المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : توازن القومية والقطرية لوقف الانحدار- شبلي العيسمي


معتصم الحارث الضوّي
22-03-2008, 04:26 PM
توازن القومية والقطرية لوقف الانحدار
شبلي العيسمي
22/03/2008- القدس العربي اللندنية

بعيدا عن نظرة التشاؤم أو التفاؤل للأمور، وكي لا ينطبق علينا قول من قال: وعين الرضا عن كل عيب كليلة ولكن عين السوء تبدي المساويا، لا بد لنا من إلقاء نظرة فاحصة علي الوضع العربي الراهن، من خلال التقارير الصادرة عن مراكز بحوث ودراسات علمية عربية وعالمية، ومن خلال ما يشعر به المواطن العربي ويسمعه ويراه، وكلها تؤكد أن الوضع العربي بائس ومتردٍ في شتي المجالات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والعلمية والتعليمية، وأن استمرار هذا التداعي قد يفضي الي ما يوصف بالويل والثبور وعظائم الأمور، ولا سيما أن الأمن القومي العربي مفقود، والدور العربي إقليميا ودوليا غير موجود، والجامعة العربية في حالة أقرب ما تكون الي الشلل والجمود.
وإلا ما معني أن تبقي مشاريعها المهمة حبراً علي ورق، كالسوق العربية المشتركة والدفاع العربي المشترك، وصناعة الأسلحة في مصر، وعدم استغلال أرض السودان الزراعية القادرة علي تأمين الغذاء للوطن العربي كله بدلا من استيراده من الدول الأجنبية، مع استفحال الفساد والاستبداد والإمعان في استبعاد الديمقراطية في ممارسة الحكم؟ ولعل غياب الدور العربي يتجلي بوضوح في فشل الحكام العرب في حل الخلافات الفلسطينية وتوحيد النضال الفلسطيني فضلاً عن دعمه بمختلف الوسائل المتاحة، كما يتجلي في موقف العاجز والمتفرج من احتلال العراق وتمزيقه، ومما تقوم به إسرائيل من عدوان وقتل وحصار وتنكيل بالفلسطينيين، والعجز عن حل الأزمة اللبنانية وما يدور في السودان والصومال، وقضية البوليزاريو التي تُبقي الخلاف بين المغرب والجزائر، وتجدر الإشارة أيضا الي أن إسرائيل والمجتمع الدولي لم يكترثا بالمبادرة العربية لإحلال السلام بالمنطقة العربية.... الخ.
وكل هذه الوقائع لشدة وضوحها تفقأ العين، وبالتالي فهي ليست بحاجة الي مزيد من الشرح والتوضيح، فضلا عن أن غرضنا من هذا المقال أن نسلط الضوء علي مسألة أساسية وهي ان التداعي في الوضع العربي يرجع ـ حسب رأيي ـ وفي الدرجة الأولي، الي أن السياسة القطرية مع الفردية والذاتية للفئات العربية الحاكمة طاغية علي السياسة القومية والمصلحة العامة. وبعبارة أخري فأن عدم التوازن بين الخصوصيات القطرية والمصلحة القومية هو العلة الأساسية للتردي العربي. وزاد الطين بلة أنها ـ من أجل المحافظة علي الحكم ـ تعاونت مع الإدارة الأمريكية وحليفاتها الدول الأوروبية الداعمة لإسرائيل بشكل تام ودائم، والطامعة بالهيمنة علي المنطقة العربية لتأمين السيطرة علي ثرواته ولا سيما النفطية منها.
وهنا أود التنويه بأن استخدامنا كلمة طغيان القطرية لدي الفئات الحاكمة لا يعني أننا ننفي عنها صفة القومية والشعور بها، وإنما نعني ركودها وانحسارها لديهم في بعض المراحل التاريخية ونرجو أن تستيقظ فيهم وتنشط في إقامة التوازن الضروري بين مراعاة الخصوصيات القطرية والمصلحة القومية، لأن طغيان أي منهما ليس في مصلحة أي قطر عربي... وهذا التوازن المطلوب لا ينطلق من عسف وتلفيق لأن المواطن سواء أكان في الحكم أو معارضا له يجمع في نفسه مشاعر كثيرة من الولاء والتعاطف ورغبة التعاون مع أفراد أسرته وأهل قريته وأعضاء حزبه وابناء قطره وأمته مع الاحتفاظ بمشاعر إنسانية وعالمية.
وهو بالتالي لا يجد تناقضا بين الاهتمام بالوطني القطري والقومي معا، وهذا ما فعله الرئيس جمال عبد الناصر عندما أصبح قائداً قومياً علي نطاق عربي من غير أن يتخلي عن اهتمامه بقطره المصري، وكان إذا خاطب الجماهير العربية تتجاوب معه من المحيط الي الخليج، ولو لم تكن القومية ثاوية في داخله لما اصبح قومياً. ويذكر في هذه المرحلة من المد القومي تنازل شكري القوتلي عن رئاسة الجمهورية السورية من أجل الوحدة المصرية السورية عام 1958، كما حل حزب البعث نفسه في القطر السوري لتحقيق هذا الهدف لأن جمال عبد الناصر، اشترط لقبول الوحدة حل الأحزاب في الدولة الموحدة. ولكن القيادة السياسة فيها لم تعتمد الموازنة الدقيقة المطلوبة بين القطريْن فضلا عن اعتمادها الزائد علي أجهزة الأمن والمخابرات، الأمر الذي خلق جواً من الشكوي والتذمر، استغله الانفصاليون المدعومون من قوي إقليمية ودولية تجد في نمو الاتجاه القومي الوحدوي ما يهدد مصالحها. ومن الأمثلة علي تغليب المصلحة القومية قيام دولة الامارات العربية المتحدة في عام 1971 وأظهرت النتائج اللاحقة أن الامارات المتحدة أفادت أكثر بكثير مما لو بقيت متباعدة ومتنافسة، ومثل هذه النتيجة جنته الوحدة بين شطري اليمن عام 1991.
ومن النتائج التي نستخلصها من كل ما تقدم أن الاتحاد وليس التضامن الشكلي لأية أمة مجزأة، قوة لها من جميع النواحي، وأنه لا حرية في هذا العصر ولا كرامة ولا تقدم وازدهار للدول الصغيرة والضعيفة، كما أن الاتحاد في حد ذاته قوة ولولا ذلك لما أقدمت الدول الأوروبية علي إقامة الاتحاد فيما بينها، وهناك تشبيه يقرب الي الذهن صحة هذا الذي نقصده هو إن عشرة متفرقين لا يستطيعون بناء منزل واحد، وإذا اتحدوا تمكنوا من بناء عشرة بيوت . كما أن هناك مقولة معروفة من خلال التجربة وكانت الدول الاستعمارية تعتمدها لتثبيت أقدامها، وهي عبارة، فرق تسد . ومن هنا جاءت اتفاقية سايكس ـ بيكو بين بريطانيا وفرنسا في عام 1916 لتقسيم المشرق العربي، ثم وعد بلفور في العام الذي تلاه لغرس الكيان الصهيوني في قلب الوطن العربي والعمل علي تمزيقه وإضعافه.
وكان قادة إسرائيل الاوائل (بيغن وأشكول) قد أفصحوا عن سياستهم في أن يبقي العرب مجزئين منقسمين، بل إن إسرائيل أعلنت في عام 1982 عن استراتيجيتها بهذا الاتجاه معتمدة علي أن العرب (الحكام) لا يقرأون، وإذا قرأوا لا ينفذون، حسب تعبير أحد قادتها. ليس هذا فحسب بل عمدت دول الغرب الاستعمارية الي طمس الهوية العربية وتغييب الوعي العربي بإصرارها علي تسمية الوطن العربي باسم (الشرق الأوسط) مع أن التسمية مصطنعة ليست جغرافية ولا تاريخية. وتسمية المغرب العربي باسم (شمال أفريقيا)، والخليج العربي باسم الفارسي... بالاضافة الي تشجيع استخدام العامية واللغات الاجنبية حيث ما أمكنها ذلك.
وفي آذار (مارس) من هذا العام أقرت الدول الأوروبية مشروعا فرنسيا لإقامة اتحاد متوسطي وفائدته لها مزدوجة، اقتصادية وربط الدول العربية المتوسطية بأوروبا وإضعاف التوجه لاتحاد عربي.
وبعد: فاستكمالا للأمثلة التي تشير الي أن المشاعر القومية قد تستيقظ لدي الفئات العربية الحاكمة وتعطي نتائج ايجابية، أنها وفي معظم الدول العربية، قد أسهمت مادياً وعسكرياً مع مصر وسورية في حرب تشرين عام 1973 ولا سيما العراق والأردن، وقطعت السعودية النفط ولو جزئيا في عهد الملك فيصل حيث كان له تأثير كبير... ولكن قطرية السادات وفرديته أعطتا نتائج سياسية معاكسة عندما تفرد بزيارة القدس المفاجئة، وعقد اتفاقية كامب ديفد مع إسرائيل بإشراف الولايات المتحدة، حيث كان يكرر أن أوراق اللعبة في يدها بنسبة 99% وكان هذا الكلام مبرراً للاستسلام، أو للانبطاح حسب تعبير السيد محمد حسنين هيكل في لقائي معه في بغداد، هذا بالاضافة الي رفض السادات التراجع فأصدر مؤتمر قمة بغداد عام 1978 قرارا بمقاطعته ونقل مقر الجامعة العربية الي تونس.
ان القومية العربية ظاهرة سياسية اجتماعية راهنة، وان حفزها يفضي الي اتحاد حقيقي بدلا من التضامن الشكلي، وبالتالي يوقف مسار الانحدار والتردي في الوضع العربي وهذا ما نأمل الوقوف عنده في مقالة اخري.

الأمين العام المساعد لحزب البعث 1964 ـ 1992