إبراهيم إسماعيل
24-11-2007, 01:55 PM
العروبة والإسلام والمسألة القومية
بشير موسى نافع*
تعتبر المسألة القومية واحدة من أكثر مسائل العصور الحديثة تعقيداً واستعصاء على التفسير القاطع؛ ولفترة طويلة تأثرت محاولات تفسير القومية بأطروحات الحركات القومية ذاتها وبالخطاب القومي، وهو ما أدى إلى وقوع أخطاء فادحة في فهم الظاهرة. أحد الأسباب التي ساهمت في تعقيد المسألة القومية كون الظاهرة نفسها، ظاهرة تصور الشعوب لذاتها كأمة، هي ظاهرة حديثة نسبياً، تعود إلى نهاية القرن الثامن عشر والقرن التاسع عشر. السبب الثاني، أن الحركات القومية عبرت عن نفسها بأنماط مختلفة بين منطقة وأخرى وحقبة زمنية وأخرى. ولكن ما من أحد يختلف، على أية حال، في كون الفكرة القومية كانت وما زالت واحدة من أكثر الأفكار فعالية في التاريخ الإنساني الحديث وأطولها عمراً. في خضم الحركة القومية وبموازاتها تبلورت مؤسسة الدولة الحديثة، الدولة القومية كما تسمى أحياناً.
ثمة عدد من العناصر التي يمكن القول بشئ من الحذر أنها أصبحت محل اتفاق في حقل دراسة المسألة القومية:
1 - أن الوعي القومي لم يبدأ في التبلور إلا في العصر الحديث، وأن أوروبا كانت الساحة التي شهدت أولى حركات الوعي القومي. ولكن الفكرة القومية سرعان ما وجدت حاضنات مناسبة في مناطق أخرى من العالم، وأصبحت بالتالي إحدى أهم القوى المحركة للعالم الحديث وأكثرها مضاء.
2 - ان العناصر التي تستدعى عادة باعتبارها العناصر المؤسسة للوعي القومي، مثل اللغة، الدين، الموروث الحضاري والثقافي المشترك، الجغرافيا... إلخ، هي بالطبع عناصر قديمة في وجودها، ولكن هذا الوجود لم يؤد إلى ولادة الوعي القومي. الوعي القومي هو نتاج التطورات الهائلة في الاجتماع الإنساني الحديث: الطباعة والنشر، تسارع حركة البشر والأخبار والبضائع، ولادة أنظمة التعليم الحديثة، وبناء المدارس والجامعات وإدخال المناهج التعليمية الموحدة والمصممة مركزياً، وانهيار الحدود بين المؤسسات الاجتماعية التقليدية، مثل روابط الحرف والتجار والعشائر والقبائل والطرق والمذاهب. ساعدت هذه التطورات على تعزيز الوعي المشترك والأحاسيس وردود الفعل المشتركة بين الشعوب، وعلى التفاعل المشترك مع الأحداث، وعلى بروز فكرة وحدة المصير، ومن ثم الوعي بالوجود كأمة واحدة. وكانت هذه هي القواعد التي بنت عليها الطلائع القومية النشطة خطاب الحركة القومية وطموحات الاستقلال والوحدة والسيادة على الأرض.
3 - إن موضوعة النقاء العرقي، أو وحدة العرق، التي راجت في الخطاب القومي الأوروبي واستعارتها الحركات القومية في آسيا وإفريقيا بعد ذلك، هي موضوعة أسطورية؛ إذ ان أغلب الشعوب التي شهدت حركات قومية أو تبلوراً لوعي قومي تعود في الحقيقة إلى أصول عرقية مختلطة. فموضوعة النقاء العرقي تطرح أسئلة أخرى حول مختلف جوانب الخطاب القومي، ذلك أن هذا الخطاب هو نتاج عملية إنشاء أكثر منه نتاج عملية إحياء؛ وفي خضم عملية الإنشاء هذه يتم إنجاز تاريخ جديد للشعوب يستند في بعض جوانبه على تصور مزيف للتاريخ، أو على تضخيم جوانب معينة لهذا التاريخ وإغفال جوانب أخرى.
4 - إن لكل حركة قومية خصائصها وسياقها المميز والمختلف عن الأخرى. فالحركة القومية الألمانية، مثلاً، كانت حركة أجّجها وصاغ خطابها نشطون ومفكرون وفلاسفة وسياسيون، وهي التي دفعت باتجاه الوحدة الألمانية وبروز الدولة الألمانية الموحدة. من جهة أخرى، ولدت الدولة الفرنسية قبل أن تولد الحركة القومية الفرنسية؛ ويمكن القول أن الدولة هي التي تعهدت "فرنسة" فرنسا وشعبها. هناك حركات قومية لعب الدين فيها دوراً رئيسياً، مثل الحركة القومية الإيرلندية والباكستانية والصربية والبوسنية؛ بينما لم يكن للدين دور هام في الحركة القومية الإيطالية. أما حركة الوعي القومي الفرنسي، فقد أبدت عداء صارخاً للدين والكنيسة. ويظهر تاريخ الحركة القومية العربية علاقة بالغة التعقيد بين القومية والدين.
ارتبط بروز الوعي القومي في العالم الإسلامي في نهاية القرن التاسع عشر بجملة المتغيرات الإجتماعية - الاقتصادية والثقافية المشابهة لتلك التي شهدتها أوروبا الغربية قبل ذلك. وقد تزامنت بدايات الوعي القومي التركي والقومي العربي وتشابهت إلى حد كبير، وكان من الطبيعي بالتالي، نظراً لهذا التزامن والتشابه والوجود داخل النطاق العثماني الواحد، أن تصطدم الحركتان خلال سنوات الحرب العالمية الأولى. ولكن من السذاجة إلقاء تبعة انهيار السلطنة العثمانية على الإصطدام العربي - التركي، فهزيمة السلطنة وانهيارها كان في جوهره نتاج الهزيمة العسكرية المؤلمة التي أوقعتها بها قوات الحلفاء بقيادة بريطانيا.
شهدت منطقة المشرق العربي ومصر منذ منتصف القرن التاسع عشر حركة تحديث واسعة النطاق، أدخلت إلى الحواضر العربية الرئيسية نظام القضاء المركزي، والمدرسة الحديثة، والجيش الحديث المبني على نظام التجنيد، كما ساهمت في إضعاف وتقويض المؤسسة التقليدية للوقف، والتنظيمات الحرفية، وطبقة العلماء. وبانتشار الإعلام المطبوع، أخذت لغة عربية جديدة في الظهور، لغة تستهدف الوصول إلى قطاعات واسعة من الناس واستيعاب مصطلحات ومفاهيم العصر الحديث. كانت بدايات الوعي العربي هي بدايات ثقافية تفتقر إلى التعبير السياسي، ذلك أن الرابطة العثمانية كانت رابطة عميقة الجذور ولم يكن من الممكن أو من السهل تحديها أو التخلي عنها. تعود روافد العروبة الثقافية إلى حركة الترجمة والنشاط الثقافي الذي صاحب المشروع التحديثي في مصر، وتعود كذلك إلى النهضة اللغوية العربية التي شهدها لبنان (ثم مصر) على يد المثقفين المسيحيين الجدد. ولكن أهم روافدها على الإطلاق وردت من دوائر الإحياء السلفي الإسلامي في مصر، العراق، وبلاد الشام، في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، ثم في المغرب العربي بعد ذلك بقليل. لقد طور السلفيون العرب الإصلاحيون، مثل جمال الدين القاسمي، طاهر الجزائري، محمود شكري الألوسي، عبد الرحمان الكواكبي، محمد عبده، عبد الحميد الزهراوي، ورشيد رضا، خطاباً نهضوياً دعا إلى إحياء إسلامي جديد بالعودة إلى الجذور، إلى القرآن والسنة، والتخلص من ربقة التقليد والانقسام المذهبي والنـزعات الخرافية المرتبطة بالتصوف الشعبي. وجادل السلفيون الإصلاحيون أنه لما كان العرب هم قادة الصعود الإسلامي الأول فإن النهضة الإسلامية الحديثة مشروطة بنهضة العرب وتقدمهم إلى صفوف القيادة. وتعتبر مقالات مجلة المنار في العقدين الأولين من القرن العشرين، كتابات الكواكبي، وكتاب الألوسي الشهير "بلوغ الأرب في معرفة أحوال العرب"، أمثلة واضحة على النـزعة العروبية في الخطاب الإصلاحي.
بيد أن العروبة الثقافية سرعان ما أخذت في التحول إلى حركة عروبية سياسية بعد صعود "جمعية الاتحاد والترقي" إلى السلطة في إسطنبول في 1908 - 1909. وجد الاتحاديون أنفسهم أمام سلسلة من التحديات الخارجية والداخلية التي هددت بقاء السلطنة واستقرارها ووحدتها، ولمعالجة هذه التحديات والتصدي لها اتبع الاتحاديون سياسة تقوم على إحكام قبضة المركز على الأطراف، وفرض اللغة التركية لغة رسمية أولى (وهو ما عرف بسياسة التتريك)، وقمع حركات التمرد الداخلي بقدر هائل من العنف، وإسراع وتيرة التحديث. وقد اصطدمت هذه السياسات بالوعي العربي المتزايد، وبالتقاليد المستقرة في المنطقة العربية منذ قرون. نظر العرب إلى لغتهم باعتبارها لغة الكتاب، ورأوا أن محاولات تهميشها هي اعتداء على المقدس الإسلامي؛ واعترض العرب، خاصة بعد أن أصبحوا هم والأتراك العرقين الرئيسيين المكونين للسلطنة، على تهميشهم غير العادل في أجهزة الدولة والجيش وعلى حظوظ المنطقة العربية المتدنية من مشاريع التطوير والبناء. ولكن واحداً من أهم الأسباب التي أدت إلى بروز الحركة السياسية العربية أن الكثير من أهل الرأي العرب باتوا مقتنعين بأن السلطنة لم تعد قادرة على الدفاع عن شعوبها وبلادها. كانت الفكرة القومية قد أصبحت المحرك الأساسي للشعوب الأوروبية، وظن أبناء النخبة العربية، من علماء وأعيان وضباط وكتاب، أن الفكرة العربية ستبث حيوية جديدة في عروق الشعوب العربية وتدفعهم إلى نهوض شبيه بالنهوض المدني الأوروبي.
هذه هي الظروف التي أدت إلى ولادة "العربية الفتاة"، و"حزب اللامركزية العثماني"، و"جمعية العهد"، ومن ثم إلى الصدام العربي - التركي في سنوات الحرب العالمية الأولى، عندما واجه العرب إجراءات القمع الدموية لحكم جمال باشا في سوريا بإعلان الثورة والتحالف مع بريطانيا. وكانت هذه أيضاً هي مرحلة انقسام عربي، عندما وجد زعماء عرب أن حماية السلطنة هي حماية للعرب والإسلام، بينما وجد آخرون أن الرابطة العثمانية قد فقدت كل مبرر شرعي وتاريخي وأخلاقي للبقاء. ولم يكن هذا الانقسام انقساماً بين دعاة العروبة ودعاة الرابطة العثمانية فحسب، بل كان انقساماً بين العروبيين أنفسهم كذلك. إن الأغلبية العظمى من قادة الحركة العربية في العقد الثاني من القرن العشرين كانت من الإصلاحيين الإسلاميين العرب، الجيل الأول والثاني من أبناء الحركة السلفية الجديدة، مثل رشيد رضا، محب الدين الخطيب، الشيخ عبد الحميد الزهراوي، الشيخ علي السويدي، والسوريين الشبان من تلاميذ الشيخ طاهر الجزائري، الذين شكلوا الجسم الرئيس للعربية الفتاة. وفيما عدا قيادة حزب اللامركزية، التي ضمت واحداً أو إثنين من المسيحيين الشوام المهاجرين إلى مصر، فإن قادة التنظيمات العروبية آنذاك كانوا جميعا من المسلمين، وكان أغلب هؤلاء من تلاميذ الإصلاحيين الكبار.
إن من الصعب القول أن ذلك الجيل من العروبيين، سواء في بلاد الشام، والحجاز، ونجد، والعراق، أم مصر، كان قد طور رؤية ناضجة وموحدة لمستقبل العرب أو للفضاء الجغرافي العربي، ولكن من الممكن القول أن تصور ذلك الجيل للعروبة قد اتسم بالسمات التالية:
1 - إن العروبة فهمت بمدلولاتها الثقافية واللغوية وليس بمدلولاتها العرقية، وهذا ما جعل شخصيات مثل خير الدين الزركلي، محمد كرد علي، جعفر العسكري، نوري السعيد، وجميل المدفعي، وهم جميعاً أبناء أسر متعربة من أصول تركمانية أو كردية، من القادة البارزين في الحركة العربية.
2 - إن العروبة فهمت ضمن إطار إسلامي، خاصة في أوساط الإسلاميين الإصلاحيين الكبار، مثل رضا والجزائري والسويدي. كما أن أهداف النهضة العربية فهمت باعتبارها طريقاً نحو نهضة الإسلام. بل حتى الشريف حسين، الذي أطلق الثورة العربية ضد إسطمبول، تصور أن حركته ستؤدي في النهاية إلى تأسيس خلافة عربية لأن العرب هم الأولى بتحمل أعباء الخلافة.
3 - إنه منذ لحظة الإنهيار العثماني، طرح العروبيون العروبة (ووحدة شعوبها) باعتبارها الإطار المرجعي البديل للرابطة العثمانية وللسلطنة. بل يمكن القول ان العروبة أصبحت محل الإجماع الوحيد الممكن بين العرب، وأصبح هدف إنجاز وحدة العرب وتأسيس دولتهم الواحدة المشروع الوحيد الذي اجتمع حوله رجالات العرب، بما في ذلك أولئك الذين استمروا على ولائهم للسلطنة العثمانية حتى النهاية، مثل شكيب أرسلان وياسين الهاشمي وعبد العزيزالثعالبي. وقد عزز من هذا التوجه فشل مؤتمرات إحياء الخلافة في عقد العشرينات وتبني قيادات الحركة الوطنية في مصر والمغرب العربي للفكرة العربية.
في الوقت الذي كانت فيه الفكرة العربية تمد جذورها في مصر والمغرب العربي، حيث كان التعبير الأقوى لمناهضة المستعمر قبل الحرب العالمية الأولى هو الولاء لإسطنبول والخلافة، كانت منطقة المشرق العربي تشهد تطورين هامين تركا أثراً بالغاً في مسيرة الحركة العربية. أول هذه التطورات كان تولي فيصل الأول حكم العراق، وحصول العراق المبكر على استقلال محدود وتحوله من ثم إلى مركز ونقطة جذب لعدد كبير من رجالات الحركة العربية. أصبح العراق وريثاً لحكومة دمشق العربية التي رفعت راية العروبة واستقلال العرب ووحدتهم في نهاية الحرب العالمية الأولى، وتبنى العراق مشروع الوحدة العربية سياسة رسمية ومرجعية للثقافة السائدة ومناهج التعليم والإعلام.
ثاني هذه التطورات كان نجاح عبد العزيز آل سعود في مشروع توحيد الجزيرة العربية والتفاف عدد من الإصلاحيين الإسلاميين العروبيين حوله، مثل رشيد رضا، محب الدين الخطيب، شكري القوتلي، أمين الحسيني...الخ. تبنت السعودية أيضاً الفكرة العربية ومشروع الوحدة، وبدأ بالتالي الصراع السياسي- الإستراتيجي الطويل بين السعوديين والهاشميين، وهو الصراع الذي أضعف تيار الوحدة، وسرعان ما انجرت إليه مصر في تحالف مع السعودية بعد استقلال الأولى في 1936. ولكن من الضروري التذكير، على أية حال، أن دور الخلافات العربية - العربية (الناجمة عن ولادة الدولة القطرية الحديثة) في إفشال مشروع الوحدة خلال حقبة ما بين الحرب العالمية الأولى والحرب الثانية كان دوراً ثانوياً. لقد كشفت وثائق تلك الحقبة أن الدولتين الإستعماريتين الرئيسيتين، بريطانيا وفرنسا، قد اتبعتا استراتيجية مناهضة لوحدة العرب، ليس في سايكس - بيكو فقط، بل وطوال العقود التالية للحرب الأولى. وربما يمكن القول أنه لو ترك العرب في العشرينيات والثلاثينيات والأربعينيات لشأنهم لاستطاعت إحدى القوى العربية في النهاية ترجيح ميزان القوى لصالحها وتحقيق وحدة أكبر جزء ممكن من بلاد العرب، تماماً كما استطاع عبد العزيز آل سعود في السنوات بين 1920 - 1928 القضاء على عدد من الممالك والإمارات في الجزيرة العربية وتأسيس المملكة العربية السعودية.
تعلق التطور الثالث بالخطاب العربي ذاته، وبالعناصر الثقافية المكونة له، والتعبيرات الثقافية والسياسية التي نجمت عنه. شهدت الثلاثينيات والأربعينيات على وجه الخصوص بداية الانفصال بين العروبة والإسلام، سواء أكان في الكتابات أم اللغة السياسية، وحل مصطلح القومية أوروبي النشأة والدلالات محل مصطلح العروبة. إن أسباب هذا التغير عديدة: بينها مثلاً الإحساس العربي العميق بالفشل والهزيمة في سنوات ما بعد نهاية الحرب العالمية الأولى. فقد خرج العرب من الحرب خاسرين بكل المقاييس، فلا هم حصلوا على دولتهم الموحدة ولا على خلافة عربية ولا هم حافظوا على استقلالهم أو جامعتهم العثمانية الإسلامية. وكما في تاريخ الكثير من الحركات القومية، فإن رد الفعل على الفشل تجلى في إعادة التأكيد على الخطاب القومي، وإعادة التأكيد المتطرف في بعض الأحيان. أمام فشل المغامرة العربية في الحرب الأولى، أخذ المثقفون العرب في إبراز عناصر الوحدة العربية وفي إنشاء عناصر أخرى لهذه الوحدة، أدخلت لأول مرة إلى الخطاب والثقافة العربية فكرة وحدة العرق العربي ونظريات الهجرات العربية من جزيرة العرب. وبدلاً من تصور النهضة العربية كطريقة لنهضة الإسلام، أصبح الإسلام مجرد عنصر من عناصر الإيديولوجيا القومية الجديدة.
وقد لعب مثقفون عرب تلقى أغلبهم تعليمهم في الجامعة الأمريكية في بيروت أو في جامعات أوروبية، مثل درويش المقدادي، ساطع الحصري، أكرم زعيتر، ثم قسطنطين زريق وميشيل عفلق وصلاح الدين البيطار، دوراً بارزاً في تشكيل الخطاب القومي الجديد. كانت مصادر ثقافة هذا الجيل من المثقفين العرب غربية أوروبية تشبعت بالتقاليد القومية الالمانية والفرنسية. هذا الجيل من القوميين العرب، أبناء عصر السيطرة الأوروبية الإستعمارية على العالم العربي، ومناهضو هذه السيطرة في الآن نفسه، شهود الهزيمة العربية في ميسلون والقصف الفرنسي لدمشق والغارات البريطانية الكيمياوية على عشائر ثورة العشرين، هم الآباء الحقيقيون للقومية العربية في صيغتها المعلمنة. ولكن الثلاثينات والأربعينات، إضافة إلى ذلك، شهدت بداية تفكك الساحة الفكرية العربية بعد أن أخذ جناحا العروبة والإسلام، اللذان اجتمعا في الخطاب الإسلامي الإصلاحي، في الإفتراق. ولعل ولادة حركة الإخوان المسلمين وحزب البعث، كتيارين سياسيين عابرين لحدود الدولة القطرية الحديثة، كان تعبيراً واضحاً عن هذا الإفتراق.
لم يستطع الخطاب القومي العلماني بسط سيطرته الكاملة على الساحة العربية؛ ومنذ ولادة الإخوان المسلمين، عبر حسن البنا (وهو الذي كان لصيقاً برشيد رضا ومحب الدين الخطيب)، عن تصورات عربية - إسلامية. كما ظل الخطاب العروبي للدولة السعودية وللحركة الوطنية في المغرب العربي خطاباً إسلامي التوجه. ولكن صعود القوى القومية الحديثة إلى سدة الحكم منذ بداية الخمسينات، ومن ثم اندلاع الصراع الدامي على السلطة، والذي دارت رحاه في مصر وسوريا والعراق واليمن والجزائر، بين القوى القومية الحاكمة والقوى الإسلامية المعارضة، أدى في النهاية إلى تحول الافتراق الثقافي بين العروبة والإسلام إلى حالة انقسام حاد، وأحياناً، دموي واستقطاب حاد في كافة أنحاء المنطقة العربية. وفي خضم الصراع، نسي الطرفان، أو تناسيا، أن الفكرة العروبية قد ولدت أصلاً في الدائرة الإسلامية الإصلاحية، وأن القادة الأوائل للحركة العربية تحدروا في أغلبهم من أصول إسلامية إصلاحية. كان الإصلاحيون العرب، فعلياً وسلالياً، الآباء الشرعيين للتيار القومي العربي وللتيار الإسلامي السياسي على السواء، وبانفراط ميراث الإصلاحيين العربي - الإسلامي انفرطت الوحدة السياسية الداخلية للعرب. ولم يحافظ على هذا الميراث، هذا الإنجازالعربي المبكر والفريد، إلا حفنة صغيرة من المفكرين وأهل الرأي الذين استطاعوا الحفاظ على توازنهم عندما استشرى الاختلال الفادح للاتزان من حولهم، وعندما أخذت السجون والمعتقلات في الازدحام برجالات الأمة وقادتها، بينما علق على المشانق أعيانها.
تقع القومية في قلب مسألة الهوية، ولفترة طويلة أخطأ أنصار القومية وخصومها تقدير أثرها وفعاليتها. وربما يمكن القول الآن، بعد أكثر من قرنين على ولادة الوعي القومي، وفي ضوء أحداث البلقان وشرق أوروبا ووسط آسيا والمنطقة العربية، أن القومية ولدت لتبقى طويلاً. وليس هناك من أمة أو قوة سياسية يمكنها تجاهل مسألة الهوية وأثرها في كافة جوانب الحياة الساسية والثقافية، بل والإقتصادية أيضاً. وتقدم مناطق قلق الهوية في أوروبا، كبريطانيا، مثالاً ساطعاً على الآثار الفادحة لأزمة الهوية. أما في المنطقة العربية، فإن أزمة الهوية تساهم مساهمة مباشرة في استمرار الانقسام الداخلي.
كان الاعتقاد السائد في السابق أن الهويات تنمو وتموت، وأنها تتبادل المواقع في الوعي الفردي والجماعي؛ ولكننا ندرك الآن أن هوية ما قلما تستطيع طمس هوية سابقة، وأن الهويات تتداخل وتتقاطع، أو تستقر كطبقات الواحدة منها فوق الأخرى. إن تشكل الوعي بالهوية العربية لم يؤد بالضرورة إلى اختفاء الوعي بالهوية الإسلامية، كما أن تبلور الوعي العراقي والجزائري في إطار الدولة القطرية خلال النصف الثاني من القرن العشرين لا يعني بالضرورة إقصاء البعد العربي للهوية. وقد آن الأوان للقوى السياسية العربية الفاعلة، الإسلامية منها وغير الإسلامية، أن تدرك حقائق التاريخ والواقع كما هي، وأن تتعامل مع ما هو سلبي لمحاصرة مخاطره ومع ما هو إيجابي لتنميته. بعض هذه الحقائق المتعلقة بالمسألة القومية يمكن إدراجها كما يلي:
1 - ان التصورات الإسلامية المعاصرة للتاريخ هي تصورات مثالية إلى حد كبير، تتجاهل حقيقة أنه فيما عدا الحقبة المبكرة من المسيرة التاريخية الإسلامية لم تستطع دولة واحدة قط أن تضم بين جنباتها كل المسلمين، بل إن الأمة تنازعتها في وقت من الأوقات ثلاثة خلافات (جمع خلافة) متصارعة: واحدة في بغداد والأخرى في مصر والثالثة في الأندلس.
2 - ان مؤسسة الخلافة تحولت في النهاية إلى رمزللوحدة لا إطاراً سياسياً فعلياً لها؛ وقد جاء انهيار مؤسسة الخلافة في حقبة اختل فيها التوازن العالمي لصالح القوى الغربية الإمبريالية، من ناحية، وأخذت الهويات القومية للشعوب الإسلامية في التبلور، من ناحية أخرى. وبعد عدد من المحاولات الفاشلة في العشرينيات والثلاثينيات من القرن العشرين، أدرك قادة الرأي في الأمة الإسلامية الصعوبة البالغة التي تكتنف مشروع إحياء مؤسسة الخلافة.
3 - انه بينما تعزز الإحساس بالهوية العربية بين مختلف الشعوب العربية، فإن الإسلاميين العرب باتوا أقل الإسلاميين اعتزازاً بهويتهم القومية، وأقل الإسلاميين إدراكاً لأهمية الاستجابة للهوية القومية، مقارنة، مثلا، بالإسلاميين الأتراك أو الإيرانيين أو الباكستانيين.
4 - إن التجزئة والدولة القطرية، مهما كانت زاوية النظر إليهما، باتتا مصدر خطر كبير على حياة العرب ومستقبلهم، سياسياً واقتصادياً واستراتيجياً. وليس هناك مهما كانت القناعات من بديل واقعي للتجزئة غير مشروع وحدوي على المستوى العربي.
5 - ان العروبة لن تصبح إطاراً حقيقياً وناجعاً للوحدة إلا بالعودة إلى تصورها الأولي، عروبة بمرجعية إسلامية، عروبة عمادها اللغة والموروث الثقافي وهدفها النهضة والاستقلال، عروبة محررة من الخطاب العرقي، حاضنة لكل من اختار الهوية العربية بغض النظر عن أصله الإثني، عروبة لا تسعى لفرض نفسها على الآخرين من غير العرب، ولا تسعى لإلغاء هويتهم وليست في صراع معهم.
6 - ان تبني الإسلاميين للعروبة ولمشروع الوحدة كجزء من برنامجهم السياسي، وقبول غير الإسلاميين بالهوية الإسلامية للعروبة، هو تبن صحيح مبدئياً وبراغماتياً. ولكن تبني العروبة والإسلام لا بد أن ينطلق أيضا من إدراك لضرورة إعادة بناء الإجماع في بلادنا، والعروبة في مرجعيتها الإسلامية هي قاعدة من أهمّ قواعد الإجماع في المنطقة العربية.
--------------------------------------------------------------------------------
(*) كاتب ومؤرخ وأستاذ جامعي - القاهرة.
http://www.mawazeen.com/index.php?art/id:34
بشير موسى نافع*
تعتبر المسألة القومية واحدة من أكثر مسائل العصور الحديثة تعقيداً واستعصاء على التفسير القاطع؛ ولفترة طويلة تأثرت محاولات تفسير القومية بأطروحات الحركات القومية ذاتها وبالخطاب القومي، وهو ما أدى إلى وقوع أخطاء فادحة في فهم الظاهرة. أحد الأسباب التي ساهمت في تعقيد المسألة القومية كون الظاهرة نفسها، ظاهرة تصور الشعوب لذاتها كأمة، هي ظاهرة حديثة نسبياً، تعود إلى نهاية القرن الثامن عشر والقرن التاسع عشر. السبب الثاني، أن الحركات القومية عبرت عن نفسها بأنماط مختلفة بين منطقة وأخرى وحقبة زمنية وأخرى. ولكن ما من أحد يختلف، على أية حال، في كون الفكرة القومية كانت وما زالت واحدة من أكثر الأفكار فعالية في التاريخ الإنساني الحديث وأطولها عمراً. في خضم الحركة القومية وبموازاتها تبلورت مؤسسة الدولة الحديثة، الدولة القومية كما تسمى أحياناً.
ثمة عدد من العناصر التي يمكن القول بشئ من الحذر أنها أصبحت محل اتفاق في حقل دراسة المسألة القومية:
1 - أن الوعي القومي لم يبدأ في التبلور إلا في العصر الحديث، وأن أوروبا كانت الساحة التي شهدت أولى حركات الوعي القومي. ولكن الفكرة القومية سرعان ما وجدت حاضنات مناسبة في مناطق أخرى من العالم، وأصبحت بالتالي إحدى أهم القوى المحركة للعالم الحديث وأكثرها مضاء.
2 - ان العناصر التي تستدعى عادة باعتبارها العناصر المؤسسة للوعي القومي، مثل اللغة، الدين، الموروث الحضاري والثقافي المشترك، الجغرافيا... إلخ، هي بالطبع عناصر قديمة في وجودها، ولكن هذا الوجود لم يؤد إلى ولادة الوعي القومي. الوعي القومي هو نتاج التطورات الهائلة في الاجتماع الإنساني الحديث: الطباعة والنشر، تسارع حركة البشر والأخبار والبضائع، ولادة أنظمة التعليم الحديثة، وبناء المدارس والجامعات وإدخال المناهج التعليمية الموحدة والمصممة مركزياً، وانهيار الحدود بين المؤسسات الاجتماعية التقليدية، مثل روابط الحرف والتجار والعشائر والقبائل والطرق والمذاهب. ساعدت هذه التطورات على تعزيز الوعي المشترك والأحاسيس وردود الفعل المشتركة بين الشعوب، وعلى التفاعل المشترك مع الأحداث، وعلى بروز فكرة وحدة المصير، ومن ثم الوعي بالوجود كأمة واحدة. وكانت هذه هي القواعد التي بنت عليها الطلائع القومية النشطة خطاب الحركة القومية وطموحات الاستقلال والوحدة والسيادة على الأرض.
3 - إن موضوعة النقاء العرقي، أو وحدة العرق، التي راجت في الخطاب القومي الأوروبي واستعارتها الحركات القومية في آسيا وإفريقيا بعد ذلك، هي موضوعة أسطورية؛ إذ ان أغلب الشعوب التي شهدت حركات قومية أو تبلوراً لوعي قومي تعود في الحقيقة إلى أصول عرقية مختلطة. فموضوعة النقاء العرقي تطرح أسئلة أخرى حول مختلف جوانب الخطاب القومي، ذلك أن هذا الخطاب هو نتاج عملية إنشاء أكثر منه نتاج عملية إحياء؛ وفي خضم عملية الإنشاء هذه يتم إنجاز تاريخ جديد للشعوب يستند في بعض جوانبه على تصور مزيف للتاريخ، أو على تضخيم جوانب معينة لهذا التاريخ وإغفال جوانب أخرى.
4 - إن لكل حركة قومية خصائصها وسياقها المميز والمختلف عن الأخرى. فالحركة القومية الألمانية، مثلاً، كانت حركة أجّجها وصاغ خطابها نشطون ومفكرون وفلاسفة وسياسيون، وهي التي دفعت باتجاه الوحدة الألمانية وبروز الدولة الألمانية الموحدة. من جهة أخرى، ولدت الدولة الفرنسية قبل أن تولد الحركة القومية الفرنسية؛ ويمكن القول أن الدولة هي التي تعهدت "فرنسة" فرنسا وشعبها. هناك حركات قومية لعب الدين فيها دوراً رئيسياً، مثل الحركة القومية الإيرلندية والباكستانية والصربية والبوسنية؛ بينما لم يكن للدين دور هام في الحركة القومية الإيطالية. أما حركة الوعي القومي الفرنسي، فقد أبدت عداء صارخاً للدين والكنيسة. ويظهر تاريخ الحركة القومية العربية علاقة بالغة التعقيد بين القومية والدين.
ارتبط بروز الوعي القومي في العالم الإسلامي في نهاية القرن التاسع عشر بجملة المتغيرات الإجتماعية - الاقتصادية والثقافية المشابهة لتلك التي شهدتها أوروبا الغربية قبل ذلك. وقد تزامنت بدايات الوعي القومي التركي والقومي العربي وتشابهت إلى حد كبير، وكان من الطبيعي بالتالي، نظراً لهذا التزامن والتشابه والوجود داخل النطاق العثماني الواحد، أن تصطدم الحركتان خلال سنوات الحرب العالمية الأولى. ولكن من السذاجة إلقاء تبعة انهيار السلطنة العثمانية على الإصطدام العربي - التركي، فهزيمة السلطنة وانهيارها كان في جوهره نتاج الهزيمة العسكرية المؤلمة التي أوقعتها بها قوات الحلفاء بقيادة بريطانيا.
شهدت منطقة المشرق العربي ومصر منذ منتصف القرن التاسع عشر حركة تحديث واسعة النطاق، أدخلت إلى الحواضر العربية الرئيسية نظام القضاء المركزي، والمدرسة الحديثة، والجيش الحديث المبني على نظام التجنيد، كما ساهمت في إضعاف وتقويض المؤسسة التقليدية للوقف، والتنظيمات الحرفية، وطبقة العلماء. وبانتشار الإعلام المطبوع، أخذت لغة عربية جديدة في الظهور، لغة تستهدف الوصول إلى قطاعات واسعة من الناس واستيعاب مصطلحات ومفاهيم العصر الحديث. كانت بدايات الوعي العربي هي بدايات ثقافية تفتقر إلى التعبير السياسي، ذلك أن الرابطة العثمانية كانت رابطة عميقة الجذور ولم يكن من الممكن أو من السهل تحديها أو التخلي عنها. تعود روافد العروبة الثقافية إلى حركة الترجمة والنشاط الثقافي الذي صاحب المشروع التحديثي في مصر، وتعود كذلك إلى النهضة اللغوية العربية التي شهدها لبنان (ثم مصر) على يد المثقفين المسيحيين الجدد. ولكن أهم روافدها على الإطلاق وردت من دوائر الإحياء السلفي الإسلامي في مصر، العراق، وبلاد الشام، في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، ثم في المغرب العربي بعد ذلك بقليل. لقد طور السلفيون العرب الإصلاحيون، مثل جمال الدين القاسمي، طاهر الجزائري، محمود شكري الألوسي، عبد الرحمان الكواكبي، محمد عبده، عبد الحميد الزهراوي، ورشيد رضا، خطاباً نهضوياً دعا إلى إحياء إسلامي جديد بالعودة إلى الجذور، إلى القرآن والسنة، والتخلص من ربقة التقليد والانقسام المذهبي والنـزعات الخرافية المرتبطة بالتصوف الشعبي. وجادل السلفيون الإصلاحيون أنه لما كان العرب هم قادة الصعود الإسلامي الأول فإن النهضة الإسلامية الحديثة مشروطة بنهضة العرب وتقدمهم إلى صفوف القيادة. وتعتبر مقالات مجلة المنار في العقدين الأولين من القرن العشرين، كتابات الكواكبي، وكتاب الألوسي الشهير "بلوغ الأرب في معرفة أحوال العرب"، أمثلة واضحة على النـزعة العروبية في الخطاب الإصلاحي.
بيد أن العروبة الثقافية سرعان ما أخذت في التحول إلى حركة عروبية سياسية بعد صعود "جمعية الاتحاد والترقي" إلى السلطة في إسطنبول في 1908 - 1909. وجد الاتحاديون أنفسهم أمام سلسلة من التحديات الخارجية والداخلية التي هددت بقاء السلطنة واستقرارها ووحدتها، ولمعالجة هذه التحديات والتصدي لها اتبع الاتحاديون سياسة تقوم على إحكام قبضة المركز على الأطراف، وفرض اللغة التركية لغة رسمية أولى (وهو ما عرف بسياسة التتريك)، وقمع حركات التمرد الداخلي بقدر هائل من العنف، وإسراع وتيرة التحديث. وقد اصطدمت هذه السياسات بالوعي العربي المتزايد، وبالتقاليد المستقرة في المنطقة العربية منذ قرون. نظر العرب إلى لغتهم باعتبارها لغة الكتاب، ورأوا أن محاولات تهميشها هي اعتداء على المقدس الإسلامي؛ واعترض العرب، خاصة بعد أن أصبحوا هم والأتراك العرقين الرئيسيين المكونين للسلطنة، على تهميشهم غير العادل في أجهزة الدولة والجيش وعلى حظوظ المنطقة العربية المتدنية من مشاريع التطوير والبناء. ولكن واحداً من أهم الأسباب التي أدت إلى بروز الحركة السياسية العربية أن الكثير من أهل الرأي العرب باتوا مقتنعين بأن السلطنة لم تعد قادرة على الدفاع عن شعوبها وبلادها. كانت الفكرة القومية قد أصبحت المحرك الأساسي للشعوب الأوروبية، وظن أبناء النخبة العربية، من علماء وأعيان وضباط وكتاب، أن الفكرة العربية ستبث حيوية جديدة في عروق الشعوب العربية وتدفعهم إلى نهوض شبيه بالنهوض المدني الأوروبي.
هذه هي الظروف التي أدت إلى ولادة "العربية الفتاة"، و"حزب اللامركزية العثماني"، و"جمعية العهد"، ومن ثم إلى الصدام العربي - التركي في سنوات الحرب العالمية الأولى، عندما واجه العرب إجراءات القمع الدموية لحكم جمال باشا في سوريا بإعلان الثورة والتحالف مع بريطانيا. وكانت هذه أيضاً هي مرحلة انقسام عربي، عندما وجد زعماء عرب أن حماية السلطنة هي حماية للعرب والإسلام، بينما وجد آخرون أن الرابطة العثمانية قد فقدت كل مبرر شرعي وتاريخي وأخلاقي للبقاء. ولم يكن هذا الانقسام انقساماً بين دعاة العروبة ودعاة الرابطة العثمانية فحسب، بل كان انقساماً بين العروبيين أنفسهم كذلك. إن الأغلبية العظمى من قادة الحركة العربية في العقد الثاني من القرن العشرين كانت من الإصلاحيين الإسلاميين العرب، الجيل الأول والثاني من أبناء الحركة السلفية الجديدة، مثل رشيد رضا، محب الدين الخطيب، الشيخ عبد الحميد الزهراوي، الشيخ علي السويدي، والسوريين الشبان من تلاميذ الشيخ طاهر الجزائري، الذين شكلوا الجسم الرئيس للعربية الفتاة. وفيما عدا قيادة حزب اللامركزية، التي ضمت واحداً أو إثنين من المسيحيين الشوام المهاجرين إلى مصر، فإن قادة التنظيمات العروبية آنذاك كانوا جميعا من المسلمين، وكان أغلب هؤلاء من تلاميذ الإصلاحيين الكبار.
إن من الصعب القول أن ذلك الجيل من العروبيين، سواء في بلاد الشام، والحجاز، ونجد، والعراق، أم مصر، كان قد طور رؤية ناضجة وموحدة لمستقبل العرب أو للفضاء الجغرافي العربي، ولكن من الممكن القول أن تصور ذلك الجيل للعروبة قد اتسم بالسمات التالية:
1 - إن العروبة فهمت بمدلولاتها الثقافية واللغوية وليس بمدلولاتها العرقية، وهذا ما جعل شخصيات مثل خير الدين الزركلي، محمد كرد علي، جعفر العسكري، نوري السعيد، وجميل المدفعي، وهم جميعاً أبناء أسر متعربة من أصول تركمانية أو كردية، من القادة البارزين في الحركة العربية.
2 - إن العروبة فهمت ضمن إطار إسلامي، خاصة في أوساط الإسلاميين الإصلاحيين الكبار، مثل رضا والجزائري والسويدي. كما أن أهداف النهضة العربية فهمت باعتبارها طريقاً نحو نهضة الإسلام. بل حتى الشريف حسين، الذي أطلق الثورة العربية ضد إسطمبول، تصور أن حركته ستؤدي في النهاية إلى تأسيس خلافة عربية لأن العرب هم الأولى بتحمل أعباء الخلافة.
3 - إنه منذ لحظة الإنهيار العثماني، طرح العروبيون العروبة (ووحدة شعوبها) باعتبارها الإطار المرجعي البديل للرابطة العثمانية وللسلطنة. بل يمكن القول ان العروبة أصبحت محل الإجماع الوحيد الممكن بين العرب، وأصبح هدف إنجاز وحدة العرب وتأسيس دولتهم الواحدة المشروع الوحيد الذي اجتمع حوله رجالات العرب، بما في ذلك أولئك الذين استمروا على ولائهم للسلطنة العثمانية حتى النهاية، مثل شكيب أرسلان وياسين الهاشمي وعبد العزيزالثعالبي. وقد عزز من هذا التوجه فشل مؤتمرات إحياء الخلافة في عقد العشرينات وتبني قيادات الحركة الوطنية في مصر والمغرب العربي للفكرة العربية.
في الوقت الذي كانت فيه الفكرة العربية تمد جذورها في مصر والمغرب العربي، حيث كان التعبير الأقوى لمناهضة المستعمر قبل الحرب العالمية الأولى هو الولاء لإسطنبول والخلافة، كانت منطقة المشرق العربي تشهد تطورين هامين تركا أثراً بالغاً في مسيرة الحركة العربية. أول هذه التطورات كان تولي فيصل الأول حكم العراق، وحصول العراق المبكر على استقلال محدود وتحوله من ثم إلى مركز ونقطة جذب لعدد كبير من رجالات الحركة العربية. أصبح العراق وريثاً لحكومة دمشق العربية التي رفعت راية العروبة واستقلال العرب ووحدتهم في نهاية الحرب العالمية الأولى، وتبنى العراق مشروع الوحدة العربية سياسة رسمية ومرجعية للثقافة السائدة ومناهج التعليم والإعلام.
ثاني هذه التطورات كان نجاح عبد العزيز آل سعود في مشروع توحيد الجزيرة العربية والتفاف عدد من الإصلاحيين الإسلاميين العروبيين حوله، مثل رشيد رضا، محب الدين الخطيب، شكري القوتلي، أمين الحسيني...الخ. تبنت السعودية أيضاً الفكرة العربية ومشروع الوحدة، وبدأ بالتالي الصراع السياسي- الإستراتيجي الطويل بين السعوديين والهاشميين، وهو الصراع الذي أضعف تيار الوحدة، وسرعان ما انجرت إليه مصر في تحالف مع السعودية بعد استقلال الأولى في 1936. ولكن من الضروري التذكير، على أية حال، أن دور الخلافات العربية - العربية (الناجمة عن ولادة الدولة القطرية الحديثة) في إفشال مشروع الوحدة خلال حقبة ما بين الحرب العالمية الأولى والحرب الثانية كان دوراً ثانوياً. لقد كشفت وثائق تلك الحقبة أن الدولتين الإستعماريتين الرئيسيتين، بريطانيا وفرنسا، قد اتبعتا استراتيجية مناهضة لوحدة العرب، ليس في سايكس - بيكو فقط، بل وطوال العقود التالية للحرب الأولى. وربما يمكن القول أنه لو ترك العرب في العشرينيات والثلاثينيات والأربعينيات لشأنهم لاستطاعت إحدى القوى العربية في النهاية ترجيح ميزان القوى لصالحها وتحقيق وحدة أكبر جزء ممكن من بلاد العرب، تماماً كما استطاع عبد العزيز آل سعود في السنوات بين 1920 - 1928 القضاء على عدد من الممالك والإمارات في الجزيرة العربية وتأسيس المملكة العربية السعودية.
تعلق التطور الثالث بالخطاب العربي ذاته، وبالعناصر الثقافية المكونة له، والتعبيرات الثقافية والسياسية التي نجمت عنه. شهدت الثلاثينيات والأربعينيات على وجه الخصوص بداية الانفصال بين العروبة والإسلام، سواء أكان في الكتابات أم اللغة السياسية، وحل مصطلح القومية أوروبي النشأة والدلالات محل مصطلح العروبة. إن أسباب هذا التغير عديدة: بينها مثلاً الإحساس العربي العميق بالفشل والهزيمة في سنوات ما بعد نهاية الحرب العالمية الأولى. فقد خرج العرب من الحرب خاسرين بكل المقاييس، فلا هم حصلوا على دولتهم الموحدة ولا على خلافة عربية ولا هم حافظوا على استقلالهم أو جامعتهم العثمانية الإسلامية. وكما في تاريخ الكثير من الحركات القومية، فإن رد الفعل على الفشل تجلى في إعادة التأكيد على الخطاب القومي، وإعادة التأكيد المتطرف في بعض الأحيان. أمام فشل المغامرة العربية في الحرب الأولى، أخذ المثقفون العرب في إبراز عناصر الوحدة العربية وفي إنشاء عناصر أخرى لهذه الوحدة، أدخلت لأول مرة إلى الخطاب والثقافة العربية فكرة وحدة العرق العربي ونظريات الهجرات العربية من جزيرة العرب. وبدلاً من تصور النهضة العربية كطريقة لنهضة الإسلام، أصبح الإسلام مجرد عنصر من عناصر الإيديولوجيا القومية الجديدة.
وقد لعب مثقفون عرب تلقى أغلبهم تعليمهم في الجامعة الأمريكية في بيروت أو في جامعات أوروبية، مثل درويش المقدادي، ساطع الحصري، أكرم زعيتر، ثم قسطنطين زريق وميشيل عفلق وصلاح الدين البيطار، دوراً بارزاً في تشكيل الخطاب القومي الجديد. كانت مصادر ثقافة هذا الجيل من المثقفين العرب غربية أوروبية تشبعت بالتقاليد القومية الالمانية والفرنسية. هذا الجيل من القوميين العرب، أبناء عصر السيطرة الأوروبية الإستعمارية على العالم العربي، ومناهضو هذه السيطرة في الآن نفسه، شهود الهزيمة العربية في ميسلون والقصف الفرنسي لدمشق والغارات البريطانية الكيمياوية على عشائر ثورة العشرين، هم الآباء الحقيقيون للقومية العربية في صيغتها المعلمنة. ولكن الثلاثينات والأربعينات، إضافة إلى ذلك، شهدت بداية تفكك الساحة الفكرية العربية بعد أن أخذ جناحا العروبة والإسلام، اللذان اجتمعا في الخطاب الإسلامي الإصلاحي، في الإفتراق. ولعل ولادة حركة الإخوان المسلمين وحزب البعث، كتيارين سياسيين عابرين لحدود الدولة القطرية الحديثة، كان تعبيراً واضحاً عن هذا الإفتراق.
لم يستطع الخطاب القومي العلماني بسط سيطرته الكاملة على الساحة العربية؛ ومنذ ولادة الإخوان المسلمين، عبر حسن البنا (وهو الذي كان لصيقاً برشيد رضا ومحب الدين الخطيب)، عن تصورات عربية - إسلامية. كما ظل الخطاب العروبي للدولة السعودية وللحركة الوطنية في المغرب العربي خطاباً إسلامي التوجه. ولكن صعود القوى القومية الحديثة إلى سدة الحكم منذ بداية الخمسينات، ومن ثم اندلاع الصراع الدامي على السلطة، والذي دارت رحاه في مصر وسوريا والعراق واليمن والجزائر، بين القوى القومية الحاكمة والقوى الإسلامية المعارضة، أدى في النهاية إلى تحول الافتراق الثقافي بين العروبة والإسلام إلى حالة انقسام حاد، وأحياناً، دموي واستقطاب حاد في كافة أنحاء المنطقة العربية. وفي خضم الصراع، نسي الطرفان، أو تناسيا، أن الفكرة العروبية قد ولدت أصلاً في الدائرة الإسلامية الإصلاحية، وأن القادة الأوائل للحركة العربية تحدروا في أغلبهم من أصول إسلامية إصلاحية. كان الإصلاحيون العرب، فعلياً وسلالياً، الآباء الشرعيين للتيار القومي العربي وللتيار الإسلامي السياسي على السواء، وبانفراط ميراث الإصلاحيين العربي - الإسلامي انفرطت الوحدة السياسية الداخلية للعرب. ولم يحافظ على هذا الميراث، هذا الإنجازالعربي المبكر والفريد، إلا حفنة صغيرة من المفكرين وأهل الرأي الذين استطاعوا الحفاظ على توازنهم عندما استشرى الاختلال الفادح للاتزان من حولهم، وعندما أخذت السجون والمعتقلات في الازدحام برجالات الأمة وقادتها، بينما علق على المشانق أعيانها.
تقع القومية في قلب مسألة الهوية، ولفترة طويلة أخطأ أنصار القومية وخصومها تقدير أثرها وفعاليتها. وربما يمكن القول الآن، بعد أكثر من قرنين على ولادة الوعي القومي، وفي ضوء أحداث البلقان وشرق أوروبا ووسط آسيا والمنطقة العربية، أن القومية ولدت لتبقى طويلاً. وليس هناك من أمة أو قوة سياسية يمكنها تجاهل مسألة الهوية وأثرها في كافة جوانب الحياة الساسية والثقافية، بل والإقتصادية أيضاً. وتقدم مناطق قلق الهوية في أوروبا، كبريطانيا، مثالاً ساطعاً على الآثار الفادحة لأزمة الهوية. أما في المنطقة العربية، فإن أزمة الهوية تساهم مساهمة مباشرة في استمرار الانقسام الداخلي.
كان الاعتقاد السائد في السابق أن الهويات تنمو وتموت، وأنها تتبادل المواقع في الوعي الفردي والجماعي؛ ولكننا ندرك الآن أن هوية ما قلما تستطيع طمس هوية سابقة، وأن الهويات تتداخل وتتقاطع، أو تستقر كطبقات الواحدة منها فوق الأخرى. إن تشكل الوعي بالهوية العربية لم يؤد بالضرورة إلى اختفاء الوعي بالهوية الإسلامية، كما أن تبلور الوعي العراقي والجزائري في إطار الدولة القطرية خلال النصف الثاني من القرن العشرين لا يعني بالضرورة إقصاء البعد العربي للهوية. وقد آن الأوان للقوى السياسية العربية الفاعلة، الإسلامية منها وغير الإسلامية، أن تدرك حقائق التاريخ والواقع كما هي، وأن تتعامل مع ما هو سلبي لمحاصرة مخاطره ومع ما هو إيجابي لتنميته. بعض هذه الحقائق المتعلقة بالمسألة القومية يمكن إدراجها كما يلي:
1 - ان التصورات الإسلامية المعاصرة للتاريخ هي تصورات مثالية إلى حد كبير، تتجاهل حقيقة أنه فيما عدا الحقبة المبكرة من المسيرة التاريخية الإسلامية لم تستطع دولة واحدة قط أن تضم بين جنباتها كل المسلمين، بل إن الأمة تنازعتها في وقت من الأوقات ثلاثة خلافات (جمع خلافة) متصارعة: واحدة في بغداد والأخرى في مصر والثالثة في الأندلس.
2 - ان مؤسسة الخلافة تحولت في النهاية إلى رمزللوحدة لا إطاراً سياسياً فعلياً لها؛ وقد جاء انهيار مؤسسة الخلافة في حقبة اختل فيها التوازن العالمي لصالح القوى الغربية الإمبريالية، من ناحية، وأخذت الهويات القومية للشعوب الإسلامية في التبلور، من ناحية أخرى. وبعد عدد من المحاولات الفاشلة في العشرينيات والثلاثينيات من القرن العشرين، أدرك قادة الرأي في الأمة الإسلامية الصعوبة البالغة التي تكتنف مشروع إحياء مؤسسة الخلافة.
3 - انه بينما تعزز الإحساس بالهوية العربية بين مختلف الشعوب العربية، فإن الإسلاميين العرب باتوا أقل الإسلاميين اعتزازاً بهويتهم القومية، وأقل الإسلاميين إدراكاً لأهمية الاستجابة للهوية القومية، مقارنة، مثلا، بالإسلاميين الأتراك أو الإيرانيين أو الباكستانيين.
4 - إن التجزئة والدولة القطرية، مهما كانت زاوية النظر إليهما، باتتا مصدر خطر كبير على حياة العرب ومستقبلهم، سياسياً واقتصادياً واستراتيجياً. وليس هناك مهما كانت القناعات من بديل واقعي للتجزئة غير مشروع وحدوي على المستوى العربي.
5 - ان العروبة لن تصبح إطاراً حقيقياً وناجعاً للوحدة إلا بالعودة إلى تصورها الأولي، عروبة بمرجعية إسلامية، عروبة عمادها اللغة والموروث الثقافي وهدفها النهضة والاستقلال، عروبة محررة من الخطاب العرقي، حاضنة لكل من اختار الهوية العربية بغض النظر عن أصله الإثني، عروبة لا تسعى لفرض نفسها على الآخرين من غير العرب، ولا تسعى لإلغاء هويتهم وليست في صراع معهم.
6 - ان تبني الإسلاميين للعروبة ولمشروع الوحدة كجزء من برنامجهم السياسي، وقبول غير الإسلاميين بالهوية الإسلامية للعروبة، هو تبن صحيح مبدئياً وبراغماتياً. ولكن تبني العروبة والإسلام لا بد أن ينطلق أيضا من إدراك لضرورة إعادة بناء الإجماع في بلادنا، والعروبة في مرجعيتها الإسلامية هي قاعدة من أهمّ قواعد الإجماع في المنطقة العربية.
--------------------------------------------------------------------------------
(*) كاتب ومؤرخ وأستاذ جامعي - القاهرة.
http://www.mawazeen.com/index.php?art/id:34