المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الصورة الشعرية عند الفضــول


سنديانة الوطن
07-12-2007, 02:45 AM
الصورة الشعرية عند الفضــول*
عبدالحكيم الفقيه


الصورة الشعرية هي حشد مكثف لمختزلات الدال والمدلول في سياق لوحة مرسومة بالكلمات تخاطب حواس المدرك بكسر الراء باعثة وظيفة حية وجديدة للغة والمدركات وهي أي الصورة الشعرية تقدم نسقاً دلالياً يعكس فنية جزئية واقعية وسيكولوجية وفكرية وايقاعية أبدعتها ذات لا تستكين ولا تهادن المعطى العام.
القصيدة تتجلى كمجموعة من اللوحات تربطها أطر حميمة ضمن ما يسمى بالوحدة العضوية لتتلاصق الصور مكونة الصورة الفنية الكبرى والتي تتناغم فيها مظاهر الطبيعة والسيكولوجية لتقدم متعة وتحفيزاً مستندة على خام اللغة عاكسة براعة تطويعها وترويضها بما يسمى «بالخلق الفني».
القصيدة إذن نص لغوي تحمل فيه المفردات اشارات ورموزاً وإيحاءات ذات دلالة جديدة ترتص تلك المفردات على خيط رفيع من الموسقة والايقاع ، ويقدم النص صورة تخاطب الحواس ،وتلوح القصيدة لوحة مرسومة بالكلمات تكتنف اللوحة فكرة تتأجج جذوتها في البنية العميقة لتلوح معادلاً موضوعياً لما يود الشاعر أن يضمنه فكرياً ويبث النص خبرة شعورية صوب المتلقي تعتمد على الذائقة والمثاقفة والوعي، وهذا ما يسمى بالتواصل ولكل متلق طرائقه في التذوق والمبادلة الشعرية مع النص أو اللوحة أو الصورة الفنية استناداً على متغيرات عديدة وبعد الاتكاء على مشهد الطبيعة من التقنيات الشعرية منذ الفيض الشعري الأول ، ويلوح الشعر كومض فني يعيد خلق الواقع بكافة مظاهره، وتلعب الطبيعة وعناصرها دوراً فنياً في انعكاساتها البديعة، ليلعب المكان والزمان بعداً متكاملاً من أبعاد الشاعرية أو الشعرية أو الشعرنة.
الطبيعة هي الحشد الهائل من المظاهر التي تعكس الجمال الروحي والمادي ويدخل دالها ومدولولها في معادلة جمالية وسمو روحي وشفافية شعرية.
كل قصيدة من قصائد الفضول أو بالأصح ما اطلعت عليه من قصائد تعد لوحة فنية في حد ذاتها، فمنذ الإطار الذي يعكس اللحظة
«الزمكنية» حيث اندغام الزمان والمكان مروراً بالتفاصيل المادية والمعنوية وانعكاساتها في سياق الحياة الوجدانية التي تمثل في الذات المتكلمة المجموع ليكون الشاعر بحق وحقيق لسان قومه وأقرانه وبني جنسه، نتيجة قدرة الشاعر على خلق جو من الاحساس العام والمشترك، ولأنه من العصي والعسير العثور على معنى للشعر نتيجة للتطور والديمومة وتغلغل الشعر في مجريات الحياة والانساق الفنية والفكرية الأخرى فقد وصف كحالات وصفية لا تستهدف ماهيته الشاملة ، حيث يتحرر كعادته من القولبة والنمطية والمعيارية.. فلكل لحظة وزمن مقاييسهما ومعاييرهما ليظل الشعر أسمى وأشمل من المعايير والمقاييس ولتظل اللحظة الوجدانية الممتعة لحظة الخلق الفني الأول ، تلحقها لحظة الخلق الثاني عند المتذوق الحصيف وليس العابر.
ولأن الشعر هو ما يكتب بدم القلب، وهو الرسم بالكلمات ،فمن معايير نجاح التجربة الشعرية صدقها وانعكاساتها عن معطى الوجود الاجتماعي كون الشعر هو أسمى وأرقى اشكال الوعي الانساني.
الفضول نجح في تجربته الشعرية الباذخة فنياً ووجدانياً والمكتنفة لتعرجات الحياة والمتغلغلة في ثنايا التمظهر الاجتماعي ومناشط الناس.
لقد نجحت قصائد الفضول في أداء وظائفها الاجتماعية وفي توطيد عرى العناق بين الفن والناس والالتصاق بهم في كافة تعرجات صيرورتهم لتقترب من معانقة جذوة الخلود.
وتعد الصورة الشعرية عند الفضول متقنة الصياغة والخلق، فهو ينتقي مفردات في غاية الرهافة والشفافية الشعرية وهي لغة مموسقة جداً، وكأنها قالب مغنى مصاغ.
ويعد الفضول من شعراء الأغنية العاطفية والأنشودة الوطنية القلائل الذين منحوا الشعر والحب والوطن حياتهم وجل جهدهم واستحق بجدارة الاشتراك مع الفنان أيوب طارش في تأسيس مدرسة جديدة في الغناء تميزت بملامحها الخاصة لحناً وكلمات وأداء.
فالكلمات الفضولية التي تغنى بها أيوب تدل على ذائقة فنية رفيعة لدى الثنائي الناجح من خلال مفردات عالية الشعرية وتقميصها بلحن بديع وشفيف وصوت دافئ وحنون واقتناص جماليات الطبيعة في تشكيل الصورة الشعرية حاضر في غالبية القصائد المغناة الباذخة والثرية بجمال الطبيعة وتجليات الروح السامية، الأزاهير تتموضع جوار الطيور والأعشاش والجبال والحقول والرعيان والراعيات والمواشي وجداول الماء والضوء والندى والظل والإصباح وهسهسة الغيوم ودوي البرق وآهات العاشق المكلوم، ويحضر الطهر والبراءة والعفة والنقاء الريفي الأصيل والجميل.
وللريف اليمني حضور لافت للنظر وتتعايش مظاهر الوجود بما في ذلك الانسان في علاقة انسجام وتواءم وتأثير وتأثر وانعكاس فني غاية في المتعة والهارمونية والبداعة والجمال للذات والموضوع وخلق فضاء سيكولوجي مشبع ببهجة المعنى ولذة الحزن.
باختصار قد تجبرنا قصائد الفضول علي ترك مصطلحاتنا النقدية جانباً لأنها لا تتموضع في بوتقة نمطية محنطة بل فتحت أبوابها لتتبادل التأثير والتأثر مع الحياة.





*ورقة ألقيت في مهرجان الفضول في تعز

أحمد حسن محمد
05-03-2008, 11:42 PM
أمر شاكرا ومستمتعًا

وليت السادة الإداريين يوافقونني في نقل هذه الدراسة إلى (قضايا أدبية) أو (دراسات نقدية)


دمت بخير يا أستاذتنا الفاضلة

مراد السحنوني
19-06-2008, 01:18 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته . شـكــ وبارك الله فيك ـــرا لك ... لك مني أجمل تحية .