لؤي المهدي
18-03-2009, 03:12 PM
جنبلاط إذ ينأى بأبيه عن "شهداء الأرز"
18 - 03 - 2009
كتب: عريب الرنتاوي
نأى وليد وليد جنبلاط بوالده الشهيد المعلم كمال بيك، عن قائمة شهداء ثورة الأرز، أو انتفاضة الحرية والاستقلال كما يحلو لقادتها أن يطلقوا عليها من أوصاف وتسميات، وآثر الزعيم الدرزي أن "يأتي والده يوم القيامه أمة لوحده"، علما أن الرجل سبق له وأن اتهم "جهة بعينها" بمقارفة جرائم القتل التي أودت بجنبلاط الأب والحريري الأب، وما بينهما ما تلاهما من شهداء وضحايا، وكتب نثرا وشعرا في مديحه لشهداء مسيرة الرابع عشر من آذار والثناء على أدوارهم التاريخية، فلماذا هذا الإحجام عن الدس باسم أبيه في لائحة الشرف تلك؟.
بحضور الحريري الابن الذي جاءه معزيا بالمناسبة والذكرى، آثر جنبلاط الابن أن يحفظ لجنبلاط الأب، ذكراه كزعيم عربي – فلسطيني يساري، فهذا هو إرث جنبلاط الأب، كان منافحا عن فلسطين، نصيرا لقضيتها وسندا لكفاح أهلها، كان رمزا قوميا بارزا وزعيما لتيار واسع من اليساريين اللبنانيين والفلسطينيين والعرب، كان رمزا من رموز الإصلاح والتغيير في لبنان، سبق الجميع إلى طرح هذا الشعارات، وقبل أزيد من أربعين عاما على انتشارها وشيوعها وتحوّلها إلى عناوين وأسماء لكتل وتيارات سياسية وفكرية عربية عديدة.
في "مكان ما" في ذاكرة جنبلاط الإبن، تبدو هذه الصورة لأبيه حاضرة وبقوة، ولا شك أن في وجود محسن إبراهيم في صدارة متقدمي موكب الذكرى ورمي الورود على ضريح جنبلاط الأب، تذكرةٌ لجنبلاط الإبن بالزمن الجميل، زمن التحالف الوثيق بين المقاومة الفلسطينية بزعامة ياسر عرفات والحركة الوطنية اللبنانية بزعامة كمال جنلاط، زمن بيروت حاضنة الثقافة والفكر وحركات التحرر العربية، زمن الجبل / القلعة العصية على الاختراق الصهيوني / الانعزالي، زمن النضال من أجل لبنان ديمقراطي وفلسطين محررة.
أحسب أن جنبلاط، وفي "مكان ما" من وعيه وضميره، خَجِلٌ بتحالفاته الراهنة، أو بعضها على الأقل، خصوصا تلك التي لطالما اصطف أصحابها في الخندق المقابل لفكر والده وممارسته وتحالفاته، أحسب أن جنبلاط الابن، وهو يصافح بعضا من حلفائه اليوم، تداهمه صورة أبيه وهو يندد بهؤلاء وتحالفاتهم ومواقفهم واصطفافاتهم الاجتماعية والسياسية والثقافية والقومية.
ولأنه سياسي براغماتي (زيادة عن اللزوم)، قبل جنبلاط أن يستدير بزاوية 180 درجة، وارتضى أن يقف في خندق واحد مع "الانعزالية" في مواجهة العروبة، والبرجوازية الجشعة في مواجهة المحرومين والمهمشين والفقراء، ومع أنصار "الانفصال عن فلسطين لدرجة استعدائها" ضد القائلين بالإمساك بجمرها واستكمال مسيرة تحررها.
لكن براغماتية جنبلاط الفائضة عن الحاجة، توقفت على ما يبدو عند "علاقته" بأبيه، والانكفاء عند "رمزية الأب وسطوته" التي لا يراد لها أن "تتلوث" بتحالفات اللحظة وحساباتها، كما تلوّث بها جنبلاط الإبن، ولهذا آثر أن ينأى بوالده عن هذا الفصل من تاريخ ورثته وخلفائه.
لكأن جنبلاط الإبن بتأكيده رغبته حفظ ذاكرة ابيه كقائد عروبي / فلسطيني/ يساري، ينزع عن قادة 14 آذار، وحتى شهدائها، هذه الصفات والخصال، وإلا لكان رضي بأن يعدّه واحدا منهم وكفى الله المؤمنين شر القتال، لكن هذا التمييز في الشهادة والشهداء، يخفي الفجوة بين أوحال السياسة الراهنة ورخصها وانتهازيتها من جهة، وفضاء القيم والرمزية ونقاء الصورة والذاكرة من جهة ثانية.
تذكرت وأنا أقرأ (ما أعتقده) كلمات اعتذارية انطلقت على لسان جنبلاط في ذكرى رحيل والده، بيت من مرثية كتبها الشاعر "القومي" كمال خير بيك في تأبين جنبلاط الأب: "أظنها طلقات الغدر حين هوت...تكاد لو أبصرت عينيك تعتذر".
_____________________
مركز القدس للدراسات السياسة
18 - 03 - 2009
كتب: عريب الرنتاوي
نأى وليد وليد جنبلاط بوالده الشهيد المعلم كمال بيك، عن قائمة شهداء ثورة الأرز، أو انتفاضة الحرية والاستقلال كما يحلو لقادتها أن يطلقوا عليها من أوصاف وتسميات، وآثر الزعيم الدرزي أن "يأتي والده يوم القيامه أمة لوحده"، علما أن الرجل سبق له وأن اتهم "جهة بعينها" بمقارفة جرائم القتل التي أودت بجنبلاط الأب والحريري الأب، وما بينهما ما تلاهما من شهداء وضحايا، وكتب نثرا وشعرا في مديحه لشهداء مسيرة الرابع عشر من آذار والثناء على أدوارهم التاريخية، فلماذا هذا الإحجام عن الدس باسم أبيه في لائحة الشرف تلك؟.
بحضور الحريري الابن الذي جاءه معزيا بالمناسبة والذكرى، آثر جنبلاط الابن أن يحفظ لجنبلاط الأب، ذكراه كزعيم عربي – فلسطيني يساري، فهذا هو إرث جنبلاط الأب، كان منافحا عن فلسطين، نصيرا لقضيتها وسندا لكفاح أهلها، كان رمزا قوميا بارزا وزعيما لتيار واسع من اليساريين اللبنانيين والفلسطينيين والعرب، كان رمزا من رموز الإصلاح والتغيير في لبنان، سبق الجميع إلى طرح هذا الشعارات، وقبل أزيد من أربعين عاما على انتشارها وشيوعها وتحوّلها إلى عناوين وأسماء لكتل وتيارات سياسية وفكرية عربية عديدة.
في "مكان ما" في ذاكرة جنبلاط الإبن، تبدو هذه الصورة لأبيه حاضرة وبقوة، ولا شك أن في وجود محسن إبراهيم في صدارة متقدمي موكب الذكرى ورمي الورود على ضريح جنبلاط الأب، تذكرةٌ لجنبلاط الإبن بالزمن الجميل، زمن التحالف الوثيق بين المقاومة الفلسطينية بزعامة ياسر عرفات والحركة الوطنية اللبنانية بزعامة كمال جنلاط، زمن بيروت حاضنة الثقافة والفكر وحركات التحرر العربية، زمن الجبل / القلعة العصية على الاختراق الصهيوني / الانعزالي، زمن النضال من أجل لبنان ديمقراطي وفلسطين محررة.
أحسب أن جنبلاط، وفي "مكان ما" من وعيه وضميره، خَجِلٌ بتحالفاته الراهنة، أو بعضها على الأقل، خصوصا تلك التي لطالما اصطف أصحابها في الخندق المقابل لفكر والده وممارسته وتحالفاته، أحسب أن جنبلاط الابن، وهو يصافح بعضا من حلفائه اليوم، تداهمه صورة أبيه وهو يندد بهؤلاء وتحالفاتهم ومواقفهم واصطفافاتهم الاجتماعية والسياسية والثقافية والقومية.
ولأنه سياسي براغماتي (زيادة عن اللزوم)، قبل جنبلاط أن يستدير بزاوية 180 درجة، وارتضى أن يقف في خندق واحد مع "الانعزالية" في مواجهة العروبة، والبرجوازية الجشعة في مواجهة المحرومين والمهمشين والفقراء، ومع أنصار "الانفصال عن فلسطين لدرجة استعدائها" ضد القائلين بالإمساك بجمرها واستكمال مسيرة تحررها.
لكن براغماتية جنبلاط الفائضة عن الحاجة، توقفت على ما يبدو عند "علاقته" بأبيه، والانكفاء عند "رمزية الأب وسطوته" التي لا يراد لها أن "تتلوث" بتحالفات اللحظة وحساباتها، كما تلوّث بها جنبلاط الإبن، ولهذا آثر أن ينأى بوالده عن هذا الفصل من تاريخ ورثته وخلفائه.
لكأن جنبلاط الإبن بتأكيده رغبته حفظ ذاكرة ابيه كقائد عروبي / فلسطيني/ يساري، ينزع عن قادة 14 آذار، وحتى شهدائها، هذه الصفات والخصال، وإلا لكان رضي بأن يعدّه واحدا منهم وكفى الله المؤمنين شر القتال، لكن هذا التمييز في الشهادة والشهداء، يخفي الفجوة بين أوحال السياسة الراهنة ورخصها وانتهازيتها من جهة، وفضاء القيم والرمزية ونقاء الصورة والذاكرة من جهة ثانية.
تذكرت وأنا أقرأ (ما أعتقده) كلمات اعتذارية انطلقت على لسان جنبلاط في ذكرى رحيل والده، بيت من مرثية كتبها الشاعر "القومي" كمال خير بيك في تأبين جنبلاط الأب: "أظنها طلقات الغدر حين هوت...تكاد لو أبصرت عينيك تعتذر".
_____________________
مركز القدس للدراسات السياسة