المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : النظم ، الشعوب ، الإستبداد


فائز البرازي
07-11-2008, 07:15 PM
النظم ، الشعوب ، الإستبداد
================

منذ منتصف القرن التاسع عشر على الأقل ، تصاعدت نضالات وإنارات ومطلبيات تنادي رافضة كل أنواع الإستبداد الذي تعيشه الأمة ، وكان من مشاهير النخبة المتصدية الأستاذ / عبد الرحمن الكواكبي / في كتابه القيم ( طبائع الإستبداد ومصارع الإستعباد ) ، متلمسآ معظم الأسباب و الأبعاد والنتائج للإستبداد ، برؤية " موضوعية شاملة " – كما أدّعي - .
وتلاحقت الأجيال وحتى اليوم وهي تعيش في توصيف حالة متقاربة كثيرآ بينها وبين تلك الأفكار والواقع ، وتعيد وتكرر التوصيف وتعلن رفضها للإستبداد وللنظم الحاكمة المستبده ..
وتوالت أجيال .. وتوالدت نظم ولا زال الواقع مهيمنآ على مر تاريخ الدول والمجتمعات العربية ، ماعدا بعض الفترات القصيرة المضيئة والشاذه عن المسار التاريخي العام . وكانت و لاتزال أعلى الأصوات وأكثرها ينصب في خانة الهجوم على الأنظمة الحاكمة التي لم تأت من الفضاء الخارجي وإنما هي إفرازات متوالية ومتعددة من نسيج المجتمعات العربية ، خارج فترات الإستعمار أو ممثليه . وهذه الأصوات الكثيرة والعالية ، إضافة لمعظم الكتابات والطروحات ، تركز على واقعة ( الإستبداد ) وحتى ليس بمضمونها وشموليتها العامة ، بل فقط على جزئية إستبدادية الأنظمة الحاكمة ، والعديد يلامس ويستشهد بكتاب " طبائع الإستبداد / الكواكبي " .
وكانت ولاتزال تلك الملامسه وذلك الإستشهاد منزوعآ من سياقه ، يخفي عن قصد أو غير قصد أو خجل أو هروب ، التلازم والتوأمة بين الإستبداد وبين مُخرِِِجاته ، وبين الإستبداد وبين التركيبة الذهنية والعقلية والإجتماعية والسياسية في المجتمعات العربية . وهو الأمر الذي يدفع ويثير سؤالآ كبيرآ وهامآ ويجب ألإجابة عليه موضوعيآ وعقلانيآ وبعمق :
هل جميع هذه الأنظمة العربية والمتعددة ، لها " جينات " خاصة بها تتوارثها ويبقى حالها كما هو عليه خلال مسيرة قرون ؟؟
أم أن هناك أسباب وعوامل وبيئات تفريخ لهذه الأنظمة على إختلاف منطلقاتها السياسية والأيديولوجية والمجتمعية ؟؟
أي : علاقة جميع أنواع الإستبداد : الفردي – الأسري – المجتمعي – الديني – السياسي – المالي والإقتصادي ، كنسيج متشابك تؤدي الحالة فيه إلى الحالات الأخرى ، وتظهر أمامنا فقط الحالة الواضحة والمركز عليها وعلى " توصيفها " فقط .. ( إستبداد أنظمة الحكم ) ..
والواقع أن / الكواكبي / وبجدارة يثير ويتلمس جميع هذه المُصنّعات للإستبداد بمعناه العام والشامل ، ويلقي الضوء على معظم تلك الأسباب والعوامل والتشابكات التي تعطي وتُنتج الإستبداد . وإن كان تركيزه الواضح – بدون إغفال العوامل الأخرى – على الإستبداد السياسي والإستبداد الديني .
وهنا أحاول إلقاء بعض الضوء على معظم العوامل والعلاقات المفرزة والمؤدية لتعمق وتجذر الإستبداد التاريخي في مجتمعاتنا ودولنا وأنظمتنا الحاكمة .

1- علاقة الإستبداد بالفكر الديني :
يبين الكواكبي علاقة الإستبداد بالفكر الديني ، ويربطه بآراء الفقهاء والمفكرين ، مع ماشهده الفكر الإسلامي من " تسويغ " الحكم الوراثي وإضفاء الشرعية عليه . وكأنه من ثوابت السياسة الإسلامية ، والتي جهد البعض في صياغة نظريات تبيح للحاكم السياسي المتنفذ أن يعهد الحكم والولاية العامة إلى شخص معين يخلفه في الحكم ويقوم مقامه . وهي نظريات تبدو بأشكالها الشاملة " تبريرية " إستهدفت اسباغ الشرعية الدينية والشعبية على هذا النمط من الحكم . وفي هذا يقول / الكواكبي / :
[ ثمة إنحدار خطير قد تم التنظير له ويتمثل في ظهور نظرية ( الإستيلاء والغلبة ) .. والتي تفرض الشرعية لكل شخص يتمكن من الوصول إلى سلطة الحكم بمجرد وصوله إليها .. بغض النظر عن الدوافع التي تقف خلف رغبته في الحكم ، وبغض النظر عن اللوازم التي يستلزمها القول بشرعية هذه النظرية .. وأهمها " إستلاب " حق الأمة في الإختيار ] .
لقد سوغت تلك الآراء والفتاوى الدينية للإستبداد الذي إستوطن العالم الإسلامي ، مخالفة تمامآ لكتاب الله / الوحي ، ولسنة رسول الله ، وهذا الأمر يدفع نحو " ضرورة حتمية " تتمثل بالعمل والتوجه والتوعية والممارسة لفك الإرتباط والعلاقة بين : الدين / الوحي ، وبين ماتلاعبت به الأهواء وسوء الفهم بل والإستغلال من جانب البعض للدين .
كذلك ترسيخ تلك المقولة الخطيرة ، والمتناقضة والمغلوطة التي تروج لفكرة ووجود الإستبداد وضرورة تقبله تحقيقآ للصالح العام ، وهي ( المستبد العادل ) .. والتي هي أصلآ مقولة مستوردة تم إدخالها للفكر الديني الإسلامي رغم تناقضها الحاد وتهافت مفهومها ، منذ : أفلاطون – المستبد المستنير - ، ومن الفكر الأوروبي بنموذج : الفرد ، العقل ، الطبيعة ، التقدم ، السعادة . الذي ينشئ حلفآ مقدسآ بتلك الكلمات الخمس ، بين : الفلسفة والسلطة المطلقة ، اللتان سيحققان سعادة الشعوب – وكذلك من متوارثات الفكر السياسي الفارسي .

2- الفرد ، الأسرة ، المجتمع والإستبداد :
وأنطلق هنا من مقولة / الكواكبي / ورأيه القائل أن : [ صلاح الحاكم والحكم من صلاح الرعية ]
والذي قد إستمده من حديث رسول الله : ( كما تكونوا يولى عليكم ) ..
والمجتمع هو الذي يفرز السلطة الحاكمة بكونها قد خرجت من مجتمعها وتقلدت مقادير الحكم وبوسائل شتى : عسكرية ، توريثية ، دينية .. الخ . وهي ضمن معطيات الظرف والواقع البنيوي والمجتمعي تصبح محكومة تمامآ بسيكيولوجيا وسيسيولوجيا الإستبداد / الديكتاتورية التي لها متطلباتها وضروراتها ودوافعها ومصالحها التي لابد أن تتلبس كل " نخبة حاكمة " وفق هذا الواقع البنيوي ، بدرجات نسبية متفاوته .
والمجتمع أساسآ متكون من مجموع الأسر والتشكلات المجتمعية ، والتي بدورها متشكلة من جموع الأفراد . أي : أن اللبنة الأساسية والرئيسية هي : الفرد ..
والفرد مرتهن لذاته ، ولمحيطه . محكومآ بهما في تشكل عقليته وتفكيره وأنماط سلوكه ، الذي يعيش ويتعامل بهم ، ويسربهم ويفرزهم للآخر المحيط إبتداءآ من : أولاده ، زوجته ، اخوته وأخواته ، أصدقائه ، زملاء الدراسة والعمل ... ويقول / الكواكبي / في فصل : الإستبداد والتربية : [ خلق الله في الإنسان إستعدادآ للصلاح ، وإستعدادآ للفساد . فأبواه يصلحانه وأبواه يفسدانه . أي أن التربية تربو بإستعداده جسمآ ونفسآ وعقلآ ، إن خيرآ فخير ، وإن شرآ فشر ] .
فالسلوك القهري والإستبدادي الذي يعكسه الفرد على من حوله ، سيخلق ويعزز في النفوس ذلك ، فيتربون عليه ويعتادون ممارسته في محيطهم ، فيتم توارث هذا السلوك القهري والإستبدادي في المجتمع الذي سيفرز من داخله أفرادآ عاشوا وتشربوا به ، كمسؤولين بدرجاتهم المختلفة ، من المدرسة وحتى السلطة .
وهذا يؤكد على ( العلاقة الجدلية الأولى ) تأثرآ وتأثيرآ بين الفرد وبين محيطه .
والإستبداد يبدأ من الفرد وكيفية تعاطيه مع المحيط ، ومدى تقبله وتأثره وإنصهاره في هذا المحيط . هل يصبح جزءآ منه ، معمقآ أثره مرسخآ أنماط سلوكياته ؟ أم مقاومآ له فاعلآ بإرادة الوعي على إحداث تراكم تغييري في ذاته وفي المحيط ؟
بإعتقادي أن هذا هو " الشرط الحاكم " الذي يعمق ويجذر الإستبداد ، أو الذي يعيد إنتاج تشكل العقل والفكر والسلوك الجمعي المجتمعي المناهض للإستبداد . وهذا الشرط الحاكم تدخل به مشروطيات ووقائع وظروف ومعطيات تؤثر فيه ، ويؤثر بها لإحداث التغيير .
فالجهل والفقر .. من العوامل المعيقة لأي إصلاح ، ومن العوامل المعززة للإستبداد ، وهي عوامل ناجمة بجدلية أيضآ من الإستبداد ، ومن الفساد المالي والأخلاقي والتربوي ، بغض النظر عن الجدل القائم حول إن كان الإستبداد هو الذي يوصل للفساد بكل اشكاله ؟ أم أن الفساد هو المؤدي للإستبداد ؟ . لكن الذي لاشك فيه ، أن حالة التفشي للفساد سيؤدي إلى مزيد من الإستبداد .
ويبقى هناك تساؤل مكرر وقائم .. من أين سنأتي بحكام غير مستبدين ، وغير ناشرين للفساد ، وهم يخرجون جميعهم سابقين ولاحقين من رحم هذه الأمة ؟
مع ضرورة التمييز بين كون " الفساد " قيمة إنسانية إجتماعية وإقتصادية ، ظاهرة عالمية بلا حدود وغير مرتبطة بايديولوجيا أو ثقافة أو تراث ، بما يمكن تسميته تمايزآ " بالفساد الطفيلي" الممكن سد منافذ تسربه والتخفيف من سيطرته ، وبين " الفساد الشمولي " المتأسس والمتشعب إلى أدق مستويات الحياة اليومية افقيآ وعاموديآ وبإتجاهين ، منبعث من داخل تراتيبية عجائبية ذات توازن مجتمعي وسلطوي حرج .
ويرى /الكواكبي / أن : التعلم والتربية والوعي والعقل والعلم ، هم الأساس الذي يجب أن ينبي عليه المجتمع وبهم يتم الوصول للقضاء التدريجي على الإستبداد . ويوضح تلك العلاقة الجدلية القائمة بين : المجتمع بتراتيبيته الشعبية والنخبوية ، وبين السلطة الحاكمة المستبدة ، فيقول:
[ ان بين العلم والإستبداد حربآ دائمة ، يسعى العلماء في تنوير العقول ، ويجتهد المستبد في إطفاء نورها ، والطرفان يتجاذبان العوام .. العوام الذين إذا جهلوا خافوا ، وإذا خافوا إستسلموا ، ومتى علموا قالوا ومتى قالوا فعلوا . والعوام هم قوة المستبد وقوته بهم ، عليهم يصول ويجول فيتهللون لشوكته ، ويغتصب أموالهم فيحمدونه على إبقائه على حياتهم ، ويهينهم فيثنون على رفعته ، ويغري بعضهم على بعض فيفتخرون بسياسته " حنكته " ، وإذا أسرف في أموالهم يقولون كريم ، وإذا قتل منهم ولم يمثل يقولون رحيم . والحاصل أن العوام يذبحون أنفسهم بأيديهم بسبب الخوف الناشئ عن الجهل . ] .

إعادة بناء المجتمع :
---------------------
بإعتقادي أن التخلص من الإستبداد والديكتاتورية تستدعي التخلص من أزمات المجتمع البنيوية ، وإعادة بنائه تراكميآ بما يعزز سلامته وتأثيره ، وسلامة إفرازاته .
ويبدأ / الكواكبي / بالتوجيه نحو إحداث التغيير والإصلاح بقوله :
1- الأمة التي لايشعر كلها أو أكثرها بآلام الإستبداد لاتستحق الحرية .
2- ان يبث بالأمة الحياة وهي العلم ، أي علمها بأن حالتها سيئة ، وأن بالإمكان تبديل هذه الحالة بخير منها بنهوضها .
3- أن الإستبداد لايقاوم بالشدة ، وإنما يقاوم باللين والتدرج والحكمة . وأن الطريقة الفعالة الوحيدة لقطع دابر الفساد ، هي ترقي الأمة في الإدراك والإحساس والعلم ، وهذا لايأتي إلا بالتعليم والتحميس . = إنه –الكواكبي – يرى أن مايحصل بالتدريج يكون أنفع وأرسخ وأحكم مما يحصل بثورة مفاجئة . وهنا تظهر ثوريته الواقعية التي لاتريد أن تقفز قفزآ "عشوائيآ ، خشية السقوط بين براثن إستبداد آخر أشد مرارة من سابقه .
4- يجب قبل مقاومة الإستبداد ، تهيئة ماذا يستبدل به الإستبداد .
5- على عقلاء الأمة أن يسعوا أولآ وراء إزالة " المانع الضاغط " على العقول ، ثم بعد ذلك يعتنوا بالتربية حيث يمكنهم حينئذ أن ينالوا النتيجة .
6- الإستبداد والترقي ، الحركة سنة عاملة في الخليقة ، دائبة بين شخوص وهبوط . فالترقي هو الحركة الحيوية أي حركة الشخوص ، ويقابله الهبوط وهو الحركة إلى الموت أو الإستحالة أو الإنقلاب .
7- إذا رأينا في أمة آثار حركة الترقي هي الغالبة على " أفرادها " ، حكمنا لها بالحياة . فيكفي الأمة رقيآ أن يجتهد كل فرد منها بترقية نفسه ، فيصب في ترقي مجموع الأمة .

وأخيرآ .. فلا بد من منطلقات تنقذ الأمة من " وديان الجهل والأمية وغياب الوعي " ، لتحقيق يقظتهم ولتشكيل وعيهم الفاعل . ولابد من ( منهج عمل نهضوي ) يشمل مناحي الحياة كلها :
الدين – الأخلاق – التربية – الإقتصاد – الحكم والسياسة ... كما يشمل المناحي التطبيقية :
للفكر – والسلوك الخاطئ – الذي يتبعه الفرد والمثقف في حواره مع الآخرين ، للإبتعاد عن الإلغاء وإدعاء كل منّا بإمتلاك الحقيقة .

=================
فائز البرازي
30/10/2008

د. عبد الرحمن السليمان
22-11-2008, 09:02 PM
---------------------
بإعتقادي أن التخلص من الإستبداد والديكتاتورية تستدعي التخلص من أزمات المجتمع البنيوية ،



معادلة صعبة جدا لأن "أزمات المجتمع البنيوية" أتت نتيجة للتخلف والنظم الاستبدادية .. نتخلص من التخلف بالعلم، فكيف نتخلص من النظم الاستبدادية؟

شكرا للأستاذ فائز البرازي على هذا العرض الرصين لفكر الكواكبي رحمه الله.

وتحية طيبة عطرة.

فائز البرازي
27-11-2008, 07:11 PM
أستاذي الفاضل / د. عبد الرحمن السليمان
تحية الحياة والمقاومة :

أشكرك جدآ للإهتمام بهذا الموضوع وإيلائه الأهمية ..

إقتباس من حضرتك : [ معادلة صعبة جدأ ]
الحق هي كذلك .. والسؤال الأبدي - ولا أقول منذ لينين فقط - : ما العمل ؟؟

إقتباس من حضرتك :
[ أزمات المجتمع البنيوية أتت نتيجة للتخلف والنظم الإستبدادية . نتخلص من التخلف بالعلم ، فكيف نتخلص من النظم الإستبدادية ؟ ] ..

ومع الإحترام :
أزمات المجتمع البنيوية في أحد أهم أسبابها : أنماط التفكير السائدة ، الفكر الديني الإنساني ، مفهوم المضمون الوطني القومي ..
والتخلف ليس نتيجة لهذه الأزمات فقط .. بل هو " منِتج " لأزمات المجتمع . أي : أن هناك علاقة جدلية بينهما ..
نتخلص من التخلف بالعلم ... كيف .. ؟ والعلم كان ولايزال متاح ..
بالعلم نتخلص من أميتنا الأبجدية ، والثقافية .. نتخلص من الجهل ..
يمكن أن نتحصل على العلم - ولا شك بأهميته وضرورياته - ، لكن يمكن أن نبقى متخلفين إن لم نعرف ، ولم نع ، أساليب إستخدامه ، وتوجيهه نحو الغايات .

وطبعآ .. النظم الإستبدادية .. كما بينت في مداخلتي ، هي " نتاج المجتمع " .
هل يمكن أن نتصور نتاج مجتمعي صحي يبدأ من الأسرة ، ويتراكم ويتصاعد إلى أعلى ، ثم يعود إلى أسفل .. هل يمكن بعدها وبالمسار الطبيعي للتطور ، والأسباب والمسببات ، أن نجد نظم إستبدادية ؟
أطفال اليوم .. رجالات المستقبل ..

دمت بود وإحترام .