المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : القصائد الصوتية الكاملة لأمير شعراء الرفض "أمل دنقل"


إبراهيم إسماعيل
04-04-2009, 07:18 PM
"سفر التكوين"
http://www.sonsofegypt.net/library/a_d/takwen.wma

(الإصحاح الأول)



في البدء كنت رجلا.. وامرأة.. وشجرة..
كنتُ أباً.. وابنا.. وروحاً قدُسا.
كنتُ الصباحَ.. والمسا..
والحدقة الثابتة المدورة..

..

وكان عرشي.. حجراً على ضفاف النهر..
وكانت الشياه.. ترعى..
وكان النحلُ حول الزهرُ.. يطنُّ..
والإوزُّ يطفو في بحيرة السكون..
والحياة.. تنبضُ.. كالطاحونة البعيدة..
حين رأيت أن كل ما أراه.. لا ينقذُ القلبَ من الملل!

"مبارزاتُ الديكة".. كانت هي التسلية الوحيدة.. في جلستي الوحيدة.. بين غصون الشجر المشتبكة!




(الإصحاح الثاني)



قلتُ لنفسي.. لو نزلت الماء.. واغتسلت.. لانقسمت!
لو انقسمت.. لازدوجت.. وابتسمتْ..
وبعدما استحممت..
تناسجَ الزهرُ وشاحاً من حرارة الشفاهْ..
لففتُ فيه جسدي المصطكّ..
وكان عرشي طافيا.. كالفلك..
ورف عصفور على رأسي.. وحط ينفض البلل..
حدقت في قرارة المياه..
حدقت..
كان ما أراه..
وجهي.. مكللا بتاج الشوك..



(الإصحاح الثالث)



قلتُ: فليكن الحبُ في الأرض.. لكنه لم يكن..
قلتُ: فليذهب النهرُ في البحرُ.. والبحر في السحبِ.. والسحب في الجدبِ.. والجدبُ في الخصبِ..
ينبت خبزاً ليسندَ قلب الجياع، وعشباً لماشية الأرض..
ظلا لمن يتغربُ في صحراء الشجنْ..

ورأيتُ ابن آدم ينصب أسواره حول مزرعة الله..
يبتاع من حوله حرسا.. ويبيع لإخوته الخبز والماء..
يحتلبُ البقراتِ العجاف.. لتعطى اللبن..

قلتُ فليكن الحب في الأرض.. لكنه لم يكن..
أصبح الحب.. ملكاً لمن يملكون الثمن!

..

ورأى الربُّ ذلك غير حسنْ..

..


قلت: فليكن العدلُ في الأرض.. عين بعين.. وسن بسن..
قلت: هل يأكل الذئب ذئباً، أو الشاه شاة؟
ولا تضع السيف في عنق اثنين: طفل.. وشيخ مسن..

ورأيتُ ابن آدم يردى ابن آدم..
يشعل في المدن النارَ..
يغرسُ خنجرهُ في بطون الحواملِ..
يلقى أصابع أطفاله علفا للخيول..
يقص الشفاه وروداً تزين مائدة النصر.. وهى تئن..

أصبح العدل موتاً، وميزانه البندقية..
أبناؤهُ صلبوا في الميادين، أو شنقوا في زوايا المدن..
قلت: فليكن العدل في الأرض.. لكنه لم يكن..
أصبح العدل.. ملكاً لمن جلسوا فوق عرش الجماجم بالطيلسان الكفن!

..

ورأى الرب ذلك غير حسنْ!

..


قلت: فليكن العقل في الأرض.. تصغي إلى صوته المتزن..
قلت: هل يبتنى الطير أعشاشه في فم الأفعوان؟
هل الدود يسكن في لهب النار؟
والبوم هل يضع الكحل في هدب عينيه؟
هل يبذر الملح من يرتجى القمح حين يدور الزمن؟


ورأيت ابن آدم وهو يجن، فيقتلع الشجر المتطاول..
يبصق في البئر..
يلقى على صفحة النهر بالزيت..
يسكن في البيت؛ ثم يخبئ في أسفل الباب قنبلة الموت..
يؤوى العقارب في دفء أضلاعه..
ويورث أبناءه دينه.. واسمه.. وقميص الفتن..

أصبح العقل مغترباً يتسول..
يقذفه صبية بالحجارة..
يوقفه الجند عند الحدود..
وتسحب منه الحكومات جنسية الوطني..
وتدرجه في قوائم من يكرهون الوطن..

قلت: فليكن العقل في الأرض.. لكنه لم يكن..
سقط العقل في دورة النفي والسجن.. حتى يجن!

..

ورأى الرب ذلك غير حسن!

..




(الإصحاح الرابع)


قلت: فلتكن الريح في الأرض؛ تكنس هذا العفن..
قلت: فلتكن الريح والدم..
تقتلع الريح هسهسة الورق الذابل المتشبث!
يندلع الدم حتى الجذور.. فيزهرها ويطهرها.. ثم يصعد في السوق..
والورق المتشابك، والثمر المتدلي.. فيعصره العاصرون نبيذاً يزغرد في كل دن..

قلت: فليكن الدم نهراً من الشهد ينساب تحت فراديس عدن..
هذه الأرض حسناء، زينتها الفقراء لهم تتطيب..
يعطونها الحب، تعطيهم النسل والكبرياء..
قلت: لا يسكن الأغنياء بها..
الأغنياء الذين يصوغون من عرق الأجراء نقود زنا..
ولآلئ تاج..
وأقراط عاج..
ومسبحة للرياء..
إنني أول الفقراء الذين يعيشون مغتربين..
يموتون محتسبين لدى العزاء..

قلت: فلتكن الأرض لى.. ولهم!
وأنا بينهم..
حين أخلع عنى ثياب السماء..
فأنا أتقدس في صرخة الجوع فوق الفراش الخشن!




(الإصحاح الخامس)



حدقت في الصخر وفى الينبوع..
رأيت وجهي في سمات الجوع!
حدقت في جبيني المقلوب..
رأيتني: الصليب والمصلوب..
صرخت..
صرخت.. كنت خارجاً من رحم الهناءة..
صرخت؛ أطلب البراءة..
كينونتي: مشنقتي..
وحبلي السري كان:
حبلها..
المقطوع!


-


من أوراق "أبو نواس"
http://www.sonsofegypt.net/library/a_d/abo-nawass.wma

( الورقة الأولى )



خارجين من الدرس كنا..
وحبر الطفولة فوق الرداء..
والعصــافــــير تمرق عبر البيوت..
وتهبط فوق النخيل البعيد..

"ملكٌ أم كتابة؟"، صاح بي..
فانتبهتُ..
ورفَّتْ ذُبابة حول عينين لامعتين..
فقلتْ : الكتابه..

فَتَحَ اليدَ مُبتَسماً:
كانَ وجهُ المليكِ السَّعيدْ بَاسِماً في مهابه !

"ملكٌ أم كتابة؟"، صحتُ فيه بدوري..
فرفرف في مُقلتيهِ الصِبَّا والنِجابه..
وأجابَ : الملكْ..
(دون أن يتلَعَثَمَ أو يرتَبِكْ !)

وفَتحتْ يدي..
كانَ نقشُ الكتابه..
بارزاً في صلابه !


دارت الأرضْ دوراتهَا..
حَمَلَتْنَاَ الشَّواديفُ من هدأة النهرِ..
ألقتْ بنا في جداول أرض الغَرَابه..
نتفرَّق بينَ حقول الأسى.. وحقول الصبابه..

والتقينا..
قطرتْين إلتقينا على سُلَّم القَصرِ..
ذاتَ مسَاء وحيدْ..
كُنتُ فيه : نديمَ الرشيد !
بينما صاَحِبي.. يتولى الحجابه!




( الورقة الثانية )

مَنْ يَمْلِكُ العُملهَ يُمسكُ بالوجهيْن !
والفقراءُ : بَيْنَ بيْنْ !




( الورقة الثالثة )

نائماً كنتُ جانبه : وسمعتُ الحرسْ يُوقِظُون أبي..

- خَارِجيُّ !
- أنا.. ؟!
- مَاَرِقٌ !!
- مَنْ ؟! أنا ؟!!!!

صَرَخَ الطِفلُ في صدرِ أمّي..
(وأمي َ محلولةُ الشَّعر.. واقفةُ في ملابسها المنزلية)

- إخرَسوا !

وإختبأنا وراءَ الجِدار..

- إخرَسوا !!

وتسللَ في الحلق خيطٌ من الدم..
كان أبي يُمسِكُ الجُرحَ..
يُمسكُ قامته.. ومَهَابَتَه العائليه !

- يا أبي..
- إخرسوا !

وتواريتُ في ثوب أمِّيَ..
والطِّفلُ في صدرها ما نَبَسْ..
ومَضوا بأبي..
تاركين لنا اليُتم.. مُتَّشِحاً بالخَرَس !!!




( الورقة الرابعة )

أيُهَا الشِعرُ..
يا أيُها الفَرَحُ المُخْتَلَسْ..
كُلُّ ما كُنتُ أكتُبُ في هذه الصفحة الورقيه..
صادرتهُ العَسسْ !




( الورقة الخامسة )

وأمي خادمةٌ فارسيَّة..
يَتَنَاقَلُ سَادتُها قهوةَ الحب وهي تدير الحَطبُ..
يتبادلُ سادتُها النظرات لأردَافِهِا بينما تنْحني لِتُضئ اللَّهب..
يتندَّر سادتُها الطيِّبون بلهجتها الأعجميَّه..

نائماً كُنتُ جانِبَها..
ولمحت ملاكَ القُدُسْ..
ينحني.. ويُرَبِّتَ وجنَتَها..
وتراخى الذراعانِ عني.. قليلاً.. قليلاً..
وسارتْ بقلبي قشعريرة الصمت:

- أمِّي !

وعَادَ لي الصوتُ..

- أمَّي !!!

وجاوبني الموتُ..

- أمَّي !!


وعانقتها.. وبكيتُ..
وغَامَ بي الدَّمعُ.. حتى إحتَبَسْ..




( الورقة السادسة )

لا تسألني إن كانَ القرآنْ مَخلوقاً.. أو أَزَليّ..
بل سَلْنِي إن كان السُّلطانْ لِصاً.. أو نِصفَّ نبيّ !!




( الورقة السابعة )

كنتُ في كَرْبلاْْء،
عندما قال لي الشيخُ إن الحُسينْ ماتَ من أجلِ جرعةِ ماءْ !

وتساءلتُ : كيف السيوفُ إستباحتْ بني الأكرمين ؟!
فأجاب الذي بصَّرتْه السَّماء :
إنه الذَّهب المتلألئُ في كلَّ عينْ..

إن تكُن كلماتُ الحسينْ..
وسُيوفُ الحُسينْ..
وجَلالُ الحُسينْ..
سَقَطَتْ.. دون أن تنقذ الحقَّ مِن ذَهب الأمراءْ..
أفتقدرُ أن تنقذ الحقَّ: ثرثرةُ الشُّعراء؟

والفُراتُ لسانٌ مِن الدم لا يجدُ الشَّفَتينْ!

ماتَ مِنْ أجلِ جرعة ماءْ !
فإسقني يا غُلام.. صباحَ مساء..
إسقني يا غُلام..
ربما بالمُدام.. أتناسى الدماءْ !!

..

آهٍ..
من يوقف في رأسي الطواحين..
ومن ينزع من قلبي السكاكين..
ومن يقتل أطفالي المساكين لئلا يكبروا في الشقق المفروشة الحمراء خدّامين..
من يقتل أطفالي المساكين لكيلا يصبحوا في الغد شحاذين..
يستجدون أصحاب الدكاكين وأبواب المرابين..
يبيعون لسيارات أصحاب الملايين الرياحين..
وفي المترو يبيعون الدبابيس وياسين..
وينسلون في الليل يبيعون الجعارين لأفواج الغزاة السائحين..

..

هذه الأرض التي ما وعد الله بها..
من خرجوا من صلبها..
وانغرسوا في تربها..
وانطرحوا في حبها مستشهدين..

فادخلوها بسلام آمنين..

ادخلوها بسلام آمنين..


-


لا تصالح
http://www.sonsofegypt.net/library/a_d/la-tousale7.wma

لا تصالحْ!
..ولو منحوك الذهب
أترى حين أفقأ عينيك
ثم أثبت جوهرتين مكانهما..
هل ترى..؟
هي أشياء لا تشترى..:
ذكريات الطفولة بين أخيك وبينك،
حسُّكما - فجأةً - بالرجولةِ،
هذا الحياء الذي يكبت الشوق.. حين تعانقُهُ،
الصمتُ - مبتسمين - لتأنيب أمكما..
وكأنكما
ما تزالان طفلين!
تلك الطمأنينة الأبدية بينكما:
أنَّ سيفانِ سيفَكَ..
صوتانِ صوتَكَ
أنك إن متَّ:
للبيت ربٌّ
وللطفل أبْ
هل يصير دمي -بين عينيك- ماءً؟
أتنسى ردائي الملطَّخَ بالدماء..
تلبس -فوق دمائي- ثيابًا مطرَّزَةً بالقصب؟
إنها الحربُ!
قد تثقل القلبَ..
لكن خلفك عار العرب
لا تصالحْ..
ولا تتوخَّ الهرب!



(2)

لا تصالح على الدم.. حتى بدم!
لا تصالح! ولو قيل رأس برأسٍ
أكلُّ الرؤوس سواءٌ؟
أقلب الغريب كقلب أخيك؟!
أعيناه عينا أخيك؟!
وهل تتساوى يدٌ.. سيفها كان لك
بيدٍ سيفها أثْكَلك؟
سيقولون:
جئناك كي تحقن الدم..
جئناك. كن -يا أمير- الحكم
سيقولون:
ها نحن أبناء عم.
قل لهم: إنهم لم يراعوا العمومة فيمن هلك
واغرس السيفَ في جبهة الصحراء
إلى أن يجيب العدم
إنني كنت لك
فارسًا،
وأخًا،
وأبًا،
ومَلِك!

(3)

لا تصالح ..
ولو حرمتك الرقاد
صرخاتُ الندامة
وتذكَّر..
(إذا لان قلبك للنسوة اللابسات السواد ولأطفالهن الذين تخاصمهم الابتسامة)
أن بنتَ أخيك "اليمامة"
زهرةٌ تتسربل -في سنوات الصبا-
بثياب الحداد
كنتُ، إن عدتُ:
تعدو على دَرَجِ القصر،
تمسك ساقيَّ عند نزولي..
فأرفعها -وهي ضاحكةٌ-
فوق ظهر الجواد
ها هي الآن.. صامتةٌ
حرمتها يدُ الغدر:
من كلمات أبيها،
ارتداءِ الثياب الجديدةِ
من أن يكون لها -ذات يوم- أخٌ!
من أبٍ يتبسَّم في عرسها..
وتعود إليه إذا الزوجُ أغضبها..
وإذا زارها.. يتسابق أحفادُه نحو أحضانه،
لينالوا الهدايا..
ويلهوا بلحيته (وهو مستسلمٌ)
ويشدُّوا العمامة..
لا تصالح!
فما ذنب تلك اليمامة
لترى العشَّ محترقًا.. فجأةً،
وهي تجلس فوق الرماد؟!

(4)

لا تصالح
ولو توَّجوك بتاج الإمارة
كيف تخطو على جثة ابن أبيكَ..؟
وكيف تصير المليكَ..
على أوجهِ البهجة المستعارة؟
كيف تنظر في يد من صافحوك..
فلا تبصر الدم..
في كل كف؟
إن سهمًا أتاني من الخلف..
سوف يجيئك من ألف خلف
فالدم -الآن- صار وسامًا وشارة
لا تصالح،
ولو توَّجوك بتاج الإمارة
إن عرشَك: سيفٌ
وسيفك: زيفٌ
إذا لم تزنْ -بذؤابته- لحظاتِ الشرف
واستطبت- الترف

(5)

لا تصالح
ولو قال من مال عند الصدامْ
".. ما بنا طاقة لامتشاق الحسام.."
عندما يملأ الحق قلبك:
تندلع النار إن تتنفَّسْ
ولسانُ الخيانة يخرس
لا تصالح
ولو قيل ما قيل من كلمات السلام
كيف تستنشق الرئتان النسيم المدنَّس؟
كيف تنظر في عيني امرأة..
أنت تعرف أنك لا تستطيع حمايتها؟
كيف تصبح فارسها في الغرام؟
كيف ترجو غدًا.. لوليد ينام
-كيف تحلم أو تتغنى بمستقبلٍ لغلام
وهو يكبر -بين يديك- بقلب مُنكَّس؟
لا تصالح
ولا تقتسم مع من قتلوك الطعام
وارْوِ قلبك بالدم..
واروِ التراب المقدَّس..
واروِ أسلافَكَ الراقدين..
إلى أن تردَّ عليك العظام!

(6)

لا تصالح
ولو ناشدتك القبيلة
باسم حزن "الجليلة"
أن تسوق الدهاءَ
وتُبدي -لمن قصدوك- القبول
سيقولون:
ها أنت تطلب ثأرًا يطول
فخذ -الآن- ما تستطيع:
قليلاً من الحق..
في هذه السنوات القليلة
إنه ليس ثأرك وحدك،
لكنه ثأر جيلٍ فجيل
وغدًا..
سوف يولد من يلبس الدرع كاملةً،
يوقد النار شاملةً،
يطلب الثأرَ،
يستولد الحقَّ،
من أَضْلُع المستحيل
لا تصالح
ولو قيل إن التصالح حيلة
إنه الثأرُ
تبهتُ شعلته في الضلوع..
إذا ما توالت عليها الفصول..
ثم تبقى يد العار مرسومة (بأصابعها الخمس)
فوق الجباهِ الذليلة!

(7)

لا تصالحْ، ولو حذَّرتْك النجوم
ورمى لك كهَّانُها بالنبأ..
كنت أغفر لو أنني متُّ..
ما بين خيط الصواب وخيط الخطأ.
لم أكن غازيًا،
لم أكن أتسلل قرب مضاربهم
أو أحوم وراء التخوم
لم أمد يدًا لثمار الكروم
أرض بستانِهم لم أطأ
لم يصح قاتلي بي: "انتبه"!
كان يمشي معي..
ثم صافحني..
ثم سار قليلاً
ولكنه في الغصون اختبأ!
فجأةً:
ثقبتني قشعريرة بين ضعلين..
واهتزَّ قلبي -كفقاعة- وانفثأ!
وتحاملتُ، حتى احتملت على ساعديَّ
فرأيتُ: ابن عمي الزنيم
واقفًا يتشفَّى بوجه لئيم
لم يكن في يدي حربةٌ
أو سلاح قديم،
لم يكن غير غيظي الذي يتشكَّى الظمأ

(8)

لا تصالحُ..
إلى أن يعود الوجود لدورته الدائرة:
النجوم.. لميقاتها
والطيور.. لأصواتها
والرمال.. لذراتها
والقتيل لطفلته الناظرة
كل شيء تحطم في لحظة عابرة:
الصبا - بهجةُ الأهل - صوتُ الحصان - التعرفُ بالضيف - همهمةُ القلب حين يرى برعماً في الحديقة يذوي - الصلاةُ لكي ينزل المطر الموسميُّ - مراوغة القلب حين يرى طائر الموتِ
وهو يرفرف فوق المبارزة الكاسرة
كلُّ شيءٍ تحطَّم في نزوةٍ فاجرة
والذي اغتالني: ليس ربًا..
ليقتلني بمشيئته
ليس أنبل مني.. ليقتلني بسكينته
ليس أمهر مني.. ليقتلني باستدارتِهِ الماكرة
لا تصالحْ
فما الصلح إلا معاهدةٌ بين ندَّينْ..
(في شرف القلب)
لا تُنتقَصْ
والذي اغتالني مَحضُ لصْ
سرق الأرض من بين عينيَّ
والصمت يطلقُ ضحكته الساخرة!

(9)

لا تصالح
فليس سوى أن تريد
أنت فارسُ هذا الزمان الوحيد
وسواك.. المسوخ!

(10)

لا تصالحْ
لا تصالحْ

-

الطيور
http://www.sonsofegypt.net/library/a_d/al6uor.wma

الطيور مشرّدةٌ في السماوات..
مشرّدة ليس لها أن تحطّ على الأرض..
ليس لها غير أن تتقاذَفَها فَلَواتُ الرياح!

ربّما تتنزّلُ..
تتنزّلُ كي تستريحَ دقائق..
فوق النخيلِ..
النجيلِ..
التماثيل..
أعمدةِ الكهرباء..
حوافِ الشبابيكِ والمشربياتِ..
والأسطحِ الخرسانية..

اهدأْ..

اهدأ..

ليلتقطَ القلبُ تنهيدة..
والفمُ العذبُ تغريدة..

والقط الرزق..

القط الرزق..

سرعان ما تتفزّعُ..
من نقلةِ الرّجْل..
من نبلةِ الطفل..
من ميلةِ الظلّ عبرَ الحوائط..
من حصواتِ الصياح!


..

الطيورُ معلّقةٌ في السموات..
في يد العنكبوتِ الفضائيّ: الريح..
مرشوقةٌ في امتداد السهامِ المضيئة للشمس..

رفرِفْ..

رفرِفْ..

فليسَ أمامَك - والبشرُ المستبيحونَ والمستباحون: صاحون - ليس أماَمكَ غيرُ الفرارْ..
الفرارُ الذي يتجدّد.. كلَّ صباح!


..

والطيورُ التي أقعدَتها مخالطةُ الناس..
مرّت طُمأنينةُ العيشِ فوقَ مناسرِها.. فانتَخَتْ..
وبأعينِها.. فارتَخَتْ..
وارتَضَتْ أن تقأقئ حولَ الطعامِ المُتاحْ..
ما الذي يتبقّى لها غيرُ سكّينةِ الذَبْح!
غيرُ انتظارِ النهاية؟!
إنّ اليدَ الآدميةَ - واهبةَ القمح - تعرفُ كيفَ تَسِنُّ السلاح!


..

الطيورُ .. الطيورْ..
تحتوي الأرضُ جثمانها.. في السقوطِ الأخيرْ!
والطيورُ التي لا تطيرْ.. طَوَتِ الريشَ واستَسْلَمَتْ..
هل تُرى عَلِمَتْ أنّ عمرَ الجنَاحِ قصيرٌ..قصيرْ؟!

الجنَـاحُ حيـاة..

والجنـاحُ ردى..

والجنـاحُ نَجـاة..

والجنـاحُ سـُدى..

الجنـاحُ سـُدى..




يتبع ..

إبراهيم إسماعيل
07-04-2009, 09:49 PM
الموت في لوحات

http://www.sonsofegypt.net/library/a_d/almwt-fe-law7at.wma


( 1 )

مصفوفة حقائبي على رفوفِ الذاكرة..
والسفر الطويل.. يبدأ دون أن تسير القاطرة!

رسائلي للشمس.. تعود دون أن تمسّ!
رسائلي للأرض.. تردّ.. دون أن تفضّ!
يميل ظلّي في الغروب.. دون أن أميل..
وها أنا - في مقعدي القانط - وريقة وريقة يسقط عمري من نتيجة الحائط..
والورق الساقط.. يطفو على بحيرة الذكرى..
فتلتوي دوائراً.. وتختفي.. دائرة.. فدائرة!



( 2 )

شقيقتي "رجاء" ماتت وهي دون الثالثة..
ماتت وما يزال في دولاب أمّي السّري:
صندلها الفضّيّ،
صدارها المشغول،
قرطها،
غطاء رأسها الصّوفيّ،
أرنبها القطنيّ..

وعندما أدخل بهو بيتنا الصامت..
فلا أراها تمسك الحائط.. علّها تقف!
أنسى بأنّها ماتت..
أقول: ربّما نامت..
أبحث عنها في الغرف..
وعندما تسألني أمّي بصوتها الخافت..
أرى الأسى في وجهها الممتقع الباهت..
وأستبين الكارثة!



( 3 )

عرفتها في عامها الخامس والعشرين..
والزمن العنّين.. ينشب في أحشائها أظفاره الملويّة..
صلّت إلى العذراء..
طوفّت بكلّ صيدليّة..
تقلّبت بين الرجال الخشنين..
وما تزال تشتري اللّفائف القطنيّة!
ما تزال تشتري اللّفائف القطنيّة !

وحين ضاجعت أباها ليلة الرعد..
تفجّرت بالخصب والوعد..
واختلجت في طينها بشارة التكوين!
لكنّها نادت أباها في الصباح.. فظلّ صامتا !
هزّته.. كان ميّتا !!



( 4 )

من شرفتي كنت أراها في صباح العطلة الهاديء..
تنشر في شرفتها على خيوط النور والغناء:
ثياب طفليها،
ثياب زوجها الرسميّة الصفراء،
قمصانه المغسولة البيضاء،
تنشر حولها نقاء قلبها الهانيء.. وهي تروح وتجيء..

والآن بعد أشهر الصيف الرديء..
رأيتها ذابلة العينين والأعضاء..
تنشر في شرفتها.. على حبال الصّمت والبكاء.. ثيابها السوداء!



( 5 )

حبيبتي في لحظة الظلام - لحظة التوهّج العذبة - تصبح بين ساعديّ.. جثّة رطبه!
ينكسر الشوق بداخلي، وتخفت الرغبة..
أموء فوق خدّها..
أصرخ فوق نهدها..
أودّ لو أنفذ في مسامّ جلدها..
لكن يظلّ بيننا الزجاج، والغياب، والغربة!

وذات ليلة.. تكسّرت ما بيننا حواجز الرّهبة..
فاحتضنتني.. بينما نغوص في قرار التربة..
تبعثرت في رأسها شرائح الصورة والنجوم..
واختلطت في قلبها الأزمنة الهشيم..
لكنّها وهي تناجيني..
سمعتها تناديني..
باسم حبيبها الذي قد حطّم اللّعبة..
مخلّفا في قلبها.. ندبة !!

..

مصفوفة حقائبي على رفوفِ الذاكرة..
والسفر الطويل.. يبدأ.. دون أن تسير القاطرة!


-

في انتظار السيف

http://www.sonsofegypt.net/library/a_d/fentezar-alsaif.wma

وردة في عروة السّرة:
ماذا تلدين الآن؟
طفلاً.. أم جريمة؟
أم تنوحين على بوّابة القدس القديمة؟

عادت الخيل من المشرق..
عاد "الحسن الأعصم" والموت المغير..
بالرداء الأرجوانيّ.. وبالوجه اللصوصي.. وبالسيف الأجير..
فانظري تمثاله الواقف في الميدان.. (يهتّز مع الريح!)

انظري من فرجة الشبّاك: أيدي صبية مقطوعة..
مرفوعة.. فوق السّنان..
(مردفاً زوجته الحبلى على ظهر الحصان)
أنظرى خيط الدم القاني على الأرض..
"هنا مرّ .. هنا.."
فانفقأت تحت خطى الجند عيون الماء.. واستلقت على التربة قامات السنابل..
ثم.. ها نحن - جياع الأرض - نصطف.. لكى يلقى لنا عهد الأمان..

ينقش السكة، باسم الملك الغالب..

يلقى خطبة الجمعة، باسم الملك الغالب..

يرقى منبر المسجد، بالسيف الذى يبقر أحشاء الحوامل..


تلدين الآن من يحبو ولا تسنده الأيدى..
ومن يمشى فلا يرفع عينيه إلى الناس..
ومن يخطفه النخّاس:
قد يصبح مملوكاً يلطون به فى القصر..
يلقون به في ساحة الحرب لقاء النصر..


هذا قدر المهزوم:
لا أرض..
ولا مال..
ولا بيت يردّ الباب فيه دون أن يطرقه جابٍ..
وجندي رأى زوجته الحسناء فى البيت المقابل..

أنظري أمّتك الأولى العظيمة..
أصبحت: شرذمة من جثث القتلى..
وشحّاذين يستجدون عطف السيف والمال..
المال الذي ينثره الغازى.. فيهوي ما تبقى من رجال وأرومة..

أنظري..
لا تفزعي من جرعة الخزى.. أنظري..
حتى تفيهي ما بأحشائك من دفء الأمومة..


تقفل الأسواق يومين.. وتعتاد على "النقد" الجديد..

تشتكي الأضلاع يومين.. وتعتاد على الصوت الجديد..

يسكت المذياع يومين.. ويعتاد على الصوت الجديد..

وأنا.. منتظر جنب فراشك..
جالس.. أرقب في حمّى ارتعاشك: صرخة الطفل - الذى يفتح عينيه - على مرأى الجنود!


-

كلمات سبارتكوس الأخيرة

http://www.sonsofegypt.net/library/a_d/kalemat-spartacous.wma

( مزجٌ أوّل )

المجد للشيطان معبود الرياح..

مَن قال: "لا" في وَجْه مَن قالوا: "نعمْ"..

مَن علَّم الإنسانَ تمزيقَ العدمْ..

من قال "لا" فلم يمتْ..

وظلَّ روحًاً أبديةَ الألمْ..



( مزجٌ ثان )

مُعَلَّقٌ أنا على مشانقِ الصَّباحْ..

وجبهتي - بالموتِ - مَحنيَّهْ..

لأنني لم أَحْنِها.. حَيَّهْ!

..

يا إخوتي الذينَ يعبُرون في الميدان مُطرِقينْ..
مُنحدرين في نهايةِ المساءْ.. في شارِع الإسكندرِ الأكبرْ..

لا تخجلوا..

لا تخجلوا، ولترْفعوا عيونَكم إليّْ..

لأنكم مُعلَّقونَ جانبي على مشانِق القيصَرْ..

فلترفعوا عيونَكم إليّْ..

لربما إذا التقتْ عيونُكم بالموتِ في عَينَيّْ..

يبتسمُ الفناءُ بداخلي.. لأنكمْ رفعتُم رأسَكمْ.. مرَّهْ..


"سيزيف"..

"سيزيفُ" لم تعدْ على أَكتافِهِ الصَّخرة..

يحملُها الذين يُولدونَ في مخادِع الرقيقْ..

والبحرُ - كالصَّحراءِ - لا يروي العطَشْ..

لأنَّ مَن يقولُ: "لا"، لا يرتوي إلاَّ مَن الدُّموعْ..


فلترفعوا عيونَكم للثائرِ المشنوقْ..

فسوف تنتهونَ مثلَه.. غدًاً..

وقبِّلوا زوجاتِكم - هنا - على قارعةِ الطريقْ..

فسوف تنتهون هاهنا.. غدًاً..


فالانحناءُ مُرٌّ..

والعنكبوتُ فوق أعناقِ الرِّجالِ ينسجُ الرَّدى..

فقبِّلوا زوجاتِكم..

إنِّي تركتُ زوجتي بلا وداعْ..

وإن رأيتم طفليَ - الذي تركتُه على ذراعِها - بلا ذراعْ..

فعلِّموهُ الانحناءْ..

علِّموهُ الانحناءْ..


اللهُ.. لم يغفرْ خطيئةَ الشيطانِ حين قال: "لا"..

والودعاءُ الطيبونْ هم الذين يَرِثونَ الأرضَ في نهايةِ المدى..

لأنهم لا يُشنَقونْ..

فعلِّموهُ الانحناءْ..

وليس ثَمَّ من مَفَرٍّ..

..

..

لا تحلُموا بعالَمٍ سعيدْ..

فخلْفَ كلِّ قيصرٍ يموتُ: قيصرٌ جديدْ..

وخلْفَ كلِّ ثائرٍ يموتُ: أحزانٌ بلا جدوى.. ودمعةٌ.. سُدى..



( مزجٌ ثالث )

يا قيصرُ العظيم: قد أخطأتُ.. إني أعترِفْ..

دعني - على مِشنقتي - ألْثُمُ يَدَكْ..

ها أنا ذا أقبِّل الحبلَ الذي في عُنقي يلتفُّ..

فهو يداكَ.. وهو مجدُك الذي يجِبرُنا أن نعبُدَكْ..


دعني أُكَفِّرْ عنْ خطيئتي..

أمنحكَ - بعد ميتتي - جُمْجُمَتي..

تصوغُ منها لكَ كأسًا لشرابِك القويِّ..


فإن فعــلتَ مـــا أريـــــدْ..

إنْ يسألوكَ مرةً عن: دَمِيَ الشهيدْ..

وهل تُرى منحتَني "الوجودَ" كي تسلُبَني "الوجودْ"..

فقلْ لهم: قد ماتَ..

قلْ لهم: قد ماتَ غيرَ حاقدٍ عليَّ..

وهذه الكأسُ - التي كانتْ عظامُها جمجمتَه - وثيقةُ الغُفرانِ لي..


يا قاتلي: إني صفحتُ عنكْ..

في اللَّحظةِ التي استرحتَ بعدَها منِّي..

استرحتُ منكْ..


لكنني أوصيكَ - إنْ تشأْ شنقَ الجميع - أن ترحمَ الشجرْ..

لا تقطعِ الجُذوعَ كي تنصبَها مشانقاً..

لا تقطعِ الجُذوعْ..

فربما يأتي الرَّبيعُ..

"والعامُ عامُ جوعْ"

فلن تشمَّ في الفرُوعِ.. نكهةَ الثَّمرْ..

وربما يمرُّ في بلادِنا: الصَّيفُ الخَطِِرْ..

فتقطع الصحراء باحثًا عن الظِّلالْ..

فلا ترى.. سوى الهجيرِ.. والرِّمالِ.. والهجيرِ.. والرمالْ..

والظمأِ الناريِّ في الضُّلوع..

يا سيدَ الشواهدِ البيضاء في الدُّجى..

يا قيصر الصقيع..



( مزجٌ رابع )

يا إخوتي الذينَ يَعْبُرونَ في الميدان في انحِناءْ..

منحدرينَ في نهايةِ المساءْ..

لا تحلُموا بعالَمٍ سَعيدْ..

فخلْفَ كلِّ قيصرٍ يموتُ: قيصرٌ جديدْ..

وإن رأيتمْ في الطَّريق "هانيبالْ" فأخبروه..

أخبروه أنني انتظرتُه مدًى على أبوابِ روما المُجهدهْ..

وانتظرتْ شيوخُ روما - تحت قوسِ النَّصر - قاهرَ الأبطالْ..

ونسوةُ الرومان بين الزِّينةِ المُعربدهْ..

ظَلَلْنَ ينتظِرْن مَقْدَمَ الجنودْ ذوي الرؤوسِ الأطلسية المجعَّدهْ..


لكن "هانيبال" لم تأت جنودُه المجنَّدهْ..

فأخبروه أنني انتظرتُهُ..

انتظرتُهُ..

لكنهُ لم يأتِ..

وأنني انتظرتُهُ.. حتى انتهيتُ في حبالِ الموتِ..

وفي المدى: قرطاجةُ بالنار تَحترقْ !

قرطاجةُ كانتْ ضميرَ الشمسِ: قد تعلَّمتْ معنى الرُّكوع..

والعنكبوتُ فوق أعناقِ الرجال..

والكلماتُ تَختنقْ..

يا إخوتي: قرطاجةُ العذراءُ تحترقْ !!

فقبِّلوا زوجاتِكم..

إني تركتُ زوجتي بلا وَداعْ..

وإن رأيتم طفليَ الذي تركتُه على ذراعها.. بلا ذِراعْ..

فعلِّموهُ الانحناءْ..

علِّموهُ الانحناءْ..

علِّموهُ الانحِناءْ..


-

شجوية المكان

http://www.sonsofegypt.net/library/a_d/al-kaman.wma

لماذا..
لماذا يتابعني أينما سرتُ صوتُ الكمان؟
أسافرُ في القطاراتِ العتيقةِ، كيْ أتحدّّث للغرباءِ المسنّينَ..
أرفع صوتي، ليطغى على ضجة العجلات..
وأغفو على نبضات القطار الحديدية القلب تهدر مثل الطواحين..

لكنها بغتةً..
تتباعدُ شيئًا فشيئًا..
ويصحو نداءُ الكمان!


أسيرُ مع الناس في المهرجاناتِ..
أُصغي لبوق الجنود النّحاسي..
يملأ حلقي غبار النشيد الحماسيّ..

لكنني فجأةً.. لا أرى!
فجأة تتلاشى الصفوفُ أمامي..
وينسربُ الصوتُ مبتعدًا..
ورويدًا، رويدًا.. يعود إلى القلبِ صوتُ الكمانْ!

لماذا..
لماذا إذا ما تهيّأتُ للنوم يأتي الكمان؟
فأصغي له آتيًا من مكانٍ بعيدٍ..
فتصمتُ..
تصمت همهمةُ الريح خلف الشبابيكِ..
نبضُ الوسادة في أذني..
تتراجع دقاتُ قلبي..
وأرحلُ في مدنٍ لم أزرْها..
شوارعُها فضةٌ..
وبناياتها من خيوطِ الأشعةِ..
ألْقَى التي واعدْتني على ضفة النهر واقفة،
وعلى كتفيْها يحُطُّ اليمامُ الغريبُ،
ومن راحتيها يغطُّ الحنانْ!


أُحبُّكِ.. صار الكمانُ: كُعوبَ بنادقْ!
وصار يمامُ الحدائقْ: قنابل تسقطُ في كلِّ آن..

وغاب الكمان!

وغاب الأمان!

-

انتظــــار

http://www.sonsofegypt.net/library/a_d/entezar.wma

( 1 )
أعشق أسكندريّة..
واسكندريّة تعشق رائحة البحر..
والبحر يعشق فاتنة في الضفاف البعيدة !

كلّ أمسية؛ تتسلّل من جانبي..
تتجرّد من كلّ أثوابها..
وتحلّ غدائرها..
ثمّ تخرج - عارية في الشوارع - تحت المطر !

فإذا بلغت حافة البحر،
ألقت بفتنتها في سرير التنهّد والزرقة..
انطرحت في ملاءاته الرغويّة؛
وانفتحت .. تنتظر !
وتظلّ إلى الفجر..
ممدودة.. كالنداء..
ومشدودة.. كالوتر..

و تظلّ.. وحيدة !!



( 2 )

قلت لها في اللّيلة الماطرة:

البحر عنكبوت!
وأنت - في شراكه - فراشة تموت..

فانتصبت في خفقان الريح والأمواج..
(نهدان من زجاج، وجسد من عاج)
وانفلتت..
انفلتت مبحرة في رحلة المجهول، فوق الزّبد المهتاج..

ناديت..
ما ردّت !

صرخت..
ما ارتدّت !

وظلّ صوتي يتلاشى.. في تلاشيها..
(وراء الموجة الكاسرة)


خاسرة، خاسرة..
إن تنظري في عينى الغريمة الساحرة..
أو ترفعي عينيكِ نحو الماسة التي تزيّن التاج !



( 3 )

لفظ البحر أعضاءها في صباح أليم..
فرأيت الكلوم..
ورأيت أظافرها الدمويّة،
تتلوّى على خصلة "ذهبيّة"..
فحشوت جراحاتها بالرمال،
وأدفأتها بنبيذ الكروم..

وتعيش معي الآن !
ما بيننا حائط من وجوم..
بيننا نسمات "الغريم"

كلّ أمسية..
تتسلّل في ساعة المد..
في الساعة القمريّة..
تستريح على صخرة الأبديّة..
تتسمّع سخرية الموج من تحت أقدامها..
وصفير البواخر راحلة في السواد الحميم..

تتصاعد من شفتيها المملّحتين رياح السموم..
تتساقط أدمعها في سهوم..
والنجوم..
(الغريقة في القاع)
تصعد.. واحدة.. بعد أخرى..

فتلقطها..

وتعدّ النجوم..

في انتظار الحبيب القديم !



-

ساق صناعية

http://www.sonsofegypt.net/library/a_d/saq-sena3ia.wma

في الفندق الذي نزلت فيه قبل عام..
شاركني الغرفة..

فأغلق الشرفة..
وعلّق الـ"سترة"..
فوق المشجبِ المقام..
وعندما رأى كتاب "الحرب والسلام" بين يدىّ:
إربّد وجهه..
ورف جفنه.. رفة..

فغالب الرجفة..
وقص عن صبية طارحها الغرام..

كان عائدا من الحرب..
بلا وسام..
فلم تطق ضعفه..
ولم يجد - حين صحا - إلا بقايا الخمر والطعام!


ثم روى حكاية عن: الدمِ الحرام..
الدمِ الحرام.. الصحراء لم تطق رشفة..
فظل فيها, يشتكي ربيعة صيفة..

ظل يروي قصصاً حزينة الختام..
حتى تلاشى وجهه.. في سحب الدخان والكلام..
وعندما تحشرج الصوت به, وطالت الوقفة..
أدرت رأسي عنه.. حتى لا أرى دمعته العفّة..
ومن خلايا جسدي: تفصّد الحزن.. وبلل المسام..
وحين ظن أنني استغرقت في المنام..
لمحته.. يخلع ساقه الصناعية.. في الظلام..
مصعداً.. تنهيدة.. قد أحرقته..

اسلام قاسم
11-05-2009, 07:21 PM
شكرا على القصائد