المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : 30 عاما على رحلة السادات إلى القدس


إبراهيم إسماعيل
20-11-2007, 11:15 AM
قبل اليوم بخمس وعشرين عاما، وتحديدا في التاسع من نوفمبر من عام 1977 ألقى الرئيس الراحل محمد انور السادات قنبلته التاريخية أمام مجلس الشعب المصري ، تلك القنبلة التي يراها المؤيدون قنبلة ضوئية اضاءت انوار السلام في منطقة الشرق الاوسط لاول مرة منذ انلاع الصراع العربي الاسرائيلي. في حين يراها المعارضون قنبلة ذرية نسفت القومية العربية من جذورها، وأعلنت مبدأ الانهزامية منهاجا، وشقت الصف العربي – في رأيهم – إلى غير رجعة!!.

كانت تلك القنبلة هي قول السادات في خطابه في ذلك اليوم إنه مستعد للسير حتى نهاية العالم وحتي الكنيست ذاته من أجل السلام، من اجل توفير دم جندي مصري واحد!.

في ذلك اليوم اهتزت أرجاء مجلس الشعب بعبارة السادات وبتصفيق اعضاء المجلس، وبدويهما اهتز العالم بأسره. كان السادات في نظر الجميع وقتها خطيبا بليغا، دبلوماسيا شطحت به الكلمات الى ابعد ما يحتمله الواقع، وكانت الحقيقة انه اختار السير في طريق المستحيل، اختار السلام مع اسرائيل!!

بعد ذلك بعشرة ايام، في ذلك المساء البارد في مطار بن جوريون مساء يوم السبت 19 من نوفمبر1977، وصل الرئيس أنور السادات الي اسرائيل.

قبل هذه الزيارة بثلاثة ايام، اعلن مردخاي جور، رئيس اركان الجيش الاسرائيلي، عن رفع حالة الطوارئ الى الدرجة القصوى، بعد ان سيطر عليه هاجس خطير، يتسق مع الواقع آنذاك، فأعلن عن تحذيره لقادة الدولة الاسرائيلية عن احتمال وجود خدعة قاتلة في هذه الزيارة، فقد تهبط الطائرة الرئاسية المصرية في مطار بن جوريون، وبدلا من ان يطل منها السادات، يخرج اعضاء فرقة كوماندوز مصرية فيفتحون النار على كل الحاضرين لاستقبال السادات، فيجهزون على كل القيادات الاسرائيلية، التي كان من الطبيعي حضورها تلك اللحظة التاريخية.

لكن الطائرة المصرية هبطت في مطار بن جوريون، ولم يكن بها كوماندوز، لم يكن بها سوى الرئيس انور السادات بنفسه، ليكتب بخطى قدميه اول شهادة ميلاد رسمية لاسرائيل، جاء السادات – كما يقول مائير شنيتسار في صحيفة معاريف الاسرائيلية الاسبوع الماضي – لا ليكسر ثلاثين عاما من الجمود السياسي فقط ، ولكن ليحطم الجدار النفسي المبني على الكراهية والعداء بين الجانبين، ويفتت صورة العربي المخادع، تلك الصورة التي تربى عليها كل الاسرائيليون، وايمانهم بالحكمة الصهيونية التي تقول ان "العربي الطيب هو العربي الميت" اي لا وجود له!!.

الياكيم روبنشتاين المستشار القضائي السابق لوزارة الخارجية الاسرائيلية كتب مقالا الاسبوع الماضي في صحيفة يديعوت احرونوت الاسرائيلية حول هذه الزيارة، التي قال عنها ان الانطباع القوي لاهميتها نابع من ان هذه الزيارة لم تكن متوقعة حتي بالنسبة لمن عرف جوهر ما يحدث من جهود السلام مع مصر، ويقول: "كنت علي قناعة ان هناك اتصالات سرية مع المصريين استمرارا للمحاولات السرية التي بذلت بوساطة المغرب ورومانيا، ولكن ان يزور الرئيس المصري اسرائيل فمن الذي كان يصدق ذلك؟. والآن اقول بعد مرور ثلاثة عقود علي الصراع والحروب ان تصور قيام السادات بزيارة لاسرائيل كان فوق كل خيال وتصور". ويتابع روبنشتاين حديثه مأخوذا بهذه الزيارة فيقول: "ذلك المساء في يوم السبت المذكور انذاك حيث كنت شابا يافعا في الثلاثين من عمري، ولم يضعوني بين مستقبلي الضيف حسب البروتوكول. وقفنا لمشاهدة الحدث من خلال التلفزيون في بيتنا. ولكن في بداية المساء هاتفني موشيه ديان بعد انهائه للقاء تحضيري مع رئيس الحكومة ودعاني للانضمام اليه في المطار..

من الصعب ان أصف التأثر الذي ألم بنا جميعا بين قدامي الرجال الذين شاهدوا نهضة الدولة وانتعاشها ووقفوا في الحروب وبين الشباب الأصغر سنا من عمر الدولة من أمثالي الذين عاشوا تجربة حرب الايام الستة وحرب الاستنزاف وحرب الغفران وفقدوا رفاقا وأقارب فيها..

يتابع روبنشتاين قائلا: "كانت أجنحة طائرة الرئيس المصري في نظري كأجنحة التاريخ، ولن أنسي أبدا تلك اللحظة التي نزل فيها السادات رئيس أكبر وأهم دولة عربية والي جانبه رئيس المراسيم رحبعام عمير. قطعنا الطريق للقدس علي متن سيارة موشيه دايان، في المقعد الخلفي جلس الي جانبه بطرس غالي وزير الدولة للشؤون الخارجية. أما أنا فقد جلست محشورا في المقعد الأمامي بين السائق والحارس مصغيا للمحادثة التي حاول ديان وبطرس غالي الشروع فيها. المحادثة جرت حول المناظر في الخارج وحول الآثار التي أبدى الاثنان اهتمامهما بها.
الانفعال والتأثر في القدس كان كبيرا. في أجواء فندق الملك داود في القدس وفي أجواء الكنيست وفي الأجواء التي سادت الشارع الاسرائيلي كان هناك شيء جديد لم تكن الدولة قد شهدت مثله سابقا. من الصعب ان نقدر ذاك اليوم ذلك لاننا اعتدنا علي الالتقاء بقادة الدول المجاورة، أما في ذلك الحين فقد كنا في بداية الطريق.

لم أكن قريبا بصورة شخصية من الرئيس المصري ولكن مشاهدتي له عن كثب خلال الزيارة وفي الاسماعيلية لاحقا وفي كامب ديفيد وفي لقاءات اخري، دلتني علي مدي عزمه وتصميمه وثقته بنفسه وهدوئه باعتباره قد اتخذ قرارا يرضي عنه رغم الانتقادات. مستشارو السادات كانوا أقل هدوءا منه وهذه مسألة يجدر ذكرها".

في ختام الزيارة كتب موشى ديان ـ كعادته بين الحين والآخر ـ قصيدة صغيرة عرضها على روبنشتاين، قال فيها: "رياح كبيرة ، هبت فجأة، قرعت أجراس السلام، بإقدام وشجاعة، الرئيس المصري السادات في اسرائيل هبط، فهل كان ذلك حلما؟" وهنا يقول روبنشتاين انه ما زال يشعر ان ذلك كان حلما حتي هذا اليوم!!.

الياكيم روبنشتاين اكد في مقاله ان زيارة الرئيس المصري دشنت عهدا جديدا من الاعتدال والارتياح، وان لم تكن كلها علي هذه الشاكلة. رئيس الوزراء بيجين كان علي رأس طاقم المفاوضات الاسرائيلي والي جانبه موشيه ديان وزير الخارجية وعيزر وايزمان رئيس الدفاع والمستشار القضائي للحكومة الاسرائيلية اهارون باراك ، وكانت المفاوضات حافلة بالصعوبات والازمات ، ولكنها رغم ذلك كله انتهت بالسلام.

ويشير الكاتب الاسرائيلي الى ان العلاقات بين الدولتين بطبيعة الحال خلال هذه السنوات لم تكن علاقات دافئة ذات صدى، الا ان وجود العلاقات حافظ علي نفسه في مطبات كثيرة صعبة، وان الحقيقة المستنبطة من ذلك هي ان هذا السلام البارد ما زال محافظا علي نفسه وانه يصب في مصلحة الجانبين والمنطقة رغم عدم تعيين سفير مصري في اسرائيل.
الياكيم روبنشتاين استغل مناسبة مرور نصف يوبيل علي زيارة السادات لتقييم وضع السلام بين مصر واسرائيل اليوم. فأنتقد عدم تنفيذ مصر لاتفاقيات التطبيع المبرمة بين الجانبين، والتي يصل عددها الى 150 اتفاقية، ثم انتقل الى قضية الجاسوس الاسرائيلي عزام عزام الذي يقبع في السجن المصري منذ سنوات بتهمة التجسس، فيقول: "يبدو لي ان إحياء مرور 25 سنة علي زيارة السادات مناسبة جديرة وملائمة لاطلاق نداء بالعفو عنه".

ثم تطرق الى مسلسل فارس بلا جواد الذي يتحدث عن بروتوكولات حكماء صهيون، زاعما ان عرض المسلسل في هذه الايام يشير الي أحد الاخفاقات في كل عملية السلام، حتي مع جيران آخرين. وانعدام التربية الداعية للتسامح والمناهضة للتحريض. وان النتيجة هي ظهور أجيال جديدة لا تنظر لاسرائيل بنظرة السلام، مؤكدا على ان ذلك مسألة يتوجب تغييرها لكونها في مصلحة كل الأطراف.

بعد ذلك يؤكد روبنشتاين على ان المصريين قد دفعوا في الفترة الاولي علي الأقل بعد التوقيع علي الاتفاق مع اسرائيل ثمنا باهظا لسيرهم في طريق السلام مثل قرار المقاطعة في بغداد وقطع دول عربية كثيرة لعلاقاتها، وان اتفاق السلام مع مصر ما زال صامدا واجتاز عقبات غير بسيطة. وان زيارة السادات كانت انطلاقة، وان القيادة والشجاعة التي أبداها السادات واستجابة الزعامة الاسرائيلية له جلبوا السلام.

وتقول صحيفة معاريف الاسرائيلية على لسان كاتبها شنيتسار في الذكرى الخامسة والعشرين لهذه الزيارة: "كانت نتائج زيارة السادات واتفاقية السلام التي ابرمت بين مصر واسرائيل بعد ذلك بعامين، بمثابة زلزال فكري، وثقافي، لم يشهد له الاسرائيليون مثيلا منذ نهاية حرب 1948. قبل اي شيء كان ذلك هو السادات الذي حطم الحاجز النفسي، الذي اضحى اليوم مصطلحا جغرافيا سياسيا ذا مغزى امني كبير.. لقد فرضت زيارة السادات على وعي وفكر الاسرائيليين منعطفين كبيرين هامين، الاول هو اجبار الاسرائيليين على قبول فكرة غريبة تماما انذاك، وهي تسليم الارض مقابل ورقة! فقد قدم السادات لقادة اسرائيل اكوام من الاوراق وطلب منهم تسليم الاراضي المحتلة كاملة في شبه جزيرة سيناء، وقد طلبها السادات ونالها!. التغيير الثاني، الاكثر درامية، هو انه بالمخالفة لكل التوقعات، كان مناحم بيجين، اليميني المتطرف، هو الذي اعاد هذه الارض المحتلة بما عليها من مستوطنات، بعبارة اخرى ساهمت زيارة السادات في تحسين الحوار السياسي داخل اسرائيل، وأسرع بديناميكية تغيير اساليب التفكير الاسرائيلي". قبل 19 سنة تقريبا في أواخر عام 1983 قال أحد كبار الوزراء في اسرائيل والذي لم يكن من مؤيدي كامب ديفيد: اذا صمد هذا السلام 15 سنة اخري فانه يستحق الثمن المدفوع مقابله.

الا ان شنيتسار يأسف على ان زيارة السادات لم تغير الخريطة النفسية في منطقة الشرق الاوسط ، واصبح من المقبول افتراض ان توقيع زعيم في المنطقة على اتفاقية سلام (مع اسرائيل) هو في نفس الوقت توقيع شخصي على حكم بإعدامه!.

في حين يقول الياكيم روبنشتاين في صحيفة يديعوت احرونوت:"استذكارنا لذلك يدلنا علي ان الانعطافة التاريخية يمكن ان تحدث عندما يظهر قائد جاهز لذلك، ولا يجدر بنا اذا ان نفقد الأمل بالسلام مع الفلسطينيين وسورية ولبنان ايضا رغم الاخفاقات ورغم أمواتنا الجاثمين أمامنا الذين نبكيهم كل يوم".

السفير محمد بسيوني ، سفير مصر السابق لدى اسرائيل، والذي كان يوم الجمعة الماضية يصادف مرور عامين علي إعادته لمصر احتجاجا علي هجمات اسرائيل الوحشية بالمروحيات ضد الفلسطينيين في غزة إبان حكم باراك، اكد في مقابلة أجرتها معه صحيفة معاريف بمناسبة مرور 25 سنة علي زيارة السادات التاريخية لاسرائيل ان السادات كان شخصا شجاعا جدا وذا رؤية، ولم يول أهمية لاحتمال خسارته لحياته ثمنا لما قام به، فأمثاله لا يكترثون لما يحدث بعد ان يحققوا حلمهم ورؤيتهم. وعندما سئل عن رأيه في ان السادات لا يحظى بين المصريين بنفس مكانة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، قال بسيوني: "هذا ليس صحيحا. هناك معارضون لما قام به، ولكن هذا هو حال الديمقراطية. الاغلبية تؤيد نهجه وقد كانت الملايين بانتظاره عندما عاد".

كان السادات نبيا للسلام في نظر اسرائيل والعالم، وكان بطلا وطنيا جاء من زمن آخر لدى البعض، كان رجلا عازما على تحقيق المستحيل، ولكن الإسرائيليين رفضوا هذا المستحيل وبذل قادتهم الحمقى قصارى جهدهم لتدمير حلم السادات المستحيل.. حلم السلام.. وأظنهم نجحوا في ذلك الى ابعد مدى!!. وكان خائنا لدى البعض الآخر.

عندما وقف السادات في الكنيست ليلقي خطبته الشهيرة، اكد على انه لم يأت الى اسرائيل لحل المشكلة المصرية مع اسرائيل، لاستعادة الارض المصرية فقط، وانما جاء ليحل كل مشكلة الصراع العربي الاسرائيلي، السلام مقابل اعادة كل الاراضي العربية المحتلة، ورفضت سوريا التفاوض مع اسرائيل، وسار خلفهم الفلسطينيون، وكانت النتيجة ان عادت سيناء، حقا انها عادت تقريبا، ولم تعد كاملة، نظرا لعدم اكتمال السيادة المصرية عليها، بسبب القيود المفروضة على التحركات المصرية فيها، ولكنها في النهاية في نظر العالم، وامام الشعب، عادت!!

فماذا حدث مع الجولان؟! لم تعد بالطبع، ولم يطلق من الجبهة السورية طلقة نار واحدة تجاه العدو الصهيوني المسمى "اسرائيل"!!

وانتابتنا حالة من الملل من كثرة التصريحات السورية والانباء والتحليلات بشأن التلميحات السورية الخاصة باستعدادها لابرام اتفاقية سلام مع اسرائيل، وكانت التفاصيل، مجرد التفاصيل هي حجر العثرة الذي كان يقف دائما امام إكمال الطريق!!

الفلسطينيون الذين اطلقوا النيران فرحا وابتهاجا فور ورود نبأ اغتيال السادات، جلسوا بعدها مع الاسرائيليين، بل واخذوا يتسولون صفة للجلوس معهم في مؤتمر مدريد!!

وانتهى الامر بهم، او بمعنى ادق، بزعيمهم مشروع الشهادة، المناضل ابو عمار، الى السعي وبذل كل غال ورخيص، بما في ذلك دماء الشهداء الفلسطينيين الابرار، من اجل الحصول على "كشك" في الاراضي الفلسطينية المحتلة يتم رفع العلم الفلسطيني الغالي عليه، وخدع الجميع، بأنه قد تم اقامة الدولة الفلسطينية!!

اذا كان السادات قد خان القضية العربية، وانتهك القومية العربية، فماذا فعل ابو عمار عندما لعب دورا البطولة ومشروع الشهادة في مسرحية هزلية عندما اجتاحت قوات الاحتلال الاراضي الفلسطينية، وتم تنفيذ المذابح ضد الفلسطينيين، اطفالا وشبابا وشيوخا ونساء، بينما يهرع اطباء اسرائيليون لعلاج الزعيم الفلسطيني اثر ازمة صحية المت به خلال حصاره في المقاطعة!! لقد قالها عرفات صراحة، دون اي حمرة من خجل: اذا وجدوا من هو افضل مني ليتفاوضوا معه، فليأتوا به مكاني!! وبالطبع كلمة "افضل" هنا ليست افضل للشعب الفلسطيني، وانما افضل للاسرائيليين!! هو واثق انه في هذا المضمار لا يوجد من هو افضل منه، لا يوجد من يقدم تنازلات اكثر مما يفعل هو!!

وأعجب من القول بأن اتفاقية السلام المصرية مع اسرائيل قد اخرجت مصر من معادلة الصراع العربي الاسرائيلي، وانها شقت الصف العربي، واصابت القومية العربية في مقتل! فماذا فعل الآخرون للقضية الفلسطينية؟! وما هي أهمية هذه الاتفاقية؟! اليست ورقة؟ مجرد ورقة في انتظار من يظهر على شاشات التليفزيون وعدسات وكالات الانباء ليمزقها وان يقول اذا لم تنسحب اسرائيل خلال 24 ساعة من الاراضي العربية سوف نقوم بمهاجمتها!! اليس ذلك هو ما يجب ان يحدث، كان المصريون، وكان ينبغي القول العرب لا المصريين فقط، ان يقاتلوا العدو الصهيوني وهو يحتل سيناء، كخط دفاع قوي وحصين جدا لاسرائيل، لو لم نستعد سيناء ونحررها، فمن البديهي ان يكون الوضع الآن افضل بكثير، فالضرب والمعركة القادمة سوف تكون في ميدان العدو، وليس ارضه، فهي ليست ارضه منذ البداية، ولكن من سيفعل ذلك؟! هل المطلوب ان تفعل مصر ذلك بمفردها؟! حقا ان مصر ونظامها الحالي لا يجرؤ على فعل ذلك، ولكن دعونا نتساءل عن نظام عربي آخر قادر على فعل ذلك لو كانت المشكلة تخصه، او كانت بلاده جبهة لمثل هذا الصراع الازلي؟! لن يفعل ذلك سوى نظام عربي قومي مخلص حر، وبوسعي ان اقسم بأغلظ الأيمان ان ذلك النظام غير موجود، ولا حتى مجرد ارهاصات تشير الى قرب مثل هذا النظام!. لا اريد ان اعدد لكم مساوئ كل نظام عربي على حدة فالمجال لا يتسع!! ودعونا نتساءل معا، ألا نقول ان عهد الزعيم جمال عبد الناصر هو عهد القومية العربية المزدهرة ؟ هل كان العرب وقتها افضل حالا؟ هل كانوا اوفياء لقضيتهم المصيرية؟ القضية الفلسطينية؟.

ألم يتآمر بعض العرب على عبد الناصر لقتله؟ ألم يتآمر البعض الآخر لاجهاض مشروعه القومي؟ وهدم تجربته التنموية؟ الم يبذلوا قصارى وسعهم لنفصال سوريا عن مصر؟ الم تنطلق الابواق الدعائية مهاجمة الوحدة المصرية السورية، مدعومة بشلالات الدولارات والاسترليني وغيرها من العملات؟ ألم ينتهي الامر بأسوأ كارثة في تاريخ العرب المعاصر، باحتلال اراضي من خمس دول عربية عل يد كيان لقيط كنا نقسم بأغلظ الايمان اننا قادرون على القائه في البحر وكأنه لم يكن؟!!!

الواقع العربي المرير ليس وليد اليوم، ولا الامس القريب، انه ضارب بجذوره في عقول الجميع، وربما نحن منهم!.

عندما دعى عبد الناصر لوحدة عربية قلنا انه يريد ان ينصب نفسه زعيما، وعندما بادر السادات لاستعادة الاراضي العربية بطريقته الخاصة قلنا انه خائن، وعندما دعى القذافي الى اقامة الخلافة الاسلامية من جديد، وتنازله عن كرسي الحكم من اجل فتح الحدود العربية قلنا انه مجنون، فأين المفر، وماذا ننتظر إذا ؟! هل نحن بإنتظار نبي عربي قومي لينزل الينا ويحقق احلامنا؟!! اذا كان الامر كذلك فإن انتظارنا سيطول الى ابد الآبدين، والحديث عن الامل الملقى على كاهل الشعوب لتغيير هذا الواقع، لا اجد ما يشير اليه، هناك غيبوبة كاملة في الشارع العربي من ادناه الى اقصاه، الجميع مشغول بأي شيء آخر، ولا يغرنكم طبقة المثقفين التي ننتمي اليها، فنحن في نهاية المطاف بضع مئات بين مئتين واربعين مليونا من البشر الذين لا يذكر بعضهم انهم عربا اصلا!!!

اننا نتصرف من منطلق الشعور بالمسئولية، ومنطق "اننا نعمل ما علينا والسلام" .. لقد قتلنا الانقسام والتشتت ، ولله الامر من قبل ومن بعد!!





محمد البحيري
تاريخ الماده:- 2002-12-10

المقالة تعبر عن وجهة ناظر كاتبها لا ناقلها .