إبراهيم إسماعيل
25-11-2007, 01:43 PM
الماركسية والقومية
د. هشام غصيب*
ينبغى التنبه منذ البداية إلى أن الموضوع فى غاية التشعب والتعقيد، الأمر الذى يبرر عزمى على طرحه على صورة عدد من النقاط المحورية، التى يمكن أن تشكل أرضية صلبة للفهم والبحث والنقاش.
1- ينبغى التنبه إلى أن المسألة القومية تعد من أكثر القضايا التى شغلت بال الماركسيين عبر المائة والخمسين عاما الأخيرة نظريا وعمليا. إذ تناولها ماركس وإنغلز بإسهاب، وبخاصة فى سياق ثورات 1848 التى عمت القارة الأوروبية برمتها.
وركزا على علاقة القوميات والحركات القومية بالثورة الاجتماعية. ثم عادا وتناولاها فى سياق النضالين الإيرلندى والبولندي. ووصل الاهتمام بهذه المسألة أوجها فى المناظرات حامية الوطيس التى دارت رحاها فى صفوف الماركسيين فى أوروبا الوسطى والشرقية فى مطلع القرن العشرين. وكان فى مقدمة الذين ساهموا فى هذه المنظرات:
كاوتسكى الألمانى وبنكيك الهولندى وكارل رينر وأوتو باور النمساويان وروزا لوكسمبورغ البولندية ولينين الروسى وستالين الجورجي. ولعل أهم هذه المناظرات من جيث العمق الفكرى والأثر التاريخى كانت تلك التى دارت بين لينين وروزا لوكسمبرغ فى الفترة 1908-1909. وبعد الحرب العالمية الثانية عادت المسألة القومية لتحتل مركز الصدارة فى الفكر الماركسي، وذلك بتأثير نهوض حركات التحرر القومى والانتصارات الكبيرة التى حققتها ضد الإمبريالية. وظهرت مدارس جديدة فى هذا الصدد عمقت ووسعت ما ذهب إليه لينين فى مطلع القرن العشرين، نذكر منها مدرسة التطور اللارأسمالى السوفييتية والمدرسة الماوية ومدرسة التبعية فى أمبركا اللاتينية.
وبتأثير هذه المدارس، نشأت فى الوطن العربى تيارات أضافت جديدا فى هذا المضمار، وهى التيارات التى ارتبطت بالأسماء الآتية: منيف الرزاز وياسين الحافظ من أرضية البعث، وسمير أمين ومهدى عامل وإلياس مرقص من أرضية اليسار الشيوعي. وفى الثلث الأخير من القرن العشرين تم إحياء موقف روزا لوكسمبرغ مجردا من بعده الثورى على يد بعض الماركسيين الإنغليز من مثل: بل وارن وإريك هوبزبوم وتوم نيرن. وأعتقد أن هذا التيار أفلح فى ترك أثر سلبى على دور اليسار فى الحركات القومية، الأمر الذى أتاح الفرصة للتيارات الأصولية مسدودة الآفاق فى التسلل إلى هذه الحركات، بل والتغلغل فيها.
2- ما هى الأبعاد التى تركز عليها النظرية الماركسية فى تناولها المسألة القومية؟ إن النظرية الماركسية نظرية تاريخانية. من ثم، فإنها لا تعترف بالمطلقات والجواهر الثابتة، وإنما تعتبر كل شيء متغيرا وفى صيرورة. وهذا ينطبق على الأمة والقومية أيضا. لذلك فهى معنية بالإجابة عن أسئلة كالآتية: كيف تنشأ الكيانات الاجتماعية التاريخية التى نسميها الأمم؟ وهل تنشأ جميعا بالكيفية ذاتها وتحت الظروف ذاتها؟ وكيف تتطور وتهيمن على بعضها وتتراجع وربما تتفكك وتندثر؟ وكيف تحيى الأمم ذاتها وكيف تحدث وتوحد نفسها؟ وما طبيعة الصراعات القومية وحركات التحرر القومي؟ وما علاقتها بالصراعات الطبقية والطبقات الاجتماعية؟ وما علاقة المسألة القومية بالأممية العمالية؟ وهل يمكن القول إن صراع حركات التحرر القومى ضد الإمبريالية هو شكل من أشكال الصراع الطبقي؟ وما معنى الاضطهاد القومي، وما هى آلياته ومراميه؟ هذه هى الأسئلة الجوهرية التى عنى ويعنى بها الماركسيون بحكم طبيعة نظريتهم وطبيعة انخراطهم فى الواقع التاريخى الاجتماعي.
3- شكل لينين انعطافة جذرية فى التصور الماركسى للأمة والمسألة القومية.إذ أدرك أولا أن الاستغلال الرأسمالى لا يقتصر على الشكل الكلاسيكى الذى فصل ماركس معالمه فى كتابه الرأسمال، أى الشفط المباشر للقيمة وفائضها من الطبقة العاملة الصناعية، وإنما يشمل أشكالا أخرى، وفى مقدمتها القهر والاستغلال القوميان. فالدولة الرأسمالية المركزية تسعى إلى الهيمنة على الأمم الضعيفة من أجل التحكم بالسوق العالمية، المسرح الحقيقى لنشاطها، والصمود أمام الأمم المنافسة، وتحقيق الربح المفرط عبر النهب والاستغلال المفرط بقوة السلاح والقهر العسكري. وتؤدى هذه الهيمنة البشعة إلى بروز حركات تحرر قومى تسعى إلى تقويض نظام القهر والحد من النهب والاستغلال وإعادة بناء المجتمع القومى على أسس تضمن الحفاظ على ثروات الأمة وتسخيرها لما فيه فائدتها. وعليه، فقد أدرك لينين أن الصراع القومى التحررى هو فى جوهره صراع طبقى يخوضه تحالف طبقى قومى ضد الطبقة الرأسمالية الإمبريالية المهيمنة، وأدرك، من ثم، أن الصراع القومى التحررى مكمل للصراع العمالى الكلاسيكي، وأن هذه الحركات هى الحليف الرئيسى لعمال المراكز الرأسمالية. بذلك وجد لينين العلاقة الجدلية بين حركات التحرر القومى وبين الأممية العمالية، فى الوقت الذى ظنت فيه المناضلة اليسارية، روزا لوكسمبرغ، أن هذه الحركات نقيض للأممية العمالية، وأن الطبقة العاملة غير معنية بالتحرر القومي، الأمر الذى جعلها ترفع شعار حق تقرير المصير للطبقة العاملة بديلا عن شعار حق تفرير المصير للأمم الذى رفعه لينين. وقد رفع لينين هذا الشعار العظيم، أولا لأنه اعتبر الاستقلال القومى وتشكيل الدولة القومية مهمة أساسية من مهمات الثورة القومية الديموقراطية، التى تمهد السبيل أمام الثورة الاشتراكية بتوفير شروطها القومية الديموقراطية، وثانيا، لأن تنفيذ هذا الحق، وبخاصة حق الأمم المهيمن عليها فى الانفصال عن الدولة المهيمنة، يساهم فى تقويض أركان ما أسماه لينين شوفينية الدولة العظمى، التى تستمر حتى بعد استلام الطبقة العاملة السلطة فى الدولة المهيمنة. إن هذا الربط الجدلى العميق بين الثورة الديموقراطية والثورة الاشتراكية والمسألة القومية لا نجد مثيلا له فى أى منظر ماركسى آخر، ولا حتى فى ماركس نفسه.
4- لئن هيمن التصور اللينينى على الأوساط اليسارية فى الربع الثالث من القرن العشرين، فإنه انحسر بصورة ملحوظة فى الربع الأخير منه. وتم إحياء الكثير من الأفكارالمناقضة للينينية والتى سادت الخمس الأول من القرن العشرين، أفكار روزا لوكسمبورغ والماركسيين النمساويين، مجردة من بعدها الثورى الأممي. وعليه، فإن المناظرات الماركسية فى هذا الشأن تركزت مؤخرا حول المسائل الآتية:
"أ" ما إذا كان الصراع القومى شكلا من أشكال الصراع الطبقي، أم ما إذا كان مستقلا عن الطبقات وتعبيرا عن خصوصية ميتافيزيقية؛
"ب" ما إذا كان برجوازيا فى جوهره، أى تعبيرا عن البرجوازية فى مراحل صعودها، أم ما إذا كان طبقيا فى جوهره، لكن ليس بالضرورة برجوازيا. ويحضرنى فى هذا المقام مهدى عامل الذى يؤكد أن الصراع القومى اليوم هو بروليتارى فى جوهره، بمعنى يكون مسخا لا يحقق أهدافه بغير ذلك؛
"ج" ما إذا كان الصراع القومى مجرد آيديولوجيا أوروبية، مجرد فكرة ابتكرت فى أوروبا وتعبر عن الخصوصية الحضارية الأوروبية، ثم تسربت مع التوسع الأوروبى إلى الحضارات الأخرى وتجسدت فى حركات سياسية؛
"د" ما إذا الحركات القومية هى فى جوهرها حركات رجعية من طينة الحركات الفاشية، أم ما إذا كان بعضها تقدميا وبعضها الآخر رجعيا اعتمادا على طبيعة الطبقات الاجتماعية التى تقودها ومواقعها الطبقية؛
"هـ" ما إذا كان الزمن قد تخطى الصراع القومي، أى ما إذا كانت الدولة القومية ديناصورا تخطاه زمن العولمة تحديدا؛
"ز" ما هو وضع المهاجرين وما يسمى الأقليات القومية وربما الدينية، وما علاقتهم بأوطانهم الأصلية وصراعاتها القومية؟
ولا شك أن هناك العديد من الرؤى فى الأوساط الماركسية حول هذه القضايا، لكن الوقت لا يسمح لى بتناولها الآن، وقد نتطرق إليها فى النقاش.
5- لا شك أن المسألة القومية تصل أوجها فى الوطن العربى الحديث. ولا أظن أن هناك قضية أثارت من الخلافات فى صفوف الماركسيين العرب ما أثارته هذه القضية. بل بلغ الأمر لدى العديد من الشيوعيين أن شككوا فى وجود أمة عربية فى ضوء التعريف الستالينى الضيق والدغمائى للأمة. ويمكن النظر إلى الأمة العربية على أنها أمة تشكلت عبر دهور طويلة بطريقة تختلف عن الطرق التى تشكلت بها الأمم الأوروبية الحديثة، وأن هذه الأمة تعرضت إلى نوع من الذوبان والتجزئة قبل ان تنضج، وجاء الاستعمار الغربى لكى يكرس التجزئة ويؤطرها من أجل التحكم فى الأمة وثرواتها.
لذلك، فإن المطلوب منا هو توحيد ما فتته الاستعمار، أى خلق حركة تحرر قومى تسعى إلى توحيد الجماهير العربية المقهورة تحت مظلة دولة قومية حديثة وتغيير علاقات الملكية فى الوطن العربى بما يحرر الموارد والإنسان من عبودية الإمبريالية لمصلحة الأمة. ووفق هذا التصور، فإن الحركة القومية العربية ينبغى أن تكون حركة اشتراكية وحدوية حتى تحقق الأهداف المذكورة. والأمر متروك للنقاش. بل إن كل ما طرحناه فى هذه المداخلة قابل للجدال والتوسيع والتفصيل، حيث إنه مجرد مدخل ضيق إلى محيط زاخر بالأفكار والإشكالات.
* مفكر وكاتب من الاردن، والمقال هو نص محاضرة القيت فى منتدى الفكر الاشتراكى فى عمّان.
د. هشام غصيب*
ينبغى التنبه منذ البداية إلى أن الموضوع فى غاية التشعب والتعقيد، الأمر الذى يبرر عزمى على طرحه على صورة عدد من النقاط المحورية، التى يمكن أن تشكل أرضية صلبة للفهم والبحث والنقاش.
1- ينبغى التنبه إلى أن المسألة القومية تعد من أكثر القضايا التى شغلت بال الماركسيين عبر المائة والخمسين عاما الأخيرة نظريا وعمليا. إذ تناولها ماركس وإنغلز بإسهاب، وبخاصة فى سياق ثورات 1848 التى عمت القارة الأوروبية برمتها.
وركزا على علاقة القوميات والحركات القومية بالثورة الاجتماعية. ثم عادا وتناولاها فى سياق النضالين الإيرلندى والبولندي. ووصل الاهتمام بهذه المسألة أوجها فى المناظرات حامية الوطيس التى دارت رحاها فى صفوف الماركسيين فى أوروبا الوسطى والشرقية فى مطلع القرن العشرين. وكان فى مقدمة الذين ساهموا فى هذه المنظرات:
كاوتسكى الألمانى وبنكيك الهولندى وكارل رينر وأوتو باور النمساويان وروزا لوكسمبورغ البولندية ولينين الروسى وستالين الجورجي. ولعل أهم هذه المناظرات من جيث العمق الفكرى والأثر التاريخى كانت تلك التى دارت بين لينين وروزا لوكسمبرغ فى الفترة 1908-1909. وبعد الحرب العالمية الثانية عادت المسألة القومية لتحتل مركز الصدارة فى الفكر الماركسي، وذلك بتأثير نهوض حركات التحرر القومى والانتصارات الكبيرة التى حققتها ضد الإمبريالية. وظهرت مدارس جديدة فى هذا الصدد عمقت ووسعت ما ذهب إليه لينين فى مطلع القرن العشرين، نذكر منها مدرسة التطور اللارأسمالى السوفييتية والمدرسة الماوية ومدرسة التبعية فى أمبركا اللاتينية.
وبتأثير هذه المدارس، نشأت فى الوطن العربى تيارات أضافت جديدا فى هذا المضمار، وهى التيارات التى ارتبطت بالأسماء الآتية: منيف الرزاز وياسين الحافظ من أرضية البعث، وسمير أمين ومهدى عامل وإلياس مرقص من أرضية اليسار الشيوعي. وفى الثلث الأخير من القرن العشرين تم إحياء موقف روزا لوكسمبرغ مجردا من بعده الثورى على يد بعض الماركسيين الإنغليز من مثل: بل وارن وإريك هوبزبوم وتوم نيرن. وأعتقد أن هذا التيار أفلح فى ترك أثر سلبى على دور اليسار فى الحركات القومية، الأمر الذى أتاح الفرصة للتيارات الأصولية مسدودة الآفاق فى التسلل إلى هذه الحركات، بل والتغلغل فيها.
2- ما هى الأبعاد التى تركز عليها النظرية الماركسية فى تناولها المسألة القومية؟ إن النظرية الماركسية نظرية تاريخانية. من ثم، فإنها لا تعترف بالمطلقات والجواهر الثابتة، وإنما تعتبر كل شيء متغيرا وفى صيرورة. وهذا ينطبق على الأمة والقومية أيضا. لذلك فهى معنية بالإجابة عن أسئلة كالآتية: كيف تنشأ الكيانات الاجتماعية التاريخية التى نسميها الأمم؟ وهل تنشأ جميعا بالكيفية ذاتها وتحت الظروف ذاتها؟ وكيف تتطور وتهيمن على بعضها وتتراجع وربما تتفكك وتندثر؟ وكيف تحيى الأمم ذاتها وكيف تحدث وتوحد نفسها؟ وما طبيعة الصراعات القومية وحركات التحرر القومي؟ وما علاقتها بالصراعات الطبقية والطبقات الاجتماعية؟ وما علاقة المسألة القومية بالأممية العمالية؟ وهل يمكن القول إن صراع حركات التحرر القومى ضد الإمبريالية هو شكل من أشكال الصراع الطبقي؟ وما معنى الاضطهاد القومي، وما هى آلياته ومراميه؟ هذه هى الأسئلة الجوهرية التى عنى ويعنى بها الماركسيون بحكم طبيعة نظريتهم وطبيعة انخراطهم فى الواقع التاريخى الاجتماعي.
3- شكل لينين انعطافة جذرية فى التصور الماركسى للأمة والمسألة القومية.إذ أدرك أولا أن الاستغلال الرأسمالى لا يقتصر على الشكل الكلاسيكى الذى فصل ماركس معالمه فى كتابه الرأسمال، أى الشفط المباشر للقيمة وفائضها من الطبقة العاملة الصناعية، وإنما يشمل أشكالا أخرى، وفى مقدمتها القهر والاستغلال القوميان. فالدولة الرأسمالية المركزية تسعى إلى الهيمنة على الأمم الضعيفة من أجل التحكم بالسوق العالمية، المسرح الحقيقى لنشاطها، والصمود أمام الأمم المنافسة، وتحقيق الربح المفرط عبر النهب والاستغلال المفرط بقوة السلاح والقهر العسكري. وتؤدى هذه الهيمنة البشعة إلى بروز حركات تحرر قومى تسعى إلى تقويض نظام القهر والحد من النهب والاستغلال وإعادة بناء المجتمع القومى على أسس تضمن الحفاظ على ثروات الأمة وتسخيرها لما فيه فائدتها. وعليه، فقد أدرك لينين أن الصراع القومى التحررى هو فى جوهره صراع طبقى يخوضه تحالف طبقى قومى ضد الطبقة الرأسمالية الإمبريالية المهيمنة، وأدرك، من ثم، أن الصراع القومى التحررى مكمل للصراع العمالى الكلاسيكي، وأن هذه الحركات هى الحليف الرئيسى لعمال المراكز الرأسمالية. بذلك وجد لينين العلاقة الجدلية بين حركات التحرر القومى وبين الأممية العمالية، فى الوقت الذى ظنت فيه المناضلة اليسارية، روزا لوكسمبرغ، أن هذه الحركات نقيض للأممية العمالية، وأن الطبقة العاملة غير معنية بالتحرر القومي، الأمر الذى جعلها ترفع شعار حق تقرير المصير للطبقة العاملة بديلا عن شعار حق تفرير المصير للأمم الذى رفعه لينين. وقد رفع لينين هذا الشعار العظيم، أولا لأنه اعتبر الاستقلال القومى وتشكيل الدولة القومية مهمة أساسية من مهمات الثورة القومية الديموقراطية، التى تمهد السبيل أمام الثورة الاشتراكية بتوفير شروطها القومية الديموقراطية، وثانيا، لأن تنفيذ هذا الحق، وبخاصة حق الأمم المهيمن عليها فى الانفصال عن الدولة المهيمنة، يساهم فى تقويض أركان ما أسماه لينين شوفينية الدولة العظمى، التى تستمر حتى بعد استلام الطبقة العاملة السلطة فى الدولة المهيمنة. إن هذا الربط الجدلى العميق بين الثورة الديموقراطية والثورة الاشتراكية والمسألة القومية لا نجد مثيلا له فى أى منظر ماركسى آخر، ولا حتى فى ماركس نفسه.
4- لئن هيمن التصور اللينينى على الأوساط اليسارية فى الربع الثالث من القرن العشرين، فإنه انحسر بصورة ملحوظة فى الربع الأخير منه. وتم إحياء الكثير من الأفكارالمناقضة للينينية والتى سادت الخمس الأول من القرن العشرين، أفكار روزا لوكسمبورغ والماركسيين النمساويين، مجردة من بعدها الثورى الأممي. وعليه، فإن المناظرات الماركسية فى هذا الشأن تركزت مؤخرا حول المسائل الآتية:
"أ" ما إذا كان الصراع القومى شكلا من أشكال الصراع الطبقي، أم ما إذا كان مستقلا عن الطبقات وتعبيرا عن خصوصية ميتافيزيقية؛
"ب" ما إذا كان برجوازيا فى جوهره، أى تعبيرا عن البرجوازية فى مراحل صعودها، أم ما إذا كان طبقيا فى جوهره، لكن ليس بالضرورة برجوازيا. ويحضرنى فى هذا المقام مهدى عامل الذى يؤكد أن الصراع القومى اليوم هو بروليتارى فى جوهره، بمعنى يكون مسخا لا يحقق أهدافه بغير ذلك؛
"ج" ما إذا كان الصراع القومى مجرد آيديولوجيا أوروبية، مجرد فكرة ابتكرت فى أوروبا وتعبر عن الخصوصية الحضارية الأوروبية، ثم تسربت مع التوسع الأوروبى إلى الحضارات الأخرى وتجسدت فى حركات سياسية؛
"د" ما إذا الحركات القومية هى فى جوهرها حركات رجعية من طينة الحركات الفاشية، أم ما إذا كان بعضها تقدميا وبعضها الآخر رجعيا اعتمادا على طبيعة الطبقات الاجتماعية التى تقودها ومواقعها الطبقية؛
"هـ" ما إذا كان الزمن قد تخطى الصراع القومي، أى ما إذا كانت الدولة القومية ديناصورا تخطاه زمن العولمة تحديدا؛
"ز" ما هو وضع المهاجرين وما يسمى الأقليات القومية وربما الدينية، وما علاقتهم بأوطانهم الأصلية وصراعاتها القومية؟
ولا شك أن هناك العديد من الرؤى فى الأوساط الماركسية حول هذه القضايا، لكن الوقت لا يسمح لى بتناولها الآن، وقد نتطرق إليها فى النقاش.
5- لا شك أن المسألة القومية تصل أوجها فى الوطن العربى الحديث. ولا أظن أن هناك قضية أثارت من الخلافات فى صفوف الماركسيين العرب ما أثارته هذه القضية. بل بلغ الأمر لدى العديد من الشيوعيين أن شككوا فى وجود أمة عربية فى ضوء التعريف الستالينى الضيق والدغمائى للأمة. ويمكن النظر إلى الأمة العربية على أنها أمة تشكلت عبر دهور طويلة بطريقة تختلف عن الطرق التى تشكلت بها الأمم الأوروبية الحديثة، وأن هذه الأمة تعرضت إلى نوع من الذوبان والتجزئة قبل ان تنضج، وجاء الاستعمار الغربى لكى يكرس التجزئة ويؤطرها من أجل التحكم فى الأمة وثرواتها.
لذلك، فإن المطلوب منا هو توحيد ما فتته الاستعمار، أى خلق حركة تحرر قومى تسعى إلى توحيد الجماهير العربية المقهورة تحت مظلة دولة قومية حديثة وتغيير علاقات الملكية فى الوطن العربى بما يحرر الموارد والإنسان من عبودية الإمبريالية لمصلحة الأمة. ووفق هذا التصور، فإن الحركة القومية العربية ينبغى أن تكون حركة اشتراكية وحدوية حتى تحقق الأهداف المذكورة. والأمر متروك للنقاش. بل إن كل ما طرحناه فى هذه المداخلة قابل للجدال والتوسيع والتفصيل، حيث إنه مجرد مدخل ضيق إلى محيط زاخر بالأفكار والإشكالات.
* مفكر وكاتب من الاردن، والمقال هو نص محاضرة القيت فى منتدى الفكر الاشتراكى فى عمّان.