المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : المجتمع و التغيير


فائز البرازي
13-08-2008, 06:39 PM
المجتمع و التغيير
===========

أود أن تكون مقدمة مقالي عرضآ دقيقآ ملخصآ يتلمس الواقع ، من خلال ماطرحه الأستاذ الكبير
/ خيري منصور / في عموده اليومي في صحفية الخليج الإماراتية ، بعنوان [ أحزاب ولكن .. ] .

[ مانشاهده أحيانآ من إستطلاعات متلفزة للرأي العام العربي حول التجارب الحزبية ، يثير فينا الخوف على مستقبل "العقل السياسي " أكثر مما يثير من الأسى . فالناس عازفون عن هذا الشجن ، ويائسون من جدوى الأحزاب بعد أن جربوا الكثير منها ، ورأوا بأم العين أن بعض المعارضات العربية تقف على يمين النظم السياسية وليس العكس ، خصوصآ بعد أن إنتقلت عدوى النظام إلى أحزاب وتشكيلات سياسية تزعم أنها تقف على الطرف المقابل ] .

[ إن البنية السياسية لهذا العقل ليست حكرآ على ماهو رسمي ، سواء كانت بطرياركية أو غير ذلك فالجميع مشمولون بها لأنهم ولدوا من "الرحم التاريخي والثقافي " ذاته . وهذا ما يفسر سرعة إنتقال الفيروس والعدوى من هذه الجهة إلى تلك ، ومن الرسمي إلى الشعبي ، ومن العامة إلى النخب . ولا يليق حرق المراحل بقضايا وظواهر بالغة التعقيد ، وليس معنى ذلك أيضآ العودة الدائمة للبدء من الصفر أو من أول سطر في التاريخ . لكن هناك ضرائب لابد من دفعها ومديونيات لابد من تسديدها ، كي لايكون " الوعي " زائفآ أو شكليآ يرمم بالصياغات البلاغية ما يقضمه الواقع ] .

النتيجة لما سبق ، ولقراءاتي وأطروحاتي عبر سنوات ، هي : ضرورة التركيز لإحداث التغيير المنشود ، على ( المجتمع ) ، بكونه : مفرزآ للنظم والسلطات ، ومفرزآ للنخب وللقوى السياسية والثقافية . فالإقتراب من أيهم وبشكل مجرد ومعزول عن كونه إفرازات مجتمع ، وجدلية قائمة بين الأعلى والأدنى ، لهو أمر بعيد عن العلمية والموضوعية والإستقراء الأقرب للصحة . فهم لم يُسقَطوا علينا من كواكب أخرى ، ولم يأتوا من رحم التاريخ البعيد . إنهم جزءآ أساسيآ من المجتمع في تشكلهم الفكري والعقلي والثقافي والسيكيولوجي والسيسيولوجي والممارساتي ، يعبرون عن مجمله ومضمونه مهما تغيرت الأسماء وتبادلوا المواقع في توالي الأزمنة .
اليوم الجميع يلمس ويشاهد ويعاني من أن هناك إنهيارآ وتراجعآ في المجتمع بدل ان يكون الوضع في تنامي وتقدم تراكمي . فمن ماقبل وما بعد عهود الإستقلال العربية ، تصاعدت حركة المجتمع لتبلغ قمة تصاعدها – النسبية – في خمسينات وستينات وسبعينات القرن الماضي ، حراكآ : ثقافيآ وسياسيآ ومجتمعيآ ، ثم بدأت بوادر ومظاهر الإنهيار منذ أواسط ثمانينات القرن الماضي .
وأكاد أعتقد أن هناك ثلاثة أسباب هي الأقوى وليست الوحيدة وراء هذا الإنهيار :
سياسي – ثقافي – مجتمعي
وبشكل متساوق بينهم في التأثير وتبادل الإيجابيات والسلبيات ، بحيث يصبح من اللامعنى تحميل أحدهم ، وتبرئة الآخر .
وليس من داعي لإعادة التكرارعن دور الإستعمار والقوى الأخرى الخارجية فيما وصل إليه حالنا ، وهذا أمر لايمكن نكرانه أو عدم اخذه بالإعتبار أو القفز من فوقه ، ولايمكن ايضآ الإستسلام إلى هذه
( الشماعة ) لنعلق عليها قصورنا وفشلنا وتراجعنا ، فلا نحتاج إلى وقفة نواجه بها ذواتنا مهما كانت الوقفة مؤلمة أو مُضَيّعة في ضبابيات واقعنا .

عن السياسي :
--------------
وهو أحد أعمدة الثالوث المسؤول عن التراجع ، وبما له من تأثير موجه وكبير في تفاعله مع الثقافي ومع المجتمعي . وبما يحمل في مضمونه بحكم وجوده لاعبآ ظاهرآ ومؤثرآ : سلطة – معارضة ، من مظاهر وأفعال الإستبداد والهيمنة والفساد والإفساد ورفض الآخر : سياسيآ وفكريآ وثقافيآ ، في الثقافة والمعرفة والمجتمع . والرافع – سلطة ومعارضة – شعار تمثيله للمجتمع وللجماهير .
والواضح تمامآ ان النظام – والمعارضة ، لايمثلان المجتمع ولم يعطيهما تفويضآ لتمثيله ، عدا عن ذلك الشعار المخادع المرفوع " الديمقراطية " التي تتغنى بممارستها جميع النظم العربية ، وتطالب بتطبيقها جميع المعارضات العربية ، وهو أيضآ شعارآ لم نتأهل له بعد : مجتمعيآ ، مؤسساتيآ ، اسريآ .
ويدور في السياسة .. جدل عقيم حيث كل من النظم والمعارضات تطرح مايلائمها وما يدعم توجهاتها . جدل عقيم بين من .. أولآ :
إصلاح سياسي ، إصلاح إقتصادي ، إصلاح إداري ، إصلاح تعليمي .. والكل يعرف ويتجاهل ان ليس هناك ( أولآ ) .. إنها عملية متكاملة وشاملة يدفع أحدها الاخر على طريق الإصلاح وإحداث التغير بشكل منهجي وعلمي مدروس وتراكمي ، حيث كل منهم يدفع الآخر إلى الأمام ، أو يشده للخلف ، وحيث أن الإصلاح وإحداث التغيير يعتمد على : بناء الإنسان الواعي الراشد الحر ، اداة الفعل الحقيقية في الإقتصاد والتنمية الإقتصادية ، في الإدارة الرشيدة ، في التعليم والعلم والبحث العلمي ، وبما تتطور وتتحسن به ظروفه المعيشية والحياتية .
إن نظرة تأمل إلى الواقع السياسي العربي أمس واليوم ، ولدينا إثنان وعشرون نظامآ سياسيآ حاكمآ، وحسب الرؤية وحسب مطالب المعارضات العربية وحسب أحاسيس وآلام الشعوب ، تقول أن هناك ( جوامع ) أساسية تُطرح ، لاتختلف بينها إلا بالنسبية :
[ إستبداد – إحتكار للسلطة – رفض مشاركة قوى سياسية بالقرار – فساد – محسوبية – تخلف إقتصادي وإجتماعي وعلمي ... ] .
إن شمولية هذا ، مع الإختلافات والخلافات بين النظم السياسية والإقتصادية في الدول العربية ، لايمكن أن يكون ناتجآ عن : إتفاق وتوافق وتنسيق واحد ، كمنهج ثابت معمم ومتفق عليه ومعتمد.
ان هذا الواقع المعاش والظاهر يقول ان : هناك ( مشكلة بنيوية ) تفرز مسار وتصرفات وممارسات النظم السياسية حتى مع تبدلات تقع في السلطة وفي المراكز فيها ، وحتى إن تبدلت باخرى ..
لذلك إن صح ذلك – وهو صحيح كما أعتقد – يكون على الجميع فرضآ متوجبآ وحتميآ بحث هذه (المشكلة البنيوية ) لتحديدها ، وطرح الحلول لمعالجتها ، وإنتقاء أنسبها للعمل عليه لتصحيحها .

عن الثقافي :
-------------
الثقافة بما هي عليه [ من كل معقد يشمل المعرفة والعقيدة والفن والتقاليد وأي قدرات وعادات أخرى يتعلمها الإنسان كعضو في المجتمع ] – ادوارد تيلور - .
وبما هي قدرة الإنسان على إعطاء معاني للأشياء ، غير مكتملة بالوعي الإنساني بل هي منفتحة ومتطورة ومؤثرة حتى النهاية . وهي الكلمة والفكرة والسلوك والتجربة الإنسانية بأبعادها الإجتماعية والفكرية . وهي المعاش اليومي الذي يتشكل عبر حركة المجتمع .
والثقافة تنعكس على المجتمع وتساهم في تطويره الفكري والعقلي والمادي ، وبالتالي تنعكس على السياسة والإقتصاد والأخلاق . وبحيث لايمكن عزلها – الثقافة – عن تفاعلات المجتمع لتبقى في سجن الفوقية السلطوية والنخبوية . فتعميم توصيف الثقافة ( بالفوقية والنخبوية ) هو خاطئ لايستقيم مع مضمونها ووظائفها وأدوارها ، إلا في حالة واحدة من حالات الثقافة ، وهي :الإبداع .
واكاد أعتقد أننا إذ نقول : ( اننا إمتلكنا الثقافة ) ، فهذا القول هو مجرد بداية لهدف اوسع وأصدق يقول : ( أن الثقافة قد امتلكتنا وتغلغلت عميقآ في كياننا ) . وبالتالي فهي تخدم بذلك وظيفة مواجهة جميع الظروف التي نواجهها بدءآ من ضرورة تحقيق الحرية الذاتية والعامة ، وتحقيق التطور والتقدم الأخلاقي والمادي ، وتنمية مطلوبات كثيرة في السعي لإحترام الآخر وفكره وطروحاته .
ونستطيع أن نظهر الثقافة هنا ، كأمر خاص بنا مرتبطآ تمامآ " بهويتنا " . فإن كانت " المعرفة " هي إنسانية عامة وشاملة ، إلا أن " الثقافة " خاصة ومرتبطة بكل هوية من هويات المجتمعات الإنسانية ، وفي حالة أخذ وعطاء وتفاعل وصياغة بينها جميعآ .
والمثقف : -
بإعتباره الإنسان الذي يقود العملية الثقافية في مضامينها ووظائفها وأدوارها ، هو ايضآ الإبن الشرعي للمجتمع ، يتطور ويتعاظم دوره مع تطور المجتمع والنظم السياسية فيه ، ويتردى ويتراجع الكل : سلطة ، مثقف ، مجتمع ،مع ذلك التراجع والتردي الجدلي للكل .
فالمثقف ومع كبَر مسؤوليته ودوره ، إلا أنه ليس المسؤول الأول والأخير عن التردي الثقافي في مجتمعاتنا العربية . كما أنه ليس المسؤول وحده عن الإرتقاء وإستنهاض الواقع الثقافي . ولا يمكن حصر دوره ومهامه في " التنمية الثقافية " فقط ، بل يتجاوز إلى أدوار أخرى تمتد من التنمية الثقافية إلى : التنمية السياسية والإجتماعية والتعليمية .
وإن حاولنا تحديد أهم وظائف ومهام المثقف في مجتمعاتنا ، نقول :
1- تجديد الفكر كضرورة حداثية مستدامة : - وتجديد الفكر بما هو : تجديد اسلوب التفكير ، وطريقة التفكير ، والتعمق في دراسة وتحليل المؤثرات على منتجات العقل والتفكير ، كإحدى الوظائف الرئيسية للثقافة ، يقودها المثقف بأهم أدواته وهي ( ثقافة النقد ) التي لاتزال مجرد أطر كلامية لم نرق إلى معايشتها على ارض الواقع ، بتكريس النقد الذاتي في أطر التربية والأخلاق والحقوق والقانون وإحترام الرأي الآخر ومحاورته ، إن كان ذلك : داخل ذات الفرد ، أو داخل الأسرة ، أو داخل المجتمع .
2- ترسيخ جدلية الثقافة والمعرفة : - لأن مايدعم العملية الثقافية هو إزدياد " الوعي " ، وتوسع " المعرفة " وإنفتاحها على الآفاق الإنسانية . وبكون الثقافة هي نتاج الوعي بالمعارف الكونية جميعها ، إلا أن " خطر " المعرفة بالنسبة لنا هو مايمكن تسميته (بخطر الإغتراب ) أي : التغريب والتفرنج الذي هو إستلاب . يقابله ويتساوق معه في الخطر : (خطر ثقافة الإستلهام ) .. التي تعفي نفسها من عناء البحث ، عبر إستلهام " الماضي " سواءآ كان فلسفيآ أم علميآ أم دينيآ أم أدبيآ . وهو مايفسر درجة القحط الثقافي والعجز عن مواكبة تطورات العصر . إذ على المثقف العربي ان يعي ويدرك مايحدث حوله من متغيرات وتحولات ، ويستطيع مواكبتها ليكون له الدور الفاعل والمؤثر في إحداث التغيير والتنمية والتطور .
3- تثقيف الجماهير وتفعيل الحراك المجتمعي : - حيث أن ( المخزون الجمعي ) للثقافة يجب أن يكون واضحآ " كوظيفة أساسية للثقافة " ، وهو أيضآ بقدرتها ودورها في إحداث التغيير والفعل المؤثر في حياة الفرد والمجتمع . إنها – الثقافة – عن حق رافعة للتاريخ وصانعة له وقائدة للتطوير في كل مجالات الحياة الإجتماعية والسياسية والإقتصادية ، وبما هي معنية بشكل خاص بإنتاج الأفكار والرؤى والتصورات ونقد السلوك والأفكار التي لم تعد ملائمة لحركة التقدم ، وبما هي معنية بشكل عام بما تعطيه للمجتمع من معنى وما تضيفه وتطوره من قيم ووعي على جميع المعاني والماديات .
ويجب الإعتراف والأخذ في الحسبان ، وجود ( معوقات للمثقف ) تحد من دوره ومن تأثيره وفاعليته ، والتي يجب معالجتها والإقلال من تأثيرها ، وأهمها :
• إنتشار تأثير الصورة وإحتلالها النسبي الكبير لموقع الكلمة . مع بدء هيمنة العولمة وطريقتها بالتعامل مع الكلمة ومع الأفكار .
• إنعزال المثقف عن واقعه ، نتيجة الإحباط السائد اليوم في الواقع العربي ، والمحيط المتحرك ، والتغيرات المتسارعة ، والتقدم الإقتصادي والعلمي ، وطغيان المادي على الثقافي والقيمي والأخلاقي .
• إنهماك المثقف في تأمين حاجاته الشخصية والمعيشية ، وطغيان متطلبات الحياة المادية وصعوبة تأمين سبل المعيشة .
• الغلو في تديين الدنيا ، والتقديس الإختزالي للتراث ، والمبالغة في تضخيم الذات ، والوصاية وبكل أنواعها : وصاية السلطة ، وصاية ولي الأمر ، وصاية مثقفين آخرين .
• الرقيب العام البعيد كل البعد عن مضامين الثقافة ، والرقيب الذاتي الذي يفرضه معظم المفكرين والمثقفين على أنفسهم إما خوفآ أو طمعآ أو مراءاة .. أو بسبب " الأحكام المسبقة" المترسبة في الذات ، أو بسب التخوف من ردود الأفعال المجتمعية .
• الفقر والمعاناة الإقتصادية ، وعدم الوعي بإرتباط الثقافة بالعوامل السياسية والإقتصادية والإجتماعية .
• السجال الدائم بين ماهو ( ثقافي ) ، وبين ماهو ( سياسي ) ، وعلاقة المثقف بالسلطة ، ودور المثقف النقدي وإسهامه في صناعة القرار . وإستخدام " السياسي " لعقل المثقف وإستثماره لمصلحته ، وسيادة ( ديكتاتوريات ) : السلطات ، والمؤسسات الأبوية .
• كما أن " المثقف " يتأثر بهزائم وإنتصارات " السياسي " . فالإنتصار والصعود السياسي لابد أن يرافقه صعودآ ثقافيآ .. والعكس صحيح .

عن المجتمع :
---------------
المجتمع .. بما هو عليه من أفراد وجماعات وشرائح : إجتماعية ، سياسية ، ثقافية ، إقتصادية ، علمية ... شرائح متداخلة متشابكة في مجملها ، بأشكال مجتمعية :
[ متجانسة – تعددية – فسيفيسائية ] .. – حليم بركات - .
والمجتمعات عمومآ تنقسم حسب " أنماطها " العامة المرتبطة إرتباطآ وثيقآ بالثقافة السائدة فيها ، ومنها : مجتمعات الصيد وجمع المحاصيل – المجتمعات الرعوية – المجتمعات الزراعية – المجتمعات الريعية – المجتمعات الصناعية .
كما أن هناك حالات / أنماط لنشوء وتكون المجتمعات مختلفة بإختلاف : الجغرافيا والتاريخ والبيئة وظروف التكون .
وفي مجتمعاتنا العربية لاتزال ( أنماط ) المجتمعات البدوية والرعوية والزراعية والريعية ، هي الأنماط السائدة ، بعيدآ عن المجتمعات الصناعية والتكنولوجية والعلمية عمومآ . كما ان إشكاليات "تداخل" تلك الأنماط داخل المجتمع / الكيان السياسي الواحد ، تشكل عوامل معيقة للثقافة ولتقدم وتطور ( أنماط التفكير ) ، بما هي عليه من تشابك : البدوي / القبلي ، مع الزراعي والريعي ، مع المديني التقليدي . حتى أن المديني التقليدي وبدلآ عن ان يكون رافعة إجتماعية ، فإنه ينسحب مجرورآ للأنماط الأخرى الأقل تطورآ .
والمجتمعات العربية بكونها فارزة ومتأثرة بالثقافي والسياسي ، فإن الرابط وأنماط التفكير القبلية بتفاعلها مع الواقع الجغرافي والتاريخي ومعطياتهما ، حوّل ذلك إلى ( كيان ) حصري متكامل يدمج في وحدته العضوية ، العلاقات الإجتماعية بالسياسية بالإقتصادية بالقيمية ضمن نسيج واحد ، ويبقي المعيار القبلي بالمسار التاريخي فارضآ نفسه على الثقافة وعلى السياسة . وهذا الكيان سادت فيه وبداخله ( آلية إنقسامية ) حيث كانت تتدرج عبر مراحل تبدأ : بالخلاف القبلي أو العشائري بحكم التنافس والتغالب وصراع المصالح ، ثم يصطبغ بصبغة سياسية حزبية طلبآ لرئاسة أو زعامة أو معارضة لها ، ثم يأتي إستخدام الثقافة لإستخراج المبررات النظرية المتناسبة للتفضيل في هذا الصراع .
وتصاعدآ مع التاريخ .. فإن تأملنا في الجذور الإجتماعية التاريخية للأزمة المجتمعية العربية منذ عصر الإنحطاط على الأقل ، وإلى اليوم ، فنجد انه قد قيل الكثير ، وكتب الكثير عن أسباب التردي اليوم في المجتمعات العربية . منها أسباب تتعلق : بقصور التربية ونظم التعليم ، او راجع لنوعية النظام الإجتماعي والإقتصادي ونوعية العلاقة بين الطبقات الإجتماعية في هذا النظام ، أو راجع للطبيعة السياسية واساليبها ونظمها المختلفة ، أو بسبب الإخفاق في تحقيق الوحدة التي هي المدخل لأي تغير نوعي في المجتمعات العربية ، أو لتخلي العرب عن تراثهم وقيمهم الأصيلة ، أو بسبب تقصير العرب في إستيعاب حداثة العصر وإسرافهم بالتمسك بالماضي والخضوع لسلطة الآباء والأجداد ، أو ان لامخرج من هذا التردي والتخلف إلا بالتصنيع الحديث ، لتغيير العقل والسلوك معآ .
وقد يكون كل هذا صحيحآ .. إلا أن الخطأ هو أنا " نعزل الأحداث " عن السببية والتراكمية بحيث نأخذ حدثآ بعينه ونفصله عن مجرى تاريخنا كله ، ومجرى عصر الإنحطاط الذي عاشته وعانت منه المجتمعات العربية أيام المماليك والترك وغيرهم . فننظر للحدث وكأنه بلاء قد سقط علينا من السماء، أو محصورآ بتصرف ما ، أو بسبب نظام ما ،( وليس لأنه منبثقآ من مجرى واقع التخلف ) الذي عشناه ونعيشه ، والذي ورثناه عبر عدة قرون ومنذ توقف الإبداع الحضاري العربي في القرن الرابع الهجري ، وتعرض المنطقة العربية للموجات الغريبة الكاسحة التي اخذت تجتاحها منذ إنهيار الدولة العباسية إلى إجتياح المغول إلى حكم المماليك إلى سيطرة الأتراك وتدمير مراكز الحضارة في المشرق والمغرب العربي إلى الإستعمار الغربي .
إن مشكلات المجتمع التاريخية في مسارها وحتى اليوم .. تنبع من ( أنماط تفكير ) و ( أنماط سلوك) سائدة فيه ، وهي مترسخة ومتوارثة قد تتغير شكلآ في صورتها ، لكنها في عمق مضامينها هي ذاتها المستولدة والمتكررة .
ما العمل :
السؤال الذي يتبادر للذهن بعد معرفة التوصيف والأسباب ، مالعمل ؟؟ كيف السبيل للخروج من الحالات المؤلمة التي تحيط : بالمجتمع والمثقف والسياسي نتيجة إشكاليات مرتبطة بعوامل : فكرية وثقافية وسياسية وإقتصادية ومجتمعية ، ليتم تجاوزها بان يقوم كل بدوره وتواصله وتفاعله وإرادته ، دفاعآ عن جميع القضايا الوطنية والقومية ، وفي مقدمتها : الهوية والإنتماء الوجودي والإنتسابي والثقافي ؟
وإن إنطلقنا من الإشكالية " الثقافية الأولوية " وهي الدائرة حول هاجس الهوية ، وعدم القدرة على التوافق مع تحولات الزمان والمكان ، فلا يجب أن يبقى هذا الهاجس كأمر " نخبوي " ، بل يجب أن يكون ( همآ إجتماعيآ عامآ ) بإزالة الإرتباك عند المتلقي الشعبي نتيجة إختلاف "المنطوقات الأيديولوجية " . أي : الإبتعاد عن ( أدلجة الثقافة ) . كما يجب إزالة تلك المسافة الفاصلة بين " صومعة المثقف " وبين الواقع الجماهيري بالعيش معه والإهتمام على الأرض بقضاياه الفعلية ، مع عدم حرق المراحل وضرورة التعامل التدريجي والتراكمي مع ذهن المُتَعامَل معه . إذ لايمكن أن نستطيع جعل " الطفل " شابآ ناضجآ بدون ان يمنح فرصة زمنية لإكتساب المعرفة والخبرة والتجربة بإرادته ومساعدته على ذلك ، ومن خلال الصراع مع المعطيات والمتغيرات ومواجهتها بأنماط تفكير وأنماط سلوك جديدة يتربى عليها .
والعالم اليوم – ونحن جزء منه – يعيش مراحل الحداثة . بل الأصح مراحل ( الحداثيات ) وليس حداثة واحدة – كما ذكر الدكتور محمد علي فخرو - ، فإن علينا أن نتفق ونعمل على البدء بالحديث عن الحداثة وضرورة "بلورتها " بعيدآ عن " جدليات " الحداثات الغربية وتعقيداتها وخصوصياتها ، بحيث يكون ( بناء حداثة ثقافية عربية ) مدخلآ جدليآ لبناء " الحداثات العربية الأخرى " في : السياسة والإقتصاد والتعليم والمجتمع . وعلى " السياسي " وخاصة ( الأنظمة السياسية الحاكمة ) أن تسير وتدفع على طريق " خلق الإرادة " لإحداث هذا .
وإننا ونحن نطرح مشروعنا للحداثة الخاصة بنا – ولكل أمة مشروعها الحداثي الخاص - ، يتوجب علينا ضرورة عدم القطع مع الماضي ( القطيعة المعرفية ) ، وضرورة الإنتقال من : " أسسها الصالحة " ، إلى مرحلة الحداثة برؤية جديدة فكرية وعلمية مرتبطة بالزمان والمكان والمعطيات المحيطة . وإن كانت هذه دعوة حق – وهي كذلك – إلا اننا في واقعنا نبقى مشدودين ومؤطرين في معارفنا وأنماط تفكيرنا السابقة . ونعيش حالة خوف من ( فراغ ) يمكن أن نعيشه . وهذا من أسبابه فقدان الثقة بأنفسنا وبإمكانياتنا ، وتخوفنا من مواجهة تحصل بين " التراث " ، وبين " الحداثة " فلا نستطيع التنسيق ولا إستيعاب وحل هذه المواجهة المصطنعة .
وإن كانت أمتنا العربية تمر بمرحلة إهتزاز وفقدان لبوصلة توجهها ، فإنها تعيش مرحلة إنتقالية تتجلى فيها أزمتها من خلال سببين رئيسيين يضم كل واحد منهما ، أسبابآ فرعية متفرعة منه :
السبب الأول : - أن أزمة هذه الأمة تتجلى بمحاولة التحول الجذري من المجتمع التقليدي القديم ، إلى مجتمع جديد في مفاهيمه : الحضارية والثقافية والإجتماعية والسياسية ، ضمن المرتكزات الأساسية لهذه الأمة . وهذا يستتبع ويحث على ضرورة تطوير وتوضيح وتفعيل الهوية القومية الإسلامية ، وفق نظرية ( للإدراك الواعي الموضوعي والعلمي ) قابلة للتوسع والتحسين في نطاق التطلع الإنساني .
السبب الثاني : - أن الأزمة العربية معلقة بشكل أو بآخر ، بأزمة عالمية إنسانية في : الفكر والسياسة والأخلاق والواقع . شاملة تغير في المفاهيم ومناهج التفكير وأساليب التعليم والمكونات الثقافية وأنماط السلوك والعلاقات والنشاطات الأخلاقية والسياسية والإجتماعية والإقتصادية ، مضافآ إليها " مفاهيم أمنية وإستراتيجية جديدة " .

ومن اسف ... فإننا أولآ وأخيرآ .. نعيش ( إزدواجية الممارسة واسلوب التفكير ) في معظم مناحي حياتنا : الدينية والمجتمعية والأخلاقية والسياسية والثقافية ، وبالتالي لابد : أولآ وأخيرآ أن نكــون
( مبدئيين ) .
==========================
فائز البرازي
27/7/2008