المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : تحرير الوعي العربي: مصير الأمة تحدده معركة الشام


معتصم الحارث الضوّي
27-11-2007, 06:13 PM
سامي لطيف
صحيفة القدس العربي اللندنية - 27 نوفمبر 2007

يكاد هوغو شافيز يستولي علي كل وقتي، فهو يشكل لي معضلة ـ أو فزّورة ـ لم اهتد الي حل لها بعد، اذ لا أعرف حتي الآن السبب الذي يمنع أمريكا من الانقضاض عليه وهو علي مرمي حجر من مقر المؤسسة العسكرية فــــي البنتاغون ، ومن مقر القيادة المشتركة للقوات في تامبا ، ومن مقر السي آي أيه في لانغلي ، رغم أنه لا يتورع عن فعل كل ما يغيظ السياسة الأمريكية، ويحبط المصالح الأمريكية، أنظروا ماذا يفعل هوغو شافيز: يعاكس رغبة واشنطن في خفض أسعار النفط وزيادة ضخ براميله، يلتحم بكوبا كاسترو، يجهر بعدائه للاحتلال الأمريكي للعراق، يوقع اتفاقات مع ايران للتعاون الاقتصادي والصناعي والزراعي والنفطي، وقع منذ 2001 اتفاقاً استراتيجياً مع الصين، يسعي الي توحيد أمريكا اللاتينية في الخلاص من كل نفوذ سياسي واقتصادي للولايات المتحدة في كل ركن من أركانها، بل وصل به الأمر في عدوان الكيان الصهيوني علي لبنان صيف العام الماضي الي سحب سفير كاركاس من تل أبيب، بل وهو يجهر بدفاعه عن القومية العربية أيضاً..
هذا الرجل ـ شافيز ـ يفعل كل ذلك وبتروله يصل الي أمريكا في ست ساعات وليس في 45 يوماً كما هو البترول الخليجي وتحديداً العراقي، ورغم ذلك لا تجرؤ ادارة المحافظين الجدد ورموزها بوش وتشيني وستيفن هادلي وكوندوليزا رايس وسواهم، علي الانقضاض عليه أو ازاحته أو حتي تهديده بالويل والثبور وعظائم الأمور. يفعل كل ذلك ولا يخشي أحداً في أمريكا ولا يشغل باله بحديث موازين القوي ولا يمضي وقته في حساب النفس كل ليلة كما يفعل حكام مصر والأردن والسعودية تحديداً علي بعد آلاف الكيلومترات من تامبا ولانغلي والبنتاغون، عما اذا كانوا قد اقترفوا في حق واشنطن اثماً أو أساءوا اليها بغير قصد في تصريح من هنا أو اجراء داخلي / خارجي من هناك ..
أعترف أن سؤالاً ما أنفك يحيرني، لماذا لا تجرؤ ادارة المجرم بوش علي الانقضاض علي الديمقراطية في فنزويلا، واذا حاولت فانها تفشل (حدثت محاولة انقلاب مدعومة أمريكيا أسقطها الشعب الفنزويلي قبل سنوات)، ولكنها تنقض بسهولة علي الديمقراطية في فلسطين فتخلع حماس من السلطة وفي لبنان فتضع علي رأس السلطة الخاسرين في الانتخابات المنقلبين علي تحالفاتهم التي وصلوا بها الي الأكثرية؟
ثم لماذا تفشل أمريكا في تأليب جوار فنزويلا ضدها، نجدها تفشل في نيكاراغوا وفي بوليفيا وفي الاكوادور، بينما هي تنجح نجاحاً منقطع النظير في تأليب دول عربية ضد سورية؟!
السعودية التي طالما سكتنا عن دورها المخزي في التمهيد للاستعمار البريطاني ومن بعده الاستعمار الأمريكي، تستمرئ الدعوة والعمل علي حصار سورية، ويصلي رفعت الأسد الي جانب مليكها صلاة العيد في اشارة ذات مغزي.
السعودية التي تقوم بدور القابلة لولادة الاعلان رسميا عن هزيمة الأمة العربية، التي تنقلت عبر العصور الرئاسية الأمريكية طيلة العقود الستة الماضية من تراجع الي تفريط ومن تنازل الي تثبيط. السعودية التي تضحك علي المسلمين بعبارة التوحيد علي علمها الأخضر لتداري الاشراك بأمريكا في سجلها الأسود. السعودية التي عادت جمال عبدالناصر باسم الاسلام، وتطرح اليوم مبادرة بيروت وتحضر لمؤتمر واشنطن وفيهما اعتراف واضح مباشر بالكيان الصهيوني ورغبة متهالكة في اقامة العلاقات معه والتطبيع معه وهو الذي يحتل القدس وينتهك المقدسات ويعيث في الفلسطينيين وأراضيهم وبيوتهم فساداً وتقتيلاً ..
السعودية التي يتسمي مليكها بخادم الحرمين، والحرمان حرمتهما ليست أعز علي الله من حرمة المسلم ودم المسلم، تخرج منها الفتاوي بتحريم الدعاء للمقاومة بالنصر في حرب ناصر/ تموز العام الفائت، ويصدر عن وزارة خارجيتها ماهو أدهي، ادانة حزب الله، ادانة المجاهدين، ادانة المسلمين الذائدين عن حياض الحق في مزارع شبعا واطلاق الأسري اللبنانيين في المعتقلات الاسرائيلية، ادانتهم بأنهم مغامرون دعاة مغامرات غير محسوبة ..
السعودية التي فرطت في فلسطين من أيام عبدالعزيز بضغط من هاري ترومان، المملكة التي سمح بانشائها أصلا التنافس الانكليزي ـ الأمريكي علي نفط شبه الجزيرة العربية في ظروف أفول القوة البريطانية وصعود القوة الأمريكية بين الحربين العالميتين. السعودية، الوطن الغالي الذي يضم أطهر بقاع الأرض تستولي عليه عائلة تنسبه بترابه المقدس الي قبيلتها. سكتنا عليها طويلاً فما استحي ساستها عن اقتراف المآثم الجديدة في حق الأمة العربية وفي حق الاسلام والمسلمين، تتآمر اليوم جهاراً نهاراً علي الركن الباقي حصيناً للأمة في الشام لاسقاطه، كما تآمرت 2003 علي بغداد مع الأمريكان والانكليز والاسرائيليين. السعودية التي يرتع فيها وفي خيرات ارض الجزيرة وشعب الجزيرة جنود الأمريكان وشركات الأمريكان وساسة الأمريكان وتحرم علي العرب دخولها الا بتأشيرة حج أو عمرة. تريد أن تتزعم الغطاء العربي لضرب سورية التي استقبلت النازحين من فلسطين عام 48، ثم استقبلتهم عام 76، ثم استقبلت مليون نازح لبناني ابان الحرب الأهلية، ثم استقبلت ربع مليون نازح لبناني خلال العدوان الصهيوني 2006 مسيحي، واستقبلت مليونا نازح عراقي منذ احتلال العراق. البلد الذي ظل قدره أن يتحمل عبء الكوارث العربية التي يتسبب بها الحكام الخونة والساسة العملاء، وقدره ان يبلسم جراح العرب ويحتضنهم ..
السعودية القابلة القانونية لولادة اتفاق الخريف للاعلان من واشنطن عن هزيمة الأمة العربية نهائياً واستسلامها وخروجها من الصراع مع الكيان الصهيوني وتسليمها المطلق بالمشيئة الأمريكية. لديها طائرات اف 16 باعتها لها أمريكا، وليس لدي سورية طائرات افـ 16 وانما تهاجمها الطائرات الصهيونية من هذا الطراز، فلأي شيء تسلحت السعودية بالـ اف ـ 16، لاتمام عمولات علي شاكلة صفقة اليمامة. أما الجهاد والمقاومة ضد الذين يحتلون الأرض ويخرجون المسلمين من ديارهم كما هو مذكور في القرآن الكريم فهذا يدخل في نطاق المغامرات غير المحسوبة. يكفي السعودية فخراً أن يشيد بها شخصياً ايهود أولمرت الذي قال في الكنيست وعبر وسائل الأعلام خلال عدوان ناصر / تموز ان دولاً عربية قد طلبت منه اتمام المهمة والقضاء علي حزب الله، والمتتبع للاعلام الفضائي الممول سعودياً يستطيع أن يستنتج بسهولة مطلقة ماهي الدول التي ذكرها أولمرت ..
ومصيبتنا في السعودية وفي حكام وساسة السعودية ليست بأكبر من مصيبتنا في الأردن، الدويلة الأخري التي أنشأها الانجليز وهم يرتبون لاقامة الكيان الصهيوني علي أرض فلسطين، سكتنا عنها طويلاً، واتبعت في بعض المراحل سياسة عدم المجاهرة بعدائها للأمة أسوة بالسياسة السعودية، ولكنها اليوم دولة تماس في المواجهة الأمريكية الاسرائيلية ضد الأمة العربية والمقاومة في العراق والمقاومة في فلسطين والمقاومة في لبنان وضد سورية. النظام الذي يقتات علي اخفاقاته ويعيش علي بيع العرب وقضاياهم ومصيرهم للوبي الصهيوني في الكونغرس. الدولة العبء علي نفسها فلا تجد العائلة الحاكمة حلولاً سوي في الاقدام علي تقديم المزيد من المرونة ، فياله من اقدام! ياله من دستور جميل تملكه المملكة الأردنية الهاشمية، ينص في مادته الأولي علي أن الشعب العربي في الأردن جزء من الأمة العربية ، ثم تنهال السياسات الأردنية بعد ذلك طعناً في الأمة العربية: 1800 شركة اسرائيلية تدخل السوق العراقية بعد الاحتلال الأمريكي، كلها عن طريق الأردن، 257 شركة اسرائيلية تتعامل مباشرة مع السوق الأردنية، وعمّان هي المعبر المعلن للسلع الاسرائيلية الي السعودية وسائر أقطار الخليج العربي بل والي بعض الدول الاسلامية البعيدة أيضاً. هذه هي الوظيفة الوحيدة للكيان الأردني العاجز عن سقاية شعبه واطعام أهله، الآن وظيفته أداء دور الوسيط لانقاذ السياسات والسلع الاسرائيلية في المنطقة العربية وفي العالم الاسلامي. يفكر صهاينة المحافظين الجدد في واشنطن في اثارة الفتنة السنية الشيعية في المشرق العربي كله بدءاً من بغداد كي يعوضوا فشلهم ويمكنوا لاحتلالهم، فينبري مليك الأردن للحديث المباشر عن الهلال الشيعي والمخاوف من ايران، تناغم دقيق بين المايسترو وعناصر الكورال ضد سورية وضد ايران، رغم أن الشام لم تقصر يوماً في رعاية الأردن عندما اختنقت عمان عطشاً فذهبت المياه من الجنوب السوري الي الشمال الأردني، ورغم ان هناك مشاكل في المياه في سورية نفسها. ولجأت الحكومة الأردنية الي الشام لضيق ذات اليد طالبة القمح، فمنحتها الشام عقوداً تفضيلية، 400 الف طن قمح تستوردها عمان من سورية وتوفر من شراء القمح السوري سنوياً 15 مليون دولار، بعد أن عزّ القمح الأمريكي والاسترالي عن أن يرخص لساسة رخّصوا أنفسهم ..
ماذا أفادت المملكة الهاشمية من كل تعاملها مع الأمريكان ضد الأمة العربية وضد العراق وضد فلسطين وضد سورية وضد المقاومة؟ لازالت عمّان أغلي من دبي، ولا زال الفتق يستعصي علي الرتق في مسائل البطالة والفقر والتمييز في المجتمع الأردني وفي الكيان الأردني، والنقمة الشعبية داخله تتعاظم بسبب العلنية والمجاهرة اللتان بدأت السلطة الأردنية في اتباعهما في العداء للأمة العربية وفي الانبطاح للساسة الصهاينة. ان كل فلسطيني يتم القاء القبض عليه في فلسطين المحتلة من قبل الصهاينة يمنع الآن تلقائياً من دخول الأردن، وهذا معلن، ولا نتحدث عن تواطؤ الأمن الأردني مع الموساد وأجهزة الأمن الاسرائيلي الأخري في مطاردة المقاومين والمجاهدين العرب ومع السي أي ايه وأجهزة الأمن الأمريكية الأخري في تنسيق العمليات التي يقوم بها الاحتلال في العراق ..
والخيبة الأردنية الهاشمية لا تفوقها سوي الخيبة التي عليها وفيها يرتع نظام مبارك، في الداخل عجز وفي الخارج تآمر وانبطاح، عجز عن سقاية المصريين في بلد النيل من مياه شرب نظيفة الي حد وقوع قتلي وجرحي في المظاهرات المطالبة بالماء، عجز عن حل مشكلة البطالة لـ 15 مليون مواطن مصري، عجز عن حل الادمان علي المخدرات، وفي المقابل انبطاح هائل أمام الاسرائيليين. في الحرث / نوفمبر 2004 سقط ثلاثة شهداء من الشرطة المصرية علي الحدود مع قطاع غزة، قتلهم الجيش الاسرائيلي بدم بارد ثم قال انه ظن انهم مقاومون، ماذا فعلت السلطة في مصر؟ لا شيء علي الاطلاق! وفي الصيف/يونيو 2006 قتل الجيش الاسرائيلي كلاً من الشرطي أيمن السيد حامد والشرطي محمد بدوي صادق، ثم سحب جتثيهما علي مرأي من زملائهما الي داخل الأراضي المحتلة ليقول البيان الاسرائيلي لاحقاً أنهما قد قتلا خطأ داخل الكيان. شرب أبو الغيط وعمر سليمان حليب السباع وأعلنا تأجيل زيارتهما المقررة بعد أيام الي تل أبيب، ثم وخلال الأسبوع نفسه استقبل مبارك ايهود أولمرت في شرم الشيخ. لذلك لا يبدو صعباً أبداً التكهن باسم الرئيس العربي الذي قال أولمرت نفسه يوم 18ـ7ـ2006 أنه قد تلقي اتصالاً منه يطالبه فيه بمواصلة الحرب علي المقاومة لتصفيتها في لبنان ..
أهذه مصر؟ أهذه مصر التي تشترك في حصار شعب فلسطين دون أن يطرف لساستها جفن، وتجتهد دبلوماسيتها طوال السنتين الماضيتين وتنشط مع الفلسطينيين لتحقيق هدف واحد.. الافراج عن الجندي الصهيوني الأسير .. جلعاد شاليط؟! ماذا أفادت مصر من كل تواطؤ حكامها وخياناتهم؟ هل حلت مشاكلها الاقتصادية والمعيشية؟ من الذي استفاد من اخراج مصر من أمتها والحاقها بالتابعية السعودية لأمريكا؟ من الذي استفاد فعلاً من كامب ديفيد؟ أهو الشعب المصري؟ هل عادت مصر الي زمن شاور، آخر رئيس للوزراء في عهد الملك العاضد الفاطمي الذي تواطأ مع الصليبين الذين احتلوا فلسطين يومها ضد نور الدين وصـــلاح الدين في الشام؟ وماذا كان مصير شاور؟
300 شركة مصرية تتعامل مع الكيان الصهيوني، فماذا استفاد الشعب المصري من خيانة حكامه؟ ان الذين خرجوا من المواجهة مع الاحتلال الصهيوني لفلسطين بمعاهدات مثل مصر والأردن وبدون معاهدات معلنة مثل السعودية والأكثرية الحاكمة في لبنان والسلطة الفلسطينية برأسيها عباس وفياض، هؤلاء دخلوا جميعاً في حظيرة التواطؤ مع الاحتلال، انتهي بهم الأمر الي أن يصبحوا قوي ضغط ومواجهة ضد الذين يتمسكون بالأرض ويتشبثون بالحقوق ويرفضون الاستسلام للاحتلال الصهيوني. لا يوجد حياد بين الأمة وعدوها، اما أن تكون مع الأمة فتكتب عليك المواجهة للعدو، واما أن تكون مع العدو فيصبح عليك مواجهة الأمة ..
نجد الحقيقة السالفة الذكر صريحة ناصعة تؤكدها الأيام والاحداث والمستجدات كل لحظة وكل ثانية، لا مجال في المواجهة المفتوحة بين الأمة وأعدائها لعدم الانحياز، لا مجال الا للانحياز، ولهذا يجب تحرير الوعي العربي من الأوهام المتعلقة بكيانات عدوة للأمة في السعودية والأردن ومصر. العروبة والاسلام لا يقاسا ببوصلة الفوضي الخلاقة ولا تمارس القومية ولا الاسلامية الا ببوصلة المقاومة والموقف من المقاومة والممانعة. عندما يقول سلام فياض ان حماس قزم نضالي ويخلو بيانه الحكومي من كلمة مقاومة فهو قد أعتبر أن شعبه ليس محتلاً، وهو قد خرج من ملة العروبة والاسلام. وعندما يقول سعد الحريري ان أمريكا صديقة للبنان ولم يكن لها أي دور في عدوان ناصر / تموز 2006 ضد لبنان، وهو خارج من لقطة حميمية الي جوار المجرم بوش، فهو قد خرج من ملة العروبة والاسلام. وعندما يعرض التلفزيون المصري حفلا غنائيا بمناسبة عيد شم النسيم أو عيد الربيع ليلة سقوط ثلاثة آلاف شهيد في الفلوجة فهذا اشهار صريح للخروج من ملة العروبة والاسلام. وعندما ترعي السعودية مؤتمر الخريف في أمريكا ويجلس حكامها الي أولمرت وتسيبي ليفي ليمنحوا الصهاينة اعترافاً لاحتلالهم لفلسطين والقدس وشرعية لعدم عودة اللاجئين الفلسطينيين الي أرضهم وغطاءً للسلطة العميلة للاحتلال في رام الله في مقابل الفتات الذي سيعرضه عليها أولمرت، فهذا خروج من ملة العروبة والاسلام الي ملة اليهود والأمريكان ولو ذهبوا مرتدين كساء الكعبة المشرفة ..
يجب تحرير الوعي العربي من الأوهام المتعلقة بالحكام وبالحكومات، فتحرير الأرض العربية مستحيل بدون تحرير الوعي العربي. والأساطير المؤسسة للسلام المزعوم بين العرب والصهاينة كلها من صنع هذه الكيانات الثلاثة في مصر والسعودية والأردن، وبالطبع ثمة كيانات أخري لاحقة بها مشارقية ومغاربية. وتحرير الوعي العربي من الأوهام والأساطير يمنحنا ميزة الابصار بالبصائر لا بالأبصار، فنري حكام الأمة لازالوا في الملاجئ يختبئون رغم أن سكان كريات شمونة والمطلة وسواهما من مستعمرات الجليل قد غادروها. هم يخافون صواريخ المقاومة أكثر من الصهاينة، هم يكرهون الشام أكثر من الصهاينة، هم يحقدون علي سورية لأنها تتبني حزب الله وحماس وتمانع في الاستسلام لأمريكا وللصهاينة، ويعجبون من رفض الرئيس السوري لكل تلك الاغراءات التي انهالت عليه من أمريكا ومن أوروبا ومن اليابان في مقابل تخليه عن المقاومة وحقوق المقاومة، تماماً كما كرهوا جمال عبدالناصر يوم رفض بيع العرب مقابل اعادة سيناء لمصر، حين دق الطاولة بقبضته قائلاً: القدس قبل سيناء، الجولان قبل سيناء ...
ولا يجد الخارجون من ملة العروبة والاسلام الي ملة أمريكا ما يعيبونه علي المقاومين سوي ايران والارتباط بايران، فلنعتبر أن دعم ايران لسورية ولحزب الله وللمقاومة في فلسطين تكتيكاً ايرانياً وليس استراتيجية ايرانية، فان هذا الدعم مطلوب وضروري وملح، ولكن أي شيء سنعتبر الدعم الرسمي العربي لأمريكا والكيان الصهيوني ضد سورية والمقاومة في العراق وحزب الله والمقاومة في فلسطين؟ واذا كانت لايران مصالح مع قوي الممانعة وقوي المقاومة فما هي مصالح الحكام العرب مع أمريكا والصهاينة سوي الخروج من ملة العروبة والاسلام وتزيين رؤسهم الذليلة الخانعة بأكاليل العار والشنار ..
هذه أنظمة حان للوعي العربي العام أن يتحرر من اعلامها وسياساتها وأضاليلها ومؤامراتها، وآن للأمة أن تلتقي علي نبذها كما تنبذ الصهيونية سواء بسواء ..
ان تحرير الوعي العربي يتطلب في هذه المرحلة الدقيقة التي تمر بها الأمة العربية سؤال القوي السياسية العربية بمختلف تلاوينها واتجاهاتها من أقصي اليمين الي أقصي اليسار عما اذا كانت أعدت العدة للمنازلة الآتية لاريب بين الأمة وأعدائها، والتي تعد لها كما تجمع التحليلات والآراء والمعلومات دوائر البنتاغون والدوائر الصهيونية العسكرية والسياسية والأمنية، فأمريكا الفاشلة في العراق وأفغانستان تريد النيل من المدماك الأخير للأمة في سورية التي ظلت متمسكة بثوابت الصراع العربي ضد الصهيونية. والكيان الصهيوني الذي يقبع تحت وطأة هزيمة عسكرية ومعنوية ونفسية كبيرة أعقبت حرب ناصر/ تموز، يريد هو الآخر خوض الحرب التي يعتبرها مصيرية بالنسبة اليه، حيث تجمع التحليلات الاسرائيلية أن هزيمة المقاومة في لبنان وفي فلسطين لن تحدث الا بضرب سورية واجبارها علي الاستسلام للارادة الأمريكية والصهيونية، وان الميلاد الحقيقي للشرق الأوسط الكبير الذي تريده الآنسة كوندي لن يكون الا بالقضاء علي قلب العروبة النابض..
بل لعلي أقول أن الحرب ضد سورية قد بدأت بالفعل، بدأت علي المستوي السياسي وعلي المستوي الاعلامي وعلي المستوي النفسي، والحصار الرسمي العربي لسورية دليل علي تجهيز مسرح العمليات كما يقال باللغة العسكرية ..
قال لي ذات مرة صديقي المناضل البريطاني جورج غالاوي: اننا معكم لأننا مع أنفسنا ومعركتكم تعني أيضا خلاصنا من هذا الغول الامبريالي الأمريكي الذي يهددنا جميعا كبشر ويستنزف مواردنا المادية والبشرية التي نحن في أمس الحاجة اليها في بريطانيا لانقاذ نظامنا التعليمي الضعيف ونظامنا الصحي السيء ومواصلاتنا المتهالكة .. انها معركة انقاذ العالم ..
هذه الرؤية الاستراتيجية الكاشفة هل توافرت لدي العرب في مستوياتهم الثقافية والفكرية؟. ان المنازلة القادمة والحرب التي بدأت ضد سورية هي معركة المصير للأمة كلها وينبغي علي المنتديات القومية والفكرية والسياسية ومؤسسات المجتمع المدني والجمعيات الحقوقية والاتحادات والنقابات ـ الحقيقية لا الصورية ـ وكافة تشكيلات المجتمع العربي، وعلي رأسها المؤتمر القومي العربي والمؤتمر القومي ـ الاسلامي ومؤتمر الأحزاب العربية وملتقي الحوار العربي الديمقراطي ومنتديات عرب ومسلمي المهجر، عليهم جميعاً التنادي علي وجه السرعة لوضع خطة عمل داخلي تستهدف اتخاذ التدابير اللازمة لحشد الشعب العربي والمسلمين في العالم في المعركة دفاعاً عن الشام. وخطة أخري للعمل الخارجي تستهدف مخاطبة الرأي العام الغربي والعالمي بشأن الجرائم القادمة التي تعتزم الادارة الأمريكية ومن خلفها الكيان الصهيوني ارتكابها في منطقتنا العربية من جديد، وتحديداً ضد سورية ..
ان الرأي العام الغربي الذي أسقط أزنارو برلسكوني وبلير وأدان ويدين بوش ينبغي تنويره بفضح المؤامرة الجديدة التي تستهدف العدوان علي سورية ..
انها المنازلة الكبري التي تستلزم اعلان كل فرد عربي استعداده حيثما كان علي الأرض العربية دخوله في معركة الخط الدفاعي الأخير عن الأمة أو خروجه من الأمة ومن المستقبل بعد أن كان قد خرج من التاريخ. نعم كل مواطن عربي مدعو للانخراط في هذه المعركة لأنها المعركة الأخيرة فاما أن تبقي الأمة العربية واما ان يتحول العرب الي رعايا في أوطانهم. ولهذا فان خطة العمل الداخلي علي المستوي القومي يجب أن تجهز كل مواطن عربي للدخول في حالة عصيان مدني قومي عام، مقاطعة الحكومات والأجهزة الحكومية المتواطئة والساكتة عن العدوان والحرب ضد الشام، بل والنزول الدائم في اعتصام مستمر تحتل به الجماهير العربية الساحات والميادين وتوقف به حركة المواصلات العامة والتوقف عن التعامل مع كل ما يمت بصلة الي الحكومات العربية، ما لم تقف هذه الحكومات وقفة صحيحة من الأمة وتعلن انضمامها الي سورية في مواجهتها للعدوان القادم ..
ان مصير الأمة العربية ومصير الجنس العربي مهدد لمئات السنين فأما أن نكون أو لا نكون. وعلي الحكام الساكتين أن يفهموا اننا نحن الشعب العربي نضعهم في نفس خانة الحكام المتواطئين والمشاركين في العدوان ضد دمشق العروبة..
كما أن علي حالة العصيان القومي الشامل أن تستهدف كافة المصالح الغربية، شركات النفط الغربية كلها يجب أن توقف عن العمل، وأنابيب النفط كلها ينبغي أن يتوقف فيها الضخ، والمطارات لا يجب أن تستقبل رحلات الدول الغربية المساهمة أو الساكتة عن العدوان أو المؤيدة له، الموانئ يجب أن تتوقف فيها حركة الشحن من والي أوروبا والولايات المتحدة. يجب ان تحاصر الجماهير مقار وفروع الشركات المنتمية الي الدول المؤيدة للعدوان ضد سورية أو المشاركة فيه بحيث لا يغادرها احد ولا يدخل اليها احد ولا يتعامل معها أحد. يجب ان يدرك العالم ان العدوان علي سورية يعني المواجهة المفتوحة بين الأمة العربية والأمة الاسلامية من جهة وكافة القوي المساهمة والمؤيدة للعدوان، وان المصالح الغربية ليست أغلي علي العرب من مصيرهم ومن كرامتهم ومن عنفوانهم. يجب ان يصبح الشارع العربي اسفلتاً من لحم ودم يموج ليل نهار باعتصام الملايين التي لا تغادره أبداً وليس كما حدث في تجربتي العدوان علي العراق والعدوان علي لبنان، اذ لا فائدة من التظاهر لبضعة ساعات كل يوم لبضعة أيام ثم النوم والعودة الي السكون، يجب أن يصل هدير الشارع العربي الي قصور الحاكمين والي مصالح الغربيين والي الادارات المتآمرة في البيت الأبيض وعشرة داوننج ستريت والاليزيه وغيرها ..
لأن معركة الدفاع عن سورية كما قلت هي معركة خط الدفاع الأخير عن الأمة، ولان سورية هي النخاع الشوكي للمقاومة العربية، واذا كان الأمريكان والصهاينة يهيئ لهم غرورهم ان سورية هي الحلقة الأضعف فهم مخطئون، وهذا دليل اضافي علي جهلهم بالمنطقة وعلي عدم استفادتهم من فشلهم المتكرر في العراق ولبنان وفلسطين، وعلي أنهم لا يعرفون شيئاً عن علم المقاومات الشعبية وفلسفتها وقوانينها. لا يعرفون ان دمشق العروبة هي الحلقة الأقوي في حركة المقاومات العربية بما لها من رمزية تاريخية دينية قومية لدي العرب جميعاً. هم لا يدركون حجم المصيبة التي سيقعون فيها عندما تشتعل الأرض العربية من محيطها الي خليجها اذا ما تعرضت سورية للعدوان، ربما هم أيضاً لا يدركون معني كلمات الراحل فؤاد حداد: الأرض بتتكلم عربي التي غناها سيد مكاوي رحمه الله، وما لهذه الجملة من دلالات ومعاني لا يفهمها سوي من خبر قانون العزة والكرامة فوق الأرض الطاهرة أرض الرسالات والديانات السماوية والأنبياء الكرام المكرمين ..
لقد جرّب الغرب بقيادة الولايات المتحدة كل الأساليب الفاشلة التي لم تسفر عن نجاح واحد يذكر ..
جربوا في فلسطين ضرب وعزل حماس والمقاومة الفلسطينية عموماً من خلال أبو مازن وجماعته، ولكنهم فشلوا. وجربوا في العراق عبر حكومة الأقزام التي يرأسها المالكي ومن معه من طائفيين وصفويين وعنصريين وفشلوا. وجربوا في لبنان من خلال جوقة جعجع والحريري وجنبلاط وغيرهم وفشلوا. هم لا يتعظون من فشلهم ويجربون أمثال فريد الغادري، ولكن هذا ومن لف لفه أعجز من ذبابة في أصغر حارة من حارات الشام. ان جلّ النخب السياسية والفكرية والمجتمعية علي تنوع مشاربها وانتماءاتها في سورية تتجه لرص الصفوف ضد التدخل الخارجي الأمريكي، وقد أبدت استعدادها التام لخوض المعركة دفاعاً عن الأرض والكرامة، وهي لا تسمح باعادة انتاج الحالة العراقية التي جاء فيها خونة علي ظهور دبابات أمريكية ليحكموا بغداد. هذا النموذج العراقي لن يتكرر في سورية التي تنتمي معارضتها الي الوطن وترفض كافة الاغراءات الأمريكية والاسرائيلية لبيع الوطن عدا بعض الشواذ الشذاذ الصهاينة الولاء والانتماء، وهذه الحقيقة تدعونا في اطار حرصنا علي سورية وصمودها واستعدادها للمعركة المقبلة، أن نتمني علي قيادتها الصامدة الانفتاح السريع علي الداخل علي كافة المستويات السياسية والاجتماعية والفكرية تحصيناً لهذا الداخل ضد العدوان الخارجي، وأن تمد يدها بما لها من حكمة وحسن تدبير لاستيعاب قوي المعارضة الشريفة التي تأبي التآمر علي الوطن وأن اختلفت مع الحكم فيه في لحظة المواجهة المصيرية ضد أعداء الأمة. اننا نحن المنتمون الي هذه الأمة من حقنا أن نختلف مع القيادة والنظام في سورية في كثير من القضايا السياسية وغيرها، ولكن الخطر القادم الينا جميعاً يجعلنا نؤجل هذه التباينات والاختلافات، فلأولوية الآن هي للأمن القومي العربي الذي تتصدر سورية اليوم المقاومين والمدافعين والذائدين عنه، وترعي باقي المقاومين في فلسطين ولبنان والعراق. فالالتفاف من حول سورية في هذه المرحلة هو الموقف التاريخي الصحيح والذي أختار العار هو الذي يقف متفرجاً، والذي انحاز الي أعداء الله والوطن هو الذي يعادي سورية ويتآمر عليها ..
ان الوتيرة التي يشهدها العمل من أجل ايجاد جبهة شعبية عالمية مقاومة ومعادية للامبريالية هي ـ بفضل وعي وجهود بعض النخب السياسية والفكرية الغربية ـ أسرع بكثير من الوتيرة التي يشهدها العمل من أجل ايجاد حالة شعبية عربية شاملة رافضة للعدوان ومشاركة في صده وعاملة علي العصيان المدني القومي من المحيط الي الخليج. هذه حقيقة ينبغي ونحن نقّر بها أن نحمل المسؤولية للمثقفين العرب وللكوادر النضالية والتنظيمية وللأطر والمنتديات والاتحادات والهياكل التي تحترف العمل الشعبي والنقابي العربي، وهؤلاء جميعاً اليوم أمام سؤال التاريخ والمهمة التاريخية وفي ميزان الحساب الدقيق للحاضر وللمستقبل. صحيح أنهم يتحركون في أرض خالية من الديمقراطية ولا تعترف بحقوق الانسان وفي مناخ القمع الحكومي العربي، ولكنهم في امتحان ديني وقومي وأخلاقي وقيمي كبير. فالشام هي المستهدفة وليس غيرها، الشام قبلة المسلمين الأولي، وعاصمة دولتهم العربية الأولي، ومنها العطاء الدائم عبر العصور لكل ما في الأمة من علوم وقيم وعادات نبيلة وتقاليد أصيلة، هي العادات والتقاليد والقيم التي جسدّها مؤخراً عمل مرئي رائع تابعه العرب من المحيط الي الخليج باب الحارة وتابعوا من خلاله كيف حملت حارات الشام همّ فلسطين منذ اليوم الأول. هذه الشام الشعلة الوضيئة التي لن تنطفئ باذن الله أبداً، وعلي الجميع أن يدركوا أنهم في هذا الامتحان المصيري اما أن يدخلوا في حساب الأمة واما أن يخرجوا من كل حساب ..
ان تحرير الوعي العربي يبقي مهمة مقدسة في هذا الظرف المصيري وفي هذه الاستعدادات للمنازلة الكبري بين الأمة وأعدائها، لان الطابور الخامس هو أخطر من الطوابير الأربعة الباقية، ولان تطهير الصفوف أدعي أن يتم لحظة التربص بالأمة، هذا هو الموقف الصحيح من التاريخ..
أما حكام العار والشنار فنمطرهم مع لعناتنا بأبيات نزارية :
تذكروا تذكروا دائماً ـ
بأن أمريكا ـ علي شأنها ـ
ليست هي الله العزيز القدير
وأن أمريكا ـ علي بأسها ـ
لن تمنع الطيور من أن تطير
قد تقتل الكبير .. بارودة
صغيرة في يد طفل صغير

كاتب وباحث سياسي قومي من ليبيا
Sami_ltaef@yahoo.com