالات، وقد صادرتها جماعة الاتحاد والترقي عندما ألقي القبض عليه في الأستانة.
كان ينظم الشعر وله مساجلات لطيفة مع بعض أصحابه تدل على خفة روحه وحسن أسلوبه ودقة معناه.
هذه المعلومات أخذت بتصرف عن كتاب:
ـ (شهداء النهضة العربية) فوزي الخطبا، عمان، 1998، ص(81 ـ 102).
ـ (الأعلام) خير الدين الزركلي، دار العلم للملايين، بيروت، الطبعة العاشرة، 1992، المجلد الثالث، ص(288).
إبراهيم إسماعيل
29-10-2007, 07:16 PM
عارف الشهابي
هو عارف بن محمد سعيد بن جهجاه بن حسين، من أمراء الأسرة الشهابية. ولد عام 1889 في حاصبيا (جنوب لبنان)، نشأ وتعلم في دمشق وانتظم في حلقة دمشق الصغرى التي أسسها عدد من طلاب الفصول النهائية في مدرسة عنبر ـ المدرسة الثانوية الوحيدة في سوريا ـ وهؤلاء الطلبة كانوا يترددون على حلقة الشيخ طاهر الجزائري لحضور الاجتماعات والدروس والندوات، فتم الاتفاق بينهم على إنشاء حلقة سياسية في دمشق عام 1903.
وقد اقتصر هؤلاء في دعوتهم السرية على برنامج سياسي محدود، وهو: مطالبة الدولة العثمانية باتخاذ نظام لا مركزي يضمن للعرب حقوقهم في الحكم، ويجعل في الولايات العربية لغة رسمية في مدارس الحكومة ودواوينها ومحاكمها. وعندما انتقل الشهابي مع عدد من رفاقه للدراسة في استانبول تحولت هذه الحلقة إلى جمعية سياسية قومية، هي جمعية النهضة العربية وكان الشهابي من أوائل أعضائها.
كما شارك الشهابي في تأسيس المنتدى الأدبي، وحصل من الأستانة على شهادتي الحقوق والملكية. وعاد إلى سورية فمارس بعض الأعمال الكتابية والإدارية منها: مأمور معية في ولاية دمشق. وعندما رأى أمور التعليم متردية وأن اللغة العربية بدأت تضعف في المدارس تطوع للتدريس مجاناً في المدرسة العثمانية التي أسسها الشيخ كامل القصاب، يبث في نفوس تلاميذها المبادئ القومية من خلال التاريخ العربي، كما اتجه إلى فن التمثيل في المدرسة من أجل تحريك الشعور الوطني في النفوس، فألف فرقة للتمثيل من بعض الشبان المتنورين الذين يحملون التوجه ذاته، وأوقف ريع هذا المشروع المتطور آنذاك لإعانة الجمعيات الخيرية. كما كان عضواً عاملاً ونشيطاً في البعثات العلمية لإرسال الطلبة الأذكياء لتلقي العلم والمعرفة في أوروبا من أجل إنهاض الوطن وتقدمه.
انتخب عارف الشهابي كاتباً خاصاً لوالي بيروت أدهم بك في عهد الوزارة الائتلافية، فقام في أثناء عمله بخدمة عظيمة لبلاده واستطاع أن يقنع الوالي بعدالة مطالب البيروتيين الإصلاحية، والتي تتلخص في هدف واحد: هو تحقيق الإصلاح على أساس اللامركزية، وأن يتم تخفيض الخدمة العسكرية إلى سنتين على أن تقضى الخدمة أيام السلم في الولاية، وأن تكون العربية اللغة الرسمية في جميع المعاملات داخل الولاية وتكون لغة رسمية كاللغة التركية في مجلس الأعيان والنواب.
تولى عارف الشهابي قائم مقامية النبك من أعمال ولاية الشام، فأعاد النظر في أكثر القضايا والأمور التي كانت مطروحة إذ كان الأمن فيها مختلاً والفوضى شائعة والنظام معتلاً والمعارف اسم بلا مسمى، فأخذ يعيد الأمن إلى نصابه، فاستتبت الأمور وازدهرت المعارف، وانتظمت شؤون تلك الجهات.
عندما دخلت الدولة العثمانية الحرب العالمية الأولى عام 1914، قامت جمعية العربية الفتاة بتحرك واسع، إذ كانت من أكثر الجمعيات والأحزاب العربية قدرة وتنظيماً، والشهابي كان من أبرز أعضائها، فانتخب في مجلس الشورى الجديد استعداداً لمواجهة المرحلة التي افتتحتها الحرب، فبادرت الجمعية إلى تأييد الدولة ضد أعدائها وتناست الصراعات الماضية. وكان الشهابي ينتقد الحكومة فكف عن انتقادها وهب لنصرتها بقلمه جاعلاً المصلحة العامة قبل كل شيء وفوق كل مصلحة إيماناً منه أن الظروف تحتم عليه المساعدة مادامت الدولة في حالة حرب.
وعندما شكل الاتحاديون الحكومة وقاموا بتعطيل الجمعيات الإصلاحية وإغلاق المنتديات، استقال الشهابي من وظيفته واحترف المحاماة وأنشأ له مكتباً خاصاً في دمشق ذاع صيته في المنطقة كلها، وأخذ يراسل جريدة المفيد التي كانت تصدر في بيروت تحت عنوان "ماذا في دمشق" وكان لهذه المقالات وقع كبير على قلوب المستبدين من الحكام والولاة مما جلب له المضايقات والعراقيل.
وفي بداية عام 1914دخل شريكاً في جريدة "فتى العرب" بعد تعرضها لضيق مالي بسبب اضطهاد الحكومة الاتحادية لصاحبها عبد الغني العرّيسي. فجاء الشهابي بيروت وتولى إدارة سياسة الجريدة، ونقل مكتب المحاماة إلى بيروت واشتغل بالمهنتين، وكانت مقالاته في هذه الفترة تعكس مدى إحساسه العميق تجاه القضية المصيرية، ومطالبه بضرورة إصلاح الدولة وتحديث أجهزتها ورجالاتها، وعدم استئثار الاتحاديين بالسيطرة على التعليم العالي. كما طالب برفع مستوى الوعي العام للولايات العربية في سورية اجتماعياً وثقافياً وسياسياً، ونشر الحركة التعليمية في جميع أنحاء البلاد، وأكد أنه من حق أبناء البلاد أن يطلعوا على ما يدور حولهم من آراء وأفكار وتنظيمات وحركات وجمعيات تفتح أذهانهم بصورة عامة، وتواكب هذه المنطقة التقدم العلمي الذي وصلت إليه الدول المتقدمة، كما أنه نبه إلى النفوذ الأجنبي في البلاد العربية وخطره في المستقبل، وكان مبدؤه السياسي العرب والعثمانيين معاً. واستطاع في فترة وجيزة أن يكوّن وعياً عاماً من خلال ما ينشره في المفيد من آراء وأفكار.
وعندما بدأت الاعتقالات تستهدف شباب العرب شعر الشهابي ورفيقه عبد الغني العريّسي بالخطر فتواريا عن الأنظار، وقصد الجوف ولجأ إلى الأمير نواف الشعلان أمير منطقة الجوف لأنه من أعضاء جمعية العربية الفتاة، فأعطاهم هجناً وأرسل معهم أحد رجاله مزوداً بكتاب إلى شهاب الفقير شيخ عشيرة الفقراء التي كانت تقطن بين تبوك ومدائن صالح، يوصيه بهم ويطلب منه إيصاله إلى المدينة. ويبدو أن شهاب طمع بالهجن فخوفهم من الطريق ورغب لهم الذهاب إلى المدينة بالقطار فقبلوا ذلك. ولما وصل القطار إلى محطة مدائن صالح أطل العريّسي والأمير الشهابي من نافذة المركبة وصادف وجود الدكتور أحمد حلمي الترك في المحطة وهو تركي الأصل من أطباء الخط الحجازي، فلما رآهما عرف الأمير عارف الشهابي لأنه رفيقه في مكتب عنبر (التجهيزية)، وتعرف على العريّسي، وكان معه في المحطة ضابط في الجيش فأخبره بالأمر، ثم أخبر مدير الناحية هناك وتم القبض عليهما، وأُخبر جمال باشا بذلك وسيقوا مخفورين إلى الديوان العرفي بجبل عالي في لبنان.
وبتاريخ (6 أيار 1916) كان الأمير عارف الشهابي مع القافلة الثانية من الشهداء التي أُعدمت في ساحة البرج ببيروت، وكان أفرادها قد نقلوا من عالية إلى بيروت وهم ينشدون الأناشيد الوطنية الحماسية معتزين ومتغنين بالقومية العربية.
الأمير عارف الشهابي كان محامياً وكاتباً ومترجماً وقاصاً وصحفياً ومؤلفاً وشاعراً.
المراجع:
ـ (موسوعة الأعلام)، خير الدين الزركلي، دار العلم للملايين، بيروت، الطبعة العاشرة 1992، الجزء الثالث، ص(246).
ـ (شهداء النهضة العربية)، فوزي الخطبا، مطبعة الصفدي، عماّن 1998، ص(179، 192).
إبراهيم إسماعيل
29-10-2007, 07:16 PM
سليم الجزائري
هو سليم بن محمد بن سعيد الجزائري الحسيني، ولد في دمشق عام 1879. نشأ وترعرع في بيت علم وتقوى، فعمه الشيخ طاهر الجزائري أشرف هو ووالده على تربيته، وتفتحت عين سليم الجزائري على ما يدور حوله من نشاطات الحلقة العلمية السياسية، وكان في مقدمتها حلقة عمه المعروفة بحلقة الشيخ طاهر الجزائري الذي عمل مفتشاً للمعارف، وعمل على إصلاح نظم التعليم في سوريا، وجمع رجال العلم والمعرفة والثقافة في دمشق حوله، في حلقة أدبية ثقافية، تدعو إلى تعليم العلوم العصرية، وتعتني بتاريخ العرب وتراثهم العلمي.
تلقى سليم الجزائري تعليمه الأولي في المدارس الابتدائية الأميرية، حيث درس القرآن الكريم والإملاء ومبادئ العلوم، ثم أدخل المكتب الرشدي العسكري حتى يتلقن مبادئ الرجولة والحزم. وبعد الانتهاء من دروسه في المدرسة الحربية، تخرج ضابطاً من ضباط أركان الحرب، فتم تعيينه في الدائرة العسكرية في دمشق، وعندما حدثت الفتنة الشهيرة في اليمن، بعث الجزائري لإخمادها مع عزت باشا الألباني، فسقط أسيراً هو ومجموعة من الضباط، وبقي في الأسر بضعة أشهر عانى فيها معاناة شديدة وذاق ألواناً من البؤس والجوع.
وعلى الرغم من إخلاص الجزائري وتفانيه في خدمة الدولة العثمانية لم ينج من الظلم، ولما حدث الانقلاب العثماني عام 1908، اعتقد الجزائري أن له دوراً جديداً يلعبه هو وزملاؤه في مسيرة الحياة التي بشر بها الانقلاب العثماني والدستور، فكان في مقدمة الضباط السوريين حيث أسندت إليه الشؤون العسكرية في دائرة أركان الحرب، وحقق انتصارات كبيرة في مقدونيا، وكلف بالقضاء على (إبراهيم باشا الملى) الذي كان يدبر مع جنوده مؤامرة، وبعد الانتهاء من هذه الفتنة كان هناك مؤامرة أخرى تحاك لهم في الخفاء، حيث اتهم الجزائري ورجال العهد الجديد بأنهم يطالبون برفع الحجاب عن النساء، فحصلت بلبلة مما دعا إلى اجتماع حافل في حي الميدان من أجل إطفاء هذه الفتنة، وألقى الجزائري خطبة أذهل فيها الحاضرين بما يتمتع به من ثقافة وبلاغة وحسن منطق. وعندما زار الشيخ رشيد رضا دمشق وألقى دروساً في الجامع الأموي، جعل ذلك سبباً للطعن بالجزائري لأنه على حد زعمهم هو الذي كان يشجعه على إلقاء دروسه المخالفة لما اعتادوا عليه، وقد خرج الجزائري من سورية بعد هذه الفتنة وهو يؤمن أن الاتحاديين وأعوانهم كانوا وراء إخراجه حتى يضعفوا الصوت العربي في الجيش العثماني.
سافر الجزائري إلى الأستانة وعين مدرساً لمادة الجغرافيا في المكتب الحربي، وكان لدروسه صدى كبير في نفوس الضباط العرب، وكان يضرب الأمثلة على القيادة العربية من تاريخ العرب المضيء أمثال خالد بن الوليد ونبوغه في القيادة العسكرية،، مما جعل مدير المكتب يتعرض له أكثر من مرة، وكان جواب الجزائري: (إن الأمم التي ليس لها أبطال في القرون الخالية تفتخر بهم يجوز لها أن تستعير الأبطال الغرباء وتتغنى بأسمائهم، وهذا من صفات الأقوام الحقيرة التي لا يأبه لها. والعربي الذي يغفل (خالد بن الوليد) ليتغنى بنابليون هو صعلوك ما ذاق الأنفة ولا عرف عزة النفس).
عندما خرج الجزائري من دمشق ما لبث أن رأى السياسة الاتحادية شبحاً جديداً كان يتراءى له من قبل من حين لآخر بصورة مغشاة بعيدة، لكنه هذه المرة بدا قريباً واضحاً يكاد يلمس باليد. هذا الشبح هو الفتى الطوراني يحمل بيده سكيناً يذبح بها الإنسان العربي في فراشه، وازدادت هذه الصورة وضوحاً لدى الجزائري عندما زار ولاية (أضنة) واطلع على المذبحة الأرمنية التي حدثت هناك في إبريل سنة 1909. فتتبع حركات رجال الثورة واطلع على أناشيدهم الحماسية وهناك نظم أول نشيد عربي حماسي أقبلت عليه المدارس العربية والشارع العربي إقبالاً كبيراً حتى كاد يصير النشيد الوطني أنشودة تغنى على كل لسان عربي آنذاك.
شغل سليم الجزائري في أواخر حياته الكثير من المناصب منها: رئاسة أركان الحرب الفرقة التي استرجعت أدرنة من البلغاريين بعد حوادث في الحرب البلقانية الثانية، وكان الجزائري أول ضابط عربي دخل تلك المدينة بعد وقوعها بيد البلغاريين، ثم صدر أمر تعيينه قائداً لإحدى الآليات فيها. ثم انتخب عضواً في هيئة أركان الحرب في الدردنيل، وساهم مساهمة فعالة في رسم الخطط الحربية من أجل الدفاع عن المضائق ثم تقرر نقله إلى ولاية أزمير بوظيفة لا تتناسب مع مؤهلاته وخبراته بسبب مجاهرته بآرائه التي عالج فيها سياسة العرب والترك، وتصعيده للروح القومية في نفوس الضباط العرب في الجيش العثماني، وكان من مؤسسي الجمعية القحطانية وجمعية العهد وجمعية فتيان العرب والتي تقوم جميعها بالمطالبة بالمساواة بين العرب والترك.
بقي سليم الجزائري في ولاية أزمير حتى عام 1916 حيث صدر أمر تعيينه قائداً لسواحل سورية، فسافر على عجل، ولما وصل إلى عالية في لبنان أبلغه ضابط المحطة أن الديوان العرفي يحتاجه في مسألة بسيطة فذهب معه، وهناك تم تجريده من أسلحته، وبلغ الأمر بتوقيفه، فشعر حالاً بالحيلة وبالموت الذي ينتظره هو وأصحابه أعلام الحرية والفكر والأدب الذين وجدوا داخل السجن، فأخذ ينظم الأناشيد الحماسية في الأمة العربية.
فجر يوم السادس من أيار 1916، سيق الجزائري إلى حبل المشنقة وهو مرتد بزته العسكرية، ولما هم الجلاد بأن ينتزع نظارته صاح به: (إليك يا هذا عني فإني أريد أن أموت وأنا مثل ما كنت آمر جنودي، قل.. لجمال لا يسترسل في السرور إذا رآني أموت، فإن روحي لا تزال حية وستطبع في نفوس العرب محبة الوطن، ثم التفت إلى زملائه وقال: لو متنا على فراشنا لكان لنا أقرباء ميتون على هذه المشانق، حيث يولي ألوف من الرجال والنساء وجوههم شطرنا، وتقوم أمة بأسرها فتبكينا دماً لا دمعاً. وتلك الأمة العربية التي تعظم حياتها بموتنا).
أتقن سليم الجزائري بالإضافة إلى اللغة العربية اللغة التركية والفارسية، وكان مولعاً بالرياضيات، إذ ألف كتاباً في المنطق طبع باسم (ميزان الحق) خرج به على الطريقة القديمة، كما اخترع (بركاراً) لطيفاً يحمل في الجيب لرسم الخطوط المستقيمة والمتوازية والدوائر وغيرها وقرر أن يرسل إلى أوروبا من يسجله له باسمه ولكن الحرب حالت دون ذلك.
المراجع:
ـ فوزي الخطبا (شهداء النهضة العربية، عمان 1998).
ـ خير الدين الزركلي (موسوعة الأعلام، دارالعلم للملايين، بيروت، الطبعة العاشرة، 1992، الجزء الثالث ص(119،120).
ـ عبد الوهاب وآخرون (موسوعة السياسة، المؤسسة العبرية للدراسات والنشر، الطبعة الأولى، 1983، الجزء الثالث ص(235).
إبراهيم إسماعيل
29-10-2007, 07:17 PM
شكري العسلي
هو شكري بن علي بن محمد بن عبد الكريم بن طالب العسلي، ولد في دمشق عام 1868. وأصل العسليين من قرية (يلدة) من ضواحي دمشق، كانوا يعرفون بآل الشرقطلي. وانتقلوا إلى دمشق سنة 1062هـ ولا تزال لهم أوقاف في يلدة.
تلقى شكري العسلي دراسته الأولى في المدرسة البطريكية، ثم في المدرسة البستانية، ومنها إلى المدرسة الكلية الأمريكية ثم مدرسة عين تورا في لبنان، وأتم دراسته العليا في المدرسة الملكية في الأستانة، عاد إلى دمشق ليتدرب على الأعمال الإدارية في ديوان الحكومة. وكان والي دمشق آنذاك (ناظم باشا) فأظهر احتراماً وتقديراً لما وجد فيه من النبوغ والتفوق، كما اعتمد عليه اعتماداً كبيراً في المسائل الداخلية الدقيقة، وفي النواحي الإدارية والمالية، لتكون السنوات الثلاث التي قضاها في ملازمة الوالي مدرسة عملية كبرى استفاد منها الشيء الكثير، فأخذت معارفه وثقافته تنضج، خصوصاً أنه كان يلازم شيوخ عصره، وانتظم في حلقة دمشق الكبرى المعروفة بحلقة الشيخ طاهر الجزائري، وكانت هذه الحلقة تضم نخبة متميزة من رجال الفكر والأدب في دمشق يتدارسون ويتناقشون في قضايا الفكر والأدب، ويدعون إلى تعليم العلوم الحديثة مع الاهتمام بتاريخ العرب وتراثهم الفكري والعلمي، إضافة إلى الاقتباس من العلوم الغربية.
وقد شارك شكري العسلي مشاركة فعالة في هذه الحلقة يستمع ويناقش فيما يدور من نقد لسوء الإدارة، والدعوة إلى المساواة والعدالة والحرية، والتنديد بالحكام واستبدادهم. وعندما أعلن الدستور العثماني عام 1908 كان العسلي في مقدمة المؤيدين لهذه الحركة الفكرية، وقد انتدبته الحكومة لإخماد ثورة في قضاء الطفيلة آنذاك. وولي قضاء الناصرة، ثم انتخب نائباً عن دمشق في مجلس المبعوثان العثماني بالرغم من معارضة الحكومة الاتحادية. وقد بقي العسلي محافظاً على اتحاديته وكان يحسن الظن بهم حتى انكشفت له الأمور على حقيقتها، ورأى بعينيه المؤامرات التي تحيكها زمرة الاتحاد والترقي على العرب، فكان جريئاً في نقد عنصريتهم، ونشر مقالاً شديد اللهجة في صحيفة النبراس ضد الحكومة الاتحادية وآخر في مجلة المقتبس.
كان العسلي من أشد خصوم الصهيونية، ونبه إلى خطرها مبكراً، وقد رفض اقتراح الاتحاديين ببيع ثلاثة ملايين دونم لليهود في فلسطين بمساعدة وزير المالية جاويد، فسقط المشروع بعد أن عارضه العسلي وكشف غاياته وأخطاره. وازداد نقد العسلي للاتحاديين، فضيقوا عليه الخناق في دورة المجلس النيابي التالية حتى أخفق.
وبعدما أعلنت حرب البلقان الناشئة عن طيش الاتحاديين وعدم تمكنهم وترويهم، ظهرت حركة الإصلاح في سوريا وانضم إليها الكتاب والعلماء والأعيان في عامة الأقطار، وكان في مقدمتهم العسلي. وعندما شعرت الحكومة الاتحادية بخطورة مقالات العسلي التي كان ينشرها في جريدة المقتبس، أغلقت الجريدة فاضطر العسلي إلى إصدار صحيفة أخرى أسماها (القبس) والذي يطالع مواد هذه الصحيفة يدرك غزارة المواد التي نشرها العسلي وسعة ثقافته وغزارة علمه.
وقد عُرف عن شكري العسلي أنه لا يحابي في مبدأ، ولا يهادن في الحق، ولا ينظر إلى الأمور من باب الربح والخسارة، إذ رفض تعيينه متصرفاً لمدينة اللاذقية بسبب عدم تنفيذ الحكومة الإصلاحات التي طالب بها أعضاء الجمعيات العربية الإصلاحية، وافتتح مع صديقيه فايز الغصين وعبد الوهاب المليحي مكتباً للمحاماة. ثم عرضت عليه وظيفة مفتشاً ملكياً لولاية حلب ولواء دير الزور، فأرغمه رجال الإصلاح على القبول بها... وقد تميز بهذا العمل.
كان العسلي آية في الذكاء وقوة الذاكرة، يحفظ القصائد الطوال متى تليت على مسمعه مرة أو مرتين فقط. وكان مثالاً للإخلاص والصدق والمحافظة على الآداب غيوراً على المصلحة الوطنية. وقد أجمع كل من رآه بعد الحرب العالمية الأولى أنه كان أخلص الناس للجامعة العثمانية يشهد بذلك ليس العرب فحسب، بل كل من عرفه من الأتراك.
نقم غلاة الأتراك على شكري العسلي، فساقوه إلى الديوان العرفي بعالية في لبنان، ونفذ فيه حكم الإعدام في ساحة الشهداء في دمشق في السادس من أيار 1916، وكان آخر كلام نطق به على سدة المشنقة قوله تعالى: (ولا تحسبن الله غافلاً عما يعمل الظالمون).
نفى جمال السفاح زوجة العسلي بعد إعدامه إلى أقصى بلاد الأناضول، وبعث سائر أعضاء أسرته إلى مجاهيل البلاد التركية.
كان شكري العسلي أديباً وروائياً وشخصية نادرة في عالم الإبداع والسياسة والفكر والإدارة، نبغ منذ فجر شبابه بما يمتلك من ملكات ومواهب وقدرات فائقة جعلته في طليعة رجال عصره... ترك عدداً من الأعمال هي:
ـ (القضاء والنواب ـ ط ) رسالة.
ـ (الخراج في الإسلام ـ ط) رسالة.
ـ (المأمون العباسي ـ خ) قصة.
ونشر كثيراً من المقالات في الصحف والمجلات تعالج قضايا اجتماعية وأدارية وتربوية وأدبية، وكان يحب الرسم والمسرح ويشجعه.
المراجع:
ـ فوزي الخطبا (شهداء النهضة العربية، مطبعة الصفدي، عمان، ص(103ـ 110).
ـ خير الدين الزركلي (موسوعة الأعلام، دار العلم للملايين، بيروت، الطبعة العاشرة 1992، الجزء الثالث، ص(172).
إبراهيم إسماعيل
29-10-2007, 07:26 PM
أخي النبيل لا تصالح
كنز من المعلومات عن صفوة من رجال الأمة. موضوع يستحق المتابعة و القراءة العميقة، فإلاستنارة بمواقف العظماء زاد مهم في الدرب الوعر.
لك التقدير و المودة الأخوية
الأخ الاستاذ معتصم الحارث الضوي هم بالفعل كما وصفتهم " صفوة من رجال الامة "
لك التقدير والاحترام استاذ معتصم ..
vBulletin® v3.8.6, Copyright ©2000-2012, Jelsoft Enterprises Ltd by Support-ar.com