إسماعيل حمادة
16-04-2008, 10:52 AM
من غزة .. إلى المحلة .. يد عليا واحدة بوجهين ولسانين
بديع يوسف عطية
15/4/ 2004
تبقى الأمانة ميزة إنسانية مجتمعية راقية، ولو أمعن البعض في أن يصفوا بها بعض مخلوقات الله من غير البشر. وميزة الأمانة ملتصقة ٌ، عندما تستعمل في الإطار الإنساني، بفكرة المحافظة على مال الغير أو ممتلكاته أو شخصه أو أهل بيته أو موظفيه وأتباعه، بحسب المهمة أو الوظيفة الملقاة على عاتق من يتصف بميزة الأمانة.
وتتعدد الوظائف التي تتطلب الأمانة وتتدرج بالأهمية من وظيفة الحارس الأمين للدار والحديقة أو العائلة أو أحد أفرادها .. إلى ناطور المشاع أو الأملاك الخاصة في قرية أو خراج، أو أمين مستودع بضاعة يُسأَل عن رصيدها،أو أمين صندوق شركة أو دائرة،أو أمين سر جمعية أو حزب أو منظمة يجب أن يكون أميناً على سرية قراراتها وخططها وحسن تنفيذها (تماماً كما يحصل مع الأشاوس من كراريز منظماتنا وأحزابنا)، أو رئيس دولة مؤتمن على دستور بلده ومصير شعبه وتأمين الحياة اللائقة الكريمة له بدءاً من الرغيف النظيف الخفيف التكلفة وصولاً إلى الاحترام العميق من قبل دول العالم وشعوبه المتمدنة. وأرقى مظاهر هذا الإئتمان والالتزام بها نجده بشكل واضح صارخ يقيني في رؤساء الدول العربية وحكامها.
ولكن قلما نجد موظفاً تقتضي مهمته الأمانة، تنحصر وظيفته بتجميد حالة إنسانية أو لا إنسانية معينة وعدم السماح بتزحزحها قيد شعرة عن مآسيها وذلها وفنائها المتباطئ حيناً والمتسارع أحياناً .. إلا في العالم العربي ، وبعض المجتمعات القليلة التي لم تصل بعد إلى طور الحضارة ومفهوم الدولة السوية.
لنضع نقطة على السطر، من أجل الأمانة للمحافظة على ما تقدم من الكلام في ذهننا وأذهان القراء، ولننتقل إلى مشهد آخر قد يبدو للوهلة الأولى بعيداً عما تقدم.
بعد توقيع اتفاقيات كامب ديفيد الأولى، وغسل الأيدي القذرة بدم فلسطين والفلسطينيين، أصدر عازار وايزمن الغتي عن التعريف كتاباً بعنوان " الحرب على السلام" ضمّنه كل الخبث اليهودي في عرض مسلسل المفاوضات التي أدت للاتفاقيات المذكورة، والصعوبات الكأداء والمشاق الجسام التي تكبدها من أجل إنجاز الاتفاقيات بالشكل الذي أقرت به. فكان فعلاً أميناً على مهمته وعلى المفاهيم اليهودية التوراتية، وعلى الهدف البعيد في إقامة "إسرائيل الكبرى" من النيل إلى الفرات وفرض هيمنتها على العالم. وقد قامت بطباعة الكتاب باللغة العربية دار الجليل في عمان. وقمنا بوضع مقدمة تلك الطبعة.
ومن مندرجات ذلك الكتاب الخطير التي يركز عليها وايزمن أن أنور السادات ومناحيم بيغن يتصف كلاهما بالعصبية والنزق. وأن عصبيتهما أدت أكثر من مرة إلى تعليق المفاوضات، وكادت أن تؤدي إلى قطعها لولا تلطّف رب الجنود بمختاريه "الأمناء"، وتيسيره للوصول إلى الهدف بواسطة رجلين آخرين أحدهما عازار وايزمن تفسه والآخر هو الرئيس الحالي لجمهورية مصر العربية. فيجعل وايزمن قراءُه يستنتجون أن حكمة هذين الرجلين قد وازنت عصبية السادات وبيغن وأنقذت المفاوضات من الانفراط. ويقدذم في السياق شهادة صدق بزميله في الصبر والحكمة، فيصفه بالطيّار الحربي الذي يعرف كيف يستفيد من خبرته العسكرية في المجال السياسي، وأن بُعد نظره ومزاياه الأخرى التي يعدّدها وايزمن في حوالي صفحتين من الكتاب، تؤهله لمستقبل سياسي كبير.
أما وأن الرجل هو منذ سنوات طويلة في صلب المستقبل السياسي الكبير الذي تنبأ له به وايزمن، فهو في خيار محرج، لم يعد أمامه الوقت الكثير للبت بشأنه لا من ناحية العمر ولا من حيث تأزم الموقف واشتداده. عنينا به الاختيار بين الأمانة لحياة الشعب المصري ومصيره بدءاً من الرغيف النظيف الخفيف الذي لا يتطلع أكثر الإخوان المصريين إلى أبعد منه في ظرفهم الحالي الخانق، وبين الأمانة لاتفاقيات كامب ديفيد وشركائه فيها وأهدافهم وخططهم التي لم تعد خافية على كل ذي بصر وبصيرة من حيث تطبيقاتها سواء في فلسطين وعلى الأخص في غزّة أو في مصر وفي مناطق أخرى مشابهة في الأوضاع العامة للوضع المصري.
ويبدو من سياق الأحداث والمواقف وتسلسلها أنه قد حدد خياره منذ زمن، وهو ثابت في موقفه. وقد تأكد هذا الأمر على وجه الخصوص في الموقف من الحصار التاريخي المديد والمستمر لقطاع غزة ومفرمة الاغتصاب الإفنائي الناشطة على أهل القطاع تحت الحصار الشامل.
ففي عز اشتعال نشاط المفرمة خلال شهر آذار المنصرم، سمع العالم كله تصريحات لكبار المسؤولين المصريين بأن الذين سيحاولون اقتحام معبر رفح مرّة ثانية سيواجهون من قبل السلطات المصرية بتكسير أرجلهم .. وعندما عادت المفرمة إلى توسيع نشاطها خلال هذا الأسبوع وظهرت أشلاء ضحايا جدد من أطفال غزة على شاشات الفضائيات وخصوصاً على المواقع الإلكترونية، سمعنا مجدداً أصوات مسؤولين مصريين يناشدون العالم بأن يفهم موقف مصر المحرج تجاه الاغتصاب الإفنائي إذا فتحت المعبر، وتجاه الفلسطينيين إذا استمرت في إغلاقه.
إن هذه المساواة في الظاهر عند المسؤولين المصريين بين الفلسطينيين وجلاديهم لا يعبر عن حقيقة موقف الحكم المصري. ولم يعد بإمكاننا أن نصدقها أو ن نطالب بحسم الخيار المحسوم فعلاً لصالح أهداف العدو وخططه. والبرهان القاطع الذي لا يقبل الرد على هذا الحسم يأتي من داخل مصر لا من سيناء وغزة، في الموقف الذي واجه به الأمن المصري "مواطنيه" الذين بدأوا عصيانهم المدني في السادس من نيسان. فقد شاهد ملايين المشاهدين عبر الإنترنت، بالرغم من التعتيم الإعلامي الشامل، المناظر الجميلة المنقولة من موقع المحلة في مصر المعمورة عن المواجهات التي يصعب تفريقها عن المناظر الأكثر جمالاً المنقولة من تحت المفرمة في غزة. مع فارق بسيط في رنـّة اللغة العربية وتلك المسماة عبرية!.
والقول الفصل أن معبر رفح وغيره من خوازيق سايكس – بيكو سيُجرَف ثانية وثالثة حتى يزول. ولكن ليس بوسائل السياسيين المائعين البائعين الموتى المتربعين في قماقم سايكس – بيكو فوق الركام والأشلاء، ولكن بالصدور العارية لأهالي غزة وبالشحاطات العتيقة في الأرجل المُطهّرة بوحول المخيمات.
وعندئذ سيكون للمحلة ولكل بقعة من أرض الكنانة صوت آخر ورد آخر .. وجرف آخر.
بديع يوسف عطية
15/4/ 2004
تبقى الأمانة ميزة إنسانية مجتمعية راقية، ولو أمعن البعض في أن يصفوا بها بعض مخلوقات الله من غير البشر. وميزة الأمانة ملتصقة ٌ، عندما تستعمل في الإطار الإنساني، بفكرة المحافظة على مال الغير أو ممتلكاته أو شخصه أو أهل بيته أو موظفيه وأتباعه، بحسب المهمة أو الوظيفة الملقاة على عاتق من يتصف بميزة الأمانة.
وتتعدد الوظائف التي تتطلب الأمانة وتتدرج بالأهمية من وظيفة الحارس الأمين للدار والحديقة أو العائلة أو أحد أفرادها .. إلى ناطور المشاع أو الأملاك الخاصة في قرية أو خراج، أو أمين مستودع بضاعة يُسأَل عن رصيدها،أو أمين صندوق شركة أو دائرة،أو أمين سر جمعية أو حزب أو منظمة يجب أن يكون أميناً على سرية قراراتها وخططها وحسن تنفيذها (تماماً كما يحصل مع الأشاوس من كراريز منظماتنا وأحزابنا)، أو رئيس دولة مؤتمن على دستور بلده ومصير شعبه وتأمين الحياة اللائقة الكريمة له بدءاً من الرغيف النظيف الخفيف التكلفة وصولاً إلى الاحترام العميق من قبل دول العالم وشعوبه المتمدنة. وأرقى مظاهر هذا الإئتمان والالتزام بها نجده بشكل واضح صارخ يقيني في رؤساء الدول العربية وحكامها.
ولكن قلما نجد موظفاً تقتضي مهمته الأمانة، تنحصر وظيفته بتجميد حالة إنسانية أو لا إنسانية معينة وعدم السماح بتزحزحها قيد شعرة عن مآسيها وذلها وفنائها المتباطئ حيناً والمتسارع أحياناً .. إلا في العالم العربي ، وبعض المجتمعات القليلة التي لم تصل بعد إلى طور الحضارة ومفهوم الدولة السوية.
لنضع نقطة على السطر، من أجل الأمانة للمحافظة على ما تقدم من الكلام في ذهننا وأذهان القراء، ولننتقل إلى مشهد آخر قد يبدو للوهلة الأولى بعيداً عما تقدم.
بعد توقيع اتفاقيات كامب ديفيد الأولى، وغسل الأيدي القذرة بدم فلسطين والفلسطينيين، أصدر عازار وايزمن الغتي عن التعريف كتاباً بعنوان " الحرب على السلام" ضمّنه كل الخبث اليهودي في عرض مسلسل المفاوضات التي أدت للاتفاقيات المذكورة، والصعوبات الكأداء والمشاق الجسام التي تكبدها من أجل إنجاز الاتفاقيات بالشكل الذي أقرت به. فكان فعلاً أميناً على مهمته وعلى المفاهيم اليهودية التوراتية، وعلى الهدف البعيد في إقامة "إسرائيل الكبرى" من النيل إلى الفرات وفرض هيمنتها على العالم. وقد قامت بطباعة الكتاب باللغة العربية دار الجليل في عمان. وقمنا بوضع مقدمة تلك الطبعة.
ومن مندرجات ذلك الكتاب الخطير التي يركز عليها وايزمن أن أنور السادات ومناحيم بيغن يتصف كلاهما بالعصبية والنزق. وأن عصبيتهما أدت أكثر من مرة إلى تعليق المفاوضات، وكادت أن تؤدي إلى قطعها لولا تلطّف رب الجنود بمختاريه "الأمناء"، وتيسيره للوصول إلى الهدف بواسطة رجلين آخرين أحدهما عازار وايزمن تفسه والآخر هو الرئيس الحالي لجمهورية مصر العربية. فيجعل وايزمن قراءُه يستنتجون أن حكمة هذين الرجلين قد وازنت عصبية السادات وبيغن وأنقذت المفاوضات من الانفراط. ويقدذم في السياق شهادة صدق بزميله في الصبر والحكمة، فيصفه بالطيّار الحربي الذي يعرف كيف يستفيد من خبرته العسكرية في المجال السياسي، وأن بُعد نظره ومزاياه الأخرى التي يعدّدها وايزمن في حوالي صفحتين من الكتاب، تؤهله لمستقبل سياسي كبير.
أما وأن الرجل هو منذ سنوات طويلة في صلب المستقبل السياسي الكبير الذي تنبأ له به وايزمن، فهو في خيار محرج، لم يعد أمامه الوقت الكثير للبت بشأنه لا من ناحية العمر ولا من حيث تأزم الموقف واشتداده. عنينا به الاختيار بين الأمانة لحياة الشعب المصري ومصيره بدءاً من الرغيف النظيف الخفيف الذي لا يتطلع أكثر الإخوان المصريين إلى أبعد منه في ظرفهم الحالي الخانق، وبين الأمانة لاتفاقيات كامب ديفيد وشركائه فيها وأهدافهم وخططهم التي لم تعد خافية على كل ذي بصر وبصيرة من حيث تطبيقاتها سواء في فلسطين وعلى الأخص في غزّة أو في مصر وفي مناطق أخرى مشابهة في الأوضاع العامة للوضع المصري.
ويبدو من سياق الأحداث والمواقف وتسلسلها أنه قد حدد خياره منذ زمن، وهو ثابت في موقفه. وقد تأكد هذا الأمر على وجه الخصوص في الموقف من الحصار التاريخي المديد والمستمر لقطاع غزة ومفرمة الاغتصاب الإفنائي الناشطة على أهل القطاع تحت الحصار الشامل.
ففي عز اشتعال نشاط المفرمة خلال شهر آذار المنصرم، سمع العالم كله تصريحات لكبار المسؤولين المصريين بأن الذين سيحاولون اقتحام معبر رفح مرّة ثانية سيواجهون من قبل السلطات المصرية بتكسير أرجلهم .. وعندما عادت المفرمة إلى توسيع نشاطها خلال هذا الأسبوع وظهرت أشلاء ضحايا جدد من أطفال غزة على شاشات الفضائيات وخصوصاً على المواقع الإلكترونية، سمعنا مجدداً أصوات مسؤولين مصريين يناشدون العالم بأن يفهم موقف مصر المحرج تجاه الاغتصاب الإفنائي إذا فتحت المعبر، وتجاه الفلسطينيين إذا استمرت في إغلاقه.
إن هذه المساواة في الظاهر عند المسؤولين المصريين بين الفلسطينيين وجلاديهم لا يعبر عن حقيقة موقف الحكم المصري. ولم يعد بإمكاننا أن نصدقها أو ن نطالب بحسم الخيار المحسوم فعلاً لصالح أهداف العدو وخططه. والبرهان القاطع الذي لا يقبل الرد على هذا الحسم يأتي من داخل مصر لا من سيناء وغزة، في الموقف الذي واجه به الأمن المصري "مواطنيه" الذين بدأوا عصيانهم المدني في السادس من نيسان. فقد شاهد ملايين المشاهدين عبر الإنترنت، بالرغم من التعتيم الإعلامي الشامل، المناظر الجميلة المنقولة من موقع المحلة في مصر المعمورة عن المواجهات التي يصعب تفريقها عن المناظر الأكثر جمالاً المنقولة من تحت المفرمة في غزة. مع فارق بسيط في رنـّة اللغة العربية وتلك المسماة عبرية!.
والقول الفصل أن معبر رفح وغيره من خوازيق سايكس – بيكو سيُجرَف ثانية وثالثة حتى يزول. ولكن ليس بوسائل السياسيين المائعين البائعين الموتى المتربعين في قماقم سايكس – بيكو فوق الركام والأشلاء، ولكن بالصدور العارية لأهالي غزة وبالشحاطات العتيقة في الأرجل المُطهّرة بوحول المخيمات.
وعندئذ سيكون للمحلة ولكل بقعة من أرض الكنانة صوت آخر ورد آخر .. وجرف آخر.