مشاهدة النسخة كاملة : القومية العربية في القرن العشرين.. من الانتصار إلى الاندحار (عرض كتاب)
إبراهيم إسماعيل
26-11-2007, 04:26 PM
العربية في القرن العشرين.. من الانتصار إلى الاندحار
-اسم الكتاب: القومية العربية في القرن العشرين: من الانتصار إلى الاندحار
-المؤلف: عديد دويشا
-الطبعة: 2003
-الناشر: برنستون يونفيرسيتي بريس
http://www.aljazeera.net/mritems/images/2003/9/4/1_172843_1_3.jpg
عرض/ كامبردج بوك ريفيوز
يأتي تناول عديد دويشا المهم لارتقاء وسقوط القومية العربية في وقت يكثر الحديث فيه عن فكرة "فشل وسقوط القومية العربية"، بل وأحيانا المبالغة في ذلك والوصول إلى التشكيك في فكرة العروبة نفسها، أي الهوية والإطار العربي للمنطقة وليس فقط التعبير السياسي لهما المتمثل في الفكرة القومي.
هذا التوقيت لا يخدم الكتاب إذ قد يصنفه البعض ضمن تلك الأدبيات الشتائمية للقومية العربية, وهو في الواقع بعيد عنها إذ هو قراءة أكاديمية رصينة فيها -كسائر الكتابات المعمقة- إثارة للأسئلة، وبعد تأمل القارئ فيها يمكن له أن يتفق أو يختلف مع تناول المؤلف والإجابة عنها كما يشاء.
ودويشا يعمل أستاذا للعلوم السياسية في جامعة ميامي بولاية أوهايو الأميركية, وهو مؤلف كتابي "مصر في العالم العربي" و"سوريا والأزمة اللبنانية".
”
القومية العربية استلهمت أفكارها من الفكرة الألمانية القائلة بوجود قومية ثقافية, ولم ترسخ وتمد جذورها إلا بعد الحرب العالمية الأولى
”
التمييز بين العروبة والقومية
يبدأ دويشا بالتمييز بين العروبة التي تمثل التماثل الثقافي واللغوي والديني والتاريخي والروابط العاطفية التي تربط ما بين المتحدثين بالعربية, والقومية التي عرفها بأنها العروبة مضافا إليها عامل الرغبة القوية والمنظمة في إقامة وحدة سياسية على أرض محددة الأبعاد.
ثم يتابع بعد ذلك تاريخ الحركة من بداية خطواتها المترددة الأولى إلى ذروة أيام عزها تحت قيادة الزعيم المصري جمال عبد الناصر, قبل أن ينتقل إلى هزيمتها الساحقة عام 1967, ثم اضمحلالها بعد وفاة عبد الناصر.
يجادل المؤلف في أن القومية العربية استلهمت أفكارها من الفكرة الألمانية القائلة بوجود قومية ثقافية, وأنها لم ترسخ وتمد جذورها إلا بعد الحرب العالمية الأولى، إذ إن جميع الدعوات إلى قيام حكم عربي مستقل ذاتيا تحت ظل الإمبراطورية العثمانية, وهي الدعوات التي أطلقها الإصلاحيون أمثال محمد عبده وجمال الدين الأفغاني, كانت تهدف بالأساس إلى إحياء الإسلام الذي أصابه الركود.
كان أصحاب تلك الدعوات مصلحون إسلاميون أصلا, أدركوا التهديد الثقافي الذي بات الغرب يمثله للإسلام واستشعروا الخيفة منه, فبادروا إلى مواجهة ذلك التهديد بالدعوة إلى إصلاح إسلامي وإلى البعث والوحدة. أما القومية فكانت في نظرهم مفهوما تقسيميا أجنبيا. وكل ما يمكن أن يعثر عليه من إشارات إلى العروبة في كتاباتهم كان مرتبطا بشدة بإحياء الإسلام والأمة الإسلامية. ولم يخطر على بالهم أبدا تقديم قضية العروبة على قضية التضامن الإسلامي الأوسع.
ولكن يمكن العثور على أصداء للمفاهيم القومية في كتابات بعض المفكرين المسيحيين الذين سعوا إلى نيل الاستقلال من العثمانيين بادعائهم التفوق الثقافي والعرقي على الأتراك "الذين ألحقوا الدمار بالعرب".
من جانب آخر كانت الانتماءات الثانوية ما دون القومية مثل الأسرة والقبيلة والمدينة والمذهب والدين هي التي تشكل الولاءات الفردية الأقوى لدى القطاعات الأوسع من السكان العرب.
فقد كتبت غريترود بيل ممثلة المكتب الاستعماري البريطاني في بغداد في إحدى رسائلها تقول "لا توجد لدى الناس هنا قومية إقليمية، فإن سألت سورياً عن الوطنية التي ينتمي إليها لأجابك بأنه ابن دمشق أو حلب". وفي رسالة أخرى ذكرت بيل "ليست هناك أمة من العرب، فما يفصل التاجر السوري عن ابن الصحراء البدوي أوسع مما يفصله عن المواطن العثماني".
ومن هنا نجد أن غالبية السكان لم تكن مستعدة للانفصال عن إسطنبول. ولم تكن المعارضة أو الدعوات المنادية بالإصلاح إلا نداءات لإعادة الاعتبار للعنصر العربي داخل الخليط الثقافي للإمبراطورية العثمانية, ومطالبات بتحسين ظروف العرب الاجتماعية والسياسية "ضمن" تلك الإمبراطورية. وقد ظل الأمر على هذه الحال لحين اندلاع الثورة العربية الكبرى.
لكن ما كان يفترض أن يتوقف دويشا عنده بشيء من التوسع هو أن مقولات بيل كانت تأتي في سياق استعماري يمهد لرسم الحدود بعشوائية ولتقول مقدما بأنه ليس من المهم أن تمر الحدود (المرسومة بريطانيا) من هذه المدينة أو تلك المنطقة طالما أن العرب لا يشعرون بأنهم أمة أو ينتمون إلى أوطان واضحة.
”
العراق دولة مصطنعة أقيمت على دمج ثلاث ولايات عثمانية سابقة وتتميز بتجردها من أي أساس منطقي عرقي أو ديني
”
ثورة الحسين بن علي وثورة 1936 الفلسطينية
حفظت الذاكرة القومية الثورة العربية الكبرى التي أعلنها عام 1919 شريف مكة الحسين بن علي بصفتها الشرارة التي أججت الحركة القومية العربية.
لكن مؤلف الكتاب يختلف مع هذا الرأي ويجادل في أن أهمية تلك الثورة قد خضعت لقسط عظيم من المبالغة والتشويش, وأنها كانت "تمردا إسلاميا أعلن باسم الحفاظ على الإسلام وليس باسم العروبة أو الأمة العربية". وهي في الحقيقة لم تكن ثورة عربية إلا بالمعنى الإثني, ولم ينهض بها أصحابها إلا بعد أن رفض العثمانيون مطالب الشريف بالحصول على ملكية وراثية في الحجاز. وبدلا من الثورة العربية الكبرى يعتبر دويشا الثورة الفلسطينية التي امتدت للأعوام من 1936 - 1939 المحفز الأكبر للحركة القومية العربية.
في أعقاب الحرب العالمية الأولى, وبعد مكوث قصير في سوريا, انتقل القوميون تحت زعامة فيصل بن الشريف الحسين إلى العراق, حيث يقول ساطع الحصري إنهم قاموا عن طريق التربية والتعليم والتاريخ بالسعي لتطبيق "كل وسيلة لتقوية المشاعر القومية بين أبناء العراق ونشر الإيمان بوحدة الأمة العربية".
لكن العراق -كما يقول المؤلف- وبخليطه السكاني الذي يضم عربا وأكرادا وأرمنا وتركمانا إضافة لانقسام مسلميه إلى مذهبين سني وشيعي, لم يكن بالكيان الموحد المنسجم الملائم لهذا الغرض. فقد كان العراق دولة مصطنعة أقيمت على دمج ثلاث ولايات عثمانية سابقة وتتميز بتجردها من أي أساس منطقي عرقي أو ديني.
اعتبر الشيعة في العراق الحركة القومية مشروعا سنيا يرمي إلى خفض نسبة السكان الشيعة لأقلية ضئيلة ضمن المحيط العربي الأكبر, في وقت كان من المستحيل فيه طرح أي فكرة يمكن أن تضع الأكراد تحت مظلة "الأمة العربية" وهم الذين كانوا وما زالوا يعتبرون أنفسهم عرقا إثنيا مغايرا.
لكن مرة أخرى لا يتوقف المؤلف بعمق كاف عند هذا الاعتبار والتوصيف الشائع في التحليلات الغربية للعراق الحديث بكونه "دولة مصطنعة"، فالمكونات الإثنية والطائفية العراقية عاشت بين الرافدين قرونا طويلة وعرفت المنطقة باسم العراق, والجديد في القرن العشرين لم يكن سوى الحدود المصطنعة التي رسمها البريطانيون وقضموا من خلالها أجزاء وأراضي كانت تمثل امتدادا عضويا طبيعيا لأي شكل سياسي يفترض أن يؤول إليه العراق.
”
عبد الناصر كان أولا وقبل كل شيء وطنيا مصريا انزلق لميدان القومية العربية عبر باب معاداة الاستعمار
”
المنطقة العربية وعوائق القومية
على صعيد المنطقة العربية بشكل عام يجادل المؤلف في القول إن شكل الإسلام والعشائرية والمذهبية والوطنية المحلية عوائق كأداء أخرى في بقية أنحاء المنطقة تجلت بشكل خاص في مصر البلد "الأكثر تقدما" بين البلدان العربية. وقد أحزن ذلك كثيرا دعاة القومية الذين أرادوا أن تكون مصر بموقعها الإستراتيجي وعطائها الثقافي الزعيمة الطبيعية للعالم العربي.
لكن كتابا مصريين مثل طه حسين وتوفيق الحكيم أكدوا تفرد مصر وتفوقها الفكري الذي يؤهلها للانتساب إلى أوروبا أكثر من الانتساب لجيرانها من العرب المتخلفين. إلا أن دعاة القومية العربية لم يحتاجوا إلى الانتظار طويلا.
ففي عام 1952 قامت مجموعة من الضباط بالاستيلاء على مقاليد الأمور في مصر, وظهر من بين أفرادها الزعيم الهادئ الواسع الشعبية جمال عبد الناصر ليصبح الشخصية التي لم يتوقعها أحد والتي تولت قيادة الحركة القومية إلى ذروتها العليا في خمسينيات وستينيات القرن العشرين.
يرى المؤلف أن عبد الناصر كان أولا وقبل كل شيء وطنيا مصريا انزلق لميدان القومية العربية عبر باب معاداة الاستعمار. وقد تمتع بحماسة رسولية ساعدتها القدرات المصرية ومصاعب فترة الحرب الباردة في أن تدفع بالقومية العربية قدما وتجعل منها الأيدولوجية الأكثر راديكالية وانتشارا في مجال معاداة الغرب. اكتوى الاستعمار والإمبريالية والحكومات الرجعية في المنطقة بنيران غضب عبد الناصر وآثار شعبيته الواسعة وماكنته الدعائية التي لا ترحم.
وعندما انتهت أزمة قناة السويس عام 1956 بادعاء صادق أو باطل من جانب عبد الناصر بتحقيق النصر السياسي, كانت القومية العربية قد تحولت إلى مد طاغ لا سبيل لاعتراضه.
وفي عام 1958 سجلت الحركة القومية الصاعدة انتصارين مهمين هما قيام الجمهورية العربية المتحدة بإعلان الوحدة بين مصر وسوريا, وسقوط الحكم الملكي في العراق وقيام الجمهورية العراقية. لكن إعلان الجمهورية العربية المتحدة السابق لأوانه وما كان ينتظرها من مصير محزن ما لبث أن أشار لطبيعة العوائق التي تقف على طريق المشروع القومي.
فقد انهارت بعد أربعة أعوام الوحدة التي اقترحتها -في البدء- على عبد الناصر حفنة من ضباط الجيش السوري الذين استولوا على المؤسسات السياسية في بلادهم وسعوا إلى "استغلال اسم عبد الناصر وسمعته لإضفاء الشرعية على حكمهم" و"لإنقاذ سوريا من حالة الغليان السياسي".
وكان انهيار الوحدة يعود إلى تصاعد التزييف والاحتيال من أجل السيطرة على سوريا من جانب عبد الناصر, وسيادة العناصر المصرية في أوساط البيروقراطية الجديدة, وسياسات عبد الناصر الاقتصادية المركزية التي شلت الاقتصاد السوري الذي كان يتمتع بمرونة وليبرالية تفوق ما كان لدى الاقتصاد المصري.
من جانب آخر لم تتحقق الوحدة المنشودة مع الحكومة العراقية الجديدة, وسرعان ما وجدت حركة القومية العربية نفسها تسير في هبوط مستمر. لكن الجماهير العربية التي كانت مشدودة بورع شبه ديني إلى إذاعة "صوت العرب" المنطلقة من القاهرة التي تذيع عليها خطب عبد الناصر الساحرة كانت أبعد ما تكون عن توقع ما سوف يحل بها من انقلاب الحال.
سدد انفصال سوريا عن الجمهورية العربية المتحدة وظهور الثروات الحديثة في دول الخليج الملكية والمغامرة غير المحسوبة النتائج في اليمن.. ضربة نفسية قوية "للسحر" الذي كان يتمتع به عبد الناصر. لكن كل ذلك ما كان ليقاس بما حل به من إذلال وهزيمة ساحقة أمام إسرائيل عام 1967. جردت تفاصيل الحرب المعروفة "العرب من الإيمان بإمكانية قيام وحدة عربية عضوية"، وانطوت صفحة القومية العربية. أما ما تبقى منها فهو "العروبة".
”
القومية العربية لم تصمد بسبب عدم اكتراث رعاتها بإيجاد المؤسسات الديمقراطية القادرة على العمل
”
فشل القومية
عقد مؤتمر قمة الخرطوم سريعا, وتبنى الزعماء العرب المشاركون فيه -بمن فيهم عبد الناصر- "تفسيرا للعروبة ينسجم مع مبدأ السيادة الوطنية". عادت "الوطنية" من جديد, وكان على "القومية" أن تتراجع إلى المقعد الخلفي.
وقد ظهر على صعيد الواقع أن فكرة أولوية سيادة الدولة كانت قد تمأسست في العالم العربي إلى الحد الذي جعل سياسات ومواقف عربية ما كانت لتخطر على بال أحد قبل عقد من الزمان -مثل اتفاقية السلام التي أبرمها السادات مع إسرائيل وأحداث سبتمبر/ أيلول في الأردن والتدخل السوري في لبنان- لا تثير دهشة أحد عندما وقعت في سبعينيات القرن وثمانينياته.
تراجعت القومية العربية إلى الموقع الذي ابتدأت منه في الأصل, حركة يكتسحها التفوق الغربي, وتتنافس مع الولاءات الدينية والمذهبية والمحلية. هنا يطرح المؤلف عديد دويشا السؤال: لماذا سقطت القومية العربية ضحية سهلة لهذه القوى السياسية الطالعة الأخرى? وكيف أمكن لأيدولوجية بتلك القوة أن تنهار وتنحل بفعل عدد قليل من النكسات? ولعل المفارقة تكمن في أن الجواب هو: عبد الناصر.
يجادل المؤلف في أن القومية العربية لم تصمد بسبب عدم اكتراث رعاتها بإيجاد المؤسسات الديمقراطية القادرة على العمل، فقد تأثرت شرعية تلك الأيدولوجية وقيمها نتيجة إعلاء موقع القادة فوق موقع البنى المؤسساتية الشرعية التي ظلت سائبة غير مستندة إلى ركائز مستقلة عن إرادة الزعماء ووجودهم، في حين تظل الأنظمة الديمقراطية وقيمها قادرة على تجاوز شخصية زعمائها السياسيين ووجودهم. ولعل السقوط السريع للنظام العراقي في الحرب الأخيرة خير دليل على ذلك.
كتاب "القومية العربية في القرن العشرين" عبارة عن سرد استثنائي لواحدة من أغنى الفترات تنوعا وإثارة في التاريخ العربي المعاصر. والمؤلف الذي عاش في العراق إبان العصر الذهبي للقومية العربية, يضيف إلى تجربته الخاصة مجموعة واسعة من المصادر العربية والغربية ويغني كتابه بمعلومات تتميز بالخبرة المباشرة وعمق النظر.
المصدر: الجزيرة
معتصم الحارث الضوّي
27-11-2007, 10:58 AM
الأخ الكريم لا تصالح
قراءة ممتازة لكتاب يستحق النظر والتعقيب. سأسعى جاهداً للحصول على نسخة ورقية منه، ثم أناقشها معكم. في كثير من الأحيان تكون أفكار المعارضين لفكرة الوحدة العربية ذات فائدة كبيرة لتصحيح المسار النظري والتطبيقي على حد سواء.
فائق احترامي وتقديري
إبراهيم إسماعيل
24-12-2007, 11:28 PM
الأخ الكريم لا تصالح
قراءة ممتازة لكتاب يستحق النظر والتعقيب. سأسعى جاهداً للحصول على نسخة ورقية منه، ثم أناقشها معكم. في كثير من الأحيان تكون أفكار المعارضين لفكرة الوحدة العربية ذات فائدة كبيرة لتصحيح المسار النظري والتطبيقي على حد سواء.
فائق احترامي وتقديري
لك الشكر والتقدير اخي معتصم وسأضع هنا هذه الحلقات التي تتناول هذا الكتاب بشكل اشمل ..
كتاب ـ القومية العربية..من وهج الانتصار الى غروب الانحسار ـ الحلقة الاولى
هكذا انطلقت الحركة القومية بين المسار والمصير،داويشه : العروبة تحتضن هويات وكيانات متعايشة
تأليف :عديد داويشه
هذا الكتاب صدر عن جامعة «برنستون» بالولايات المتحدة، أخيراً، ومن ثم فهو يعد من أحدث الدراسات الأكاديمية الصادرة عن تلك الجامعة الأميركية المرموقة، التي اشتهرت بأنها تضم واحداً من أهم الاقسام الجامعية المتخصصة في دراسات الشرق الأوسط والمنطقة العربية. وعلى الرغم من اختلافات شتى تفصل بين آراء مؤلف الكتاب وبين آرائنا في هذا العرض التحليلي الذي نقدمه للكتاب.
إلا أن الصرامة الفكرية والرجوع إلى المصادر العربية الأصلية، التي اتسم بها مؤلفه كأستاذ جامعي وباحث أكاديمي، تجعل في تقديمه لقارئنا العربي الكريم فائدة، وربما متعة فكرية حقيقية وسط الموج المتدافع المتلاطم حول مستقبل المنطقة التي نعيش فيها وينطق سكانها باللغة العربية.
وفي غمار الشعارات والطروحات والمبادرات المرفوعة هنا والمطروحة هناك شعارات الدمقرطة، التحديث، التنوير، الإصلاح، الشرق الأوسط الكبير، حوار الحضارات أو تصادمها وصراعاتها، وسط هذا كله يأتي هذا الكتاب ليقول كلمته في شأن يخص هؤلاء المتكلمين بالعربية بالدرجة الأولى.
شعار القومية العربية
الموضوع المطروح هنا يحمل - لا يزال - الشعار المصطلح أو الاسم الذي ما برح متردداً، مطروحاً، وربماً مختلفا عليه بين المؤمنين بجدواه وبين المتربصين لمضمونه: شعار «القومية العربية».
ولأن مؤلف الكتاب أكاديمي بارز. ولأنه - وهذا أمر في غاية الأهمية - ينحدر من أصل عربي وبالطبع يجيد اللغة العربية، وربما عايش ـ بحكم المنبت والنشأة والمتابعة - أطوار حركة المد القومي العربي، لهذا كله فإن كلمته وأحكامه وتقويماته التي تحتويها صفحات كتابنا تتسم بأهمية خاصة، سواء بحكم الجهد العلمي المبذول في التوصل إليها.
أو بحكم الأهمية الجوهرية للقومية العربية بالنسبة لشعوبنا، أو بحكم الظروف السلبية ـ كما لابد وأن نعترف ـ التي تحيط بالمشهد العربي الراهن، وهو مشهد وملابسات يقتضي التماس سبيل للإنقاذ والخلاص.
وعندنا أن أول مراحل هذا السبيل هو المعرفة، هو رصد التطور التاريخي لحركة القومية العربية، وبالتالي وعي الدروس المستفادة من أطوار مدها وأوجها ومراحل إنحسارها وجذرها.
ومن عجب أن يتسم هذا الكتاب بالذات بخاصية نراها فريدة ضمن مجاميع الكتب والدراسات التي عرضنا لها بمنطق الدرس والتحليل.
لقد درج المؤلفون والباحثون على أن يجعلوا الفصول الأولى لكتبهم ودراساتهم أقرب إلى المقدمات أو التمهيدات، أو هي المداخل التي يدلف من خلالها الكاتب، ومن ثم القارئ، إلى جوهر الموضوع.
على العكس من هذه القاعدة، نجد أن كتاب الأستاذ «داويشه» يكاد يلمس جوهر موضوعه في الفصل الأول من هذا الكتاب، وهذا الفصل يحمل العنوان التالي: تعريف القومية العربية.
وهو يبدأ مع القارئ عند مطالع الستينيات من القرن العشرين، أيامها كانت مصر الناصرية، قد أسلمتها تجربة الوحدة المصرية - السورية إلى طعنة انفصال شطري هذه الوحدة في القاهرة ودمشق. ولكن قبل أن ينقضي عامان على انكسار الإنفصال، فوجئت الجماهير بإنقلابات ( حملت أيامها اسم ثورات ) وقعت في العراق وفي سوريا ورفع أصحابها شعارات اسقاط الإنفصال ومعاودة تجارب الوحدة التي حملت أيامها كذلك شعار، «الثلاثية» بمعنى أن تضم كلا من مصر وسوريا والعراق.
ناصر يصدم الجماهير
كان ذلك تحديدا عام 1963، وكانت جموع المثقفين والساسة والجماهير العريضة تنتظر من بطلها - الرمز في تلك الفترة ـ أن يبادر إلى القبول الفوري بتلك الوحدة الثلاثية، ولأسباب شتى منها السبب الذاتي، الشخصاني، المتمثل في رد اعتبار البطل - الرمز بعد أن نالت منه، وفي الصميم، طعنة الإنفصال التي تلقاها يوم 28 سبتمبر من عام 1961.
بدلاً من هذا كله، فوجئت أمة العرب بالبطل - الرمز وهو يتجنب أحاديث الوحدة والعمل الوحدوي والتوحد القومي، ويطرح بدلا من ذلك شعارا التضامن - وحدة الصف العربي.
وكانت مفاجأة أقرب إلى الصدمة، عبد الناصر يتكلم عن «التضامن» بدلا من الوحدة الفورية الشاملة، ويرى في التضامن أساسا لتعزيز قدرة «الدول» العربية على التعاون في الميادين الاقتصادية والعسكرية والثقافية وفي مجال السياسة الخارجية.
في هذا الصدد يعلق مؤلف الكتاب قائلا: لابد أن أجيالا عديدة من القوميين العرب قد راودهم الأمل بل ودعوا ربهم لكي يعيد «ناصر» النظر فيما كان يقول، وأن يثوب إلى رشده ويرجع إلى سلوك طريق القومية العربية الثورية التي تفضي بالحتم إلى الوحدة العربية الشاملة.
ثم يستطرد المؤلف يقول: لكن عزم بطلهم كان مختلفاً، كان أكثر تعقيداً، وكان أكثر عمقاً، إذا كان «ناصر يتكلم ويتحرك بصفة مزدوجة، بوصفه عقائدياً، وأيضاً بوصفه سياسياً، كان يرى أن الوحدة الشاملة دونها مراحل عدة والتضامن أحد تلك المراحل، والتضامن أيضا هو السبيل العملي - البراغماتي الواقعي الذي ينبغي إنتهاجه عندما تنجلي الحقائق عن عقبات كأداء تعوق المسير نحو الوحدة بمعناها الشامل والكامل.
ثم لا يلبث مؤلفنا أن يوضح، من خلال قراءة أدبيات تلك الفترة المائجة بالأحداث والمتغيرات، عبد الناصر كان يضع نصب عينيه أن الوحدة هي الهدف النهائي أو الغاية الاسمى لمسيرة شعوب الأمة العربية، وذلك هدف وتصور كان يمكن أن يوافق عليه مفكر القومية ورائد نظرياتها «ساطع الحصري» قائلا كلمة واحدة هي: آمين!
فالحصري يرى أن الوحدة السياسية، ضمن دولة موحدة هي الهدف - الأساسي للجماعة التي وصفها الحصري بأنها «ناطقة باللغة العربية»، وأن على العرب أن يوحدوا صفوفهم وإمكانياتهم ضمن هذه الدولة والواحدة المرتجاة وإلا ضاع المستقبل من أيديهم.
هذه الطروحات نفسها يشارك فيها - كما يضيف كتابنا - مؤسسو حزب البعث العربي الذين أعلنوا في دستور حزبهم منذ عام 1947 ما يلي: أن العرب يشكلون أمة واحدة.
- ثم أضاف قائد البعث المؤسس ميشيل عفلق: إنها أمة عربية واحدة، ذات رسالة خالدة .
عند هذا المنعطف من الطرح المشترك بين الناصرية، والبعث ـ ومن قبلهما كتابات ساطع الحصري - يتساءل مؤلف الكتاب: ترى، لم هذا الربط بين القومية بوصفها جامعا ثقافيا، وبين الوحدة في دولة بوصفها مؤسسة سياسية ؟
وبمعنى أخر:
هل «القومية»، تحمل مفهوماً أو تصوراً ثقافياً - حضارياً، أو تنطوي على مفهوم أو تصور سياسي؟
دراسات حديثه للغاية
لأن كتاب الأستاذ «عديد داويشة» يعد من أحدث الإصدارات في هذا الموضوع، فهو مفيد للغاية في متابعة اهم الدراسات - الأحدث بدورها - الصادرة في هذا الخصوص، ( يعجب الباحث العربي عندما يرى أن حوارا علميا في هذا الصدد دار بين أطراف أكاديمية واحتوته صفحات كتب ودراسات صدرت في لندن في عام 1998 و1999.
يقول المؤلف: ثمة حوار مبدع وحيوي دار بشأن هذا الموضوع على صفحات «مجلة دراسات الشرق الاوسط»، كما أن هناك باحثين هما الاستاذان «غرشوني وجانكوفسكي. عرضا بالذات لدور مصر في إطار مسيرة القومية والوحدة العربية في كتابهما الصادر عن جامعة «كامبردج» في 1955.
وعن دور مصر يذهب الباحثان الكبيران إلى أن «مشاعر الإرتباط والولاء عند المصريين التي كانت في السابق تركز على الانتماء إلى مصر وحدها (مع مطالع القرن العشرين) ما لبثت أن تحولت في عقدي الثلاثينيات والاربعينيات إلى وعي الوشائج العربية والإسلامية».
بهذا المعنى يرى الباحثان أن رابطة العروبة وآصرة القومية أمر قائم وحقيقة واقعة وفاعلة حتى على الرغم من وجود دولة بمعنى كيان سياسي دستوري يجسد هذه الحقيقة.
وفي هذا المضمار أيضا يبحر بنا المؤلف، في الفصول الأولى من كتابه، عبر مختلف النظريات التي تعرض للانتماء القومي ولعوامل وعناصر تكوين الأمم ـ وللتعريفات المختلفة حسب تباين المدارس الفكرية والإتجاهات السياسية، والعقائد المذهبية لظاهرة القومية.
يورد، مثلاً تعريف برنارد لويس للأمة، حيث يراها جماعة من الناس تربطهم لغة مشتركة واعتقاد في المنبت المشترك فضلا عن شركة التاريخ ووحدة المصير من دون أن يشترط لويس أرضا مشتركة أو إقليما واحداً متجاورا تعيش هذه الأمة فوقه، وإن كان أبناء هذه الأمة بتعريف برنارد لويس أيضا «يتمتعون، في غالب الاحيان، وأن لم يتمتعوا فهم غالبا ما ينشدون معا تحقيق السيادة والاستقلال باسم رابطة الأمة التي ينتسبون إليها !
وعلى الرغم من أن هذا التعريف ينطبق بإمتياز على الأمة العربية، بل تزيد عليه حقيقة أن ثمة رقعة إقليمية واحدة لا تفصل بينها حواجز أو سدود طبيعية مانعة إلا أن المستشرق «لويس» لا يلبث، من موقعه المعادي للقومية والأمة العربية يهلل في كتابة الصادر عام 1998 لأوضاع التجزئة القائمة حاليا في العالم العربي .
ولاستقرار وربما تجذّر وضعية الدولة القطرية على صعيد الإقليم العربي إلى أن يرصد أن سلسلة الصراعات العربية الداخلية أفضت إلى إقصاء طروحات القومية، العروبة، الوحدة، إلى زاوية شبه منسية، لدرجة أن لم يعد هناك حتى من يردد اسمها أو يرفع شعاراتها».
اللغة الوشيجة الأساسية
ينتقل المؤلف في فصول تالية إلى تقصي جذور وتطور «القومية العربية». وهو يفتتح مبحثه الأكاديمي في هذا الباب موضحا أن تسمية المنطقة الواقعة بين المحيط والخليج باسم العالم «العربي» تصدر - في رآيه - عن مفهوم ثقافي وليس عن توصيف حالة سياسية.
ومن ثم طرأت تغييرات وتحولات على مدى الزمن بشأن حدود ومعالم وملامح المنطقة التي يمكن القول انها منطقة مأهوله بالسكان «العرب» ومع ذلك، فعند منتصف القرن العشرين، كانت الغالبية قد وصلت إلى القبول بتعريف «العروبة» على أنه تجسيد للوشائج التاريخية التي بدأ فعاليتها في ظل بواكير الحكم الإسلامي، فضلا عن تقارب الاعراف والعادات، وفوق هذا كله، قدرة هؤلاء السكان على أن يتخذوا من اللغة العربية لسانا لهم أو هي لغتهم الأم.
وعلى الرغم من أن دعاة العروبة يمكن - كما يوضح المؤلف - أن يختلفوا فيما بينهم حول أهمية هذا العنصر أو مدى فعالية تلك الوشيجة، إلا أنهم جديرون بأن يجمعوا قاطبة على أن اللغة العربية هي القوة الموحدة الأولى.
بعد ذلك، يتطرق الاستاذ عديد «داويشه» إلى نقطة لها أهميتها البارزة حين يقول إن «عروبة» سكان المنطقة ليس معناها استبعاد أشكال أخرى من الهويات القومية أو دون القومية والمؤلف يقصد هنا الهوية أو الشخصية الوطنية أو القطرية ويضرب لذلك مثلا حين يقول:
بوسع «عربي» يعيش على شواطئ نهر دجلة أن يعرف هويته أيضا بأنه عراقي ( يقصد الدولة التي يعيش في ظلها ) وأيضا سني (مذهبه الديني) بل ودليمي (القبيلة التي ينتمي إليها).
هويات شتى غير متصارعة
يحيل المؤلف في هذه النقطة إلى دراسات مثقف فلسطيني بارز هو البروفيسور «رشيد الخالدي» في دراسته عن «الهوية الفلسطينية» التي يقول فيها:
إن المثقفين والساسة العرب في أواخر القرن التاسع عشر ومطالع القرن العشرين كانوا يحددون ابعاد هويتهم على أسس شتى هي تابعيتهم للامبراطورية العثمانية + ديانتهم (مسلما كان أو مسيحيا أو يهوديا)، وعروبتهم، ووطنهم الفلسطيني المدينة أو المنطقة التي ولدوا بها، ثم العائلة التي ينتسبون إليها، ولم يكونوا في هذا كله يشعرون بأي تناقض أو تعارض ولا كان يراودهم يوما أي شعور بصراع الولاءات.
لكنك لا تعبر النهر مرتين، كما يقول الفيلسوف الاغريقي القديم.
ودوام مثل هذه الاحوال، أمر محال، كما يقول المثل العربي المتواتر.
ولذلك، فهذه التعريفات للهوية العربية كان لابد وأن تطرأ عليها تحولات وتغيرات، وعوامل هذه التحولات عديدة وهي موضع دراسة في مجال العلوم السياسية، ومنها مثلا ما يلي:
ـ تغيرات ملموسة مواتية أو معاكسة في أبعاد البيئة السياسية - الاجتماعية.
ـ حشد الافكار القومية أو الوطنية في سياق مناهج دراسية شديدة التركيز ـ وقوع أحداث تاريخية مشهودة ومنها النصر في الحرب أو الهزيمة.
ـ ظهور قيادة «كاريزمية» تستأثر بإهتمام الجماهير، وتخلب ألبابها، وتحظى بإجماعها، ويلتف الناس جميعهم أو أغلبهم من حولها أو يتخذونها رمزا لكل ما يراود أفئدتهم من آمال وطموحات.
هذا ما حدث بالضبط على أرض «العالم العربي» خلال عقدي الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين.
يقول مؤلف كتابنا: في هذا الصدد: تحولت الأمور، فأصبح واحداً من تلك الولاءات العديدة ـ وهو الولاء للعروبة ـ هو محور تركيز الناس، وهكذا أصبحت القومية العربية في مكان الصدارة، فيما انتقلت الولاءات الاخرى إلى زاوية التهميش.
لكن الأمر ما لبث أن سرى عليه كذلك قانون التحولات مع نهاية القرن العشرين، حين كُسفت شمس القومية العربية - كما يوضح المؤلف - لصالح مشاعر إسلامية قوية، وأيضا لصالح انتماءات وإلى الدولة (القطرية) بل إلى الهويات الفرعية، القبلية، العشائرية، الجهوية.
صحيح أن تعريف «عربي» مازال قائما ومطروحا، ولكن الذي لم يعد لا قائما ولا مطروحا هو البعد السياسي، الحشد الديناميكي الذي كان. وبمناسبة هذا الذي كان، لابد وأن نتصفح مع مؤلفنا صفحات مهمة للغاية من دفتر الماضي.
عرض ومناقشه: محمد الخولي
إبراهيم إسماعيل
24-12-2007, 11:29 PM
كتاب ـ القومية العربية..من وهج الانتصار الى غروب الانحسار ـ الحلقة الثانية
حكاية الخلاف بين الحصري وطه حسين ,لماذا اختار مفكر القومية العربية الوحدة الألمانية نموذجاً؟
تأليف :عديد داويشه
أعظم ما في القومية العربية أنها انتماء حضاري ثقافي بالدرجة الأولى. بمعنى أنها لا تقوم على وحدة الأصل العرقي ولا على مقولة أن العرب جنس واحد، إن الانتماء القومي العربي، بين موجات المد وبين عوامل الانحسار سيظل ثمرة لمصدرين أو بذرتين وهما:
(1) العقيدة الإسلامية
(2) اللغة العربية.
هكذا يفتتح مؤلف هذا الكتاب مبحثه في أصول القومية العربية، حيث يبدأ بالإحالة إلى كتابات العلامة ابن خلدون وأيضا إلى دراسات البرت حوارني الأستاذ المرموق في كبرى الجامعات البريطانية.
يقول البروفيسور داويشه مؤلف هذا الكتاب: كان الإسلام وكانت اللغة العربية هما العاملان اللذان حفظا ذلك الشعور بالانتماء عبرالعصور، وفي إطار عملية مالبثت أن اكتسبت زخماً متجدداً مع ازدهار ثقافة الامبرطوريات العربية ـ المسلمة، التي كانت بدورها ثمرة الفتوحات الإسلامية.
في تلك المراحل تعددت مراكز الحضارة المزدهرة ما بين بغداد العباسيين وقاهرة الفاطميين وقيروان الأغالبة في شمال إفريقيا وقرطبة الأمويين في أسبانيا (الأندلس)، وطوال تلك الفترات ـ يضيف كتابنا ـ كانت أوروبا غارقة في حمأة الجهل والفقر والمرض.
قانون تبدل الأحوال
بيد أن الزمن دوّار والحضارات تخضع لقانون التغير والصيرورة والانتقال، هكذا لاح فجر القرن السادس عشر، ليشهد العرب وقد ضاعت من أيديهم مشاعل الحضارة والتقدم والاستنارة التي كانوا يرفعونها.
وافضت هذه الظاهرة إلى أوضاع من التجزئة ومن ثم الاستضعاف لدرجة أن استقلال العالم العربي ضاع لصالح الأتراك العثمانيين الذين قيض لهم أن يتحكموا في مقاليد العرب على مدار خمسة قرون، ولدرجة أن تحولت القسطنطينية ـ وليس مدينة عربية أخرى ـ لتصبح مركز الثقل وتحول الخطباء في أيام الجمع بمساجد العالم العربي إلى الدعاء للسلاطين الأتراك.
وبالطبع، كان سلاطين الأتراك وكان دهاقنة الدول العثمانية يتكلمون التركية، لكن كان من حسن الطالع التاريخي أن هذا الوضع لم يكن على حساب استمرار المكانة التي ظلت اللغة العربية تتبوأها وتتمتع بها.
، لماذا، لأن العثمانيين كانوا مسلمين، ومن ثم كانوا ينظرون إلى العربية على أنها اللغة المقدسة (لغة القرآن)، ولهذا فقد أولوها مزيدا من التوقير والاحترام، وكانت النتيجة ـ يضيف المؤلف ـ أن التركية أصبحت لغة الإدارة والدواوين، فيما كانت العربية هى لغة الشرائع والدراسات الدينية، بقدر ما كانت كذلك لغة التاريخ والسير.
وأدى هذا بدوره إلى استمرار تلك الوشيجة التي ظلت تربط بين العرب المحكومين من رعايا امبراطورية بني عثمان، وكانت وشيجة ثقافية بالدرجة الأولى.
المدهش في هذا السياق أيضا أن الغرب (الأوروبي) لعب دورا في دعم تلك الرابطة الثقافية وفي تعزيز هذا الانتماء العربي.
كيف؟ منذ القرن السادس عشر بدأت البابوية في روما تنشئ كليات لتعليم اللاهوت وتدريب الكهنة ورجال الدين، الذين كانت تنوى ابتعاثهم في إرساليات إلى بلدان الشرق، وفي إطار هذه الجهود شجعت البابوية تعليم اللغة العربية.
مع إبراهيم باشا
هذا الاتجاه الايجابي ظل قائما بشكل أو بآخر عبر 3 قرون من عمر الزمن، إلى أن جاءت ثلاثينيات القرن التاسع عشر، حين لقي هذا الاتجاه دعماً وتشجيعاً من جانب فاتح شجاع وحاكم شاب، هو إبراهيم باشا نجل محمد على حاكم مصر في ذلك الحين.
يقول مؤلف هذا الكتاب: في ظل هذا الحاكم المستنير (في سوريا الكبرى شرقي المتوسط) كان تشجيع الإرساليات والمعلمين على فتح المدارس وتشغيل سائر المؤسسات التربوية، كانت البلاد تفتقر إلى الكتب المدرسية الكافية باللغة العربية.
فقد عمدت تلك المؤسسات التعليمية إلى استيراد مطابعها الخاصة بها من أوروبا، فكان أن أفضت هذه الجهود في مجموعها إلى حركة انبعاث أو احياء أدبية ـ لغوية قُيض لها من ثم أن تشكل الأساس الذي قامت عليه بواكير الانتفاضات القومية التي شهدتها الأقاليم العربية.
التي كانت وقتها خاضعة للامبراطورية العثمانية، ضمت هذه التحركات بين صفوفها مفكرين ومثقفين من المسلمين ومن المسيحيين وكان الجامع المشترك بينهم هو تحقيق الطموحات التي كانت تراود الرعايا العثمانيين الناطقين باللغة العربية.
في هذا السياق لمعت أسماء جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده وعبدالرحمن الكواكبي ـ منذ أواخر القرن التاسع عشر إلى أن جاءت دعوات الفصل، أو هو الفطام السياسي والثقافي والقومى مع سنوات أول عقدين من القرن العشرين، فصل وفطام وفراق بين التركية والعروبة، ولصالح تكريس الانتماء القومي العربي بالدرجة الأولى.
عازوري ضد عروبة مصر
هنا أيضا يلمع اسم نجيب عازوري، المسيحي السوري الذي كان من اتباع مدرستي رشيد رضا وعبدالرحمن الكواكبي، اللتين طالما دعتا إلى تكريس العروبة وفصم العرى مع الأتراك العثمانيين، ومن ثم كانت دعوة عازوري ـ كما يوضح كتابنا ـ إلى القول ان العرب ليسوا هم المسلمون فقط.
ولكنهم كل من يتكلم اللغة العربية من مسلمين ومسيحيين وأنهم بهذا يشكلون أمة ينبغي منحها الاستقلال عن الامبراطورية التركية. ويلاحظ في هذا السياق التاريخي أن عازوري استبعد مصر.
كما استبعد الأقطار المغاربية عند الشمال الإفريقي من هذا الانتماء القومي العربي، وعندما راجعوه في عروبة مصر ولغتها العربية اكتفى عازوري بأن قال: كان المصريون يتكلمون قبل الإسلام لغة لا تمت بصلة إلى اللغة العربية.
وعلى خلاف هذا الخلل والخطل في رؤية الأمور كتب المفكر جورج انطونويس كتابه الشهير بعنوان اليقظة العربية ونشره في عام 1938 ليؤكد فيه أن جذور القومية العربية كانت قائمة في مصر بالذات منذ أن حكمها محمد علي في النصف الأول من القرن التاسع من عشر يشهد بذلك مشروع محمد علي بإنشاء دولة عربية في المنطقة ناهضة تأخذ بأسباب التحديث والاستنارة ومستقلة عن الباب العالى في اسطنبول بقدر ما يشهد أيضا تصريحات إبراهيم باشا في سوريا عام 1833 الذي أعلن أنه عربي يشارك العرب آمالهم وطموحاتهم نحو الانفصال والاستقلال.
والحاصل أن مؤلف الكتاب يعبر بنا معالم الاحداث التي توالت على المنطقة مع سنوات القرن العشرين، الجمعيات العروبية السرية التي شكلها شباب الضباط العرب في الجيش العثماني، دعوة الشريف حسين إلى دولة عربية عام 1915.
وكانت كما لابد وأن نعترف، تتطور بإشراف وايحاء من لورنس، ضابط المخابرات البريطاني الشهير بعد الحرب العالمية الأولى، إلى أن يقف مؤلف الكتاب ملياً ليخصص فصلا بأكمله للأستاذ ساطع الحصري باعتباره رائد التنظير السياسي لحركة القومية العربية في العصر الحديث.
نظرية ساطع الحصري
في عام 1882 (عام الاحتلال البريطاني لمصر) ولد ساطع الحصري في اليمن، وهو يتحدر من عائلة سورية، وتربي وتعلم في المدارس التركية، بل كانت لغته العربية حتى آخر لحظة بعد رحيله في مصر مشوبة بقدر من رطانة التركية، وعاش الحصري ودرس وعمل وأبدع في أقطار شتى ما بين أوروبا وسوريا والعراق.
تأثر الحصري، ولا شك، بالحركات القومية في منطقة البلقان، لكن الاثر الكبير الملحوظ في افكاره كان مستقى من أفكار الوحدة الألمانية التي عملت على تحويل الكيان البروسي المتناثر في دوقيات وممالك وكيانات متناثرة إلى دولة ألمانيا الموحدة على أساس الانتماء الى اللغة الألمانية الواحدة.
لماذا انفردت المدرسة القومية الألمانية على خلاف المدرستين الفرنسية والإنجليزية ـ بالتأكيد على اللغة ومن ثم الثقافة ـ أساسا لوحدة كيان الأمة؟.
يجيب مؤلفنا عن السؤال على الوجه التالي: بريطانيا وفرنسا ظلتا على مدى قرون دولتين متكاملتين، أو فلنقل دولة، أمة، موحدة، ولذلك فالفكر والانتماء القومي، الإنجليزي أو الفرنسي جاء باستمرار مرتبطاً بكيان اسمه الدولة القومية والحكومة المركزية.
أما ألمانيا فكانت ـ كما أسلفنا دويلات ودوقيات وممالك مجزأة، متناثرة، بلغت2000 وحدة سياسية، كانت بروسيا أكبرها حجما وقوة، وعندما نظر آباء الوحدة الألمانية ـ الفيلسوف هيردر مثلا ـ إلى هذه التجزئة، لم يجدوا أمامهم سوى وحدة اللغة الألمانية التي توجد منطقيا وحدة الثقافة أو هى القومية الثقافية الألمانية.
عن اللغة والتاريخ
هكذا كانت حال العرب حين بدأ ساطع الحصري محاولاته لوضع نظرية لكيانهم ونزوعهم القومي، ولذلك جاءت نظريته ـ كما يصفها الكتاب ـ لتؤكد على عاملين أساسيين هما في مقدمة تكوين الأمم وتشكيل وصون القوميات، هذان العاملان هما:
أولا: وحدة اللغة.
ثانيا:وحدة التاريخ.
ولكن عندنا ـ وعند مؤلف هذا الكتاب ـ لو كان الأستاذ ساطع الحصري قد اقتصر في آرائه وأحاديثه القومية على هذين العاملين، لما بلغ الشأو البعيد الذي بلغه رجل في مضمار الفكر حقوق العربي، لقد زاد الحصري عاملا ديناميكيا في تفعيل القومية العربية، وهذا العامل يحمل اسماً محدداً هو مصر .
وليس لامرئ أن يستهين بالجهد العظيم الذي بذله ساطع الحصري في هذا المضمار، كان الرجل مجرد كاتب ومفكر حين تصدى لدعوة طه حسين بشأن عروبة مصر،ودورها في اطار حركة الفكر العربي القومي. كان طه حسين يدعو إلى الاهتمام بالفرعونية، أو فلنقل تكريس شخصية مصر المستقلة، وله في ذلك كلمة شهيرة، هي: ليس معنى أن نقرأ القرآن أن نهدم الأهرام.
المصريون والعروبة
هنالك رد ساطع الحصري، مبيناً أنه لا الأهرامات ولا كل آثار المصريين القدماء في الماضي يمكنها أن تمحو أو تحجب حقيقة تنجلى ساطعة في كتاب الحاضر وهي: إن المصريين اليوم يتكلمون العربية وأنهم تكلموها وكانت لغتهم القومية على مدى قرون خلت شأنهم في ذلك شأن سائر أقطار العالم العربي.
يعلق المؤلف ـ الأستاذ دوايشه قائلا: على هذا النحو من القوة، كانت مصر تتفاعل في ضمير ساطع الحصري بحيث انه انطلق ليدعو إلى أن تقود مصر مسيرة الكيان العربي القومي الذي تنتمي إليه وبمعنى أن تضطلع مصر بدور بروسيا في تجربة الوحدة الألمانية أو بدور بيدمونت في تجربة الوحدة الإيطالية.
يلفت مؤلفنا النظر إلى حقيقة تاريخية يبسطها كما يلي: فيما كان ساطع الحصري يرى هذا الدور لمصر بالذات كان تلاميذه يرون الدور نفسه للعراق، بل ومنهم من كان يعمل خلال عقدي الثلاثينيات والأربعينيات على تهيئة العراق ليقوم بدور بروسيا العرب.
ويواصل المؤلف حديثه في هذا الصدد ليقول:
وربما كان على ساطع الحصري أن ينتظر أكثر من عقدين كاملين من عمر زمانه إلى أن يرى مصر، في ظل قيادة زعيم كاريزمي ذي جاذبية آسرة وهى تكرس كاملا هويتها العربية القومية وتسعى بكل السبل لكي تقود العرب على مسيرة الوحدة. ولعل أخطر السنوات الحرجة التي كان على الحصري أن يعيشها متأملاً أحوال أمته هى السنوات الأربع الفاصلة بين حرب 1948 في فلسطين وبين قيام ثورة 23 يوليو 1952 في مصر.
سنوات صعود القومية
تلك هى السنوات التي شهدت مراحل الصعود بالنسبة للفكرة العربية والدعوة القومية وبالمناسبة «الصعود» هو الوصف الذي اختاره المؤلف عنوانا للفصل الخامس من هذا الكتاب.
في هذا الإطار، يقف المؤلف عند واحدة من مفارقات التاريخ، هى تلك المتمثلة في النتائج السلبية التي اسفرت عنها حرب 1948 (الفياسكو أو الخدعة كما وصفها) وهى نتائج انعكست سلبا بدورها على دعوة وحركة القومية العربية أو هى الناجمة عن انطباق قاعدة يطلق عليها الساسة والمؤرخون الوصف التالي: قانون النتائج غير المقصودة أو قاعدة العواقب غير المحسوبة.
يقول المؤلف: هذا القانون هو الذي هيأ البيئة السياسية لصعود وارتفاع المد القومي العربي في الخمسينيات وأشعل المشاعر العروبية في مصر بالذات، خاصة وقد جاءت هزيمة 1948 لتبعث مشاعر المرارة والمهانة في نفوس شباب الضباط الذين شاركوا في الحرب، وقد عايشوا نتائج فساد الحكم في بلدهم، فكان أن دبروا انقلابا عسكريا أطاح بالنظام الملكي.
وكان قائدهم كولونيلا شابا، هادئا، ولكنه كان كاريزميا، وبعدها سوف تشهد الأيام هذا الكولونيل، ومن ثم الرئيس عبدالناصر وسياساته في ارتباط لا ينفصم بارتفاع مد القومية العربية لتشكل اكثر الايدلوجيات السياسية انتشارا وهيمنة في طول المنطقة وعرضها.
وكان لابد لهذا المد العروبي ـ الوحدوي ـ من أوج يصعد إليه أو من ذروة يبلغها.
هذه الذروة تجسدت في قيام الوحدة بين مصر وسوريا، في 22 فبراير عام 1958. وهذا هو موضوع الفصل الثامن من هذا الكتاب.
عرض ومناقشة: محمد الخولي
إبراهيم إسماعيل
24-12-2007, 11:31 PM
كتاب ـ القومية العربية..من وهج الانتصار الى غروب الانحسار ـ الحلقة الثالثة
مفاجأة غير سارة بانتظار الوحدويين السوريين، عبدالناصر لم يكن مستعداً ولا متحمساً لإعلان الوحدة الفورية
تأليف :عديد داويشه
في مستهل الفصل الثامن من هذا الكتاب يقول المؤلف: جاء قيام الجمهورية العربية المتحدة التي تألفت من اندماج مصر وسوريا في أول فبراير عام 1958 بمثابة مفاجأة مذهلة لمعظم العرب وغير العرب على السواء، ولم تكن الوحدة الفعلية التي تحققت هي الأمر المذهل، إذ كان معظم العرب القوميين يؤمنون، عن يقين، بقيام وحدة بين أقطار العروبة في نهاية المطاف،.
ولكن لم يكن هناك من كان مستعدا لمتابعة تلك الخطى المتصارعة بل اللاهثة بشكل غير مسبوق في إقامة تجربة وحدوية عربية، ولا حتى بين صفوف صانعي تلك التجربة والمشاركين فيها.
بعد هذه العبارات، يمضي المؤلف، البروفيسور داويشه، إلى متابعة المداخل والتطورات والمراهنات والمطبات والتعقيدات التي سبقت اعلان الوحدة المصرية ـ السورية، ولكنه يحرص في هذا الصدد بالذات على أن يسجل ملاحظة أساسية، يعرفها أصلاً كل من تابع هذه التجربة الفريدة بالدرس والتحليل، ويوردها الأستاذ داويشه في ص 193 وتتلخص فيما يلي:
بينما كان السوريون يتصورون أن عبد الناصر وهو يومها بطل القومية العربية سوف يقفز فرحا إزاء عرضهم إقامة وحدة مع مصر (في ظل زعامته) فقد أصيبوا بنوع من خيبة الأمل، وسرعان ما تحققوا بعد لقائه في القاهرة أن ناصر كانت تراوده شكوك تجعله غير متحمس لوحدة فورية.
. (ومع ذلك) فقد كانت تلك مرحلة حاشدة بالعواطف الجياشة، وكان واضحاً أن عبد الناصر كان يحاول ما استطاع أن يحض على التريث وعدم الإندفاع إزاء مشروع ينطوي على نتائج خطيرة ولا يمكن التنبؤ بها.
ثم يضيف المؤلف عبارات لها مغزاها في الحكم على موقف ناصر فيقول: وإذا أدرك القادة السوريون عمق تحفظات عبد الناصر بشكل إمكانية قيام وحدة مع سوريا فقد ضاعفوا جهودهم، باذلين أقصى ما يستطيعون لمناشدته بل والضغط عليه، ولم يكن ذلك من أجل إرضاء الوحدويين السوريين وحسب، بل لأن الوحدة مع مصر أصبحت وقتها السبيل الوحيد أيضا للحفاظ على وحدة سوريا الداخلية.
الوحدة والصراعات
حين قامت الوحدة في فبراير كانت بمثابة الفتيل الذي اشعل نيران صراع داخلي في لبنان ضد رئيسه الاسبق كميل شمعون، وبعدها بأقل من 6 أشهر قامت ثورة 14 يوليو في العراق التي أعلن قادتها أنهم جزء من الكفاح القومي العربي المشترك، وكان أول قرار اتخذته بغداد في مجال السياسة الخارجية هو الاعتراف بالجمهورية العربية المتحدة.
هنالك يمسك المؤلف باللحظة التي يعدها لحظة الذروة، التألق، الأوج، التي كانت قد بلغتها القومية العربية، كدعوة وفكرة، كحركة وتعبئة، ويقول: أيا كانت توجهات المؤرخ أو المؤرخة، ومهما بلغ الأمر من قصر أو إيجاز الفترة الزمنية، فقد جاءت هذه الفترة القصيرة التي أعقبت قيام الثورة العراقية في 1958 لتشكل قمة الصعود التي رأتها الجماهير النشوى والمتدفقة حماسا وحمية وإيماناً صادقاً أنها لحظة الهزيمة لكل أعداء العروبة وكل خصوم الوحدة والقومية العربية.
ثم يختم المؤلف هذا الفصل المحوري من كتابه بعبارات تقول بالحرف: من هذه الروح الظافرة، كان بوسع الجماهير العربية ان يراودها الأمل، ولأول مرة منذ خمسمئة سنة، في أن تحول ماضيها المجيد إلى حيث يصبح مستقبلاً براقاً يلمع بسؤدد البطولة، فقد كان العراق وقتها على أهبة الدخول طرفا في الجمهورية العربية المتحدة، وكان انضمامه إليها خطوة مسلما بها.
ومن ثم فقد انفتح السبيل أمام جمال عبد الناصر لكي يرسي الدعامة الصلبة والركن الركين الذي يشيد فوق مهاده دولة القومية العربية (الموحدة) كيف لا ومصر وسوريا والعراق هي التي تشكل ـ على الرغم من كل شيء ـ القلب الجيوبوليستيكي والثقافي للعالم العربي.
ومن شأن الوحدة بينهما أن تطلق من عقاله مدا صاعدا يكتسح كل المشككين وكل الرافضين ويطيح بهم إلى زوايا النسيان، نعم كان ذلك الجيل من دعاة القومية العربية يؤمن من دون جدال بأنه استطاع تكوين أمة عربية ولم يبق أمام ذلك الجيل سوى أن يبادر إلى إقامة دولة الوحدة العربية. بهذه العبارات أنهي المؤلف فصول المد، والصعود.
والتفاؤل من مبحث هذا الكتاب، لأنه اتخذ لمبحثه منهجا يتابع فيه حركة القومية العربية من المد والصعود إلى الجزر والانحسار، فقد خصص الفصول الثلاثة الأخيرة من كتابه لمتابعة الظاهرة الأخيرة وكأن لسان حاله يقول: لقد رصدنا ما بلغته العروبة في صيف 1958 من صعود وصل بها إلى ما يمكن وصفه بأنه حد التمام.
ولكن ما من أحد يمكن أن ينسى القول المتواتر المأثور: لكل شيء إذا ما تم نقصان وها هي فصول الكتاب الثلاثة ـ من التاسع إلى الحادي عشر تتصدى لمتابعة ورصد هذا النقصان، وليس بالصدفة إذن أن يحمل كل منها عنوانا قاتما: ما بين الاضمحلال (الفصل التاسع) إلى الافول (الفصل العاشر) ومن ثم إلى الاختصار ( الفصل الاخير ـ من الكتاب وليس من مسيرة القومية العربية).
الانكسار
يلاحظ أيضا في هذه النقطة أن الكاتب يقف عند معلم واحد من معالم طريق الاضمحلال المذكور أعلاه، هذا المعلم هو عام 1967، الذي انكسرت فيه جيوش العرب أمام عدوان اسرائيل، واهتزت فيه زعامة عبد الناصر، وعصفت فيه رياح الهزيمة بالروح العربية القومية.
كأنما بخل الزمان المعاصر على دعاة الوحدة والقومية بتحقيق ما يراودهم، ولو بعض ما يراودهم من آمال وتطلعات ـ ظلت أجيال من بعد أجيال تنتظر على مدار خمسة قرون ( طال فيها أمد الاحتلال التركي ـ العثماني ) وحين بدا الأمر وكأن حلم الوحدة قد تحقق جاء مخاضه سريعا، بل لاحقا لدرجة لا تصدق، بقدر ما جاء عمر الحلم وآمال الحلم قصيرا لدرجة لا تصدق أيضا.
يكاد البروفيسوردوايشة يحدد عمر هذا الحلم الوحدوي الوردي بأنه بضعة أسابيع هي تلك الفاصلة بين تاريخين بعينها في دفتر التاريخ العربي القريب وهما: 14 يوليو عام 1958، لحظة اعلان ثورة العراق، ويوم 11 سبتمبر من عام 1958 كذلك لحظة اعلان راديو بغداد اعفاء عبد السلام عارف وهو القائد المشارك في تفجير الثورة من منصبه كنائب للقائد الاعلى للقوات المسلحة.
كأننا بإزاء 59 يوماً لا تقل ولا تزيد من فرحة أمة عربية راودها الأمل في أن تصنع وحدتها، وأن تبني أسباب قوتها، وسط كيانات متكاملة تبدو في اهاب القوة والمنعة (السوفييت) أو كانت في طريقها إلى بناء قوتها بمنهج الوحدة (أوروبا).
أو كانت قابعة تعمل داخل سياج من العزلة النسبية تمارس بين طياته صنوف التطور والاجتهاد (اليابان)، شهران لم يكتملا من نشوة الأمل الوحدوي وجذوة التحقق القومي ـ بعدهما اسقطت بغداد ـ قاسم شعار الوحدة ودخلت في صراعات بأشكال مختلفة وأساليب شتى مع دمشق ـ ناصر وأيضا مع قاهرة ـ ناصر، وانحدرت الصراعات - الحرب الكلامية ـ إلى مستويات متدنية شارك الطرفان في مسؤوليتها.
خلافات ناصر وقاسم
في هذا الإطار، يجد المؤلف مادة سخية للأسف من التهجم المتبادل، ويعثر بسهولة ملحوظة على عشرات العوامل والأسباب التي تبرز بمعايير اللحظة الزمنية وقتها ـ إصابة الكيان العروبي والدعوة القومية بذلك الصدع ـ القاتل كما قد نصفه نتيجة الخلاف الصراعي الذي اندلع بين العراق والجمهورية العربية المتحدة بشطريها الشمالي (سوريا) والجنوبي (مصر).
يرصد الكتاب مثلا إذاعة «صوت العرب» التي كانت تؤكد لمستمعيها أن الذين يخشون الوحدة العربية ويعملون على تقويض صرحها هم إسرائيل ونظام عبد الكريم قاسم في بغداد، بالمقابل تنصب بغداد مشهداً مسرحياً بنص مصطلح المؤلف تطلق عليه وصف «محكمة الشعب» وتستند إلى العقيد فاضل المهداوي إدارة وقائعه فلا يتورع الرجل عن إطلاق شعارات منظومة من قبيل:
«ناصر يا رمسيس: أنت خادم الإنجليز».
وهنا يعلق مؤلف الكتاب ليقول: وبصرف النظر عن سخافة هذا النظم فقد كان يلقي تهليلا وتأييداً محموماً في مسرح المحاكمات، الذي درجوا على أن يحشدوا في صالته غلاة مؤيدي عبد الكريم قاسم (الزعيم الأوحد كما كانوا يسمونه).
أما عبد الناصر فلم يتورع من جانبه عن توجيه تهم شخصية إلى قاسم واصفاً إياه بأنه شيوعي ومعاد للعروبة وفي هذا الإطار، وفي ظل جهود ماكينة الدعاية الناصرية التي لم تكن تهدأ بل واصلت عملية اغتيال الشخصية شاع الوصف الذي أطلقه عبد الناصر يوما وهو (قاسم ـ العراق).
فن اكتساب الأعداء
الحاصل انه «كسبت» تجربة الوحدة، وكسب مد القومية العربية عدوا جديداً وخطيراً، هو قيادة العراق، قاسم ومؤيدوه، ولم يكن الزعيم الأوحد هو العدو الأوحد، بل كان للتجربة الوحدوية بين دمشق والقاهرة خصوم كثر وأعداء عديدون، كان هناك بالطبع دول الغرب، ومنها المستعمرون القدامى للعالم العربي.
وكانت هناك بالبديهة إسرائيل التي جاءت وحدة وسوريا لتهدد آفاق وتطورات مشروعها الصهيوني ومستقبل توسعه، وكان هناك كذلك قوى الداخل في العالم العربي ذاته ولم تكن هذه القوى مجرد نظم حاكمة كان يمكن مهاجمتها إعلاميا، بل كان في مقدمة تلك القوى ظاهرة يمكن أن تصفها العبارة التالية: التعارض، أو التناقض، أو الصراع بين القومية والوطنية.
يقول مؤلف الكتاب:
أصبح واضحاً أن الصراع بين ناصر وقاسم كان أكثر من تناقش بين زعيمين أو حتى بين دولتين، لقد كان مجابهة أو صراعاً بين شكلين من أشكال الأيديولوجية (السياسية) هما الوطنية بمعنى تكريس سلطة الدولة الوطنية والولاء بسيادتها وبين القومية بمعنى تكريس عقيدة العروبة والانتماء لها.
كان ذلك أشبه بالصراع الفلسفي الذي شهدته سنوات التاسع عشر بين المدرسة الألمانية في القومية، وبين المدرسة الأنجلو ـ فرنسية، فالألمان كانوا يؤكدون على وحدة القوم (الفولك) في ظل لغة قومية مشتركة ووجود تاريخ يتسم بالتواصل والاستمرار، ومن ثم رأي الألمان أن خلافات الحدود أو الحواجز الوطنية، القطرية كلها أمور مصطنعة وينبغي اجتيازها والعمل على إزالتها، لكي تنقل الأمة من واقع التجزئة إلى حالة الوحدة.
من ناحية أخرى كانت المدرسة الفرنسية ـ الإنجليزية تؤكد على حالة «الوطنية» تلك التي قامت وتجسدت بفضل قيام المؤسسات التي تحمل اسم الدولة أو تنبثق عنها وفوق رقعة معينة من الأرض حتى ولو سادت هذه المساحة لغات مختلفة ينطق بها مواطنو تلك الدولة.
وإذن كان خلاف ناصر وقاسم بكل طابعه الدرامي في آخر الخمسينات ومطالع الستينات تصادما بين تيار القومية التي تخطت حواجز التجزئة وترنو إلى تحقيق الوحدة وبين تيار الوطنية الذي يؤكد قبل كل شيء وجود القطر ـ الدولة أو كيان الدولة ـ القومية داخل حدودها المتعارف عليها في العراق أو مصر أو الأردن أو غيرها.
ولم يقتصر أمر معارضي ناصر على عبد الكريم قاسم في العراق ولا على دول ملكيات في المشرق العربي بل انضم إليهم أيضا ـ كما يضيف مؤلفنا ـ تونس في المغرب العربي.
وكانت قد حصلت على الاستقلال عام 1956 بزعامة الحبيب بورقيبة. كان ذلك بدوره صداما بين فكر وتكوين زعيمين في القاهرة وتونس، كان بورقيبة زعيما عربيا غربي النهج والتفكير، وكان عبدالناصر زعيما عربيا يخوض حربا على جبهات شتى مع الغرب. ومرة أخرى اندلعت الخلافات إلى يسار مصر هذه المرة، مع تونس بورقيبة.
الذي دفع الثمن كان الجماهير العربية في مجملها فقد امتصت قدرات وجهود الزعامات عن خطط التنمية ومشاريع التطوير والتحديث.
من الانفصال إلى يونيو
بيد أن الثمن الفادح هو الذي دفعته تجربة الوحدة وفكرتها وجلالها والأمل الذي كانت تبعثه في أفئدة تلك الجماهير، وكانت سوريا بالذات هي ساحة هذا الغرم الفادح الذي أوصل مد القومية العربية إلى بداية الانحسار.
يقول البروفيسور داويشه: في 1954 بداية تسلم عبد الناصر مقاليد الرئاسة في القاهرة لم يكن ناصر يعرف شيئا يذكر عن سوريا ولم يمض بعد ذلك سوى 4 سنوات (وتلك لمحة زمنية في عمر الأمم والشعوب) إلا وأصبح الرجل زعيما ورئيساً لسوريا (في إطار دولة الوحدة) صحيح أن هذه المعرفة تحسنت بشأن سوريا وأحوالها.
إلا أن الظروف لم تكن كافية للحيلولة دون انهيار التجربة (المؤلف يحيل في هذا السياق إلى كتابات الأستاذ حسنين هيكل) وفي السياق نفسه يحلل المؤلف أيضا اختلاف مستويات التنمية وتباين النشاط الاقتصادي ومركزية الحكم والإدارة من القاهرة ودور مخابرات المكتب الثاني في دمشق، فضلا عن أخطاء أصغر حجما، ولكن ربما أفدح تأثيرا وقعت من جانب فرد هنا أو مسؤول هناك. وهكذا سقطت التجربة الوحدوية تحت سنابك حركة الانفصال، كان ذلك يوم 28/9/1961.
ويقول البروفيسور داويشه: على الرغم من أن الانقلاب العسكري الانفصالي لقي قبولا في أوساط النخبة الاقتصادية ـ الاجتماعية والسياسية في سوريا، إلا أنه لم يكن حركة شعبية بحال من الأحوال، ومهما يكن من أمر فإن الانفصال السوري لم يكن يعني على الإطلاق نهاية حركة القومية العربية.
وعلى الرغم من الجرح الذي أصابها ـ يضيف المؤلف (ص 231 ) ـ إلا أن الروح القومية ظلت حية في وجدان الناس. أخيرا، يختتم المؤلف هذا الفصل المهم من كتابه بصفحات تتابع تجدد الآمال في تجارب الوحدة القومية بقيام ثورة اليمن (1962) وانهيار نظام قاسم في العراق ونظام الانفصال في سوريا (1963) بكل ما أحاط هذه الإحداث من صعود وهبوط أفضى في نهاية المطاف إلى المشهد المأساوي الأخير متمثلا في الانكسار العربي أمام الهجوم الإسرائيلي في حرب يونيو عام 1976.
أبعاد المشهد الحزين
هذا المشهد يصفه مؤلف الكتاب في السطور التالية: بينما كان العرب قد ترنحوا من هول الصدمة التي اصابتهم من جراء هذه النكسة المهولة في أقدارهم من دون أن يكونوا على استعداد لتقبلها، كانت القومية العربية تصل بذلك إلى نهاية رحلتها الاستثنائية على الرغم من أن الناس أيامها لم يكونوا على إدراك كامل من ذلك. ومثل أي ملاكم أو محارب قديم.
ترك من خلفه أيام مجده وعظمته لتصبح صفحة في دفتر الماضي، ارتمت القومية العربية على أرض الحلبة مثخنة بالجراح في شبه غيبوبة كأنما تنتظر العد إلى العشرة على نحو ما ينتظر ملاكم جريح مهزوم.
هذا ما سجله مؤلف كتابنا من أمر تلك اللحظة التاعسة في تاريخ المد القومي العربي، كأنما ليجهز قارئه من أجل الإبحار في غياهب الفصلين الأخيرين من الكتاب فصل الأفول وفصل الاختصار، ولابد لنا أن نسجل ملاحظتنا بأن البروفيسور داويشه يفعل ذلك بقدر لم يخف علينا من الحماس، العلمي نعم، ولكن يا له من حماس كئيب!
عرض ومناقشه: محمد الخولي
إبراهيم إسماعيل
24-12-2007, 11:33 PM
كتاب ـ القومية العربية..من وهج الانتصار الى غروب الانحسار ـ الحلقة الرابعة
عندما ارتفعت نبرة الوطنية على حساب القومية، المدّ القومي بدأ بحرب 1956 وانتهى بـ «سويس معاكسة»
تأليف :عديد داويشه
على الرغم من أن مؤلف هذا الكتاب، البروفيسور «داويشه» باحث مخضرم وأكاديمي بارز، إلا أن مبحثه الذي أوقف عليه جل صفحات كتابنا الذي نناقشه هنا، انصب على الاهتمام بالجوانب السياسية وبالأحداث العامة التي طرأت على المشهد العربي القومي المعاصر.الأستاذ داويشه يجعل من انكسار 1967 نقطة تحول فارقة في تاريخ حركة القومية العربية..ويُحسب للرجل أنه أسهب في هذا الباب دون أن يتناول أمة العرب بالزراية أو التجريح.
يقابل ذلك اسلوب يتبعه اكاديمي أميركي آخر من أصل عربي أيضا هو البروفيسور فؤاد عجمي الذي يشعر القارئ أنه يتناول مشكلات أو حتى كوارث الأمة العربية بقدر لا يخفى من.. الشماتة مما لا يليق بباحث ولا بأستاذ.
في هذا الصدد نلاحظ أن مؤلفنا ـ داويشه ـ لم يتوقف عند العوامل الحاكمة الأخرى التي أصابت دعوة وحركة القومية العربية في مقتل، وربما أدت بها من حالة المد الصاعد إلى حالة الانحسار المؤذن بسحابات الأفول.
يونيو والديمقراطية
صحيح أن هزيمة 1967 كانت قاصمة، وصحيح أنها ترجع ـ مع دقة التحليل ـ إلى سوء إدارة أقدار الأمة وتخاذل، أو بالأدق تخاذل واهمال، جيوشها المسلحة.
لكن الصحيح أيضاً أن جانباً من تبعات الهزيمة أو اسبابها يرجع أيضا إلى الافتقار إلى الاسلوب الديمقراطي، إلى المشاركة الديمقراطية وإلى أزمة غياب أساليب الليبرالية من حيث حرية التعبير وحرية التمثيل النيابي وحرية الاختيار المتاحة للمواطن العربي بشكل عام.
نحن لا نحكم على الماضي بأثر رجعي، ولا نوجه أصابع الإدانة إلى اطرف هنا أو فرد هناك..إنما قصارى ما نفعل هو أن نعي الدرس المستفاد والمستقى من عبرة المرارة التي مازالت تخنق حلوقنا وحناجرنا حتى الآن.
وهنا نطرح السؤال: أزمة الديمقراطية بمعناها المعتمد عند الليبراليين ما أسبابها؟
وعندنا أن النخب الحاكمة في مرحلة ما قبل يونيو 1967 لم تكن تصدر من منطق التآمر، مثلاً، على جماهير أمة العرب، ولا من رغبة شريرة أو شهوة عارمة للاستئثار بمقاليد السلطة ولا الرغبة المسبقة والمتعمدة عن السير في طريق الإصلاح.
نحن نرى أن النخب التي حكمت العالم العربي، عند منتصف القرن الماضي وإلى عقود بعده، نشأت على نوع من التشكك أو التوجس الرافض لقيم الليبرالية والحرية بالصورة التي عرفها الغرب في أوروبا ومن بعد في أميركا.
ليبراليون ومستعمرون
وكان معهم حق في ذلك.. لأن هذه القيم ـ الليبرالية حتى لا ننسى ـ هى التي قام الغرب في ظلها بغزو واحتلال واستغلال معظم، إن لم يكن جميع، أقطار العالم العربي ولسنوات طويلة بدأت منذ أيام شركة الهند الشرقية الانجليزية، التي استغلت أقطار الخليج والجزيرة على الطرف الشرقي للعالم العربي منذ القرن الثامن عشر.
وتواصلت مع احتلال عدن وجنوبي اليمن ثم شطري وادي النيل، ومن قبلهما أقطار المغرب العربي، من جانب أطراف امبريالية عدة منها بريطانيا وفرنسا وأسبانيا.
وكان أن ارتبطت حركة الانبعاث القومي ـ على صعيد العالم العربي ـ بمطلب الاستقلال الوطني وارتبط هذا كله بمتطلبات التغيير الاجتماعي والتنمية الاقتصادية، وخاصة بعد انهاء الحرب الثانية واشتداد ساعد حركات التحرير الوطني وانتشار دعاوى التحول الاجتماعي والاقتصادي في عقد الخمسينيات من القرن الماضي.
ثمة مفكر آخر من أصل عربي أيضا هو البروفيسور طارق علي استطاع أن ينتبه إلى هذه الحقيقة وتطرق إليها في كتاب أصدره منذ سنوات بعنوان شهير هو: «اليسار العربي».وقد عقد الدكتور طارق علي فصلا مهما في ذلك الكتاب عن «تحولات القومية العربية».
وفي هذا الفصل يقول: كان دعاة القومية العربية قد نفد صبرهم إزاء بطء مسيرة التنمية في أقطارهم، وكانوا يشعرون بمرارة شديدة إزاء موقف الغرب من قضية فلسطين (بمعنى انحيازه، كي لا نقول تآمره، في زرع كيان إسرائيل في قلب المنطقة) ولذلك رفض القوميون الفلسفات الليبرالية الاجتماعية والسياسية التي تبناها الغرب وطبّقها على أساس أنها تقصر عن تلبية المطالب العربية، ولا تلائم السياق العربي، وبدلا منها قامت النماذج الاشتراكية في التغيير والتنمية.
ارتفاع نبرة الوطنية
نلاحظ أيضا أن مؤلف كتابنا، الأستاذ داويشه، معني بالذات بأهم نتيجة يراها ناجمة من وجهة نظره، عن أحداث يونيو 1967 التي يسميها الهزيمة ويحرص على أن يوافي قارئه الإنجليزي بحروفها في أصل نطقها العربي.
أهم نتائج تلك ال.. هزيمة في رأي مؤلفنا يتمثل في حالة وعبارة واحدة هى: ارتفاع نبرة «الوطنية».
والمرادف هنا ـ كما يراه المؤلف طبعاً ـ هو: خفوت صوت القومية. وقد يرى آخرون صياغة مغايرة تقول: إنها اشتداد النزعة (كي لا نقول النعرة) القطرية، على حساب اضمحلال وتراجع ومن ثم انحسار الدعوة إلى العروبة والقومية، فضلاً عن أي حديث عن الوحدة، التي أصبحت أقرب إلى غلالة من وهم جميل راود الأمة الناطقة بالعربية في يوم من الأيام.
صيف الهزيمة
إن الفصل العاشر من كتابنا يتابع مراحل انشغال عبدالناصر وسائر حكام العرب وجماهيرهم بالتعامل مع آثار الهزيمة وتداعياتها، ابتداء من مؤتمر الخرطوم (صيف 1967) مروراً بحالات المصالحة العربية وكذلك بظهور التجلي الفلسطيني مجسداً في المنظمات الفدائية.
وخاصة بعد التصدي المسلح لإسرائيل في معركة الكرامة (1968) وصولاً إلى مؤتمر القاهرة الذي دعا إليه ناصر لإنقاذ جماهير الشعب الفلسطيني ووقايته من محارق «ايلول الأسود» التي اشتعلت في أواخر الصيف عام 1970.
عن تلك اللحظات الفاصلة يقول مؤلف الكتاب ص 259: في صيف 1970 أصبح واضحاً أن المجابهة العسكرية التي اندلعت في الأردن لا سبيل إلى تجنب عواقبها سوى بالتدخل الفاعل والمؤثر من جانب الرئيس عبدالناصر لم يزل للقائد الجريح الذي يقود مسيرة القومية العربية مكانة كافية.
وكان بلده لا يزال يشغل محور الساحة التي تدور من فوقها السياسات الجيوبوليتيكية في العالم العربي، ولهذا السبب توجه كل من حسين ملك الأردن وعرفات، وقد أصبح زعيماً لمنظمة التحرير إلى ناصر، وإلى القاهرة، في مسعى من كل منهما لنيل التأييد للقضية التي يتبناها.
يواصل المؤلف تحليله قائلاً: عبدالناصر كان ممزقاً بين الطرفين، كان متعاطفاً مع حسين إزاء السلوك «الفوضوي» من جانب عناصر حرب العصابات الفلسطينية، وكانت شكوى حسين تستند إلى مبدأ السيادة (القطرية) الذي كان أساس تفاهمات الخرطوم. ومن جهة أخرى لم يكن عبدالناصر يملك أن يتخلى عن الفلسطينيين وقضيتهم، بل سبق له، رغم كل شيء، أن سلّم بأن المقاومة الفلسطينية تضطلع بدور مهم في انبعاث الموقف العربي بعد هزيمة يونيو.
تحولات مرحلة السادات
ثم جاء رحيل ناصر نفسه في 28 سبتمبر 1970 ، وتولى أنور السادات مقاليد السلطة في مصر لتشهد مزيدا من التحولات التي طرأت على مسيرة القومية العربية خاصة وأن تداعيات الهزيمة كانت تعمل جميعها على مفاقمة وتكاثف غيوم الأفول.
ولم يمض عام إلا وخرج السادات من ظل عبدالناصر، فشهدت الساحة السياسية طرح شعارات «الوطنية المصرية» جنبا إلى جانب مع شعارات القومية والوحدة العربية.
هنا يحيل الأستاذ داويشه إلى دراسة سبق إلى نشرها دكتورعليّ الدين هلال مشاركا في كتاب صادر بعنوان «السياسات الخارجية للدول العربية، كولورادو، 1988) ويبين فيها الاكاديمي المصري أن السادات كان يتوخى من طرح الشعار الوطني في مطالع السبعينيات عدة أهداف من قبيل:
استعادة الأراضي المصرية المحتلة، والمفضل أن يتم ذلك عن طريق التفاوض، وإنهاء حالة الحرب مع اسرائيل ولاسيما في ضوء التكاليف الباهظة الناجمة عن حالة الحرب المذكورة وتحسين العلاقات مع واشنطن، باعتبار أميركا (في رأي السادات) هي البلد الوحيد القادر على ممارسة تأثير على إسرائيل وإنعاش وتحديث الاقتصاد المصري من خلال استيراد التقنيات الحديثة من المغرب وفسح المجال أمام رأس المال الخاص ثم تعديل سياسات مصر الدولية والإقليمية بما يكفل تحقيقا أفضل لتلك الأهداف.
وفي ضوء هذا الاتجاه، بدأت خطب السادات تخلو من الإشارات التي كانت تحفل بها خطب الزعيم ناصر إلى العروبة والأمة العربية والقومية العربية..وبدلا منها حلت عبارات عن مصر ومصالح مصر.
ورغم أن حرب أكتوبر 1973 كانت تحمل شعارا عربيا من حيث مشاركة مصر وسوريا في خوضها فإن هدف الرئيس السادات كان تحرير سيناء بالذات.
تحت سماء أكتوبر
عند هذا المنعطف من طروحات الكتاب يضيف المؤلف تصورا نراه غاية في الاهمية على الوجه التالي: على الرغم من أن حرب أكتوبر شهدت تنسيقا بين القادة العسكريين في القاهرة ودمشق، فقد كان خوضها بالنسبة للمصريين مجرد جهد يرمى إلى إضعاف الرد العسكري الإسرائيلي حين يتعين عليه خوض القتال من على جبهتين.
ويرى الكاتب السياسي الإنجليزي باتريك سيل وسنده في ذلك مذكرات القائد العسكري المصري الفريق سعد الشاذلي أن الرئيس السوري حافظ الأسد تعرض لنوع من التمويه وقتها إذ حملوه على الاعتقاد بأن الحرب ستظل مشتعلة إلى حين تحرير كل من سيناء ومرتفعات الجولان على السواء، وإن ذلك لم يكن في نية الرئيس السادات (ص 276) الذي كانت سيناء هى كل همه.
ومن ثم كان ينظر إلى التنسيق مع سوريا على ضوء تصوره لصالح مصر، الأمر الذي أدى إلى إنهاء هذا التنسيق فور أن تم شن الحرب على إسرائيل، وبعد عشرة أيام من الحرب.. طرح السادات في خطاب ألقاه بمجلس الشعب المصري شروط مصر لوقف القتال من دون تشاور مسبق مع حافظ الأسد الذي شعر بمرارة مؤكدا أنه كان يتعين استشارته بدلا من أن يسمع مقترحات رفيقه في السلاح بواسطة طريق الإذاعة.
وفي 22 أكتوبر قبل السادات وقف إطلاق النار بصورة منفردة، وكان ذلك في وجه معارضة شرسة من جانب السوريين الذين كان رئيسهم الأسد قد بعث برسالة في 20 أكتوبر يناشد السادات فيها مواصلة القتال، والمهم أن الرئيس المصري قطع الشك باليقين من خلال توقيع اتفاقية فصل القوات عام 1975 التي أشرف عليها وزير خارجية أميركا وقتها ـ هنرى كيسنجر ـ فكان ذلك ـ حسبما يضيف المؤلف ـ يؤكد عزمه على السير في طريق منفصل لنفسه ولبلده (بخلاف طريق القومية العربية).
ولا كان غائبا عن السادات أيضا ـ يؤكد المؤلف ـ أن تلك الخطة من شأنها إخراج مصر من إطار الصراع العربي ـ الإسرائيلي، لا من خلال تحييد أكبر قوة عربية فحسب ولكن أيضا بأن يتم إلى الأبد إغلاق كتاب الكابوس الذي كانت تخشاه إسرائيل من أن يفرض عليها خوض الحرب على جبهتين.
سويس معاكسة
مرة أخرى يحيل المؤلف (ص267) إلى زميله الإنجليزي باتريك سيل الذي يقول:
بات وقتها واضحا لكل ذي عينين أن مرحلة عروبة مصر التي كانت قد بدأت منذ عقدين من الزمن (1956) قد بلغت نهايتها، وكان التحول الايديولوجي للرئيس السادات بزاوية 280 لدرجة أن جاء أقرب إلى سويس معاكسة بمعنى الارتداد العكسي عن كل شيء كان جمال عبدالناصر يمثله ويقول به.
ثم يعلق مؤلفنا على عبارات باتريك سيل قائلا:
لقد كانت موافقة السادات على خطة كيسنجر نموذجا شديد الوضوح لإيمانه بـ «وطنية» مصر على حساب «قوميتها» (وهكذا« فحين حل عقد الثمانينيات كانت فكرة السيادة (الوطنية) للدولة العربية قد اكتسب طابعا مؤسسيا، لا من حيث قواعد اللعبة التي حكمت العلاقات السياسية داخل العالم العربي فحسب، ولكن أيضا ـ والكلام لايزال للمؤلف ـ في داخل الوجدان العربي وهذا هو الأهم يستوى في ذلك وجدان الجماهير والرعايا والحكام على السواء..
ولم يعد هناك سوى قلة من العرب على امتداد عقدى الثمانينيات والتسعينيات ممن ينظرون إلى القومية العربية بنفس الطريقة التي كان ينظر بها الجيل الأسبق قبل فترة 1967 أيامها كانت القومية مرادفة للوحدة السياسية العربية.. لكن ها هى وقد تحولت إلى فكرة جامعة.. أو إلى وشيجة ثقافية عروبية ذات أبعاد سياسية تستظل بها الدول الاقليمية العربية ذات السيادة لكي تمارس في ظلها إدارة شئونها.
بهذا ننتقل إلى الصفحتين الأخيرتين من هذا الفصل المحوري من فصول كتابنا (280 و 281):
سطور ختامية تعرض للمرحلة الختامية من القرن العشرين، ومفتتح السطور يقول: عندما آذن القرون إلى نهايته.. امتدت يده أيضا لكي تغلق صفحات كتاب القومية العربية.
هكذا يؤثر مؤلفنا أن يكتب النعي أو شاهد المثوى ولكن ذكاءه أو حنكته العلمية لا يلبثان يهديانه لإحالة ما نشرته الأهرام القاهرية (عدد 17/5/1994) لكاتبها فهمي هويدي الذي شهد وقتها مؤتمرا عن القومية العربية والوحدة (لعله كان من تنظيم مركز دراسات الوحدة العربية في بيروت وهو قلعة صمود لانزال نتعامل معها بكل إجلال وتقدير).
الأستاذ فهمى هويدي وصف المشاركين في هذا المؤتمر على النحو الذي نترجمه بالتالي: بدا المؤتمر وكأنه يضم قبيلة منقرضة يستخدم أفرادها ألفاظا غريبة بائدة، ويتكلمون لغة لم يعد يفهمها أحد، علا المشيب رؤوس معظمهم وانحنت ظهورهم بل كان منهم من جاء يتوكأ على عصا، أو يستعين بسماعة كى يتابع ما يدور وما يقال.
في هذا السياق، يعلق مؤلف الكتاب قائلا: و.. هكذا انبلج فجر القرن الحادي والعشرين من دون أن يجد العرب في أيديهم،من تراث «القومية» سوى إدراك أو اعتراف بالتقارب الثقافي.
وفي هذا السياق أيضا يشير المؤلف إلى آراء الاكاديمي الأميركي ـ من أصل عربي ـ وهو الدكتور شبلي تلحمي، الذي يقول بظاهرة طرأت على المشهد العربي القومي مع قدوم القرن الجديد وهى: ظاهرة «العروبة الجديدة».
ويرى تلحمي أنها جديدة لأنها ـ على عكس ما شهده الماضي ـ تيار لا يبدأ مع مؤسسات الدولة ولا دعوة تصدر عن زعيم كاريزمي، بل هو بناء ينبع من القاعدة وليس من القمة، من صفوف مثقفين عرب رفضوا ما آلت إليه أمور وطنهم (أو أمتهم) وقرروا أن يسيروا في طريق مستقل عن إرادات النظم أو الدول أو الحكام.
هذه المقولات والآراء تفضى بنا إلى ختام هذا الكتاب، إلى الفصل الحادي عشر، الذي يشمر فيه المؤلف عن ساعد التدوين المشوب بقدر لا يخفى علينا من التشفي ـ للأسف ـ لكي يشيع حركة القومية، العربية إلى ما يتصور بأنه مثواها الأخير.
عرض ومناقشة: محمد الخولي
إبراهيم إسماعيل
24-12-2007, 11:34 PM
كتاب ـ القومية العربية..من وهج الانتصار الى غروب الانحسار ـ الحلقة الاخيرة
لماذا ارتفعت نبرة «الوطنية» على حساب العروبة؟، داويشه : القومية أعادت للعرب إحساسهم بالثقة والكرامة
تأليف :عديد داويشه
عند مؤلف هذا الكتاب تبدأ أنفاس الاحتضار تتردد في جسد القومية العربية على مرحلتين، أو مع وقوع حدثين من الأحداث التي يراها فارقة، فاصلة، في مسيرة العرب في العصر الحديث وهما: 1 - وقوع هزيمة يونيو 1967. 2 - رحيل جمال عبدالناصر.وكم أسهب المؤلف في عرض تداعيات إنكسار يونيو 1967..
ولذلك فقد تطرق في الفصل الأخير من الكتاب الى تدارس أمر عبدالناصر.. دوره وشخصيته.. ومكانته.. ورحيله.. وهو يفعل ذلك من منظور محدد هو: الكاريزما، بمعنى أن أحداث 1967 لم تكن هزيمة للأمة أو جيوشها بل كانت أيضا هزيمة للكاريزما أو ضياع لتأثيرها.
في هذا السياق بالذات يحيل البروفيسور داويشه الى ماكس فيبر، عالم السياسة الألماني الذي ابتكر نظرية الزعامة الكاريزمية، وأدخل هذا المصطلح الى أدبيات العلوم السياسية في القرن العشرين.
كلام عن الكاريزما
ماكس فيبر يعّرف الكاريزما على الوجه التالي: إنها سمة خاصة تتميز بها شخصية، فرد وبفضلها يصنّف على خلاف الأفراد العاديين ويعاملونه كما لو كان موهوبا بخصائص أو صفات فوق ـ طبيعية أو فوق ـ بشرية، أو على أنه يتمتع ـ على الأقل ـ بخصال أو شمائل استثنائية.
بعد هذا التعريف العلمي العام، يورد المؤلف ما يلي في معرض التعليق: هذه الخصال أو الصفات هي التي أتاحت لعبد الناصر أن يتبوأ موقع القيادة بغير منافس أو منازع في مسيرة العرب القومية ومن ثم أصبح هو الشخص الوحيد القادر على توحيد صفوف العرب وهزيمة أعدائهم.
ثم يضيف المؤلف قائلا: بيد أن هذه الهالة الكاريزمية بدأت في الشحوب، بعد إنهيار تجربة الجمهورية العربية المتحدة (الإنفصال السوري) ولكنها ما لبثت أن تبخرت بعد إنكسار عام 1967.
وفي هذا السياق المشحون بالأسى والسلبية بالنسبة للعرب، يصبح لا مصادفة ولا غريبا أن يحيل مؤلفنا الى أكاديمي أميركي من أصل عربي هو فؤاد عجمي، الذي ينظر الى العرب على أنهم (هم) بالنسبة (لنا) قاصدا قومه الجدد أو أمته «بالتبني» ـ الأميركيين.
في كتابه بعنوان «المعضلة العربية» الصادر في لندن عام 1981 يقول فؤاد عجمي: كانت العلاقة الكاريزمية (الجاذبة الآسرة) قد تشكلت بين عبدالناصر وجموع الجماهير خلال أيام الحمية واليفاعة في باندونج والسويس، لكن هاهي .
وقد تبددت وذهبت أدراج الرياح مع وقوع الهزيمة، التي جاءت لتشكل عاملا متغيرا جديدا مولودا من رحم اليأس ومن واقع شعور بالضياع ظل ملازما لعبدالناصر حتى وفاته، صحيح أن ناصر ظل في مقعد السلطة، ولكن ليس بوصفه بطلا مفعما بالثقة والحيوية، بل بوصفه شخصية تراجيدية، أو رمزا لأيام جميلة مضت، أو دليلا على إرادة المقاومة.
داويشه ينتقد عجمي
مع ذلك، تجد المؤلف يحسن صنعاً حين ينتقد البروفيسور عجمي وما يذهب اليه في هذا الصدد حيث يقول البروفيسور داويشه (ص 283): إن عجمي يبالغ في تقويم الضعف الذي اعترى جمال عبدالناصر، ذلك لأن الرئيس المصري ظل (بعد يونيو) أهم زعماء العرب وقادتهم وأعمقهم نفوذا وتأثيرا..
وعلى الرغم من كل شيء، ففي ذروة الحرب الأهلية التي إندلعت في الأردن في سبتمبر 1970، أين كان يذهب الملك حسين أو عرفات أو سواهما من قادة العرب سوى الى القاهرة والى عبدالناصر لالتماس حل لتلك الأزمة؟
ومع ذلك وعلى الرغم مما ظل يتمتع به عبدالناصر من نفوذ وتأثير، لم يعد الرجل ذلك الزعيم الكاريزمي (الآسر في بريق جاذبيته) الذي كان على نحو ما كان منذ عقد راح وانقضى من عمر ذلك الزمان، بالنسبة للجموع، لم يعد يمتلك تلك الصفات الخارقة التي طالما ميّزته في الماضي، وبين قادة العرب كان موقعه هو المتميز بين الأقران أو الأول المتقدم بين الأكفاء المتساوين، كما تقول العبارة اللاتينية (بريموس أنتير باريبوس).
على هذا النهج من التحليل السياسي ـ التاريخي، يمضي المؤلف بصورة نراها موضوعية ومفيدة لمن يراجع هذه المرحلة من تاريخنا القريب ـ مرحلة السنوات الثلاث الأخيرة من حياة عبدالناصر ـ يقول مؤلف الكتاب: حتى أخلص أتباعه وأصدق تلاميذه، بدأوا وقد باتوا متحررين من قبضته الكاريزمية في مغادرة السفينة ومفارقة الصفوف.
وكان هذا مثلاً المسار الذي اتبعته حركة القوميين العرب التي كانت منذ عقد الخمسينيات قد ربطت مصيرها وثيقا بمصير عبدالناصر ولكنها بعد هزيمة يونيو، ما لبثت أن فارقت نهج «الناصرية» بل وصفتها بأنها «حركة بورجوازية مكتوب عليها الفشل»، فيما أعلنت الحركة وقتها تبني الماركسية ـ اللينينية.
إن المشكلة ـ كما يتابع المؤلف ـ هي أن حرب الأيام الستة جاءت حلقة في سلسلة من النكسات والهزائم التي صادفت عبدالناصر منذ رفض العراق (قاسم) الانضمام الى تجربة الوحدة.. وبعدها كان إنكسار التجربة الوحدوية ذاتها.. لقد أصبحت الهزيمة ثقافة تنال في كل يوم من كيان أو حالة الكاريزما التي يتمتع بها ناصر وأيضا من القومية العربية التي كانت بمثابة شعار ساحر خلاّب.
سؤال وإجابة
ما هو إذن السبب، أو الأسباب، لهذه السلسلة من الهزائم أو النكسات؟
يحاول كتابنا ـ في هذا الفصل الختامي ـ أن يجيب عن السؤال، يوضح المؤلف أن في مقدمة الأسباب حقيقة الغياب، التدريجي كما يسميه، لظاهرة الاستعمار، وقد كان الاستعمار أو الإمبريالية هو الهدف الذي كانت تتوخى محاربته والنضال ضده حركة مصر وقيادتها لمسير القومية العربية منذ قيام ثورة 1952، التي دفعت بمصر الى اعلان حربها على الأحلاف الاستعمارية والمخططات الامبريالية الغربية.
ومنها مثلا حلف بغداد، ومن ثم نعمت حركة ودعوة القومية العربية بالازدهار، ما دام كان بوسعها أن تعبئ المشاعر والأفئدة ضد الاستعمار والامبريالية، وكان ذلك في عقد الخمسينيات.
لكن مع مجيء الستينيات ـ يوضح المؤلف ـ كان الاستعمار قد أصبح أدنى أهمية إنتهى الوجود البريطاني في مصر وفي العراق، ومُني حلف بغداد بالهزيمة، وطُرد الجنرال الإنجليزي جلوب باشا من قيادة الجيش الأردني، واستبعد كميل شمعون بميوله الغربية من رئاسة لبنان ليحل محله رئيس مستقل النزعة هو فؤاد شهاب.
وانتصر الجزائريون على القوى الاستعمارية الفرنسية بعد أن ضحوا بمليون شهيد وزيادة، هنالك أصبح من واجب عبدالناصر، وهو القيّم المؤتمن على القومية العربية أن يجد أهدافا جديدة، وهكذا تحول هجوم القوميين العرب الى أقطار عربية وصفها ناصر أيامها «رجعية».
ولكن في مثل هذا السياق المستجد الذي يضع العربي ضد عربي آخر، لم يكن من الميسور تحقيق انتصارات (والحاصل) أن جاء عام 1967 ليجد كاريزما ناصر وقد شحبت أضواؤها، ومن ثم كان تبدد الهالة التي كانت تحيط الرجل ـ كقائد وزعيم ـ عاملا مدمرا للقومية العربية بقدر ما أن الهزيمة العسكرية في عام 1967 كانت عاملا مدمرا في مصر وأقطار عربية أخرى.
أيام ناصر الأخيرة
هنا تنقلنا سطور هذا الفصل الى أيام ناصر الأخيرة. أو هي بالأدق السنوات الثلاث الختامية من حياته الحافلة بالأمل والعمل والانتصار والانكسار والقرارات والتحديات.
يقف الأستاذ داويشه بالتأمل عند فترة ما بعد يونيو مباشرة، يقول ان عبدالناصر أصبح يواجه مشكلات ذات حجم وتأثير رهيب على مصر بالذات، وكان التعامل معها يستنزف ـ كما يقول المؤلف بالحرف ـ كل قطرة من طاقة الرجل وقدراته فيما كانت ضروراتها الملحة.
ومقتضياتها الحيوية تتطلب أن توضع قضايا القومية العربية في درجات أقل من الأولوية على أجندة الاهتمامات، كان هناك أولا أن قوات إسرائيل تحتل سيناء والضفة الشرقية لقناة السويس أي على مسافة 3 ساعات من القاهرة، وكان ناصر يعرف أنه لا يملك حتى قدرة صد هجوم إسرائيلي يسّول له قياداته أن يقطعوا هذه الساعات الثلاث.
كانت هناك أيضا العواقب الخطيرة التي أضعفت بنية الاقتصاد المصري الذي كان واقعا بين براثن تكاليف الحرب من جهة ومشاكل تشريد وتهجير السكان من جهة أخرى، و.. هكذا كانت مهام التعمير الداخلي في مصر تقتضي جهودا هرقلية (ص286) وتحرم عبدالناصر من أي توجّه يدفعه الى النظر والتفكير فيما يتجاوز حدود مصر..
فضلا عن أن تلك الحدود ذاتها أصبحت قيد الخطر (بسبب وجود الاحتلال)، (ومن ثم) تعّين على الرجل أن يختار سبيلا عمليا، واقعيا أو براغماتيا لمعالجة تلك التحديات.
هل أغلقوا «صوت العرب»؟
هكذا جاءت الاعتبارات البراغماتية السياسية لترجح كفة الإخلاص الأيديولوجي وتجسد هذا المنحى في قرار ناصر بالوفاق أو توحيد الصفوف مع قوى الوضع الراهن أو أبعاد الأمر الواقع على نحو ما آلت اليه تلك الأبعاد.. وكان في مقدمة الإشارات، الدالة على هذا النهج الجديد.
قرار عبدالناصر باغلاق إذاعة «صوت العرب»، التي كانت لوقت طويل هي صوت القومية العربية الراديكالية (هنا يلزم أن نتدخل من جانبنا لتصحيح المقولة السابقة التي يذهب اليها مؤلف هذا الكتاب فلم يصدر عبدالناصر في أي وقت أي قرار بإغلاق الإذاعة السالفة الذكر.
ولكن قرر تغيير قيادتها، وصدرت توجيهاته بأن تتبع الإذاعة الخط الجديد، الذي يحشد كل الإمكانات من أجل خوص معركة إزالة آثار العدوان من دون التطرق الى معارك جانبية بين أطراف عربية).
وإذا كان مؤتمر الخرطوم المعقود في أغسطس 1967 قد أسفر عن اللاءات الثلاث الشهيرة الرافضة للصلح أو الاعتراف بإسرائيل، كما نتج عنه تقديم دعم عربي سخي ومتواصل من جانب الأقطار العربية النفطية ولصالح الدول العربية المتضررة من جراء العدوان الصهيوني، فإن مؤلف هذا الكتاب يوضح أنه إنما تعنيه ظاهرة .
أو نتيجة واعدة للقاء الخرطوم ويعبر عنها في عبارات تقول: وبنهاية قمة الخرطوم تم تدشين نزعة (أو دعوة) الوطنية لتكون هي الأيديولوجية السائدة والمهيمنة التي يتم على أساسها تنظيم العلاقات العربية ـ العربية وفق مبدأ سيادة الدول أو هي السيادة القطرية.
والحق أن مؤلف الكتاب لا يخفي اهتمامه ـ هل نقول احتفاله ـ بهذه النتيجة التي تكرس الوطنية القطرية (الإقليمية) على حساب القومية العربية (الشاملة).
ولسنا في معرض إدانة مثل هذا الاتجاه على الرغم من أننا نصدر عن فكر عروبي وعن اتجاه قومي يرى أننا ننتمي الى أمة وثقافة قومية عربية واحدة باللغة والتاريخ والمصير، بل نكاد ننبه الى أهمية أن تتم مراجعة لكل ما سبقت أجيال الماضي الى طرحه من شعارات عروبية ـ قومية خلال السنوات السبعين الأولى من القرن العشرين.
ندعو الى مراجعة نقدية (بمعنى ممارسة النقد الذاتي) لمسيرة العروبيين والقوميين في تلك الفترة وحتى اللحظة الزمانية الراهنة، مستفيدين في ذلك من طروحات وآراء حتى الذين لا ينتمون الى هذا النهج القومي العروبي أو الذين يوسعونه نقدا وربما لا يسعدون باستمراره ومنهم الأكاديمي الأميركي ـ من أصول عربية ـ مثل مؤلف هذا الكتاب.
في هذا السياق علينا أن ننبه الى الأخطاء التي سبق الى إرتكابها ـ بحسن نية طبعا ـ الإعلام القومي في مراحل المد أو الإزدهار.
قلق في العراق
إن مؤلف هذا الكتاب يطرح العراق مثلاً ـ وهو عراق ـ الخمسينيات الذي أولى معظم سكانه تأييدهم لعبدالناصر وهو يواجه حلف بغداد ويتحدى نظام نوري السعيد الموالي للمستعمرين الإنجليز، لكن قطاعات غفيرة من هؤلاء السكان أنفسهم كانوا يشعرون بقلق، أحيانا بمرارة وانشغال عندما كان إعلام عبدالناصر يكرر حديثه عن «الشعب العربي في العراق»، كان الشعار حسن النية.
إذ كان يصدر عن منطق الشمول القومي لكل شعوب، اقطار العروبة، لكن الشعب، في العراق كان عربيا وكان كرديا وكان تركمانيا وكان آشوريا وكان.. الخ، وكان في الشعار الإعلامي إياه ما يتجاهل وجود كل هذه الأعراق والمنابت والجماعات القومية التي لا تصدر عن أصول عربية.
مع هذا كله، فمؤلف هذا الكتاب لا يسعه في ختام البحث (ص 319) إلا أن يعترف بأن القومية العربية والمد الذي تصاعدت على جناحه في عقدي الخمسينيات والستينيات أعادت الى العرب ثقتهم في قدرتهم على أن لا يستضعفوا أو يخنعوا في مواجهة المستعمرين هنالك يمضي المؤلف قائلا بالحرف: هذا التجدد في ثقة العرب بأنفسهم، هذا الإنبعاث للروح العربية كان أثمن هدية جادت بها دعوة القومية العربية بقدر ما كان ذلك هو أعظم إنجازاتها.
ومرة أخرى يقف المؤلف عند حوادث 1967 ليعدها علامة فارقة بين هذه الإنجازات القومية وبين ما منيت به الأمة من إنكسارات، وأهمها عجز العرب عن تحقيق وحدتهم المنشودة وإرتفاع نبرة العزلة القطرية والدولة القطرية. ويرى في هذا آية على أن القومية العربية قد دخلت في طور الاحتضار.
ماذا بعد؟
لأي كاتب على شاكلة الأستاذ «دوايشه» أن يرى ما يشاء، وقد كان كتابه مفيدا حتى عندما كان ينبه الى ماشاب مسيرة الأمة من أخطاء وسلبيات.
لكننا لا نرى رأيه في أن أمة في حجم الأمة العربية وميراثها وثقافتها وقدراتها أصبحت قوميتها أو وشائج تكوينها في حال من الإحتضار، لكل أمة ـ كما لكل فرد ـ لحظات من سعود ونحوس، من بسمة على جبين دهرها ومن تقطيب على ملامح الزمان وعبوس، لكل أمة ولكل فرد خطأ أو كبوة أو تراجع أحيانا عن مزيد من مسير.
ولعلنا نعترف ـ أمانة مع النفس ـ بأن أمة العرب اعتراها مرض أو شحوب أو هزال، وأول علاج للمرض هو صدق التشخيص وأهم ما يميز التشخيص الدقيق هو دقته النابعة من أمانته بغير تزويق ولا تعلل بالأمنيات.
والعالم أصبح محيطا لجيا متلاطما لا يعيش ولا يزدهر فيه سوى حيتان التكتلات، وتستطيع هذه الأمة أن تشكل واحدا من تلك التكتلات بغير تصارع مع غيرها ولا تجاهل طرفا مهما كان صغيرا من أطراف الواقع الذي تعيش فيه.
وفي كل حال فنحن ننتمي مازلنا الى أمة قائمة موجودة، وهانحن نكتب بلغتها، ونتشارك في وجدانها، وعلينا أن ندفع بالعلم خطاها كي تمخر سفائنها عباب هذا القرن الواحد والعشرين.
عرض ومناقشة: محمد الخولي
المصدر : ارشيف "بيان الكتب" عن صحيفة البيان الاماراتية قبل حذف واختفاء جزء كبير من محتوياته..
vBulletin® v3.8.6, Copyright ©2000-2012, Jelsoft Enterprises Ltd by Support-ar.com