المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين أربعون عاماً وعيوننا شاخصة


إبراهيم إسماعيل
17-12-2007, 10:30 AM
الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين أربعون عاماً وعيوننا شاخصة .

عند الإعلان عن ولادة الجبهة في الحادي عشر من كانون الأول عام 1967 كانت تملك تراثاً من النضال الوطني والقومي الذي يفخر المرء بالانتماء له، فحركة القوميين العرب بفرعها الفلسطيني كانت أحد مكونات الجبهة الرئيسية، كما أبطال العودة وشباب الثأر وجبهة التحرير الفلسطينية، ومستقلون وطنيون أسهموا في توطيد دعائم الوطنية الفلسطينية ببعدها العربي، وفي الاجتهاد القومي تحالفاً مع الزعيم الخالد جمال عبد الناصر بشعار «فوق الصفر وتحت التوريط». وقد جاءت هذه الولادة لإعلان الطلاق مع ذلك الشعار وذلك النهج الذي لم يوصلنا لأي هدف، وكانت هزيمة حزيران الحد الفاصل بين قديم أثبت عجزه وجديد يؤمل خيره.
انطلقت الجبهة وفي جعبتها خبرة كفاحية ومخزون ثقافي أعطى للثورية نكهة خاصة وجعل أسهم اليسار الفلسطيني الديمقراطي ترتفع إلى عنان السماء، بحيث كان ميزان القوى في الشارع يعطي هذا اليسار نسبة مماثلة لحركة فتح التي كانت السباقة بإطلاق الرصاصة الأولى كنهج للكفاح المسلح ضد الكيان الصهيوني، والتي حازت في أقل من عامين بعد النكسة رضى عربياً ودعماً كبيراً أهلها لقيادة المشروع الوطني الفلسطيني حتى اللحظة، ورغم أن الجبهة الشعبية حظيت بالدعم الشعبي الكبير والقيادة المستنيرة والبرنامج الأنضج على الساحة الفلسطينية إلا أنها لم تتمكن لأسباب مختلفة ومتنوعة من قيادة العمل السياسي الفلسطيني وبقيت تناضل إلى جانب فتح كمعارضة وصلت أحياناً حد الفلكلور بعد أن كانت صمام الأمان الوطني لأهداف شعبنا في الحرية والاستقلال والعودة. هذه الجبهة التي ما زلنا نعول عليها ليس بما هي عليه الآن وهو حال لا يسر، بل برؤية مستقبلية تستحضر روح الولادة الأولى ورموز العطاء الوطني على كل الأصعدة، في الشهادة كما في الشجاعة والبطولة، في الثقافة كما في الفكر السياسي المتقدم، في التواضع كما في احترام الناس وتطلعاتهم وآمالهم، في التكتيك الثوري وحرب الشعب كما في العلاقات المبدئية مع القوى الأخرى والدول الصديقة.
الجبهة الشعبية كما أرادها شعبنا الجبهة الشعبية الثبات على الأهداف والقيم النضالية والصدق مع الذات ومع الشعب وليس التلطي خلف شعارات الواقعية لتقديم التنازلات، الجبهة الشعبية المرونة في اليومي والتكتيك والتحالفات والتشدد والراديكالية في الحقوق والثوابت، الجبهة الشعبية التي آمنت بتحرير فلسطين من البحر إلى النهر ومارست على هذا الأساس في مختلف مجالات النضال وليس الجبهة التي ألزمت نفسها ببرنامج مرحلي لا يتحقق إلا إذا كنا نستطيع تحقيق الهدف النهائي وتخلت بذلك مثلها مثل غيرها عن كامل التراب الوطني كما كانت تحب أن يسمى في شعاراتها وبرامجها، الجبهة الشعبية التي قدمت خيرة الرفاق في القتال وفي الثقافة شهداء بررة نحتسبهم ذخراً لإكمال المشوار.
ليس هناك فصيل فلسطيني يعطي للوطنية الفلسطينية رونقها وصفاء توجهها كما تعطيه الجبهة الشعبية، فأمينها العام (فك اللـه أسره) يقبع في معتقلات النازية الجديدة، خليفة لأمين عام اغتالته يد الغدر الصهيونية، ونائب الأمين العام غادر السجن منذ قليل، وقيادة الداخل بمعظمها في السجون وإن خرج بعضها عاد العدو لاعتقالهم. كما أن الموقف النزيه من تشكيل حكومة اتفاق مكة للمحاصصة الفئوية والرفض المبدئي للمشاركة فيها والبقاء على المسافة نفسها من طرفي الصراع وقول الحق في أحداث غزة كما الإجراءات المتخذة في رام اللـه وعدم شرعيتها، كل هذا يعطي الجبهة موقعها الطليعي، ويبقى أن تعمل الجبهة على استثمار هذا كله في تطوير عملها وموقفها واستعداداتها لمرحلة هي الأصعب والأسوأ بكل المقاييس. إن روح الثقة بالنفس والإيمان بالحق الفلسطيني الكامل والالتزام بالمنهج الذي رسمته الجبهة منذ انطلاقتها سيعطي نتائجه المثمرة والإيجابية آجلاً أم عاجلاً. إن الثبات على القيم والقناعات لا يعني الانعزال وادعاء الطهرية ومغادرة الشارع كما قد يفهم البعض، ولسنا نفضل الصوامع ولا التنسك أو التعلق بحبال الهواء كما يقال، لكن هذا شيء والانطلاق من رفض ذلك لتمييع كل ما قدمته الجبهة وتسخيفه شيء آخر غير مقبول ولا يليق بعراقتها وما تمثله حتى اللحظة في الذاكرة والواقع الفلسطيني.
ما زلنا نراهن على الجبهة وهي تصل لسن الأربعين، وما زلنا نعطيها الفرصة لتمسك بخيط الأمل مرة أخرى لتسلمه للجيل الصاعد من الرفاق الذين لم يعايشوا مجد الجبهة الغابر والذين نعول عليهم ليصنعوا لوطنهم فلسطين ومن خلال الجبهة أمجاداً يفخر بها شعبنا وليحافظوا على تلك الصورة العظيمة لفصيل فلسطيني شكل على امتداد تاريخه ضمانة الحق وربط بشكل ديالكتيكي صحيح بين الإستراتيجية والتكتيك، والذي وإن ارتجت البوصلة ذات مرة بيده يعود ليثبتها في الاتجاه الدقيق نحو فلسطين، والذي ما زال سهمه الأحمر منطلقاً من الشرق إلى الغرب، من الأردن ذي ست مئة كيلومتر حدوداً مع الكيان الصهيوني.
إنها سن العطاء فهل تقبل الجبهة الشعبية تحدي العمر والنضوج لتقدم لكل محبيها ومناصريها نموذجها الوطني السليم والواثق ولتسهم بشكل فاعل وكبير في خروجنا من مأزقنا الراهن؟
هل يصح الرهان على الجبهة في إعادة اللحمة لثورتنا المعاصرة والوحدة الوطنية على أساس برنامج الإجماع الوطني؟ وهل تقدم الجبهة وتتقدم الصفوف لفرض منظمة التحرير كما نريدها على الجميع في الداخل والخارج، فلسطينياً وعربياً ودولياً؟
نتطلع ويحدونا الأمل في المستقبل، ولأننا في مناسبة عزيزة على قلوبنا جميعاً لابد أن نقدم محبتنا واحترامنا وولاءنا لشهدائنا الأبرار ولأسرانا البواسل ولكل قطرة عرق سقطت من جباه عالية حرة شريفة من أجل فلسطين كل فلسطين وفي طليعة هذه الجباه والهامات العالية الرفيق الدكتور جورج حبش، الرجل الذي قدم كل عمره من أجل قضية شعبه وأمته العربية، فلمثله تنحني الهامات وله منا كل الحب والوفاء (أطال اللـه في عمره).
للجبهة الشعبية في يوم مولدها تحية صادقة ولكل مناضلي شعبنا في كل فصائله وقواه تحية حب وننتهز الفرصة لتوجيه نداء المصالحة والأخوة بين فتح وحماس لأن وطننا ينزف وقلوبنا تنزف، ولأن أمهات الشهداء والأسرى تتطلع إليكم وترجوكم أن تتوحدوا في مواجهة آلة القتل الهمجية. المجد للشهداء، والنصر للثورة.

زياد أبو شاويش

http://www.alwatan.sy/dindex.php?idn=23522