المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : أشهر الإغتيالات السياسية


هــري عبدالرحيم
02-09-2008, 02:45 AM
أشهر الاغتيالات السياسية
شهد التاريخ الإنساني، بعد تشكل نظم الدولة، عمليات اغتيال كثيرة طالت عددا كبيرا من القادة والزعماء والمعارضين، وشغل موضوع الإغتيالات السياسية جدلا كبيرا بين الباحثين والمفكرين لتحديد دوافعه وتأثيره، وخلال الحلقات التالية يكشف الكاتب إبراهيم سراج في كتابه " أشهر الاغتيالات السياسية في التاريخ، بعض دوافع اغتيال أشهر الزعماء السياسيين.
اغتيال الرئيس بوضياف
يعتبر بوضياف أحد زعماء الثورة الجزائرية، وأحد أعضاء نواتها الأولى والذي غاب عن الجزائر لمدة ثلاثين سنة قضى أغلبها بمدينة "القنيطرة" المغربية، فرارا من حكم إعدام صدر في حقه من طرف حكومة أحمد بنبلة باعتباره عنصرا خطيرا على الأمن القومي.
ويوصف محمد بوضياف بأب الثورة الجزائرية، إذ بدأ مشواره النضالي منذ ثلاثينات القرن الماضي، وكان من قياديي التنظيم العسكري التابع لحزب الشعب الجزائري الذي أسسه سنة 1947 لإعداد الثورة الجزائرية، وبعد انكشاف أمر هذا التنظيم من طرف السلطات الإستعمارية دخل بوضياف في السرية واختفى عن الأنظار. كما ساهم بوضياف في نونبر 1954 في تأسيس "جماعة 22 الثورية للوحدة والعمل"، واللجان الست التي فجرت ثورة التحرير الجزائرية رفقة أحمد بنبلة ورابح بيطاط ومحمد خيضر وكريك بلقاسم وحسين أيت أحمد والعربي بن مهيدي، كما تمكن بوضياف من إنقاذ الجزائر ثلاث مرات على الأقل.
_الأولى سنة 1954 حينما اشتد الصراع بين الأحزاب، وانقسم التيار الإستقلالي عن نفسه، فساهم بوضياف في حسم الموقف لصالح حتمية الثورة.
_والثانية سنة 1964 بعد الإستقلال بعامين، حينما فضل المنفى الإختياري خارج الجزائر حتى لا يشارك في الصراع الداخلي الناشب بين ثوار الأمس غداة الإستقلال.
_والثالثة كانت سنة 1993 استجابة للنداء الوطني بعد إقالة الشاذلي بنجديد.
وفي عهد أحمد بنبلة أعدم العقيد شعباني، كما اغتيل محمد خيضر في اسبانيا، وتم اعتقال بوضياف في سنة 1963، وحكم عليه بالإعدام، وبعد تدخل العديد من الوسطاء أفرج عنه، وسافر إلى باريس ومنها إلى مدينة القنيطرة بالمغرب حيث قضى قرابة ثلاثين سنة قبل أن تستغيث به المؤسسة العسكرية في الجزائر ليكون رئيسا للجمهورية، خلفا للشاذلي بنجديد.
ويقول بوضياف عن اعتقاله، في أحد كتبه، إنه كان بطريقة بشعة، إذ كان يتجول في الشارع، وجرى إلقاء القبض عليه ثم حكم عليه بالإعدام بتهمة التآمر على أمن الدولة.
وبعد تدخل بعض الأطراف، واعتبارا لماضيه النضالي أطلق سراحه، ثم هاجر إلى فرنسا حيث أسس حزبا معارضا اشتراكي التوجه، كما ألف كتابه الشهير:" الجزائر إلى أين"، لكن بعد فترة قصيرة قام بإلغاء الحزب، وفضل الإقامة في المغرب حيث أقام مصنعا لصناعة الآجر(لبنات البناء) قرب قنطرة أولاد برحال، وكان بوضياف يؤكد دعم المغاربة غير المشروط للثورة الجزائرية.
ومن المعروف أن الثورة الجزائرية اندلعت في وضع سياسي جزائري يتسم بالتعددية الشكلية، وكانت بعض الأحزاب آنذاك ترى عبثية الثورة، وتراهن على ضرورة الإندماج الكلي في المجتمع الفرنسي(المجتمع الأم)، حسب النخبة الفرانكفونية في ذلك الوقت، كما أن الثورة الجزائرية كانت فقيرة جدا في البداية من حيث انعدام الذخيرة الحربية والسلاح، إلا أنها كانت آنذاك تحتضن شعبا قابلا للتضحية والفداء، وكان اعتمادها في البداية على مساعدات بعض الدول وفي مقدمتها مصر والمغرب. كما كانت المقاومة المغربية تتخلى عن نصيبها من المساعدات العربية لفائدة الثورة الجزائرية،وتؤكد مختلف شهادات مفجري الثورة الجزائرية دعم ومساندة المغرب والمغاربة للثورة الجزائرية ضد فرنسا.
_ يتبع_ جريدة الصباح .

هــري عبدالرحيم
03-09-2008, 03:53 AM
حلم بوضياف بجزائر قوية تعتمد على نفسها، وتعمل على تحقيق الأهداف الكبرى التي سطرتها قوة التحرير بفضل دماء مليون ونصف شهيد، ومنهم مغاربة وتونسيون وبعض العرب، إلا أن الواقع كان خلاف ذلك، فرفاق الأمس بلغ بهم التمزق حد قرب اندلاع حرب أهلية بالجزائر، مما دفع رئيس الحكومة المؤقتة يوسف بن خدة إلى الإنسحاب من الساحة في وقت مبكر، وهذا ما أبرزه بجلاء محمد بوضياف في كتابه.
وخلافا لبوضياف ظل أحمد بن بلة يتهم دوائر في الرباط بأنها كانت وراء الوشاية به عندما غادر المغرب متجها إلى تونس عبر طائرة مغربية، وهي الطائرة التي انطلقت من الرباط وكانت تقل بعض قادة الثورة الجزائرية قبا أن ترغمها طائرات فرنسية على الهبوط في الجزائر، واعتبرت هذه العملية أول عملية قرصنة جوية من نوعها.
وكان بوضياف في مدينة القنيطرة المغربية محط رعاية الحسن الثاني،كما كان محل تقدير كل القنيطريين، وتمكن بعمله وجهده من تحقيق ثروة تكفل له ولإبنائه وزوجته العيش بكرامة، ولذلك لما عين على رأس المجلس الأعلى للدولة في مطلع سنة 1992 رفض أن يتقاضى راتبا تأكيدا على نزاهته ورغبته في إخراج الجزائر من الأزمة.
وبع أن تمت الموافقة الشعبية على الدستور الجديد في فبراير 1989 انتظر الجزائريون عودة محمد بوضياف، كما فعل أحمد بن بلة وحسين أيت أحمد، إلا أن بوضياف، صرح أنه لا يثق بالديمقراطية كما هو متحدث عنها بالجزائر آنذاك،ولا المشروع الديمقراطي، ولم يخف قلقه الشديد على مصير بلاده، وجاء إعلان الحصارفي رابع يونيو 1991 ليؤكد ما أقر به محمد بوضياف من أن الديمقراطية الجزائرية كانت شكليةفقط.
ففي الوقت الذي عاد رموز المعارضة إلى الجزائر شكك بوضياف في مصداقية الديمقراطية ورفض العودة إلى بلاده، وبعد أن احتدت الأزمة أجرى الجنرال خالد نزار اتصالات بمحمد بوضياف، ودعاه إلى الجزائر لمدة 24 ساعة، وتم تكليف علي هارون(صديق قديم لبوضياف)، باللقاء به بالقنيطرة، وحاولت أسرة بوضياف ثني الأخير عن قبول الدعوة لتولي الرئاسة باعتبار ذلك ينطوي على مخاطر جمة، وهو الإحساس الذي دفع أفراد الأسرة لعدم مصاحبته لما قرر الذهاب حيث بقوا كلهم في المغرب.
فعلاوة على المتاعب السياسية والأمنية، وجد محمد بوضياف وضعا اقتصاديا مزريا ومديونية بلغت 26 مليار دولار إضافة إلى الديون العسكرية، في ظل كساد الزراعة والمؤسسات الإنتاجية وتفاقم البطالة والإختلاسات بالجملة، مما سهل على المنظمات المالية الدولية فرض شروطهاعلى البلاد، علما أن الدماء كانت تُراق في جميع أرجاء الجزائر.
اقنع الجيش بوضياف بضرورة العودة إلى الجزائر التي كانت على وشك الغرق، علما أن قادة الجيش آنذاك كانوا يرغبون في الواقع في درء الزلزال باللجوء إلى شخصية محورية في ثورة التحرير الجزائرية، معتقدين أن شرعية بوضياف لإي إمكانها إلغاء الشرعية افنتخابية، لكن تمت تصفيته بعد 166 يوما فقط عن عودته.
وخرجت اللجنة الإستشارية، التي كانت تضم رئيس الحكومة أحمد غزالي،ووزير الخارجية الأخضر الإبراهيمي، ووزير الداخلية العربي بلخير، ووزير الدفاع خالد نزار(علما أنها كانت هيأة استشارية دستوريا)، بفكرة الرئاسة الجماعية(المجلس الأعلى للدولة)، والذي يتكون من خمسة أعضاء: محمد بوضياف رئيسا وخالد نزار وعلي كافي وعلي هارون وتيجاني هدام، لكن بمجرد الإعلان عنه اعترضت عليه القوى السياسية باعتباره غير دستوري، وكان الإستنجاد بمحمد بوضياف لتغليب شرعيته التاريخية على الشرعية الملغاة بقرار المؤسسة العسكرية بعد فوز جبهة الإنقاذ بالإنتخابات.
_يتبع_

هــري عبدالرحيم
06-09-2008, 05:08 AM
http://i35.servimg.com/u/f35/10/05/89/00/boudia10.jpg



اغتيال بوضياف _تتمة_


عاد بوضياف إلى الجزائر في أواسط سنة1992، واعتبرت بعض الأوساط السياسية الجزائرية عودته في ذلك الظرف غير مناسبة، وقال البعض بصددها مقولة تداولها الجميع آنذاك، وهي " الرجل المناسب في المكان غير المناسب".

عاد بوضياف إلى الجزائر في وقت كانت تلتهب فيه وتتهاوى وسط صراع مرير بين مؤسسة الجيش وجبهة الإنقاذ، وأدى ذلك إلى تفجير الأوضاع وانتشرت الإضطرابات في جميع انحاء البلاد.
في 15 يناير 1992 وصل محمد بوضياف إلى مطار هواري بومدين بالجزائر العاصمة بعد غياب دام أكثر من 28 سنة، وبمجرد أن لمست قدماه أرض الجزائر صرح قائلا:" جئتُ لإنقاذ الجزائر".

وفي مساء ذلك اليوم وجه بوضياف خطابا إلى الشعب جاء فيه أنه سيعمل على إلغاء الفساد والرشوة ومحاربة أهل الفساد في النظام وإحقاق الحق والعدالة الاجتماعية، وطلب من الشعب مساندته ودعمه في أداء مهمته.

أبرقت جبهة الإ"نقاذ إلى بوضياف تحذره من مغبة تلويث سمعته التاريخية، ودعته إلى عدم الوقوع فريسة في أيدي الطذبقة الحاكمة الراغبة في توظيف سمعته ومصداقيته ونزاهته ورصيده الثوري والنضالي ونقاء مشواره ومساره.

وعندما بدأ بوضياف يكشف الفساد والمختلسين، عندها علق الشارع الجزائري قائلا إن بوضياف أصبح في خطر محقق، خصوصا حينما صرح الأخير أنه عاد بعد الفراغ الدستوري الذي نجم عن إقالة الشاذلي بنجديد، وصرح لمجلة روز اليوسف أن السلطة العسكرية هي التي أطاحت بالشاذلي، وأن ما وقع انقلاب عسكري. وبعد مدة قصيرة أخبر بوضياف ابنه" ناصر"، بأن الوضع معقد للغاية.

وبعد الهجوم على رؤوس الفساد في خطبه، أمر الرئيس باعتقال مصطفى بلوصيف في قضية اختلاس أموال طائلة من وزارة الدفاع، كما قدم 400 ملف تتعلق بمختلسي أموال الشعب، وظل يتهجم في كل خطبه وتصريحاته على جبهة الإنقاذ، وشن هجومه على حزب جبهة التحرير الوطني وأمينه العام عبد الحميد مهري الذي كان يعترض على إلغاء الإنتخابات التشريعية ويطالب برد الإعتبار إلى الجبهة.

وفي آخر أيامه وصف الرئيس بوضياف النظام بأنه يسكنه الفساد، وبعد مدة قصيرة قابل الملك الحسن الثاني بالرباط في إطار زيارة خاصة، ووعده بحل قضية الصحراء بطريقة ترضي المغرب، وقيل آنذاك إن مؤسسة الجيش لم تغفر له هذا الموقف.

لم يقدر رصيد بوضياف التاريخي أن يطفيء لهيب الفتنة التي أجهزت عليه بطريقة لم يسبق لها مثيل في الجزائر، لقد حاول بوضياف تجنيد الجزائريين حول مشروع وطني موحد، لكن اليأس استشرى في البلاد، وحاول بعث الإقتصاد، لكنه اكتشف أنه بيد جماعة من المافيا، فبعد أن دعا بوضياف لتأسيس التجمع الوطني لم يستجب له إلا بعض المواطنين في عين تموشت وعنابة، لذلك قرر التوجه إلى هناك للمزيد من توضيح أفكاره، ولم يرافقه في هذه الرحلة الداخلية إلا وزير الصناعات الخفيفة وبعض المسئولين.

وفي الساعة الثانية عشرة من 29 يونيو 1992 شرع بوضياف في إلقاء خطابه بالمركز الثقافي بمدينة عنابة، وعندما قال:" إن الإسلام يحث على العلم" انفجرت قنبلة في المنصة الرئاسية فانتصب جندي أمام الرئيس وأفرغ رشاشه في جسده، وفي الساعة الواحدة من نفس اليوم تم الإعلان عن اغتيال الرئيس بوضياف من طرف الملازم مبارك بومغراف أحد عناصر القوات الخاصة.
أنتهى.