فائز البرازي
07-11-2008, 07:15 PM
النظم ، الشعوب ، الإستبداد
================
منذ منتصف القرن التاسع عشر على الأقل ، تصاعدت نضالات وإنارات ومطلبيات تنادي رافضة كل أنواع الإستبداد الذي تعيشه الأمة ، وكان من مشاهير النخبة المتصدية الأستاذ / عبد الرحمن الكواكبي / في كتابه القيم ( طبائع الإستبداد ومصارع الإستعباد ) ، متلمسآ معظم الأسباب و الأبعاد والنتائج للإستبداد ، برؤية " موضوعية شاملة " – كما أدّعي - .
وتلاحقت الأجيال وحتى اليوم وهي تعيش في توصيف حالة متقاربة كثيرآ بينها وبين تلك الأفكار والواقع ، وتعيد وتكرر التوصيف وتعلن رفضها للإستبداد وللنظم الحاكمة المستبده ..
وتوالت أجيال .. وتوالدت نظم ولا زال الواقع مهيمنآ على مر تاريخ الدول والمجتمعات العربية ، ماعدا بعض الفترات القصيرة المضيئة والشاذه عن المسار التاريخي العام . وكانت و لاتزال أعلى الأصوات وأكثرها ينصب في خانة الهجوم على الأنظمة الحاكمة التي لم تأت من الفضاء الخارجي وإنما هي إفرازات متوالية ومتعددة من نسيج المجتمعات العربية ، خارج فترات الإستعمار أو ممثليه . وهذه الأصوات الكثيرة والعالية ، إضافة لمعظم الكتابات والطروحات ، تركز على واقعة ( الإستبداد ) وحتى ليس بمضمونها وشموليتها العامة ، بل فقط على جزئية إستبدادية الأنظمة الحاكمة ، والعديد يلامس ويستشهد بكتاب " طبائع الإستبداد / الكواكبي " .
وكانت ولاتزال تلك الملامسه وذلك الإستشهاد منزوعآ من سياقه ، يخفي عن قصد أو غير قصد أو خجل أو هروب ، التلازم والتوأمة بين الإستبداد وبين مُخرِِِجاته ، وبين الإستبداد وبين التركيبة الذهنية والعقلية والإجتماعية والسياسية في المجتمعات العربية . وهو الأمر الذي يدفع ويثير سؤالآ كبيرآ وهامآ ويجب ألإجابة عليه موضوعيآ وعقلانيآ وبعمق :
هل جميع هذه الأنظمة العربية والمتعددة ، لها " جينات " خاصة بها تتوارثها ويبقى حالها كما هو عليه خلال مسيرة قرون ؟؟
أم أن هناك أسباب وعوامل وبيئات تفريخ لهذه الأنظمة على إختلاف منطلقاتها السياسية والأيديولوجية والمجتمعية ؟؟
أي : علاقة جميع أنواع الإستبداد : الفردي – الأسري – المجتمعي – الديني – السياسي – المالي والإقتصادي ، كنسيج متشابك تؤدي الحالة فيه إلى الحالات الأخرى ، وتظهر أمامنا فقط الحالة الواضحة والمركز عليها وعلى " توصيفها " فقط .. ( إستبداد أنظمة الحكم ) ..
والواقع أن / الكواكبي / وبجدارة يثير ويتلمس جميع هذه المُصنّعات للإستبداد بمعناه العام والشامل ، ويلقي الضوء على معظم تلك الأسباب والعوامل والتشابكات التي تعطي وتُنتج الإستبداد . وإن كان تركيزه الواضح – بدون إغفال العوامل الأخرى – على الإستبداد السياسي والإستبداد الديني .
وهنا أحاول إلقاء بعض الضوء على معظم العوامل والعلاقات المفرزة والمؤدية لتعمق وتجذر الإستبداد التاريخي في مجتمعاتنا ودولنا وأنظمتنا الحاكمة .
1- علاقة الإستبداد بالفكر الديني :
يبين الكواكبي علاقة الإستبداد بالفكر الديني ، ويربطه بآراء الفقهاء والمفكرين ، مع ماشهده الفكر الإسلامي من " تسويغ " الحكم الوراثي وإضفاء الشرعية عليه . وكأنه من ثوابت السياسة الإسلامية ، والتي جهد البعض في صياغة نظريات تبيح للحاكم السياسي المتنفذ أن يعهد الحكم والولاية العامة إلى شخص معين يخلفه في الحكم ويقوم مقامه . وهي نظريات تبدو بأشكالها الشاملة " تبريرية " إستهدفت اسباغ الشرعية الدينية والشعبية على هذا النمط من الحكم . وفي هذا يقول / الكواكبي / :
[ ثمة إنحدار خطير قد تم التنظير له ويتمثل في ظهور نظرية ( الإستيلاء والغلبة ) .. والتي تفرض الشرعية لكل شخص يتمكن من الوصول إلى سلطة الحكم بمجرد وصوله إليها .. بغض النظر عن الدوافع التي تقف خلف رغبته في الحكم ، وبغض النظر عن اللوازم التي يستلزمها القول بشرعية هذه النظرية .. وأهمها " إستلاب " حق الأمة في الإختيار ] .
لقد سوغت تلك الآراء والفتاوى الدينية للإستبداد الذي إستوطن العالم الإسلامي ، مخالفة تمامآ لكتاب الله / الوحي ، ولسنة رسول الله ، وهذا الأمر يدفع نحو " ضرورة حتمية " تتمثل بالعمل والتوجه والتوعية والممارسة لفك الإرتباط والعلاقة بين : الدين / الوحي ، وبين ماتلاعبت به الأهواء وسوء الفهم بل والإستغلال من جانب البعض للدين .
كذلك ترسيخ تلك المقولة الخطيرة ، والمتناقضة والمغلوطة التي تروج لفكرة ووجود الإستبداد وضرورة تقبله تحقيقآ للصالح العام ، وهي ( المستبد العادل ) .. والتي هي أصلآ مقولة مستوردة تم إدخالها للفكر الديني الإسلامي رغم تناقضها الحاد وتهافت مفهومها ، منذ : أفلاطون – المستبد المستنير - ، ومن الفكر الأوروبي بنموذج : الفرد ، العقل ، الطبيعة ، التقدم ، السعادة . الذي ينشئ حلفآ مقدسآ بتلك الكلمات الخمس ، بين : الفلسفة والسلطة المطلقة ، اللتان سيحققان سعادة الشعوب – وكذلك من متوارثات الفكر السياسي الفارسي .
2- الفرد ، الأسرة ، المجتمع والإستبداد :
وأنطلق هنا من مقولة / الكواكبي / ورأيه القائل أن : [ صلاح الحاكم والحكم من صلاح الرعية ]
والذي قد إستمده من حديث رسول الله : ( كما تكونوا يولى عليكم ) ..
والمجتمع هو الذي يفرز السلطة الحاكمة بكونها قد خرجت من مجتمعها وتقلدت مقادير الحكم وبوسائل شتى : عسكرية ، توريثية ، دينية .. الخ . وهي ضمن معطيات الظرف والواقع البنيوي والمجتمعي تصبح محكومة تمامآ بسيكيولوجيا وسيسيولوجيا الإستبداد / الديكتاتورية التي لها متطلباتها وضروراتها ودوافعها ومصالحها التي لابد أن تتلبس كل " نخبة حاكمة " وفق هذا الواقع البنيوي ، بدرجات نسبية متفاوته .
والمجتمع أساسآ متكون من مجموع الأسر والتشكلات المجتمعية ، والتي بدورها متشكلة من جموع الأفراد . أي : أن اللبنة الأساسية والرئيسية هي : الفرد ..
والفرد مرتهن لذاته ، ولمحيطه . محكومآ بهما في تشكل عقليته وتفكيره وأنماط سلوكه ، الذي يعيش ويتعامل بهم ، ويسربهم ويفرزهم للآخر المحيط إبتداءآ من : أولاده ، زوجته ، اخوته وأخواته ، أصدقائه ، زملاء الدراسة والعمل ... ويقول / الكواكبي / في فصل : الإستبداد والتربية : [ خلق الله في الإنسان إستعدادآ للصلاح ، وإستعدادآ للفساد . فأبواه يصلحانه وأبواه يفسدانه . أي أن التربية تربو بإستعداده جسمآ ونفسآ وعقلآ ، إن خيرآ فخير ، وإن شرآ فشر ] .
فالسلوك القهري والإستبدادي الذي يعكسه الفرد على من حوله ، سيخلق ويعزز في النفوس ذلك ، فيتربون عليه ويعتادون ممارسته في محيطهم ، فيتم توارث هذا السلوك القهري والإستبدادي في المجتمع الذي سيفرز من داخله أفرادآ عاشوا وتشربوا به ، كمسؤولين بدرجاتهم المختلفة ، من المدرسة وحتى السلطة .
وهذا يؤكد على ( العلاقة الجدلية الأولى ) تأثرآ وتأثيرآ بين الفرد وبين محيطه .
والإستبداد يبدأ من الفرد وكيفية تعاطيه مع المحيط ، ومدى تقبله وتأثره وإنصهاره في هذا المحيط . هل يصبح جزءآ منه ، معمقآ أثره مرسخآ أنماط سلوكياته ؟ أم مقاومآ له فاعلآ بإرادة الوعي على إحداث تراكم تغييري في ذاته وفي المحيط ؟
بإعتقادي أن هذا هو " الشرط الحاكم " الذي يعمق ويجذر الإستبداد ، أو الذي يعيد إنتاج تشكل العقل والفكر والسلوك الجمعي المجتمعي المناهض للإستبداد . وهذا الشرط الحاكم تدخل به مشروطيات ووقائع وظروف ومعطيات تؤثر فيه ، ويؤثر بها لإحداث التغيير .
فالجهل والفقر .. من العوامل المعيقة لأي إصلاح ، ومن العوامل المعززة للإستبداد ، وهي عوامل ناجمة بجدلية أيضآ من الإستبداد ، ومن الفساد المالي والأخلاقي والتربوي ، بغض النظر عن الجدل القائم حول إن كان الإستبداد هو الذي يوصل للفساد بكل اشكاله ؟ أم أن الفساد هو المؤدي للإستبداد ؟ . لكن الذي لاشك فيه ، أن حالة التفشي للفساد سيؤدي إلى مزيد من الإستبداد .
ويبقى هناك تساؤل مكرر وقائم .. من أين سنأتي بحكام غير مستبدين ، وغير ناشرين للفساد ، وهم يخرجون جميعهم سابقين ولاحقين من رحم هذه الأمة ؟
مع ضرورة التمييز بين كون " الفساد " قيمة إنسانية إجتماعية وإقتصادية ، ظاهرة عالمية بلا حدود وغير مرتبطة بايديولوجيا أو ثقافة أو تراث ، بما يمكن تسميته تمايزآ " بالفساد الطفيلي" الممكن سد منافذ تسربه والتخفيف من سيطرته ، وبين " الفساد الشمولي " المتأسس والمتشعب إلى أدق مستويات الحياة اليومية افقيآ وعاموديآ وبإتجاهين ، منبعث من داخل تراتيبية عجائبية ذات توازن مجتمعي وسلطوي حرج .
ويرى /الكواكبي / أن : التعلم والتربية والوعي والعقل والعلم ، هم الأساس الذي يجب أن ينبي عليه المجتمع وبهم يتم الوصول للقضاء التدريجي على الإستبداد . ويوضح تلك العلاقة الجدلية القائمة بين : المجتمع بتراتيبيته الشعبية والنخبوية ، وبين السلطة الحاكمة المستبدة ، فيقول:
[ ان بين العلم والإستبداد حربآ دائمة ، يسعى العلماء في تنوير العقول ، ويجتهد المستبد في إطفاء نورها ، والطرفان يتجاذبان العوام .. العوام الذين إذا جهلوا خافوا ، وإذا خافوا إستسلموا ، ومتى علموا قالوا ومتى قالوا فعلوا . والعوام هم قوة المستبد وقوته بهم ، عليهم يصول ويجول فيتهللون لشوكته ، ويغتصب أموالهم فيحمدونه على إبقائه على حياتهم ، ويهينهم فيثنون على رفعته ، ويغري بعضهم على بعض فيفتخرون بسياسته " حنكته " ، وإذا أسرف في أموالهم يقولون كريم ، وإذا قتل منهم ولم يمثل يقولون رحيم . والحاصل أن العوام يذبحون أنفسهم بأيديهم بسبب الخوف الناشئ عن الجهل . ] .
إعادة بناء المجتمع :
---------------------
بإعتقادي أن التخلص من الإستبداد والديكتاتورية تستدعي التخلص من أزمات المجتمع البنيوية ، وإعادة بنائه تراكميآ بما يعزز سلامته وتأثيره ، وسلامة إفرازاته .
ويبدأ / الكواكبي / بالتوجيه نحو إحداث التغيير والإصلاح بقوله :
1- الأمة التي لايشعر كلها أو أكثرها بآلام الإستبداد لاتستحق الحرية .
2- ان يبث بالأمة الحياة وهي العلم ، أي علمها بأن حالتها سيئة ، وأن بالإمكان تبديل هذه الحالة بخير منها بنهوضها .
3- أن الإستبداد لايقاوم بالشدة ، وإنما يقاوم باللين والتدرج والحكمة . وأن الطريقة الفعالة الوحيدة لقطع دابر الفساد ، هي ترقي الأمة في الإدراك والإحساس والعلم ، وهذا لايأتي إلا بالتعليم والتحميس . = إنه –الكواكبي – يرى أن مايحصل بالتدريج يكون أنفع وأرسخ وأحكم مما يحصل بثورة مفاجئة . وهنا تظهر ثوريته الواقعية التي لاتريد أن تقفز قفزآ "عشوائيآ ، خشية السقوط بين براثن إستبداد آخر أشد مرارة من سابقه .
4- يجب قبل مقاومة الإستبداد ، تهيئة ماذا يستبدل به الإستبداد .
5- على عقلاء الأمة أن يسعوا أولآ وراء إزالة " المانع الضاغط " على العقول ، ثم بعد ذلك يعتنوا بالتربية حيث يمكنهم حينئذ أن ينالوا النتيجة .
6- الإستبداد والترقي ، الحركة سنة عاملة في الخليقة ، دائبة بين شخوص وهبوط . فالترقي هو الحركة الحيوية أي حركة الشخوص ، ويقابله الهبوط وهو الحركة إلى الموت أو الإستحالة أو الإنقلاب .
7- إذا رأينا في أمة آثار حركة الترقي هي الغالبة على " أفرادها " ، حكمنا لها بالحياة . فيكفي الأمة رقيآ أن يجتهد كل فرد منها بترقية نفسه ، فيصب في ترقي مجموع الأمة .
وأخيرآ .. فلا بد من منطلقات تنقذ الأمة من " وديان الجهل والأمية وغياب الوعي " ، لتحقيق يقظتهم ولتشكيل وعيهم الفاعل . ولابد من ( منهج عمل نهضوي ) يشمل مناحي الحياة كلها :
الدين – الأخلاق – التربية – الإقتصاد – الحكم والسياسة ... كما يشمل المناحي التطبيقية :
للفكر – والسلوك الخاطئ – الذي يتبعه الفرد والمثقف في حواره مع الآخرين ، للإبتعاد عن الإلغاء وإدعاء كل منّا بإمتلاك الحقيقة .
=================
فائز البرازي
30/10/2008
================
منذ منتصف القرن التاسع عشر على الأقل ، تصاعدت نضالات وإنارات ومطلبيات تنادي رافضة كل أنواع الإستبداد الذي تعيشه الأمة ، وكان من مشاهير النخبة المتصدية الأستاذ / عبد الرحمن الكواكبي / في كتابه القيم ( طبائع الإستبداد ومصارع الإستعباد ) ، متلمسآ معظم الأسباب و الأبعاد والنتائج للإستبداد ، برؤية " موضوعية شاملة " – كما أدّعي - .
وتلاحقت الأجيال وحتى اليوم وهي تعيش في توصيف حالة متقاربة كثيرآ بينها وبين تلك الأفكار والواقع ، وتعيد وتكرر التوصيف وتعلن رفضها للإستبداد وللنظم الحاكمة المستبده ..
وتوالت أجيال .. وتوالدت نظم ولا زال الواقع مهيمنآ على مر تاريخ الدول والمجتمعات العربية ، ماعدا بعض الفترات القصيرة المضيئة والشاذه عن المسار التاريخي العام . وكانت و لاتزال أعلى الأصوات وأكثرها ينصب في خانة الهجوم على الأنظمة الحاكمة التي لم تأت من الفضاء الخارجي وإنما هي إفرازات متوالية ومتعددة من نسيج المجتمعات العربية ، خارج فترات الإستعمار أو ممثليه . وهذه الأصوات الكثيرة والعالية ، إضافة لمعظم الكتابات والطروحات ، تركز على واقعة ( الإستبداد ) وحتى ليس بمضمونها وشموليتها العامة ، بل فقط على جزئية إستبدادية الأنظمة الحاكمة ، والعديد يلامس ويستشهد بكتاب " طبائع الإستبداد / الكواكبي " .
وكانت ولاتزال تلك الملامسه وذلك الإستشهاد منزوعآ من سياقه ، يخفي عن قصد أو غير قصد أو خجل أو هروب ، التلازم والتوأمة بين الإستبداد وبين مُخرِِِجاته ، وبين الإستبداد وبين التركيبة الذهنية والعقلية والإجتماعية والسياسية في المجتمعات العربية . وهو الأمر الذي يدفع ويثير سؤالآ كبيرآ وهامآ ويجب ألإجابة عليه موضوعيآ وعقلانيآ وبعمق :
هل جميع هذه الأنظمة العربية والمتعددة ، لها " جينات " خاصة بها تتوارثها ويبقى حالها كما هو عليه خلال مسيرة قرون ؟؟
أم أن هناك أسباب وعوامل وبيئات تفريخ لهذه الأنظمة على إختلاف منطلقاتها السياسية والأيديولوجية والمجتمعية ؟؟
أي : علاقة جميع أنواع الإستبداد : الفردي – الأسري – المجتمعي – الديني – السياسي – المالي والإقتصادي ، كنسيج متشابك تؤدي الحالة فيه إلى الحالات الأخرى ، وتظهر أمامنا فقط الحالة الواضحة والمركز عليها وعلى " توصيفها " فقط .. ( إستبداد أنظمة الحكم ) ..
والواقع أن / الكواكبي / وبجدارة يثير ويتلمس جميع هذه المُصنّعات للإستبداد بمعناه العام والشامل ، ويلقي الضوء على معظم تلك الأسباب والعوامل والتشابكات التي تعطي وتُنتج الإستبداد . وإن كان تركيزه الواضح – بدون إغفال العوامل الأخرى – على الإستبداد السياسي والإستبداد الديني .
وهنا أحاول إلقاء بعض الضوء على معظم العوامل والعلاقات المفرزة والمؤدية لتعمق وتجذر الإستبداد التاريخي في مجتمعاتنا ودولنا وأنظمتنا الحاكمة .
1- علاقة الإستبداد بالفكر الديني :
يبين الكواكبي علاقة الإستبداد بالفكر الديني ، ويربطه بآراء الفقهاء والمفكرين ، مع ماشهده الفكر الإسلامي من " تسويغ " الحكم الوراثي وإضفاء الشرعية عليه . وكأنه من ثوابت السياسة الإسلامية ، والتي جهد البعض في صياغة نظريات تبيح للحاكم السياسي المتنفذ أن يعهد الحكم والولاية العامة إلى شخص معين يخلفه في الحكم ويقوم مقامه . وهي نظريات تبدو بأشكالها الشاملة " تبريرية " إستهدفت اسباغ الشرعية الدينية والشعبية على هذا النمط من الحكم . وفي هذا يقول / الكواكبي / :
[ ثمة إنحدار خطير قد تم التنظير له ويتمثل في ظهور نظرية ( الإستيلاء والغلبة ) .. والتي تفرض الشرعية لكل شخص يتمكن من الوصول إلى سلطة الحكم بمجرد وصوله إليها .. بغض النظر عن الدوافع التي تقف خلف رغبته في الحكم ، وبغض النظر عن اللوازم التي يستلزمها القول بشرعية هذه النظرية .. وأهمها " إستلاب " حق الأمة في الإختيار ] .
لقد سوغت تلك الآراء والفتاوى الدينية للإستبداد الذي إستوطن العالم الإسلامي ، مخالفة تمامآ لكتاب الله / الوحي ، ولسنة رسول الله ، وهذا الأمر يدفع نحو " ضرورة حتمية " تتمثل بالعمل والتوجه والتوعية والممارسة لفك الإرتباط والعلاقة بين : الدين / الوحي ، وبين ماتلاعبت به الأهواء وسوء الفهم بل والإستغلال من جانب البعض للدين .
كذلك ترسيخ تلك المقولة الخطيرة ، والمتناقضة والمغلوطة التي تروج لفكرة ووجود الإستبداد وضرورة تقبله تحقيقآ للصالح العام ، وهي ( المستبد العادل ) .. والتي هي أصلآ مقولة مستوردة تم إدخالها للفكر الديني الإسلامي رغم تناقضها الحاد وتهافت مفهومها ، منذ : أفلاطون – المستبد المستنير - ، ومن الفكر الأوروبي بنموذج : الفرد ، العقل ، الطبيعة ، التقدم ، السعادة . الذي ينشئ حلفآ مقدسآ بتلك الكلمات الخمس ، بين : الفلسفة والسلطة المطلقة ، اللتان سيحققان سعادة الشعوب – وكذلك من متوارثات الفكر السياسي الفارسي .
2- الفرد ، الأسرة ، المجتمع والإستبداد :
وأنطلق هنا من مقولة / الكواكبي / ورأيه القائل أن : [ صلاح الحاكم والحكم من صلاح الرعية ]
والذي قد إستمده من حديث رسول الله : ( كما تكونوا يولى عليكم ) ..
والمجتمع هو الذي يفرز السلطة الحاكمة بكونها قد خرجت من مجتمعها وتقلدت مقادير الحكم وبوسائل شتى : عسكرية ، توريثية ، دينية .. الخ . وهي ضمن معطيات الظرف والواقع البنيوي والمجتمعي تصبح محكومة تمامآ بسيكيولوجيا وسيسيولوجيا الإستبداد / الديكتاتورية التي لها متطلباتها وضروراتها ودوافعها ومصالحها التي لابد أن تتلبس كل " نخبة حاكمة " وفق هذا الواقع البنيوي ، بدرجات نسبية متفاوته .
والمجتمع أساسآ متكون من مجموع الأسر والتشكلات المجتمعية ، والتي بدورها متشكلة من جموع الأفراد . أي : أن اللبنة الأساسية والرئيسية هي : الفرد ..
والفرد مرتهن لذاته ، ولمحيطه . محكومآ بهما في تشكل عقليته وتفكيره وأنماط سلوكه ، الذي يعيش ويتعامل بهم ، ويسربهم ويفرزهم للآخر المحيط إبتداءآ من : أولاده ، زوجته ، اخوته وأخواته ، أصدقائه ، زملاء الدراسة والعمل ... ويقول / الكواكبي / في فصل : الإستبداد والتربية : [ خلق الله في الإنسان إستعدادآ للصلاح ، وإستعدادآ للفساد . فأبواه يصلحانه وأبواه يفسدانه . أي أن التربية تربو بإستعداده جسمآ ونفسآ وعقلآ ، إن خيرآ فخير ، وإن شرآ فشر ] .
فالسلوك القهري والإستبدادي الذي يعكسه الفرد على من حوله ، سيخلق ويعزز في النفوس ذلك ، فيتربون عليه ويعتادون ممارسته في محيطهم ، فيتم توارث هذا السلوك القهري والإستبدادي في المجتمع الذي سيفرز من داخله أفرادآ عاشوا وتشربوا به ، كمسؤولين بدرجاتهم المختلفة ، من المدرسة وحتى السلطة .
وهذا يؤكد على ( العلاقة الجدلية الأولى ) تأثرآ وتأثيرآ بين الفرد وبين محيطه .
والإستبداد يبدأ من الفرد وكيفية تعاطيه مع المحيط ، ومدى تقبله وتأثره وإنصهاره في هذا المحيط . هل يصبح جزءآ منه ، معمقآ أثره مرسخآ أنماط سلوكياته ؟ أم مقاومآ له فاعلآ بإرادة الوعي على إحداث تراكم تغييري في ذاته وفي المحيط ؟
بإعتقادي أن هذا هو " الشرط الحاكم " الذي يعمق ويجذر الإستبداد ، أو الذي يعيد إنتاج تشكل العقل والفكر والسلوك الجمعي المجتمعي المناهض للإستبداد . وهذا الشرط الحاكم تدخل به مشروطيات ووقائع وظروف ومعطيات تؤثر فيه ، ويؤثر بها لإحداث التغيير .
فالجهل والفقر .. من العوامل المعيقة لأي إصلاح ، ومن العوامل المعززة للإستبداد ، وهي عوامل ناجمة بجدلية أيضآ من الإستبداد ، ومن الفساد المالي والأخلاقي والتربوي ، بغض النظر عن الجدل القائم حول إن كان الإستبداد هو الذي يوصل للفساد بكل اشكاله ؟ أم أن الفساد هو المؤدي للإستبداد ؟ . لكن الذي لاشك فيه ، أن حالة التفشي للفساد سيؤدي إلى مزيد من الإستبداد .
ويبقى هناك تساؤل مكرر وقائم .. من أين سنأتي بحكام غير مستبدين ، وغير ناشرين للفساد ، وهم يخرجون جميعهم سابقين ولاحقين من رحم هذه الأمة ؟
مع ضرورة التمييز بين كون " الفساد " قيمة إنسانية إجتماعية وإقتصادية ، ظاهرة عالمية بلا حدود وغير مرتبطة بايديولوجيا أو ثقافة أو تراث ، بما يمكن تسميته تمايزآ " بالفساد الطفيلي" الممكن سد منافذ تسربه والتخفيف من سيطرته ، وبين " الفساد الشمولي " المتأسس والمتشعب إلى أدق مستويات الحياة اليومية افقيآ وعاموديآ وبإتجاهين ، منبعث من داخل تراتيبية عجائبية ذات توازن مجتمعي وسلطوي حرج .
ويرى /الكواكبي / أن : التعلم والتربية والوعي والعقل والعلم ، هم الأساس الذي يجب أن ينبي عليه المجتمع وبهم يتم الوصول للقضاء التدريجي على الإستبداد . ويوضح تلك العلاقة الجدلية القائمة بين : المجتمع بتراتيبيته الشعبية والنخبوية ، وبين السلطة الحاكمة المستبدة ، فيقول:
[ ان بين العلم والإستبداد حربآ دائمة ، يسعى العلماء في تنوير العقول ، ويجتهد المستبد في إطفاء نورها ، والطرفان يتجاذبان العوام .. العوام الذين إذا جهلوا خافوا ، وإذا خافوا إستسلموا ، ومتى علموا قالوا ومتى قالوا فعلوا . والعوام هم قوة المستبد وقوته بهم ، عليهم يصول ويجول فيتهللون لشوكته ، ويغتصب أموالهم فيحمدونه على إبقائه على حياتهم ، ويهينهم فيثنون على رفعته ، ويغري بعضهم على بعض فيفتخرون بسياسته " حنكته " ، وإذا أسرف في أموالهم يقولون كريم ، وإذا قتل منهم ولم يمثل يقولون رحيم . والحاصل أن العوام يذبحون أنفسهم بأيديهم بسبب الخوف الناشئ عن الجهل . ] .
إعادة بناء المجتمع :
---------------------
بإعتقادي أن التخلص من الإستبداد والديكتاتورية تستدعي التخلص من أزمات المجتمع البنيوية ، وإعادة بنائه تراكميآ بما يعزز سلامته وتأثيره ، وسلامة إفرازاته .
ويبدأ / الكواكبي / بالتوجيه نحو إحداث التغيير والإصلاح بقوله :
1- الأمة التي لايشعر كلها أو أكثرها بآلام الإستبداد لاتستحق الحرية .
2- ان يبث بالأمة الحياة وهي العلم ، أي علمها بأن حالتها سيئة ، وأن بالإمكان تبديل هذه الحالة بخير منها بنهوضها .
3- أن الإستبداد لايقاوم بالشدة ، وإنما يقاوم باللين والتدرج والحكمة . وأن الطريقة الفعالة الوحيدة لقطع دابر الفساد ، هي ترقي الأمة في الإدراك والإحساس والعلم ، وهذا لايأتي إلا بالتعليم والتحميس . = إنه –الكواكبي – يرى أن مايحصل بالتدريج يكون أنفع وأرسخ وأحكم مما يحصل بثورة مفاجئة . وهنا تظهر ثوريته الواقعية التي لاتريد أن تقفز قفزآ "عشوائيآ ، خشية السقوط بين براثن إستبداد آخر أشد مرارة من سابقه .
4- يجب قبل مقاومة الإستبداد ، تهيئة ماذا يستبدل به الإستبداد .
5- على عقلاء الأمة أن يسعوا أولآ وراء إزالة " المانع الضاغط " على العقول ، ثم بعد ذلك يعتنوا بالتربية حيث يمكنهم حينئذ أن ينالوا النتيجة .
6- الإستبداد والترقي ، الحركة سنة عاملة في الخليقة ، دائبة بين شخوص وهبوط . فالترقي هو الحركة الحيوية أي حركة الشخوص ، ويقابله الهبوط وهو الحركة إلى الموت أو الإستحالة أو الإنقلاب .
7- إذا رأينا في أمة آثار حركة الترقي هي الغالبة على " أفرادها " ، حكمنا لها بالحياة . فيكفي الأمة رقيآ أن يجتهد كل فرد منها بترقية نفسه ، فيصب في ترقي مجموع الأمة .
وأخيرآ .. فلا بد من منطلقات تنقذ الأمة من " وديان الجهل والأمية وغياب الوعي " ، لتحقيق يقظتهم ولتشكيل وعيهم الفاعل . ولابد من ( منهج عمل نهضوي ) يشمل مناحي الحياة كلها :
الدين – الأخلاق – التربية – الإقتصاد – الحكم والسياسة ... كما يشمل المناحي التطبيقية :
للفكر – والسلوك الخاطئ – الذي يتبعه الفرد والمثقف في حواره مع الآخرين ، للإبتعاد عن الإلغاء وإدعاء كل منّا بإمتلاك الحقيقة .
=================
فائز البرازي
30/10/2008