عبد العزيز غوردو
16-12-2007, 02:45 PM
يعد الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس أكثر الفلاسفة الألمان المعاصرين تأثيرا في البناء
الفكري الألماني المعاصر، بل والمنافح عن قيم الحداثة الغربية، عموما، بامتياز.
ويعد أيضا من ألمع رواد مدرسة فرانكفورت في علم الاجتماع النقدي
وآخر من بقي منهم على قيد الحياة. فهو وريثهم الشرعي، والمرتد عليهم في آن واحد.
يعتبر نفسه عبر إبداعه الفكري: نظرية "العقل الاتصالي" -
التي تموضع العقلانية في هيكل الاتصال اللغوي بين الأفراد،
وليس في هيكل كوني الفاعل فيه هو الإنسان العارف - في صف تراث كانط ولايبنتز،
والتنوير الأوروبي عموماً، ضدا عن أساتذته في مدرسة فرانكفورت
(ماكس هوركهايمر، ثيودور أدورنو، هربرت ماركيوز، وآخرين)،
وأطروحته الفلسفية المعروفة ب"الخطاب النقدي اللاّ مهيمن" تعد أكثر أفكاره تأثيراً،
وهي تتأسس على أن الفعل الديمقراطي التواصلي يكتسب مشروعيته الحقيقية
(القائمة على سلطة العقل) في إطار الخطاب النقدي المتحرر من كل قيود سلطوية،
مستفيدا في طرحه المتميز/"المواطنة الديمقراطية" من المعيار الخلقي الكانطي،
كما تم تثويره لاحقا، منذ هيغل وماركس إلى غرامشي، لوكاش، ثم رولز.
من دون أي نصير، يقف هابرماس تقريبا وحيدا في معارضة الفلسفة الغربية المعاصرة،
أو النزعة
النيتشوية الجديدة، مع مفكري ما بعد الحداثة وما بعد البنيوية،
ونقصد بالذات مارتن هايدغر ومدرسة فرانكفورت ثم الفلسفة الفرنسية/العدمية المعاصرة،
بقيادة ميشيل فوكو وجان فرانسوا ليوتار وجاك دريدا وآخرين،
ممن يترصدون الحداثة ويضمرون لها الشر/التدمير.
عند هؤلاء، وجب أن تعلن خرافة العقلانية الأوربية إفلاسها، وتقذف بقيمها:
(الحرية والديمقراطية والمساواة...)، التي بشرت بها طويلا، إلى سلة القمامة،
مكانها الطبيعي، بعد أن حولتها الإمبريالية إلى مملكة للذنوب،
كما قال لوثر يوما في حق الكنيسة، فعلى مدار قرنين من الزمن، عمر الحداثة الغربية،
لم تفرز هذه إلا الحروب والقمع الشيوعي والديكتاتوريات الفاشية والنازية
والهيمنة الاستعمارية... ولم تفلح قيمها إلا في إفراز الويل والثبور للجنس البشري...
ليس لنا بديل عن عقل التنوير، ولا نقبل بوأد الحداثة، يرد هابرماس، إننا بذلك ندمر خمسة
وعشرين قرنا من الحضارة، فقط لمجرد انحرافات وقعت بالمسار،
صحيح يجب أن نحاسبها (الحداثة) حسابا عسيرا، حسابنا للتطرف الديني
في محاكم التفتيش، لكن ذلك لا يعطينا الحق في إصدار حكم الإعدام،
إنما فقط لتصحيح المسار، إننا نريد التنوير، كل التنوير، ولا شيء غير التنوير، ولكن
منقحاً ومصححاً ومراجعاً على ضوء تجربة القرنين الماضيين،
لقد حصلت "إشراقة رائعة للشمس" - حسب تعبير هيغل الشاعري في فينومينولوجيا الروح - ونحن لا، ولن، نقبل لها أن تأفل مرة أخرى، كما يريد لها بعض "المحافظين الجدد"، داخل أوربا.
"المحافظون الجدد"، يبدو أن هؤلاء هم الذين يقوضون أحلام هابرماس،
من خارج أوربا وليس من داخلها كما توقع، ودفاعه المحموم، لإنقاذ ما يمكن إنقاذه،
لا يبدو أن الهيمنة الإمبريالية/الأمريكية بالذات مقتنعة به، فضلا عن أن تعمل به،
إنها عبر سفاهاتها اليومية لا تقدم إلى أعدائه إلا مزيدا من السلاح لتدميره،
ومزيدا من الحجة لهدم نظرياته، لذلك لا يجد بدا من إعلان أن مستقبل الديمقراطية
ما بعد القومية (ديمقراطية الجماهير الغربية المرتكنة إلى دولة الرخاء) تقف أمام
منعطف لا يدعو إلى التفاؤل، ذلك أن العولمة أضعفت الدولة الوطنية،
وقزمت سياستها الخارجية والداخلية، مما نتج عنه تصلُّب الهويات القومية،
وبالتالي تصادم الأنماط الحضارية. كما أن سياستها التوسعية تجرّ، كما هو حاصل حاليا،
إلى العنف والعنف المضاد، ثم عنف ثالث متطرف، أو الإدمان المرضي للعنف
(من النازيين الجدد، إلى الحقيقة السامية، إلى القاعدة...)، ذلك أن الغرب نفسه
يعيش "أرثوذوكسية متحجرة" تماما كما هو الحال في الشرقين: "الأوسط والأقصى"،
ولن يفيد البشرية اجتهادها "لتجنب نكسة همجية أخرى"، على غرار أحداث طوكيو
ونيويورك ولندن ومدريد...
لتبقى اللائحة مفتوحة على كل احتمال، وليبقى حلم هابرماس في "العيش الحر اللائق
بالإنسان" كيفما كان أصله، كئيبا ولا يقوى على الوقوف أمام زحف العولمة الشرسة،
وحتى "العقل التقني" الذي طوره، ضدا عن كل أيديولوجيا، تحول هو نفسه إلى "أيديولوجيا"
يتم تسليطها على الطبيعة والإنسان، لتلويثهما معا في الوقت ذاته، باسم العولمة والحداثة.
إن فهم هابرماس للسلطة، لم يكن بالعمق الذي فهمها به فوكو، وباقي "العدميين"،
وتصحيح المسار الذي نادى به، أغفل أن زاوية الانحراف إن أخطأت اتجاهها بدرجة واحدة،
ستبتعد، وتتيه، عن مقصدها كلما طال خط الانحراف، وهو (هابرماس) نفسه يعترف
بأن الرأسمالية لم، ولن، تؤمن بالأخلاقيات في يوم ما، وهي تسير بوتيرة تدميرية
إذا لم تنقذ نفسها.
على الحداثة أن تبيد أحذيتها بحثا عن سلام، فشلت في تأسيسه على أرض الواقع،
لأن أداتها/ وحشها الذي انفلت من عقاله: "الإمبريالية"، هو نفسه يعتمد العنف لرسم
طريقه وسط الأدغال، بعد أن حول العالم فعلا إلى أدغال يحكمها قانون الغاب،
فيتحول تنظير الحداثة إلى مجرد أيديولوجيا مخدرة، الفرق شاسع بين مستوييها:
الأخلاقي (البوصلة الموجهة) والاستراتيجي (الممارسة على أرض الواقع)، هي تبحث ليس عن "لاعنف"، إنما عن حركات سلمية سلبية "Pacifistes"، تنتج مجتمعات الدراويش القابلة بالمشروع الإمبريالي التوسعي، والمرحبة به في نفس الآن.
العنف يعني بالضرورة فشل العمل السياسي، ومعه فشل أداء السياسيين.
العنف أيضا، يقف دائما وراءه الاعتقاد في امتلاك الحقيقة، أقول وهم امتلاك الحقيقة،
وواقع الحال أنه حتى لو امتلكنا الحقيقة، فلا يجب أن يوقعنا ذلك، أو يخول لنا،
استعمال العنف، والمثال الحي على ما نقول، ومرة أخرى، هو الولايات المتحدة الأمريكية
التي غزت العراق، وتتحدث عن شرق أوسط جديد، تحت يافطة نشر الديمقراطية.
الفكري الألماني المعاصر، بل والمنافح عن قيم الحداثة الغربية، عموما، بامتياز.
ويعد أيضا من ألمع رواد مدرسة فرانكفورت في علم الاجتماع النقدي
وآخر من بقي منهم على قيد الحياة. فهو وريثهم الشرعي، والمرتد عليهم في آن واحد.
يعتبر نفسه عبر إبداعه الفكري: نظرية "العقل الاتصالي" -
التي تموضع العقلانية في هيكل الاتصال اللغوي بين الأفراد،
وليس في هيكل كوني الفاعل فيه هو الإنسان العارف - في صف تراث كانط ولايبنتز،
والتنوير الأوروبي عموماً، ضدا عن أساتذته في مدرسة فرانكفورت
(ماكس هوركهايمر، ثيودور أدورنو، هربرت ماركيوز، وآخرين)،
وأطروحته الفلسفية المعروفة ب"الخطاب النقدي اللاّ مهيمن" تعد أكثر أفكاره تأثيراً،
وهي تتأسس على أن الفعل الديمقراطي التواصلي يكتسب مشروعيته الحقيقية
(القائمة على سلطة العقل) في إطار الخطاب النقدي المتحرر من كل قيود سلطوية،
مستفيدا في طرحه المتميز/"المواطنة الديمقراطية" من المعيار الخلقي الكانطي،
كما تم تثويره لاحقا، منذ هيغل وماركس إلى غرامشي، لوكاش، ثم رولز.
من دون أي نصير، يقف هابرماس تقريبا وحيدا في معارضة الفلسفة الغربية المعاصرة،
أو النزعة
النيتشوية الجديدة، مع مفكري ما بعد الحداثة وما بعد البنيوية،
ونقصد بالذات مارتن هايدغر ومدرسة فرانكفورت ثم الفلسفة الفرنسية/العدمية المعاصرة،
بقيادة ميشيل فوكو وجان فرانسوا ليوتار وجاك دريدا وآخرين،
ممن يترصدون الحداثة ويضمرون لها الشر/التدمير.
عند هؤلاء، وجب أن تعلن خرافة العقلانية الأوربية إفلاسها، وتقذف بقيمها:
(الحرية والديمقراطية والمساواة...)، التي بشرت بها طويلا، إلى سلة القمامة،
مكانها الطبيعي، بعد أن حولتها الإمبريالية إلى مملكة للذنوب،
كما قال لوثر يوما في حق الكنيسة، فعلى مدار قرنين من الزمن، عمر الحداثة الغربية،
لم تفرز هذه إلا الحروب والقمع الشيوعي والديكتاتوريات الفاشية والنازية
والهيمنة الاستعمارية... ولم تفلح قيمها إلا في إفراز الويل والثبور للجنس البشري...
ليس لنا بديل عن عقل التنوير، ولا نقبل بوأد الحداثة، يرد هابرماس، إننا بذلك ندمر خمسة
وعشرين قرنا من الحضارة، فقط لمجرد انحرافات وقعت بالمسار،
صحيح يجب أن نحاسبها (الحداثة) حسابا عسيرا، حسابنا للتطرف الديني
في محاكم التفتيش، لكن ذلك لا يعطينا الحق في إصدار حكم الإعدام،
إنما فقط لتصحيح المسار، إننا نريد التنوير، كل التنوير، ولا شيء غير التنوير، ولكن
منقحاً ومصححاً ومراجعاً على ضوء تجربة القرنين الماضيين،
لقد حصلت "إشراقة رائعة للشمس" - حسب تعبير هيغل الشاعري في فينومينولوجيا الروح - ونحن لا، ولن، نقبل لها أن تأفل مرة أخرى، كما يريد لها بعض "المحافظين الجدد"، داخل أوربا.
"المحافظون الجدد"، يبدو أن هؤلاء هم الذين يقوضون أحلام هابرماس،
من خارج أوربا وليس من داخلها كما توقع، ودفاعه المحموم، لإنقاذ ما يمكن إنقاذه،
لا يبدو أن الهيمنة الإمبريالية/الأمريكية بالذات مقتنعة به، فضلا عن أن تعمل به،
إنها عبر سفاهاتها اليومية لا تقدم إلى أعدائه إلا مزيدا من السلاح لتدميره،
ومزيدا من الحجة لهدم نظرياته، لذلك لا يجد بدا من إعلان أن مستقبل الديمقراطية
ما بعد القومية (ديمقراطية الجماهير الغربية المرتكنة إلى دولة الرخاء) تقف أمام
منعطف لا يدعو إلى التفاؤل، ذلك أن العولمة أضعفت الدولة الوطنية،
وقزمت سياستها الخارجية والداخلية، مما نتج عنه تصلُّب الهويات القومية،
وبالتالي تصادم الأنماط الحضارية. كما أن سياستها التوسعية تجرّ، كما هو حاصل حاليا،
إلى العنف والعنف المضاد، ثم عنف ثالث متطرف، أو الإدمان المرضي للعنف
(من النازيين الجدد، إلى الحقيقة السامية، إلى القاعدة...)، ذلك أن الغرب نفسه
يعيش "أرثوذوكسية متحجرة" تماما كما هو الحال في الشرقين: "الأوسط والأقصى"،
ولن يفيد البشرية اجتهادها "لتجنب نكسة همجية أخرى"، على غرار أحداث طوكيو
ونيويورك ولندن ومدريد...
لتبقى اللائحة مفتوحة على كل احتمال، وليبقى حلم هابرماس في "العيش الحر اللائق
بالإنسان" كيفما كان أصله، كئيبا ولا يقوى على الوقوف أمام زحف العولمة الشرسة،
وحتى "العقل التقني" الذي طوره، ضدا عن كل أيديولوجيا، تحول هو نفسه إلى "أيديولوجيا"
يتم تسليطها على الطبيعة والإنسان، لتلويثهما معا في الوقت ذاته، باسم العولمة والحداثة.
إن فهم هابرماس للسلطة، لم يكن بالعمق الذي فهمها به فوكو، وباقي "العدميين"،
وتصحيح المسار الذي نادى به، أغفل أن زاوية الانحراف إن أخطأت اتجاهها بدرجة واحدة،
ستبتعد، وتتيه، عن مقصدها كلما طال خط الانحراف، وهو (هابرماس) نفسه يعترف
بأن الرأسمالية لم، ولن، تؤمن بالأخلاقيات في يوم ما، وهي تسير بوتيرة تدميرية
إذا لم تنقذ نفسها.
على الحداثة أن تبيد أحذيتها بحثا عن سلام، فشلت في تأسيسه على أرض الواقع،
لأن أداتها/ وحشها الذي انفلت من عقاله: "الإمبريالية"، هو نفسه يعتمد العنف لرسم
طريقه وسط الأدغال، بعد أن حول العالم فعلا إلى أدغال يحكمها قانون الغاب،
فيتحول تنظير الحداثة إلى مجرد أيديولوجيا مخدرة، الفرق شاسع بين مستوييها:
الأخلاقي (البوصلة الموجهة) والاستراتيجي (الممارسة على أرض الواقع)، هي تبحث ليس عن "لاعنف"، إنما عن حركات سلمية سلبية "Pacifistes"، تنتج مجتمعات الدراويش القابلة بالمشروع الإمبريالي التوسعي، والمرحبة به في نفس الآن.
العنف يعني بالضرورة فشل العمل السياسي، ومعه فشل أداء السياسيين.
العنف أيضا، يقف دائما وراءه الاعتقاد في امتلاك الحقيقة، أقول وهم امتلاك الحقيقة،
وواقع الحال أنه حتى لو امتلكنا الحقيقة، فلا يجب أن يوقعنا ذلك، أو يخول لنا،
استعمال العنف، والمثال الحي على ما نقول، ومرة أخرى، هو الولايات المتحدة الأمريكية
التي غزت العراق، وتتحدث عن شرق أوسط جديد، تحت يافطة نشر الديمقراطية.