المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مقاربة من هاجس الحرية في فكر الأستاذ ميشيل عفلق


عزالدين القوطالي
11-08-2008, 03:10 PM
مقاربة من هاجس الحرية
في فكر ميشيل عفلق



د. عز الدين دياب
أستاذ جامعي وباحث وكاتب في قضايا الوطن العربي (دمشق)

الكلام عن الحرية في زمن الاحتلال الأمريكي للعراق، ومصادرة ما أنجز على طريق استكمال التحرر الوطني. وممانعة الأمة العربية من النهوض الحضاري بالاملاءات الإمبريالية الأمريكية والتهديد بالسلاح. واستلال السيوف على العروبة من قبل فرسان الردة في أعقاب سقوط بغداد في ليل التاسع من نيسان/إبريل عام 2003. نقول: أن كل الذي حدث يطرح نفسه بإلحاح أمام المثقف العربي المؤمن بمشروع النهضة العربية، وبوجوب إنجازه من أجل حالة نقدية تبدأ بقراءة الفكر القومي، قراءة جديدة وبعيون مستقبلية مؤمنة بالمستقبل العربي، واضعة في اعتبارها نجاحات الماضي والحاضر وإخفاقاته التي حققتها الحركة القومية العربية، وأسبابها القريبة والبعيدة. الداخلية الخارجية. وممارساتها على أرض الواقع العربي. على أن لا تغفل القراءة على الإطلاق دور الردة الجديدة القديمة بكل دواعيها وخلفياتها وتخلفها التاريخي، الذي بسط ظلاله على موقفها المعادي للعروبة والشماتة ببغداد. إن القراءة النقدية التي ندعو لها تهدف من جملة ما تهدف تجديد الخطاب القومي، ومواجهة نقدية صارمة ومسؤولة لمسيرة الحزب القومي من مرحلة التأسيس وحتى اللحظة الراهنة. على أن يتبحر النقد في الأسباب والعوامل التي جعلته يخرج من ثوبه الأصيل، ويستبدل ملامحه وخصائصه التي شكلت له شرعيته الشعبية والثورية في آن واحد. على أن يتوقف النقد طويلاً أمام الصراعات التي فرضت نفسها بشكل أو بآخر على بنية الحزب التنظيمية. ودفعت الجيل التاريخي إلى الأنحاء لها وقبولها، وتخليه التدريجي عن أطروحات فكر البدايات التي شكلت المحددات الثقافية والاجتماعية والسياسية والحضارية للقسمات الرئيسة للحزب القومي التي أهلته بجدارة أن يكون حزب الوحدة والتحرر والاشتراكية خلال عقدي الأربعينات والخمسينات وبداية عقد الستينات من الألفية الثانية. وأهم هذه القسمات إيمانه والتزامه بالتعددية السياسية والانتقال السلمي للسلطة، والاعتراف بالآخر، والمشاركة الإيجابية في اللعبة البرلمانية، من أرضية أهمية الديمقراطية في بناء الإنسان العربي الجديد. الأمر الذي دفع هذه الردة إلى نعته وفقاً للقياسات "الماركسية" بحزب البرجوازية الصغيرة، وانحساره التدريجي إلى مقولات ومفاهيم ((الحزب القائد)) فقلنا فيه عهدئذ قولتنا: أن الحزب القائد الذي سارع إلى تصفية الأحزاب ودك معاقلها، سيولد في داخله القائد الذي يلغي دور الحزب القائد، ويعيد إنتاجه على صورته من فترة إلى فترة أخرى (1).

الدعوة إذاً إلى قراءة الفكر القومي قراءة نقدية تبدأ مشوارها بنظرة مستقبلية إلى مسألة هامة من مسائل هذا الفكر، ونعني بها مسألة ((الحرية)) وما أثارته من إشكالات وخاصة بعد سقوط بغداد تحت الضربات الإمبريالية الأمريكية – البريطانية والصمت العربي الرسمي الذليل، والصحوة المتعبة لفرسان الردة الذين يجهدون عقولهم ويستنفرون ذاكرتهم ضد العروبة من أجل استصدار حكم باطل على الفكر القومي. والافتئات عليه بقولهم: اللهم شماتة يا بغداد (2).

وبما أن الدراسة قررت أن تمضي في درس وتحليل مفهوم " الحرية " فإنها تباشر هذه المهمة بسياسة الأسئلة عما كتب بشأنها، ومن كتب عنها من المفكرين العرب؟ وما هي القضايا التي كتب عنها تحت عنوانها؟ وكيف تمت معالجة قضاياها جنباً إلى جنب مع قضية الوحدة العربية؟ ثم ما هي المقاصد والغايات التي استهدفتها تلك المعالجات؟ وهل توقف الفكر القومي عن البحث والتدقيق والتنظير في مسألة أهمية الحرية في الحياة العربية؟ أم إنه ظل ماض في هذا الاتجاه لأن إيمانه بأن الشعب العربي لا يحقق ذاته ومشروعه الوطني – القومي وإنسانيته إلا بالحرية؟

والحقيقة إن الكلام عن الحرية بكل معانيها ومضامينها في الفكر القومي، وفي الحياة العربية يذكرك على الفور بفكر ميشيل عفلق لأنها أخذت موقعها في نسقه الفكري باعتبارها ضرورة حياتية، وشرطاً من شروط النهضة العربية، وأحد أساسيات تنشئة الجيل العربي الجديد. بل هي علامة من علاماته، أقصد ملامحه ومعالمه التي تشكل مفارقة مع الإنسان العربي التقليدي.

وكان الاهتمام العالي المستوى من جانبه بقضية الحرية هو الذي أوصله إلى معرفة ما بينها وبين الوحدة والاشتراكية من علاقة عضوية وجدلية مستمرة.

إلا أنَّ هذا الربط لم يكن وليد منطق الرغبة، ولا هو متعة في بيان اللغة العربية الجميلة، كما تحاول طلائع الردة قوله في هذا الشأن. وإنما كان من جانب عفلق بمثابة اكتشاف لحقيقة هذه الرابطة التي قرّرّها الواقع العربي في ماضية وحاضرة بكل ما فيه من وقائع وأحداث اجتماعية وسياسية وثقافية، ونزوعه نحو حياة جديدة تتفق وتجانس مع الحقيقة الوحدوية للحياة العربية والمتمثلة بكل مستويات التكامل، وما تقرره حقائق الجغرافيا والتاريخ والثقافة والعيش المشترك والتحديات الداخلية والخارجية التي تجابه الوطن العربي في مستوييه الوطني والقومي. فالحرية عنده شرط الوحدة وشرط الاشتراكية، وشرط بناء الإنسان العربي الجديد.

حتى أن الباحث إذا أراد أن يدرس فكر عفلق فانه لا بد أن يتوقف طويلاً أما ثلاثيته الشهيرة: الوحدة والحرية، ولاشتراكية. فقد مثلت في فكره البوصلة التي تهديك إلى جوهر هذا الفكر وعمقه في الحياة العربية. لأنها شكلت الأساس المتين لكل أطروحاته ومقولاته الفكرية. بل قل لنظرته ولا نقول نظريته، لأنه رأى في النظرة سلامة الأجوبة على الأسئلة الصحيحة التي كان يسأل فيها الواقع العربي، ولأنها أيضاً لا تدعي إنها ملكت الحقيقة المطلقة، وأجابت على الأسئلة إجابات حتمية. فالواقع العربي برأيها يظل مفتوحاً على إجابات محتملة وممكنة من وقت إلى آخر. تحكم المتغيرات فيه، وسيرورة الاعتماد المتبادل بين هذه المتغيرات، الأمر الذي يجعل من هذه الأخيرة في حكم الزوال. ونشوء متغيرات جديدة، وتحول المتغير الثانوي إلى رئيس وهكذا دواليك.

في حين أن النظرية تدعي أنها أجابت إجابات نهائية على أسئلتها الموجهة من قبلها إلى تاريخ البشر ونشاطهم الاجتماعي.

وليس من المبالغة في شيء القول أن عفلق حقق إضافات غاية في الأهمية المنهجية للفكر القومي عندما قال بوحدة العلاقة الجدلية والعضوية بين الوحدة والحرية والاشتراكية. ووضع هذه الأهداف في موضع الأهداف الكبرى والمصيرية للأمة العربية. وقد كان لاكتشافه أيضاً تلك العلاقة أهميتها في إثراء الفكر القومي لأنه جعل من الوحدة العربية حالة مستقبلية لا تغيب شمها عن الحياة العربية. أي أن الوحدة تشكل مطلباً عربياً مصيرياً في الماضي والحاضر والمستقبل. لأنها متداخلة في هذه الأزمان الثلاثة تداخلاً مستقبلياً.

وما يستحسن إبرازه انه كان حريصاً في كل كتاباته من " نقطة البداية " على حد قوله، وحتى آخر دراسة كتبها أن يعطي الأولوية للوحدة العربية، لأن القطر الواحد حسب رأيه، لا يستطيع أن يحقق الحرية والاشتراكية بنجاح. أي بمعنى آخر لا تستطيع الأمة العربية الظفر بمستقبل خال من التخلف التاريخي والاستبداد والتبعية والفقر إذا بقيت مجزأة. وكان له في ذلك حججه ودواعيه. تتلاقى وتتحد وتتآلف في عامل واحد هو أن الوطن العربي بحكم قوة الجغرافيا والتاريخ، وحقائق الوحدة العربية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية والاستراتيجية،وفي الموقع والمكانة التاريخية. يفرض على كل قطر أن يظل بحاجة ماسة إلى القطر الآخر. يجد فيه ما ينقصه. وفي هذا الشأن يقول عفلق (3): ((كل نظرة ومعالجة لمشاكل العرب الحيوية في أجزائها ومجموعها لا تصدر عن هذه المسلة: ((وحدة الأمة العربية)) تكون نظرة خاطئة ومعالجة ضارة. فليس إذن الفرق بين " البعث العربي " وبين الأحزاب الأخرى التي تنشأ في الأقطار العربية والتي منها ما ينادي بالاشتراكية، ومنها ما ينادي بالاثنتين معاً في حدود القطر الذي تنشأ فيه، وأكثرها يقول بالوحدة العربية كنتيجة، وهدف سيصل إليه. كل قطر عندما يستكمل تطوره، نقول ان الفرق بين حزبنا وهذه الأحزاب ليس فرقاً في الكم بل في النوع. ان الحرية التي يطلبها حزب مصري أو لبناني، والاشتراكية التي يعمل لها حزب عراقي أو سوري، هما غير الحرية والاشتراكية اللتين تحتاجهما وتقدر على تحقيقهما الأمة العربية، كأمة ذات تراث حضاري واستعدادات وإمكانيات لنهضة جدية أصيلة. فالحرية التي يسعى إليها كل قطر عربي على حدة لا يمكن أن تبلغ من العمق والشمول والمعنى الإيجابي ما تبلغه الحرية التي تنزع إليها الأمة العربية عندما تضع مصيرها ومصير الإنسانية، موضع التساؤل. كما أن الاشتراكية التي تتقلص وتتشوه، في حدود القطر الواحد حتى تقتصر على إصلاحات جزئية خادعة تأخذ كل مداها النظري والتطبيقي عندما يكون مجالها الوطن العربي كوحدة اقتصادية وكوحدة شعبية كما تفهمان في حال التجزئة (وفي عقلية التجزئة) وبينهما في عقلية الوحدة هو فرق في النوع لا في الكم.))

وهو هنا، يريد أن يعرفنا أنَّ العلاقة العضوية بين الوحدة والحرية والاشتراكية نابعة من حقيقة الأمة العربية الوحدوية المتمثلة بكل عوامل الوحدة، كما أسلفنا، ويقول مؤكداً (4): ((والخلاصة أيها الأخوان ان معركة الوحدة لا تنفصل حسب عقيدتنا ونظرتنا ونضالنا عن معركة الحرية والتحرر، وعن معركة الاشتراكية، ولا يجوز فصلها بحال من الأحوال ولكن يجوز كما اعتقد أن نضعها على حقيقتها فنقول إنها هي بصورة خاصة المعيار لثورية الأفراد والجماعات ولثورية أمتنا في هذه المرحلة التاريخية.))

سقنا الأفكار والآراء والملاحظات السابقة من أجل أن نقول إن قضية الحرية كانت هاجسه وهمه الكبير. يقول (5): ****((إن العرب يجتازون مرحلة تاريخية يرافقهم فيها الحق والحرية كأنها قدر محتوم. وهذا ما يفسر انتصار جميع الشعوب الحرة وجميع أحرار العالم لقضية العرب العادلة في أزمة القناة، وانتصار جميع هذه الشعوب وهؤلاء الأحرار لثورة العرب البطولية المشرقة في الجزائر ودونما حاجة إلى دعاية من جانب العرب لقضيتهم (...) إننا لا نرضى لأمتنا العربية أن يكون اتصالها بالحرية والحق رهنا بمرحلة زمنية.))

ونسأل ونتساءل ما هي الحرية بالنسبة إليه؟ أي ما هو مضمونها وبعدها البنائي نسبة إلى البناء الاجتماعي؟ إنها باختصار الحرية السياسية والحرية الاجتماعية، وحرية الفكر والرأي والقول. وإذا بحثت عن هذه المعاني تجدها في جل مقالاته وأسطرها، لأن الحرية عنده في التحليل الأخير من مقومات الحياة العربية التي يطمح إليها الشعب العربي. بل هي شرطاً واجباً من شروطها. لأنك تجدها ماثلة في كل جوانب الحياة العربية. وهذا ما يعنيه بقوله: قدرها. لأنها لا يمكن أن تصل إلى الوحدة العربية إلا بالحرية.

وقد يقول قائل: أن معالجة عفلق لقضية الحرية جاءت في مقالات ومقابلات وأحاديث متفرقة جمعها في كتابه: ((في سبيل البعث)) ولم يخصص لها كتاباً بعينه، مثله في ذلك مثل غيره من المفكرين. ونرد بالقول: إنَّ هذا الأسلوب من المعالجة لا يفسد للود قضية، ولا يفقدها قيمتها على الإطلاق، لأن هذه المقالات في الأصل لم تكن جذراً منفصلة الواحدة عن الأخرى، وإنما تشكل نسقاً فكرياً واحداً، تؤلف بينها وحدة المفاهيم والمصطلحات والأطروحات التي تخص الحياة العربية، باعتبارها آليات ومفاتيح لتحليل واقع هذه الحياة، لا بوصفها حاضراً فقط أو ماضياً لا علاقة له بالحاضر أو المستقبل، وإنما لأن الحاضر له ماضٍ ومستقبل، والماضي له حاضر ومستقبل. وهذه المفاتيح والآليات لم يأخذها من النظريات التي عالجت مجتمعات أخرى، وإنما أخذها وصاغها من قلب الحياة العربية أو على حد قوله (6): ((من قلب العروبة ومن أعماق التربة العربية، ومن صميم مشاكل أمتنا.))

وإذا بحثت عن أسباب تشدد ميشيل عفلق بضرورة التنقيب في الحياة العربية، أي في واقعها ومشكلاتها، فإنك تجدها في قوة إيمانه بالعروبة. بل أن العروبة عنده فوق أشياء كبيرة وكثيرة لأنها ماثله في التراث، وبادية للباحث في القيم والأعراف والتقاليد العربية. بل قل في الثقافة العربية، اللهم، إلا شيئاً واحداً هو: الحق. يقول (7): ((ولكن شيئاً واحداً نؤمن بأنه فوق العروبة، ألا وهو الحق. فالعروبة يجب أن ترتبط بمبدأ ثابت يكون هو الضامن الوحيد ليتجدد ويتكامل، ولاستمرار حياتها نحو النمو والاتساع. فيجب أن يكون شعارنا: الحق فوق العروبة إلى أن يتحقق اتحاد العروبة بالحق.))

إذا نظرنا إلى مفهوم الحق في الثقافة، كما تفيد الانثروبولوجيا الثقافة فنراه في الحرية: حرية البشر، والمساواة بين الناس. وأن تكون مع المظلوم ضد الظالم، ومع حركات التحرر أينما كانت. وهو العدل بكل أبعاده الوطنية والقومية والإنسانية.

وعلى ضوء هذه النظرة المبسطة إلى مفهوم الحق الذي يراه الفكر القومي انه فوق العروبة، فهل يعقل أن يكون هذا الفكر فكراً متعصباً؟ أنه فقط في أذهان هؤلاء الذين قالوا بنهاية العروبة.

وفي اللحظة التي يوضع فيها الحق فوق العروبة تأخذ العروبة على نفسها أن تناضل وترتقي إنسانيا حتى تتحد بالحق. وعندما تصل إلى هذه المكانة، فإن عفلق يراها قد شكلت المقدمات لإنسانية عربية تتجلى فيها حقوق الإنسان، والمواطنة، والعدل الاجتماعي والانتماء إلى الهوية العربية بمعناها الثقافي، أليس هو القائل: إنَّ الحق فوق العروبة إلى أن تتحد فيه. أي تتحد مع بعده الأساس ألا وهي الحرية.

ويأخذ به ربطه بين العروبة والحق إلى الأفق الذي يجعل فيه الحرية أحد الشروط المصيرية في نهضة الأمة العربية. بل يراها لازمة لها لأن الشعوب والأمم لا تنهض إلا إذا كانت حرَه في قرارها ورأيها وكرامتها ومصيرها فيقول (8): ((لا بعث للأمة العربية ولا نهضة لها، ولا ارتقاء إذا لم تدب روح الحرية في كل شخص وتدخل كل عمل. لهذا كانت الحرية غالية علينا بمثابة الحياة، ضرورية لحياتنا ضرورة الغذاء.))

هنا نسأل ونتساءل أليس في قول عفلق إن الحرية ضرورية لحياتنا تناغماً مع منطق الحياة والتاريخ واستخدام العقل استخداما موضوعياً ومنهجياً؟ ثم أليس في هذا القول اكتشافا لمنطق الضرورة التاريخية في حياتنا العربية؟ ثم أخيراً وليس أخراً، أليس في هذا القول ما يؤكد أن الحرية بالنسبة لواقعنا العربي لازمة له ولم تفقد أولويتها، أو أي مبرر من مبررات الضرورة التاريخية؟ ثم أليس هذا القول يُجَسِّد إنسانية العروبة التي يتجنى عليها أهل الردة؟

إذاً، هاجس عفلق في الحرية لا يزال مبرراً ومشروعاً لأن الماضي في عرف علم المستقبل ينتج حاضراً، وهذا الحاضر له حاضراً وماضياً في آن معاً. وهذا معناه أن اللحظة الجديدة للحاضر لم تؤذن بإنزال الحرية من موقعها ومكانتها التي وضعها عفلق فيها بالنسبة للواقع العربي الحامل لضروراته التاريخية، وإنما هذه اللحظة الجديدة من الحاضر محكومة إلى حاضرها وماضيها وما فيهما من تجليات تاريخية للواقع العربي. وهذه أيضاً تشكل دلاله على أن فكر عفلق قدَّم إضافات فكرية ومنهجية في تفسير الواقع العربي والفعل الواعي الراقي فيه إلى المستوى الذي يُسوِّغُ فيه أن الحرية جوهر العروبة. أي الفعل الواعي في الحياة العربي فيقول بهذا المعنى (9): ((جوهر العروبة واستقلال الرأي من أبرز صفاتها.))

وإذا سألناه لماذا هذا التشديد على مسألة الحرية في فكرك وأنت تناقش وتعالج مشكلات الوطن العربي؟ فيجيب قائلاً: (فالأمة الحرة لا تتألف إلا من أفراد أحرار)

كما أنه يعتبر الحرية أسمى عامل أو عنصر ثقافي _ فكري في وصول الأمة العربية إلى الإنسان العربي الجديد. وإطلاق مواهبه وقدراته، وتحريك قوى الأمة العربية المبدعة، حتى أنه يرى بأن إنسانية القومية العربية تكون منقوصة بدون الحرية. وبهذا المعنى يقول (10): (لسنا نصبوا إلى الحرية لنعيش في الفوضى، أو نرجع إلى ظلام القرون الوسطى. إننا نطلب الاستقلال والحرية لأنها حق وعدل قبل كل شئ، ولأنها وسيلة لإطلاق مواهبنا العالية وقوانا المبدعة، كي نحقق على هذه البقعة من الأرض التي هي بلادنا غايتنا وغاية كل إنسان _ الإنسانية الكاملة.))

وهكذا نجده من آونة إلى أخرى. أقصد إنه وهو يعالج الواقع العربي بما فيه من ضرورات تاريخية. يؤكد على أهمية الحرية كفعل نضالي في تجاوز الأمة العربية لواقعها الحالي. لكن هذا التجاوز لا يسقط الحرية من واقعها الجديد، وإنما تظل الحرية كفعل واعي تشـكل شرطـاً لبلوغ النهضة العـربية، لأن الأمة الحـرة تتـكون وتتألـف من أفراد أحرار.

ولهذا كله يرى ان النهضة العربية(11) (تقدس الحرية وتطبعها بطابعها، وتؤمن بالإنسان، وتحترم حريته واستقلاله)

وفي هذا السياق نسأل عفلق ولماذا هذا التأكيد على الحرية والقول الواعي بتقديسها ويجيب لأنه (12)((يريد أن نجنب النهضة العربية كل أثر سلبي ومظهر سلبي يتسرب إليها كعدوى وتقليد للأعداء والأمراض التي كنا نحاربها))

ونخلص من هذا التداخل الواعي بين الحرية والنهضة العربية في فكره أنه يبنيه ويقرره بناء على قوله ((أن القضية العربية كل لا يتجزأ)) وهو يقرر ذلك بناء على اكتشافه الواعي أيضاً بأن هناك ثمة مستويات من الاعتماد الوظيفي المتبادل بين قضايا الأمة العربية وبين أهدافها. وهناك تأثيرات دائمة ومتشابكة بينها. ويقـول في هذا الإطار(13) ((تحرر الأمة العربية من الاستعمار الخارجي وبين تحررها من الاستعمار الداخلي وبين تغلبها على التجزئة وتحقيقها لوحدتها القومية ((وفي بيانه الانتخابي عام 1943 يقول بشأن الحرية ما يلي(14) ((.... وقبل ذلك نعرف أن لا بعث للأمة العربية ولا نهضة ولا ارتقاء إذا لم تدب روح الحرية في كل شخص. وتدخل كل عمل، لهذا كانت الحرية غالية علينا بمثابة الحياة.))

ويتجسد هاجس الحرية عند عفلق مرَّ ثانية وثالثة في دستور حزب البعث الذي أعلن بتاريخ 4-9-نيسان-ابريل-1947، حيث ورد في (15) ((المبدأ الثاني - شخصية الأمة العربية. ولهذا فان حزب البعث العربي الاشتراكي – يعتبر:

حرية الكلام والاجتماع والاتصال والفن مقدسة لا يمكن لأي سلطة أن تنتقصها وفي المـادة (50) (5) ورد مايلي بشأن سيادة الشعب ((حزب البعث العربي الاشتراكي شعبي يؤمن بأن السيادة هي ملك الشعب، وان وحده ُ مصدر كل سلطة وقيادة وان قيمة الدولة ناجمة عن انبثاق عن إرادة الجماهير. كما ان قدسيتها متوقفة على مدى حريتهم في اختيارها. لذلك يعتمد الحزب في أداء رسالته على الشعب، ويسعى للاتصال به اتصالاً وثيقاً))

أما البيان الصادر بشأن مقررات مؤتمر ((البعث العربي)) الأول المؤرخ في 13-4-نيسان إبريل 1947 ورد حول (فرد عربي حر) ما يلي (16) (ولذا فالحزب يعتبر ازدهار الوطن العربي متوقفاً على حرية الفرد ومدى الانسجام بين تطوره وبين المصلحة القومية.

ولذا فان حرية الكلام والاجتماع والاقتصاد والفن مقدسة لا يمكن لأي سلطة أن تنتقصها)).

وهكذا نجد عفلق مهتماً بمسألة الحرية والديمقراطية اهتمام الفيلسوف المناضل، حتى أنك إذا قلبت صفحات كتابه الكثيرة (في سبيل البعث) فإنك تجده قد أتعطى الحرية مكانها الرفيع وشأوها الكبير في هذه الصفحات وبين سطورها لأنها متداخلة ومترابطة مع الوحدة والاشتراكية تداخلاً وترابطاً عضوياً وجدلياً، وكونه وضعها في موضع شرط الأمة العربي في بلوغ أهدافها وخلاصها من التخلف والتجزئة بل هي عنده العتبة التي يمر بها الإنسان العربي إلى حالة الإنسان العربي الجديد الذي يشكل بدوره حالة نضالية وحدوية تُؤشِّر باتجاه المشهد المستقبلي للأمة العربية.

وهو يرفض طرح قضايا الوطن العربي بمعزل عن الحرية لأنها صمام أمان في معالجة هذه القضايا معالجة علمية. وعندما توضح الحرية في مكانها الصحيح أثناء معالجة مشكلات الوطن العربي تجعل الباحث والمحلل والمنظر يصل إلى التحليل السليم والصحيح. وتكون النتائج على الأغلب صحيحة وسليمة.

والخلاصة فان إضافات عفلق في مسألة الحرية جنباً إلى جنب مع قضية الوحدة والاشتراكية على ضوء اكتشافه العلاقة العضوية بينهم يشكل دلالة على ان الحرية شكلت هاجسه وهمه. حتى أن الباحث الأكاديمي إذا أراد أن يكتب عن الحرية في الفكر القومي فلا بد أن يتراءى له على الفور شخص عفلق وفكره وموقع الحرية في المشهد القومي العربي. لأن اسمه شديد الصلة والالتصاق بالوحدة والحرية والاشتراكية. وقد أعطى هذا المفكر عمره وحياته لهذه الأهداف.

بقى أن نقول إننا عالجنا هاجس الحرية في فكر عفلق على انه العلم بالشيء، ومعرفة أهميته ووظيفته داخل الحياة الاجتماعية ومن ثم محاورته داخل النفس كلما خطر بالبال. من أجل إخراجه من الصدر إلى الحياة حتى لا يبقى مجرد خواطر وتحويله إلى فكرة لها فعلها في الحياة العربية بعد أن أزال الغموض والالتباس عنها.

هكذا فهمنا هاجس الحرية في فكر ميشيل عفلق.. وهكذا فهمنا اكتشافه علاقة الحرية بالوحدة والاشتراكية. تلك العلاقة العضوية والجدلية التي بإضافتها إلى الفكر القـومي، جعلته ينتقل من حال إلى حال. الحـال الفاعـل في الحياة العربية، وليس الحال المغترب الذي لا حول له ولا قوة.

هوامش ومراجع الدراسة:

1 - يرجى الرجوع إلى مقالنا: في نقد أطروحة الحزب القائد – تحليل ثقافي. وقد أرسلته مع الصديق: صادق العظم إلى جريدة (النهار). ثم من بعد إلى جريدة (القدس العربي). ولا أعرف إذا كان قد نشر أم لا حتى هذه اللحظة.

2 - خلال تجربتي السياسية مارست النقد، وتركت التنظيم مبكراً من حياتي الحزبية. ولم أكن في يوم من الأيام من هواة تبرير الأخطاء، أو القفز من فوقها. وهذا ما جعلني أدفع الغرم، وأرفض الغنم. أقول هذا الكلام إلى أهل الردة وهم يطلقون أحكامهم الحتمية من أن المرحلة القومية انتهت بسقوط بغداد: إنَّ القومية العربية لم تنته، وأننا في زمن الاحتلال الأمريكي للعراق لا بد أن نكون مع المقاومة العراقية، لأننا وهم شركاء في معركة المصير العربي. ونرفض في السر والعلن أي تدخل خارجي، في أي قطر من الأقطار العربية. بل إننا ندينه ونقاتله. علما أنني أرفض رفضاً مطلقاً أن أحسب على هذه الأنظمة التي قبلت الذل والمهانة.

الكلام السابق يريد أن يشكل مقدمة إلى بعض المشاهد التي أركبها من أقوال ومواقف الردة في طول الوطن العربي وعرضه لما بينها من قواسم مشتركة. والمحكومة إلى عقيلة ومنطق الشماتة في ليل سقوط بغداد.

المشهد الأول: مظاهرة لحزب شيوعي عراقي. خرجت في بغداد بكل الأعلام الحمر تهتف: "صدام اعتقل موتوا يا بعثية".

المشهد الثاني: مباركة أكثر من فصيل شيوعي، اشتراك" الحزب الشيوعي العراقي" في مجلس الحكم المحلي العراقي العميل المؤقت ((المنتقى والمختار من قبل أجهزة المخابرات الأمريكية وعلى رأسها)) بريمر المندوب السامي الأمريكي.

المشهد الثالث: قول أحد الكتاب ما معناه أن سقوط بغداد الذليل هو التعبير عن سقوط المرحلة العربية. وأقول لهذا القائل إننا بانتظار سقوط مرحلتكم الشعوبية القائمة الآن في بغداد على يد الضربات الشجاعة للمقاومة العراقية البطلة.

المشهد الرابع: يقول قائلهم. أي فرسان الردة ((الفكرة العربية تكونت في سياق صراعي وبقيت أسيرة شرطها الصراعي، فمالت بالتالي إلى التشكيك بالتعددية)). ونسأل في هذا المشهد هل هناك أفكار وآراء لا تحمل بداخلها عناصر صراعية؟ وهل الشرط الصراعي ينطبق على الماركسية وصراع الطبقات؟ وهل الفكرة العربية تسجن الشعب العربي؟ وإذا كان الأمر كذلك، والفكرة العربية منه براء، فإنها لم تسجن الشعب العربي أكثر من سبعين عاماً، كما فعلت ماركسية الاتحاد السوفياتي. يوم كانت دينهم ودنياهم.

نريد من هذه المشاهد أن نشخص حالة الثأر والحقد والشماتة التي تعيشها الشعوبية في طول الوطن العربي وعرضه. وخاصة تلك الشعوبية التي عابت علينا الجهاد في فلسطين، وباركت اعتراف الاتحاد السوفياتي بالكيان الصهيوني وهلم جرا.

3 - ميشيل عفلق – في سبيل البعث-ج 4- بغداد-1993-ص231

4 - المرجع السابق-1ج-ص265

5 - المرجع السابق-ج2-ص143-144

6 - المرجع السابق 1ح-ص33

7 - المرجع السابق ح1-ص110

8 - المرجع السابق- 4ح-ص 17-18

9 - المرجع السابق- 4ح-ص 17-18

10 - المرجع السابق- 1ح – ص6

11 - المرجع السابق-1ح-ص317

12 - المرجع السابق – 1ح-هذه الفقرة تتمة لما فيها- نفس الصفحة

13 - نضال البعث – 1ج- من معركة الاستقلال إلى نكبة فلسطين والانقلاب العسكري الأول – ط- بيروت 1963-ص 74

14 - المرجع السابق- ص74

15 - المرجع السابق- ص 177

16 - المرجع السابق ص 193