عبد العزيز غوردو
30-11-2007, 11:24 PM
محاورة...
نص الحوار الذي دار تعقيبا على قصة: "عبر نافذة الأتوبيس رقم 100" بين مؤلف القصة عبد العزيز غوردو، والأخت الفاضلة المبدعة فايزة شرف الدين... نعيد نشره هنا تعميما للفائدة، وتدعيما لهذا الملف المفتوح بمناسبة حلول الذكرى الثلاثين للزيارة المشؤومة إياها...
............................
عزيزي / عبد العزيز
كل ما تكتبه أناملك هو إبداع بحق ، وتتجلي فيه الثقافة ، وتتعمق فيه الفكرة ، ولكن لي عتاب ، فأنا مصرية ، أحببت الرئيس السادات ، كنت صغيرة عندما اندلعت حرب 73 ، وكانت مصر قبلها تمر بهزيمة منكرة ، استطاع الرجل بدهائه العبور بنا إلي النصر ..تابعت زيارته إلي القدس ، وكم كان شجاعا أبيا وهو يلقي خطابه التاريخي ، وما رفضه العرب وقتئذ ، يلهثون وراءه ، ويقبلون اليسير منه ، وهم يقبلون يد أمريكا ومخدومتها .. فلنسأل زعماء الفصائل الفلسطنية ماذا فعلوا من أجل قضيتهم ؟
إن الدماء الفلسطنية تهدر بأيدي فلسطنية .. لو وقفوا وقفة رجل واحد ، ما كان هناك معبر تهدر عند تخومه كرامة أصحاب الأرض ، وقد تزهق أرواحهم قبل أن يلاقوا أحبابهم .. نحن المصريون دفعنا ثمنا غاليا من أجل الدفاع عن الأرض ، وكما قال الأستاذ إبراهيم ، مهما كان هناك تطبيع ، فلن يصير أبدا سلام .. طالما يوجد يهود ينخرون الأرض ، ويسفكون الدماء ، وينهبون الديار .. ستكون المواجهة حتما .. ولن يواجههم إلا المصريين .. فهم خير أجناد الأرض ، وأتساءل هل سيشمر العرب عن سواعدهم استعدادا للطيران معنا ؟!
..........
المبدعة فايزة:
يسعدني جدا أنك فتحت هنا نافذة للحوار، بدل الرد على النص بالطرق المعتادة...
يبدو أنك من المعجبين ب"إنجازات" السادات... وتنافحين عنها بقوة...
أسألك بداية: ما الذي حققه هذا الرجل من إنجازات فعلا؟؟؟ هذا أولا...
وثانيا، ماذا يعني لك "التطبيع"؟؟؟
" "
خالص مودتي أيتها المبدعة...
ومن يدري لعلك تقنعيني بوجهة نظرك...
......................
الأخ العزيز / عبد العزيز
تحية طيبة أولا ، وأشكرك علي رحابة صدرك .. فهذا مهم جدا من أجل الحوار .
.بالنسبة لسؤالكم عما أنجزه السادات ، فخير من يرد هم أبناء الشعب ، فقد كانت مصر دائما في خط المواجهة مع اليهود وحلفائها سواء في حرب 48 ، ثم العدوان الثلاثي 52 ، وحرب النكسة ، بعد أن تقاعص قادة الجيش عن إداء مهمتهم في حراسة الوطن ، ولم يكن هناك سوي أبواق الدعاية الكاذبة .
جاء السادات والآرض سليبة ، وقوة الجيش تكاد تكون معدومة ، مع ذلك في خلال بضع سنين حقق النصر الغالي وقضي كثير من شبابنا أرواحهم فداء الله أولا ثم الوطن .. فقد كان هو قائد هذا النصر العظيم ، ولو لم يفعل شيء آخر في حياته ، فيكفيه هذا إنجازا.
لقد عاش المصريون في رخاء في عهده ، وتراجع الفقر إلي أقل معدلاته ، وأي زعيم لبلد هو مسئول في المقام الأول عن شعبه ، فالأمة الإسلامية لم تصبح هذه الأمة الواحدة كما في العهد الإسلامي الأول .. فنحن المصريون نعامل من قبل البلاد العربية كأننا شحاذين ، ويلاقي أهلنا الهوان ، وقد تناسوا أن مصر هي دائما قلعة الإسلام .
لم يكن من الممكن استعادة سيناء إلا بالسلم ، لقد دخلتها أكثر من مرة ، وهي الجزء الوحيد الواقع في قارة آسيا ، ويفصلها عن مصر قناة السويس ، وهذا في حد ذاته مانعا استراتجيا يصعب عبوره . وتمثل سيناء ثلث مساحة مصر ، وهي أقرب لفلسطين منها إلي مصر .
إن أغلب شعب مصر يا سيدي شعب فقير ، ولا تسألني لماذا ؟ فهي نكبت بحكامها ، منذ عهد فرعون موسي ، عندما وقف أمام شعبه يقول " أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي ".
إذن قد استعاد السادات كامل الأرض المصرية ، وفلسطين لها شعبها الذي يحامي عنها ، فهم ليسوا بالقليلين ، فزعمائهم قد باعوا قضيتهم ، وتركوا أهلهم في شدة الجوع والضنك .
أريدك أن تسمع خطاب السادات بتريث واهتمام ، وسوف تجد أن الرجل كان بالفعل شجاعا أبيا ، زلزل الكيان الصهيوني بزيارته ، وهذا واضح جدا لو شاهدت شريط الزيارة كاملا .
لقد قام السادات بانجازات كثيرة ، وبالطبع لكل حاكم أخطائه ، فهو ليس ملاك ، ولا توجد دولة في العالم لم تحكم بالردع ، ووقوع ضحايا في حكم ما ، حتي في أمريكا نفسها ليس بالأمر المستبعد .
لقد كان السادات رجلا متدينا بحق ، ولقد شهد له الشيخ الشعرواي بهذا ، وكان بارا بأهل بلده ، وكان شديد التواضع معهم ، ويكفيه أنه مات يوم 6 أكتوبر ، يوم عزته وفخاره .
وأقول لك أنني كنت في مقتبل مرحلة الجامعة عندما مات ، وكنا نحت الصغار نكن له كراهية شديدة ، وكان من هم أكبر منا يقولون لنا "سوف تعرفون قيمة هذا الرجل" ، وقد كان ،
أما بالنسبة للتطبيع ، فليس لي فكرة خاصة عنه ، سوي الفكرة الشائعة ، وإنني أنظر إلي اليهود دائما يتشكك ، ولا أحب أن أتعامل معهم ، ويكفي أن الله لعنهم في كتابه الكريم ، ولقد كتبت في موقع كنت مشرفة فيه ،عن اليهود كتبت ثلاث حلقات منذ عهد فرعون وقد كانت تحت عنوان"اعرف عدوك" ، وبما أنك دارس للتاريخ ، فضع يدك في يدي لنكمل هذه الحلقات ، فهي خير من أن نتساجل بالكلام ، فعندما نعرف عدونا نأمن شره ، وسوف أترقب ردك ، لتنقح معي ماكتبته وتضيف إليه من معرفتك الواسعة .
لقد أطلت في الكلام ، وقد حان أن تصمت شهر زاد عن الكلام المباح .
شكرا لك أخا عزيزا
................................
أختي المبدعة فايزة...
يسعدني جدا أن تمتد جسور الحوار بيننا حول نقط حساسة كالتي نعرض لها اليوم...
هذا يشعرني أن للنصوص الإبداعية قدرة على تضمين خطاب بعيد عما جرت به العادة من أساليب مديح تذيل صفحتها، بحيث تتحول إلى مجرد أداة للزينة... وتنتقل بها إلى مجالات أرحب منفتحة على النقاش الهادف والحوار الجاد... كما في الزمن الجميل الذي قد مضى... والذي كانت مصر بالذات مسرحا له في أواسط القرن الماضي...
حتى لا أطيل أقول: هناك جَرّاح بلا أخلاق ولا ضمير، بين يديه جسم أحد المرضى... لا يهم هنا كيف وصل المريض إلى حالة من السوء شديدة... يتحمل، هو نفسه، فيها كبير المسؤولية، فذلك نقاش آخر... لكن طبيبنا هذا، بعد أن امتص ما شاء من دم مريضه، وبعد أن نزع إحدى كليته، لأغراض تجارية، وبعد أن استأصل أجزاء أخرى، لأغراض دنيئة أيضا، قام بزرع "ورم خبيث" في جسم المريض، وطلب منه أن يتعايش معه، بل أكثر من ذلك: طلب منه أن يغذيه من لحمه ودمه وعظامه... وطلب منه أن يعتبر ذلك حالة طبيعية... وهو على علم مسبق بأن التعايش مستحيل مع هذا النوع من السرطانات...
رغما عنها رفضت كل الأعضاء، وقاومت بكل ما أوتيته من قوة... رغم أنه كان من بينها أعضاء منافقة وأخرى متخاذلة وثالثة ما زالت في حالة سبات، لم تستوعب حجم الكارثة بعد... لكنها على الأقل كانت متفقة حول استحالة التعايش مع ورم خبيث كهذا...
ثم يأتي القلب... القلب بكل جلاله ووقاره وهيبته... هو الذي كان يقود المقاومة من قبل ويتزعمها، ليقرر، وبناء على تقارير طبيبنا المنعدم الضمير والأخلاق، أنه ربما جرى تشخيص سيء للسرطان، وأنه ليس بذلك السوء الذي تظنه الأعضاء... بل وبالإمكان تحويله لورم "حميد"... وبالتالي فلم يعد هناك ما يدعو لمحاربته... أكثر من ذلك كله، سيفتح القلب شرايينه وصماماته أمام الورم الخبيث... ويضخ فيه من دمائه، ومن دماء جسده العليل... بحجة أن الورم قريب من عضلة القلب، ويتهددها في كل لحظة، وأن الأعضاء الأخرى لم تقم بما يكفي من مقاومة، وأنها في منأى عن مؤثراته الجانبية...
وواقع الحال أن القلب بفعلته هذه، سيفتح ثلمة خطيرة تداعت من خلالها الأعضاء كلها وتهاوت، واحدا تلو الثاني... وما بقي منها هو بالكاد "يبلبط" في الماء قبل أن يستسلم للغرق...
السؤال الكبير الذي يطرح هنا: هل الأعذار التي ساقها القلب، مهما كانت قوة حجيتها، كافية لأن يفتح "أُذينيه" و"بُطينيه" في وجه الورم/الشيطان؟ بل هل كان ضروريا أصلا الانفتاح على هذا الشيطان؟؟؟
" "
" "
في انتظار رد منك... تقبلي أختي المتألقة فايزة خالص مودتي وتقديري...
............................
الأخ الكريم / عبد العزيز
أولا تحية مني إليك .. أخ كريم النفس ، واسع الأفق ، محب للوطن الكبير .. لقد قلنا مسبقا ، أنه لن يدوم التطبيع مع اليهود .. عاجلا أم آجلا ستكون هناك مواجهة ، شئنا أم أبينا ، فاليهود خائنون للعهود والمواثيق ، يستخدمون الحيل ، لسلب الشعوب خيراتها ، وهذ جزء من عقيدتهم .
بما أنك متخصص في التاريخ الإسلامي ، فلنرجع إلي الوراء ، عندما قبل سيدنا محمد صلح الحديبية ، مع ما كان فيه من إجحاف لحق المسلمين وقتئذ ، ومع ذلك كانت فترة الهدنة هذه هي سبيل النصر ، ونصرة دين الحق.
مصر منذ حرب 73 والحروب التي قبلها ، جعلتها تعاني إقتصاديا ، وجيشها لن يستطيع خوض الحرب ، الحرب هي بمثابة انتحار في الوقت الحالي .. خاصة أن شعب مصر يعيش في منطقة تمثل أربعة في المائة من مساحة مصر ، ولا يتحصن بالجبال مثل لبنان ، ولا هو مساحة كبير ة شاسعة مثل العراق ، وسيناء مكشوفة للعدو علي امتدادها ، ومع آلات الحرب الحديثة سيباد الشعب بمنتهى السهولة .
ليس معنى ذلك الخنوع والاستسلام .. ولكن التاريخ كثيرا ما يسطر كلماته ، والدول تندحر ، والممالك تتهاوي مع مرور الزمن ، لقد خاضت إسرائيا حربا مع حزب الله ، وهم مقتنعون بالنصر ، ولكن هذا الحزب الصغير أستطاع الصمود ، بل وتحطيم أسطورة دبابة الميركافا ، ودخلت أمريكا العراق ، ومن قبلها فيتنام ، وهي تظن أن عتادها وجيوشها سيحققان لها النصر الأكيد ، ولكن إرادة الشعوب دائما لها الغلبة .
سيدي إني لا أعترض علي رأيك .. لأن الحرب ستكون ، ولقد كتب الله علي اليهود الشتات في الأرض ، ولكن ساعة القضاء عليهم لم تحن بعد ، فقد كتب عليهم أن تطفأ حروبهم وتخمد إلي قيام الساعة ، ولعل ما نراه شرا هو الخير كله .
لقد كتب العقاد كتابا خطيرا اسمه مستقبل الإسلام في القرن العشرين ، وقد قال إنه لولا الحروب الصليبية ، وهزيمة المسلمين أمام الصليبين في أول الأمر ، لكانت الأمة الإسلامية فنت نفسها بنفسها ، بعد أن زادت الفتن ، وتفتت الخلافة إلي دويلات .
وهذه الحروب أيضا ، بعد أن حقق فيها السلمون النصر ، هي بداية التخاذل ، والتكاعص .
أقول لك أن ما يحدث في البلدان العربية من قهر ، ومن تخاذل واستعمار جديد لها ، هو كي يستيقظ في كل نفس روح المقاومة ، وحب الأوطان ، فالنعمة دائما تغري بالفساد .
فاطمئن أخي ، سوف يلفظ الجسد هذا الورم ، حتى لو كان الجراح عديم الضمير بلا إخلاق ، فقد سجلت حالات قضي فيها الجسد علي المرض ، دون أخذ دواء ، بعد أن يأس المريض من الشفاء
دمت أخا كريما عزيزا
..............................
أختي المبدعة فايزة...
وأنت أروع، وأكرم، وأشرف...
لو لم يكن ل: "واتا" المباركة غير هذه المزية، مزية تعريفنا بوجوه كريمة من مثل أمثالك...
لكفاها ذلك فخرا...
شرفني التحاور معك أختي المبدعة، ونحن لا نختلف على موضوع لا خلاف حوله:
موضوع عظمة الشعب المصري العملاق.. بكل المقاييس...
أعرف إنجازاته منذ فجر التاريخ... وهذا مجال دراستي الأكاديمية...
أيضا لا نختلف حول رفض التطبيع... فهذا أمر، عندي لا أطرحه حتى للنقاش...
لكننا نختلف حول رجل بالذات: "السادات"... وهو رجل اختلف فيه الكثيرون على كل حال...
أنا أرى، وهذا رأيي الذي لا ألزم به أحدا قطعا، بأن الرجل لم يحقق شيئا آخر غير تركيع مصر والأمة العربية...
و"تركيم" مشاكل سياسية واقتصادية ما زال المواطن المصري يؤدي فاتورتها غاليا جدا...
وأنت، أختي الفاضلة، لحد الآن لم تقدمي أي دليل يثبت العكس...
فكل ما ذكرته كان حول النقطتين اللتين لا نختلف حولهما كما ذكرت لك من قبل...
أما بخصوص حرب الاستنزاف فالذي أعلمه هو أنها من مميزات الراحل جمال عبد الناصر...
وأن السادات لم يجن إلا ثمارها...
وأما الانفتاح، فالذي أعلمه أيضا أنه سمح لحفنة من الاحتكاريين والانتهازيين من السيطرة على أملاك الشعب المصري "الغلبان"...
ثم إن كل ما بذله جمال عبد الناصر في مجال "التأميم"... نسفه السادات...
لست هنا لمناقشة مدى فاعلية "التأميم" في اقتصاد العالم اليوم... ذلك موضوع آخر...
لكن على الأقل: أين ذهبت الأموال المحصلة من بيع أملاك القطاع العام؟؟؟
أما بخصوص حرب أكتوبر، فقد سبق لي أن اطلعت على مذكرات "الفريق الشاذلي"
وفيها أخطاء بالجملة يتحمل فيها السادات وحده كامل المسؤولية...
فماذا بقي من إنجازات هذا الرجل؟؟؟
" "
" "
خالص مودتي أختي...
وفي انتظار توضيح منك...
...................................
الأخ الكريم / عبد العزيز
السلام عليكم ، إنها تحية الإسلام السامية ، وهي دائما ما يسعي إليه الناس في كل مكان وزمان
لقد ذكرت أنه اختلفت الأراء حول السادات ، وأقول أنه أختلفت أيضا حول جمال عبد الناصر ، وكل منا ينظر حسب هويته ، وما انجزه الزعيمان ، ومدي استفادة الوطن الكبير ، وما استفاده الشعب المصري .
أما بالنسبة لحرب الاستنزاف ، فهي ليست حرب بمعني حرب ، حرب شاملة يتم فيها البت في تحرير الأرض ، ولكنها كانت عمليات تسلل تشبه حرب العصابات لاستنزاف قوة العدو ، ولقد توفي جمال عبد الناصر ، بعد أن حققت هزيمة نكراء في عهده (67) ، وظل في الحكم بعدها لمدة ثلاث سنوان ، فقد مات في سنة 70 ، واستمرت حرب الاستنزاف في حكم السادات لمدة ثلاث سنوات أخري ، ليواصل تلك الحرب .
أي أن سيناء وباقي الأراضي العربية سلبت في عهد جمال ، بعد أن ولي قيادة الجيش لعسكريين غير أكفاء ، ويعيش الشعب المصري في عهده حالة رعب ، خوفا من الاعتقال والتعذيب والتنكيل ، بعد أن سيطر مجموعة من المرضي نفسيا أمثال صلاح نصر علي خيوط اللعبة . ولن أخوض في موضوع التأميم .
لقد أحب أبناء الوطن العربي ، جمال عبد الناصر ، لآنه دعم حركات التحرر ، وكان الرجل يملك كريزما عالية ، وسيماء الزعيم ، ولعل هذا من أسباب إعجاب الكثيرين به .. لقد احتضن الفلسطنين في مصر ، فعاشوا أفضل حياة ، علي حساب الشعب المصري الذي لم يكن يجد قوت يومه في هذا العهد ، أيضا تورط في الحروب الأهلية في اليمن ، ومات الكثيرين من شبابنا ، فقد عاش أسطورة زعيم الأمة .
لقد كان السادات هو قائد النصر دون منازع ، تلك الحرب الشاملة الفاصلة ، فلو لم يكن هناك نصر ، ما استعيدت الأرض ، وهذا قانون ثابت في الحروب ، خاصة مع عدو لئيم ، فاليهود لن يعيدوا أرض بدون هزيمة أو خوف .
لم يركع الشعب المصري في عصر السادات أبدا ، ولم يباع القطاع العام في عهده ، بل كان يحقق أكبر العائدات ، وكان الشعب يعيش في رفاهية من العيش ، لا زال البعض يعيش علي بقاياها ، وكلما مضى الزمن بعيدا عن عهده ، زاد الشعب فقرا وبؤسا وتركيعا ، وذهبت أموال القطاع العام إلي شرزمة ، لم تكن أبدا في عهد السادات .
أي حرب فيها أخطاء ، العبرة هو النصر أم الهزيمة ، وقد انتصرنا ، واستعدنا الأرض كما قلت سابقا .
أما تركيع الوطن العربي ككل ، فهذا يرجع إلي زعماء كل بلد ، وليس إلي السادات ، إنهم رغم امتلاكهم الثروات الطائلة ، يقبلون أقدام أمريكا ، ويعطون لها القواعد العسكرية عن طيب خاطر ، لقتل باقي أبناء الأمة .. حتي زعماء الفصائل الفلسطنية ضيعوا قضيتهم ، فسلبوا الأموال الآتية من الاتحاد الأوربي ، ومن باقي العالم ودسوها في جيوبهم ، تاركين باقي شعبهم يعاني الفاقة ، حتي صرح كثير منهم ، أن الاحتلال أرحم من زعمائهم .
لقد قلت مسبقا ، أن أي شعب ، هو الأجدر أن يحكم علي زعيمه ، ولو جلست في وسيلة مواصلات في مصر ، أو جلست في مجلس .. لتمتم أحدهم بأسى ،"الله يرحمه السادات فين أيامه " .. هذه المقولة تقال في كل حين ووقت ، بعد أن ضاق الخناق ، وعمت الرشوة والمحسوبية .. لن أقول أن هذا لم يكن موجودا في عصر السادات ، ولكنه تفاقم , وأصبح أشد ضرواة .
يكفي أن السادات مات لا يملك من المال الكثير ، وترك بعضا من أبنائه يعانون الفقر ، ولم يفكر أن يورث ابنه الحكم ، لتعود عهود الملكية من جديد .
دمت أخي عبد العزيز ، فمهما اختلفنا حول الرجل ، فلن يمنعني هذا من التصريح بأنني سعدت بالتحاور معك ، فاختلافنا في الرأي لن يفسد للود قضية .
.........................................
أختي الفاضلة فايزة...
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته...
فيما يتعلق بالخلاف لا يفسد للود قضية... هذا أكيد، مبدأ عندي يرتفع فوق كل نقاش...
فخالص مودتي واحترامي وامتناني لشخصك النبيل...
" "
وعودة إلى موضوع نقاشنا، وعذرا مسبقا على تأخري في الرد...
مرة أخرى أنت تطرحين للنقاش مواضيع لم، ولا، نختلف حولها...
الموقف من جمال عبد الناصر... أنا لم أقف مدافعا عنه (خاصة وأنا أعرف وجه التاريخ المظلم في فترة حكمه)
أنا فقط قلت بأن حرب الاستنزاف بدأت في عهده... وهذه حقيقة ثابتة، لأنها ابتدأت بعد نكسة 1967...
وهو توفي سنة 1970، وحرب أكتوبر اندلعت سنة 1973، فيكون له فضل ثلاث سنوات فيها... زيادة على ابتكارها...
أيضا أنت أثرت قضية من جاء بعد السادات، والإشارة هنا إلى من يريد توريث الحكم...
وأنا أتفق معك تماما في هذه النقطة أيضا، فالذي جاء بعد السادات هو أسوأ منه قطعا...
خاصة مع انتشار هذه العادة السيئة في بلداننا: عادة توريث الحكم...
أما الزعماء العرب، فأنا لدي العشرات من المقالات تنتقد حكمهم، وأعرف جيدا طبيعة هذه الأنظمة الفاسدة...
ويوم أمس فقط نزلت في منتدى الخواطر موضوعا عن طغيانهم...
فلا نختلف في هذه النقطة أيضا...
" "
ماذا بقي إذن؟؟؟
أنت تعتبرين ما حققه السادات في حرب أكتوبر انتصارا، استرجع به الأرض...
وأن العرب اليوم يطالبون بأقل مما كانت تعرضه إسرائيل عليهم من قبل...
فيما يخص النقطة الأولى: الجيش المصري البطل هو الذي حقق العبور... وهذه مفخرة له ولنا جميعا نحن العرب...
لكن لماذا قرر السادات وقف الهجوم فجأة؟؟؟ وترك هذا الجيش عالقا في سيناء، في مواقع عدة،
وهو يعرف طبيعتها الصحراوية... ويعرف قدرة العدو في مجال الطيران الحربي؟؟؟
كان العبور ممتازا... لكن استثمار النصر كان سيئا جدا... بكل المقاييس...
هذا فضلا عن أن السادات، كان ينسق في الحرب مع سوريا، لكن إعلانه التوقف جاء من طرف واحد، وطعنة في ظهر الأشقاء السوريين...
إسرائيل أرجعت سيناء... صحيح، لكن وفق اتفاقية كما هو معروف...
هذه الاتفاقية تحدد على الجانب المصري عدد الجنود المسموح له باعتمادهم في سيناء، وكذا أسلحتهم وعتادهم وتحصيناتهم...
بل ونوع الأنشطة المسموح بها هناك أيضا...
إسرائيل تدرك تماما تفوقها الجوي، ومثل هذه القيود ليست عبثا...
إنها تعني بالحرف أن إسرائيل يمكنها أن تعيث في سيناء فسادا متى أرادت ذلك...
فعن أي استثمار للنصر يتحدث السادات؟؟؟
عن كامب ديفيد؟؟؟
طيب لنناقش كامب ديفيد وظرفيتها التاريخية التي أفرزتها...
كان العرب قبل الاتفاقية في موقف ضعف... هذا صحيح... لكن على الأقل كانوا مصطفين حول موقف واحد...
موقف الرفض للتطبيع مع هذا الكيان الغاصب المحتل...
إسرائيل وقتها كانت مستعدة، حتى تحدث شرخا في هذا التراص، أن تقدم بعض التنازلات...
لو كانت سوريا هي التي سبقت مصر، لكانت سوريا الآن تنعم بالجولان، ومصر ما زال جزء من أراضيها محتلا...
لاحظي أن عبور (1973) حتى لو اعتبرناه نصرا حاسما أنه لم يُرجع كل سيناء...
لأسباب تاريخية نعلمها جميعا، كانت مصر السادات هي التي سبقت...
بهذا المعنى فالسادات كان أكثر من انتهازي هنا... باع القضية الكبرى مقابل قضية صغرى... وبثمن بخس...
" "
قدم السادات إذن كل شيء...
ولم يحسن حتى استثمار نصر كان بين يديه...
وللأسف كان ثمنه دماء الشعب المصري البطل... ودماء الأشقاء العرب...
" "
خالص مودتي أختي...
:::w
نص الحوار الذي دار تعقيبا على قصة: "عبر نافذة الأتوبيس رقم 100" بين مؤلف القصة عبد العزيز غوردو، والأخت الفاضلة المبدعة فايزة شرف الدين... نعيد نشره هنا تعميما للفائدة، وتدعيما لهذا الملف المفتوح بمناسبة حلول الذكرى الثلاثين للزيارة المشؤومة إياها...
............................
عزيزي / عبد العزيز
كل ما تكتبه أناملك هو إبداع بحق ، وتتجلي فيه الثقافة ، وتتعمق فيه الفكرة ، ولكن لي عتاب ، فأنا مصرية ، أحببت الرئيس السادات ، كنت صغيرة عندما اندلعت حرب 73 ، وكانت مصر قبلها تمر بهزيمة منكرة ، استطاع الرجل بدهائه العبور بنا إلي النصر ..تابعت زيارته إلي القدس ، وكم كان شجاعا أبيا وهو يلقي خطابه التاريخي ، وما رفضه العرب وقتئذ ، يلهثون وراءه ، ويقبلون اليسير منه ، وهم يقبلون يد أمريكا ومخدومتها .. فلنسأل زعماء الفصائل الفلسطنية ماذا فعلوا من أجل قضيتهم ؟
إن الدماء الفلسطنية تهدر بأيدي فلسطنية .. لو وقفوا وقفة رجل واحد ، ما كان هناك معبر تهدر عند تخومه كرامة أصحاب الأرض ، وقد تزهق أرواحهم قبل أن يلاقوا أحبابهم .. نحن المصريون دفعنا ثمنا غاليا من أجل الدفاع عن الأرض ، وكما قال الأستاذ إبراهيم ، مهما كان هناك تطبيع ، فلن يصير أبدا سلام .. طالما يوجد يهود ينخرون الأرض ، ويسفكون الدماء ، وينهبون الديار .. ستكون المواجهة حتما .. ولن يواجههم إلا المصريين .. فهم خير أجناد الأرض ، وأتساءل هل سيشمر العرب عن سواعدهم استعدادا للطيران معنا ؟!
..........
المبدعة فايزة:
يسعدني جدا أنك فتحت هنا نافذة للحوار، بدل الرد على النص بالطرق المعتادة...
يبدو أنك من المعجبين ب"إنجازات" السادات... وتنافحين عنها بقوة...
أسألك بداية: ما الذي حققه هذا الرجل من إنجازات فعلا؟؟؟ هذا أولا...
وثانيا، ماذا يعني لك "التطبيع"؟؟؟
" "
خالص مودتي أيتها المبدعة...
ومن يدري لعلك تقنعيني بوجهة نظرك...
......................
الأخ العزيز / عبد العزيز
تحية طيبة أولا ، وأشكرك علي رحابة صدرك .. فهذا مهم جدا من أجل الحوار .
.بالنسبة لسؤالكم عما أنجزه السادات ، فخير من يرد هم أبناء الشعب ، فقد كانت مصر دائما في خط المواجهة مع اليهود وحلفائها سواء في حرب 48 ، ثم العدوان الثلاثي 52 ، وحرب النكسة ، بعد أن تقاعص قادة الجيش عن إداء مهمتهم في حراسة الوطن ، ولم يكن هناك سوي أبواق الدعاية الكاذبة .
جاء السادات والآرض سليبة ، وقوة الجيش تكاد تكون معدومة ، مع ذلك في خلال بضع سنين حقق النصر الغالي وقضي كثير من شبابنا أرواحهم فداء الله أولا ثم الوطن .. فقد كان هو قائد هذا النصر العظيم ، ولو لم يفعل شيء آخر في حياته ، فيكفيه هذا إنجازا.
لقد عاش المصريون في رخاء في عهده ، وتراجع الفقر إلي أقل معدلاته ، وأي زعيم لبلد هو مسئول في المقام الأول عن شعبه ، فالأمة الإسلامية لم تصبح هذه الأمة الواحدة كما في العهد الإسلامي الأول .. فنحن المصريون نعامل من قبل البلاد العربية كأننا شحاذين ، ويلاقي أهلنا الهوان ، وقد تناسوا أن مصر هي دائما قلعة الإسلام .
لم يكن من الممكن استعادة سيناء إلا بالسلم ، لقد دخلتها أكثر من مرة ، وهي الجزء الوحيد الواقع في قارة آسيا ، ويفصلها عن مصر قناة السويس ، وهذا في حد ذاته مانعا استراتجيا يصعب عبوره . وتمثل سيناء ثلث مساحة مصر ، وهي أقرب لفلسطين منها إلي مصر .
إن أغلب شعب مصر يا سيدي شعب فقير ، ولا تسألني لماذا ؟ فهي نكبت بحكامها ، منذ عهد فرعون موسي ، عندما وقف أمام شعبه يقول " أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي ".
إذن قد استعاد السادات كامل الأرض المصرية ، وفلسطين لها شعبها الذي يحامي عنها ، فهم ليسوا بالقليلين ، فزعمائهم قد باعوا قضيتهم ، وتركوا أهلهم في شدة الجوع والضنك .
أريدك أن تسمع خطاب السادات بتريث واهتمام ، وسوف تجد أن الرجل كان بالفعل شجاعا أبيا ، زلزل الكيان الصهيوني بزيارته ، وهذا واضح جدا لو شاهدت شريط الزيارة كاملا .
لقد قام السادات بانجازات كثيرة ، وبالطبع لكل حاكم أخطائه ، فهو ليس ملاك ، ولا توجد دولة في العالم لم تحكم بالردع ، ووقوع ضحايا في حكم ما ، حتي في أمريكا نفسها ليس بالأمر المستبعد .
لقد كان السادات رجلا متدينا بحق ، ولقد شهد له الشيخ الشعرواي بهذا ، وكان بارا بأهل بلده ، وكان شديد التواضع معهم ، ويكفيه أنه مات يوم 6 أكتوبر ، يوم عزته وفخاره .
وأقول لك أنني كنت في مقتبل مرحلة الجامعة عندما مات ، وكنا نحت الصغار نكن له كراهية شديدة ، وكان من هم أكبر منا يقولون لنا "سوف تعرفون قيمة هذا الرجل" ، وقد كان ،
أما بالنسبة للتطبيع ، فليس لي فكرة خاصة عنه ، سوي الفكرة الشائعة ، وإنني أنظر إلي اليهود دائما يتشكك ، ولا أحب أن أتعامل معهم ، ويكفي أن الله لعنهم في كتابه الكريم ، ولقد كتبت في موقع كنت مشرفة فيه ،عن اليهود كتبت ثلاث حلقات منذ عهد فرعون وقد كانت تحت عنوان"اعرف عدوك" ، وبما أنك دارس للتاريخ ، فضع يدك في يدي لنكمل هذه الحلقات ، فهي خير من أن نتساجل بالكلام ، فعندما نعرف عدونا نأمن شره ، وسوف أترقب ردك ، لتنقح معي ماكتبته وتضيف إليه من معرفتك الواسعة .
لقد أطلت في الكلام ، وقد حان أن تصمت شهر زاد عن الكلام المباح .
شكرا لك أخا عزيزا
................................
أختي المبدعة فايزة...
يسعدني جدا أن تمتد جسور الحوار بيننا حول نقط حساسة كالتي نعرض لها اليوم...
هذا يشعرني أن للنصوص الإبداعية قدرة على تضمين خطاب بعيد عما جرت به العادة من أساليب مديح تذيل صفحتها، بحيث تتحول إلى مجرد أداة للزينة... وتنتقل بها إلى مجالات أرحب منفتحة على النقاش الهادف والحوار الجاد... كما في الزمن الجميل الذي قد مضى... والذي كانت مصر بالذات مسرحا له في أواسط القرن الماضي...
حتى لا أطيل أقول: هناك جَرّاح بلا أخلاق ولا ضمير، بين يديه جسم أحد المرضى... لا يهم هنا كيف وصل المريض إلى حالة من السوء شديدة... يتحمل، هو نفسه، فيها كبير المسؤولية، فذلك نقاش آخر... لكن طبيبنا هذا، بعد أن امتص ما شاء من دم مريضه، وبعد أن نزع إحدى كليته، لأغراض تجارية، وبعد أن استأصل أجزاء أخرى، لأغراض دنيئة أيضا، قام بزرع "ورم خبيث" في جسم المريض، وطلب منه أن يتعايش معه، بل أكثر من ذلك: طلب منه أن يغذيه من لحمه ودمه وعظامه... وطلب منه أن يعتبر ذلك حالة طبيعية... وهو على علم مسبق بأن التعايش مستحيل مع هذا النوع من السرطانات...
رغما عنها رفضت كل الأعضاء، وقاومت بكل ما أوتيته من قوة... رغم أنه كان من بينها أعضاء منافقة وأخرى متخاذلة وثالثة ما زالت في حالة سبات، لم تستوعب حجم الكارثة بعد... لكنها على الأقل كانت متفقة حول استحالة التعايش مع ورم خبيث كهذا...
ثم يأتي القلب... القلب بكل جلاله ووقاره وهيبته... هو الذي كان يقود المقاومة من قبل ويتزعمها، ليقرر، وبناء على تقارير طبيبنا المنعدم الضمير والأخلاق، أنه ربما جرى تشخيص سيء للسرطان، وأنه ليس بذلك السوء الذي تظنه الأعضاء... بل وبالإمكان تحويله لورم "حميد"... وبالتالي فلم يعد هناك ما يدعو لمحاربته... أكثر من ذلك كله، سيفتح القلب شرايينه وصماماته أمام الورم الخبيث... ويضخ فيه من دمائه، ومن دماء جسده العليل... بحجة أن الورم قريب من عضلة القلب، ويتهددها في كل لحظة، وأن الأعضاء الأخرى لم تقم بما يكفي من مقاومة، وأنها في منأى عن مؤثراته الجانبية...
وواقع الحال أن القلب بفعلته هذه، سيفتح ثلمة خطيرة تداعت من خلالها الأعضاء كلها وتهاوت، واحدا تلو الثاني... وما بقي منها هو بالكاد "يبلبط" في الماء قبل أن يستسلم للغرق...
السؤال الكبير الذي يطرح هنا: هل الأعذار التي ساقها القلب، مهما كانت قوة حجيتها، كافية لأن يفتح "أُذينيه" و"بُطينيه" في وجه الورم/الشيطان؟ بل هل كان ضروريا أصلا الانفتاح على هذا الشيطان؟؟؟
" "
" "
في انتظار رد منك... تقبلي أختي المتألقة فايزة خالص مودتي وتقديري...
............................
الأخ الكريم / عبد العزيز
أولا تحية مني إليك .. أخ كريم النفس ، واسع الأفق ، محب للوطن الكبير .. لقد قلنا مسبقا ، أنه لن يدوم التطبيع مع اليهود .. عاجلا أم آجلا ستكون هناك مواجهة ، شئنا أم أبينا ، فاليهود خائنون للعهود والمواثيق ، يستخدمون الحيل ، لسلب الشعوب خيراتها ، وهذ جزء من عقيدتهم .
بما أنك متخصص في التاريخ الإسلامي ، فلنرجع إلي الوراء ، عندما قبل سيدنا محمد صلح الحديبية ، مع ما كان فيه من إجحاف لحق المسلمين وقتئذ ، ومع ذلك كانت فترة الهدنة هذه هي سبيل النصر ، ونصرة دين الحق.
مصر منذ حرب 73 والحروب التي قبلها ، جعلتها تعاني إقتصاديا ، وجيشها لن يستطيع خوض الحرب ، الحرب هي بمثابة انتحار في الوقت الحالي .. خاصة أن شعب مصر يعيش في منطقة تمثل أربعة في المائة من مساحة مصر ، ولا يتحصن بالجبال مثل لبنان ، ولا هو مساحة كبير ة شاسعة مثل العراق ، وسيناء مكشوفة للعدو علي امتدادها ، ومع آلات الحرب الحديثة سيباد الشعب بمنتهى السهولة .
ليس معنى ذلك الخنوع والاستسلام .. ولكن التاريخ كثيرا ما يسطر كلماته ، والدول تندحر ، والممالك تتهاوي مع مرور الزمن ، لقد خاضت إسرائيا حربا مع حزب الله ، وهم مقتنعون بالنصر ، ولكن هذا الحزب الصغير أستطاع الصمود ، بل وتحطيم أسطورة دبابة الميركافا ، ودخلت أمريكا العراق ، ومن قبلها فيتنام ، وهي تظن أن عتادها وجيوشها سيحققان لها النصر الأكيد ، ولكن إرادة الشعوب دائما لها الغلبة .
سيدي إني لا أعترض علي رأيك .. لأن الحرب ستكون ، ولقد كتب الله علي اليهود الشتات في الأرض ، ولكن ساعة القضاء عليهم لم تحن بعد ، فقد كتب عليهم أن تطفأ حروبهم وتخمد إلي قيام الساعة ، ولعل ما نراه شرا هو الخير كله .
لقد كتب العقاد كتابا خطيرا اسمه مستقبل الإسلام في القرن العشرين ، وقد قال إنه لولا الحروب الصليبية ، وهزيمة المسلمين أمام الصليبين في أول الأمر ، لكانت الأمة الإسلامية فنت نفسها بنفسها ، بعد أن زادت الفتن ، وتفتت الخلافة إلي دويلات .
وهذه الحروب أيضا ، بعد أن حقق فيها السلمون النصر ، هي بداية التخاذل ، والتكاعص .
أقول لك أن ما يحدث في البلدان العربية من قهر ، ومن تخاذل واستعمار جديد لها ، هو كي يستيقظ في كل نفس روح المقاومة ، وحب الأوطان ، فالنعمة دائما تغري بالفساد .
فاطمئن أخي ، سوف يلفظ الجسد هذا الورم ، حتى لو كان الجراح عديم الضمير بلا إخلاق ، فقد سجلت حالات قضي فيها الجسد علي المرض ، دون أخذ دواء ، بعد أن يأس المريض من الشفاء
دمت أخا كريما عزيزا
..............................
أختي المبدعة فايزة...
وأنت أروع، وأكرم، وأشرف...
لو لم يكن ل: "واتا" المباركة غير هذه المزية، مزية تعريفنا بوجوه كريمة من مثل أمثالك...
لكفاها ذلك فخرا...
شرفني التحاور معك أختي المبدعة، ونحن لا نختلف على موضوع لا خلاف حوله:
موضوع عظمة الشعب المصري العملاق.. بكل المقاييس...
أعرف إنجازاته منذ فجر التاريخ... وهذا مجال دراستي الأكاديمية...
أيضا لا نختلف حول رفض التطبيع... فهذا أمر، عندي لا أطرحه حتى للنقاش...
لكننا نختلف حول رجل بالذات: "السادات"... وهو رجل اختلف فيه الكثيرون على كل حال...
أنا أرى، وهذا رأيي الذي لا ألزم به أحدا قطعا، بأن الرجل لم يحقق شيئا آخر غير تركيع مصر والأمة العربية...
و"تركيم" مشاكل سياسية واقتصادية ما زال المواطن المصري يؤدي فاتورتها غاليا جدا...
وأنت، أختي الفاضلة، لحد الآن لم تقدمي أي دليل يثبت العكس...
فكل ما ذكرته كان حول النقطتين اللتين لا نختلف حولهما كما ذكرت لك من قبل...
أما بخصوص حرب الاستنزاف فالذي أعلمه هو أنها من مميزات الراحل جمال عبد الناصر...
وأن السادات لم يجن إلا ثمارها...
وأما الانفتاح، فالذي أعلمه أيضا أنه سمح لحفنة من الاحتكاريين والانتهازيين من السيطرة على أملاك الشعب المصري "الغلبان"...
ثم إن كل ما بذله جمال عبد الناصر في مجال "التأميم"... نسفه السادات...
لست هنا لمناقشة مدى فاعلية "التأميم" في اقتصاد العالم اليوم... ذلك موضوع آخر...
لكن على الأقل: أين ذهبت الأموال المحصلة من بيع أملاك القطاع العام؟؟؟
أما بخصوص حرب أكتوبر، فقد سبق لي أن اطلعت على مذكرات "الفريق الشاذلي"
وفيها أخطاء بالجملة يتحمل فيها السادات وحده كامل المسؤولية...
فماذا بقي من إنجازات هذا الرجل؟؟؟
" "
" "
خالص مودتي أختي...
وفي انتظار توضيح منك...
...................................
الأخ الكريم / عبد العزيز
السلام عليكم ، إنها تحية الإسلام السامية ، وهي دائما ما يسعي إليه الناس في كل مكان وزمان
لقد ذكرت أنه اختلفت الأراء حول السادات ، وأقول أنه أختلفت أيضا حول جمال عبد الناصر ، وكل منا ينظر حسب هويته ، وما انجزه الزعيمان ، ومدي استفادة الوطن الكبير ، وما استفاده الشعب المصري .
أما بالنسبة لحرب الاستنزاف ، فهي ليست حرب بمعني حرب ، حرب شاملة يتم فيها البت في تحرير الأرض ، ولكنها كانت عمليات تسلل تشبه حرب العصابات لاستنزاف قوة العدو ، ولقد توفي جمال عبد الناصر ، بعد أن حققت هزيمة نكراء في عهده (67) ، وظل في الحكم بعدها لمدة ثلاث سنوان ، فقد مات في سنة 70 ، واستمرت حرب الاستنزاف في حكم السادات لمدة ثلاث سنوات أخري ، ليواصل تلك الحرب .
أي أن سيناء وباقي الأراضي العربية سلبت في عهد جمال ، بعد أن ولي قيادة الجيش لعسكريين غير أكفاء ، ويعيش الشعب المصري في عهده حالة رعب ، خوفا من الاعتقال والتعذيب والتنكيل ، بعد أن سيطر مجموعة من المرضي نفسيا أمثال صلاح نصر علي خيوط اللعبة . ولن أخوض في موضوع التأميم .
لقد أحب أبناء الوطن العربي ، جمال عبد الناصر ، لآنه دعم حركات التحرر ، وكان الرجل يملك كريزما عالية ، وسيماء الزعيم ، ولعل هذا من أسباب إعجاب الكثيرين به .. لقد احتضن الفلسطنين في مصر ، فعاشوا أفضل حياة ، علي حساب الشعب المصري الذي لم يكن يجد قوت يومه في هذا العهد ، أيضا تورط في الحروب الأهلية في اليمن ، ومات الكثيرين من شبابنا ، فقد عاش أسطورة زعيم الأمة .
لقد كان السادات هو قائد النصر دون منازع ، تلك الحرب الشاملة الفاصلة ، فلو لم يكن هناك نصر ، ما استعيدت الأرض ، وهذا قانون ثابت في الحروب ، خاصة مع عدو لئيم ، فاليهود لن يعيدوا أرض بدون هزيمة أو خوف .
لم يركع الشعب المصري في عصر السادات أبدا ، ولم يباع القطاع العام في عهده ، بل كان يحقق أكبر العائدات ، وكان الشعب يعيش في رفاهية من العيش ، لا زال البعض يعيش علي بقاياها ، وكلما مضى الزمن بعيدا عن عهده ، زاد الشعب فقرا وبؤسا وتركيعا ، وذهبت أموال القطاع العام إلي شرزمة ، لم تكن أبدا في عهد السادات .
أي حرب فيها أخطاء ، العبرة هو النصر أم الهزيمة ، وقد انتصرنا ، واستعدنا الأرض كما قلت سابقا .
أما تركيع الوطن العربي ككل ، فهذا يرجع إلي زعماء كل بلد ، وليس إلي السادات ، إنهم رغم امتلاكهم الثروات الطائلة ، يقبلون أقدام أمريكا ، ويعطون لها القواعد العسكرية عن طيب خاطر ، لقتل باقي أبناء الأمة .. حتي زعماء الفصائل الفلسطنية ضيعوا قضيتهم ، فسلبوا الأموال الآتية من الاتحاد الأوربي ، ومن باقي العالم ودسوها في جيوبهم ، تاركين باقي شعبهم يعاني الفاقة ، حتي صرح كثير منهم ، أن الاحتلال أرحم من زعمائهم .
لقد قلت مسبقا ، أن أي شعب ، هو الأجدر أن يحكم علي زعيمه ، ولو جلست في وسيلة مواصلات في مصر ، أو جلست في مجلس .. لتمتم أحدهم بأسى ،"الله يرحمه السادات فين أيامه " .. هذه المقولة تقال في كل حين ووقت ، بعد أن ضاق الخناق ، وعمت الرشوة والمحسوبية .. لن أقول أن هذا لم يكن موجودا في عصر السادات ، ولكنه تفاقم , وأصبح أشد ضرواة .
يكفي أن السادات مات لا يملك من المال الكثير ، وترك بعضا من أبنائه يعانون الفقر ، ولم يفكر أن يورث ابنه الحكم ، لتعود عهود الملكية من جديد .
دمت أخي عبد العزيز ، فمهما اختلفنا حول الرجل ، فلن يمنعني هذا من التصريح بأنني سعدت بالتحاور معك ، فاختلافنا في الرأي لن يفسد للود قضية .
.........................................
أختي الفاضلة فايزة...
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته...
فيما يتعلق بالخلاف لا يفسد للود قضية... هذا أكيد، مبدأ عندي يرتفع فوق كل نقاش...
فخالص مودتي واحترامي وامتناني لشخصك النبيل...
" "
وعودة إلى موضوع نقاشنا، وعذرا مسبقا على تأخري في الرد...
مرة أخرى أنت تطرحين للنقاش مواضيع لم، ولا، نختلف حولها...
الموقف من جمال عبد الناصر... أنا لم أقف مدافعا عنه (خاصة وأنا أعرف وجه التاريخ المظلم في فترة حكمه)
أنا فقط قلت بأن حرب الاستنزاف بدأت في عهده... وهذه حقيقة ثابتة، لأنها ابتدأت بعد نكسة 1967...
وهو توفي سنة 1970، وحرب أكتوبر اندلعت سنة 1973، فيكون له فضل ثلاث سنوات فيها... زيادة على ابتكارها...
أيضا أنت أثرت قضية من جاء بعد السادات، والإشارة هنا إلى من يريد توريث الحكم...
وأنا أتفق معك تماما في هذه النقطة أيضا، فالذي جاء بعد السادات هو أسوأ منه قطعا...
خاصة مع انتشار هذه العادة السيئة في بلداننا: عادة توريث الحكم...
أما الزعماء العرب، فأنا لدي العشرات من المقالات تنتقد حكمهم، وأعرف جيدا طبيعة هذه الأنظمة الفاسدة...
ويوم أمس فقط نزلت في منتدى الخواطر موضوعا عن طغيانهم...
فلا نختلف في هذه النقطة أيضا...
" "
ماذا بقي إذن؟؟؟
أنت تعتبرين ما حققه السادات في حرب أكتوبر انتصارا، استرجع به الأرض...
وأن العرب اليوم يطالبون بأقل مما كانت تعرضه إسرائيل عليهم من قبل...
فيما يخص النقطة الأولى: الجيش المصري البطل هو الذي حقق العبور... وهذه مفخرة له ولنا جميعا نحن العرب...
لكن لماذا قرر السادات وقف الهجوم فجأة؟؟؟ وترك هذا الجيش عالقا في سيناء، في مواقع عدة،
وهو يعرف طبيعتها الصحراوية... ويعرف قدرة العدو في مجال الطيران الحربي؟؟؟
كان العبور ممتازا... لكن استثمار النصر كان سيئا جدا... بكل المقاييس...
هذا فضلا عن أن السادات، كان ينسق في الحرب مع سوريا، لكن إعلانه التوقف جاء من طرف واحد، وطعنة في ظهر الأشقاء السوريين...
إسرائيل أرجعت سيناء... صحيح، لكن وفق اتفاقية كما هو معروف...
هذه الاتفاقية تحدد على الجانب المصري عدد الجنود المسموح له باعتمادهم في سيناء، وكذا أسلحتهم وعتادهم وتحصيناتهم...
بل ونوع الأنشطة المسموح بها هناك أيضا...
إسرائيل تدرك تماما تفوقها الجوي، ومثل هذه القيود ليست عبثا...
إنها تعني بالحرف أن إسرائيل يمكنها أن تعيث في سيناء فسادا متى أرادت ذلك...
فعن أي استثمار للنصر يتحدث السادات؟؟؟
عن كامب ديفيد؟؟؟
طيب لنناقش كامب ديفيد وظرفيتها التاريخية التي أفرزتها...
كان العرب قبل الاتفاقية في موقف ضعف... هذا صحيح... لكن على الأقل كانوا مصطفين حول موقف واحد...
موقف الرفض للتطبيع مع هذا الكيان الغاصب المحتل...
إسرائيل وقتها كانت مستعدة، حتى تحدث شرخا في هذا التراص، أن تقدم بعض التنازلات...
لو كانت سوريا هي التي سبقت مصر، لكانت سوريا الآن تنعم بالجولان، ومصر ما زال جزء من أراضيها محتلا...
لاحظي أن عبور (1973) حتى لو اعتبرناه نصرا حاسما أنه لم يُرجع كل سيناء...
لأسباب تاريخية نعلمها جميعا، كانت مصر السادات هي التي سبقت...
بهذا المعنى فالسادات كان أكثر من انتهازي هنا... باع القضية الكبرى مقابل قضية صغرى... وبثمن بخس...
" "
قدم السادات إذن كل شيء...
ولم يحسن حتى استثمار نصر كان بين يديه...
وللأسف كان ثمنه دماء الشعب المصري البطل... ودماء الأشقاء العرب...
" "
خالص مودتي أختي...
:::w