إبراهيم إسماعيل
04-04-2009, 07:18 PM
"سفر التكوين"
http://www.sonsofegypt.net/library/a_d/takwen.wma
(الإصحاح الأول)
في البدء كنت رجلا.. وامرأة.. وشجرة..
كنتُ أباً.. وابنا.. وروحاً قدُسا.
كنتُ الصباحَ.. والمسا..
والحدقة الثابتة المدورة..
..
وكان عرشي.. حجراً على ضفاف النهر..
وكانت الشياه.. ترعى..
وكان النحلُ حول الزهرُ.. يطنُّ..
والإوزُّ يطفو في بحيرة السكون..
والحياة.. تنبضُ.. كالطاحونة البعيدة..
حين رأيت أن كل ما أراه.. لا ينقذُ القلبَ من الملل!
"مبارزاتُ الديكة".. كانت هي التسلية الوحيدة.. في جلستي الوحيدة.. بين غصون الشجر المشتبكة!
(الإصحاح الثاني)
قلتُ لنفسي.. لو نزلت الماء.. واغتسلت.. لانقسمت!
لو انقسمت.. لازدوجت.. وابتسمتْ..
وبعدما استحممت..
تناسجَ الزهرُ وشاحاً من حرارة الشفاهْ..
لففتُ فيه جسدي المصطكّ..
وكان عرشي طافيا.. كالفلك..
ورف عصفور على رأسي.. وحط ينفض البلل..
حدقت في قرارة المياه..
حدقت..
كان ما أراه..
وجهي.. مكللا بتاج الشوك..
(الإصحاح الثالث)
قلتُ: فليكن الحبُ في الأرض.. لكنه لم يكن..
قلتُ: فليذهب النهرُ في البحرُ.. والبحر في السحبِ.. والسحب في الجدبِ.. والجدبُ في الخصبِ..
ينبت خبزاً ليسندَ قلب الجياع، وعشباً لماشية الأرض..
ظلا لمن يتغربُ في صحراء الشجنْ..
ورأيتُ ابن آدم ينصب أسواره حول مزرعة الله..
يبتاع من حوله حرسا.. ويبيع لإخوته الخبز والماء..
يحتلبُ البقراتِ العجاف.. لتعطى اللبن..
قلتُ فليكن الحب في الأرض.. لكنه لم يكن..
أصبح الحب.. ملكاً لمن يملكون الثمن!
..
ورأى الربُّ ذلك غير حسنْ..
..
قلت: فليكن العدلُ في الأرض.. عين بعين.. وسن بسن..
قلت: هل يأكل الذئب ذئباً، أو الشاه شاة؟
ولا تضع السيف في عنق اثنين: طفل.. وشيخ مسن..
ورأيتُ ابن آدم يردى ابن آدم..
يشعل في المدن النارَ..
يغرسُ خنجرهُ في بطون الحواملِ..
يلقى أصابع أطفاله علفا للخيول..
يقص الشفاه وروداً تزين مائدة النصر.. وهى تئن..
أصبح العدل موتاً، وميزانه البندقية..
أبناؤهُ صلبوا في الميادين، أو شنقوا في زوايا المدن..
قلت: فليكن العدل في الأرض.. لكنه لم يكن..
أصبح العدل.. ملكاً لمن جلسوا فوق عرش الجماجم بالطيلسان الكفن!
..
ورأى الرب ذلك غير حسنْ!
..
قلت: فليكن العقل في الأرض.. تصغي إلى صوته المتزن..
قلت: هل يبتنى الطير أعشاشه في فم الأفعوان؟
هل الدود يسكن في لهب النار؟
والبوم هل يضع الكحل في هدب عينيه؟
هل يبذر الملح من يرتجى القمح حين يدور الزمن؟
ورأيت ابن آدم وهو يجن، فيقتلع الشجر المتطاول..
يبصق في البئر..
يلقى على صفحة النهر بالزيت..
يسكن في البيت؛ ثم يخبئ في أسفل الباب قنبلة الموت..
يؤوى العقارب في دفء أضلاعه..
ويورث أبناءه دينه.. واسمه.. وقميص الفتن..
أصبح العقل مغترباً يتسول..
يقذفه صبية بالحجارة..
يوقفه الجند عند الحدود..
وتسحب منه الحكومات جنسية الوطني..
وتدرجه في قوائم من يكرهون الوطن..
قلت: فليكن العقل في الأرض.. لكنه لم يكن..
سقط العقل في دورة النفي والسجن.. حتى يجن!
..
ورأى الرب ذلك غير حسن!
..
(الإصحاح الرابع)
قلت: فلتكن الريح في الأرض؛ تكنس هذا العفن..
قلت: فلتكن الريح والدم..
تقتلع الريح هسهسة الورق الذابل المتشبث!
يندلع الدم حتى الجذور.. فيزهرها ويطهرها.. ثم يصعد في السوق..
والورق المتشابك، والثمر المتدلي.. فيعصره العاصرون نبيذاً يزغرد في كل دن..
قلت: فليكن الدم نهراً من الشهد ينساب تحت فراديس عدن..
هذه الأرض حسناء، زينتها الفقراء لهم تتطيب..
يعطونها الحب، تعطيهم النسل والكبرياء..
قلت: لا يسكن الأغنياء بها..
الأغنياء الذين يصوغون من عرق الأجراء نقود زنا..
ولآلئ تاج..
وأقراط عاج..
ومسبحة للرياء..
إنني أول الفقراء الذين يعيشون مغتربين..
يموتون محتسبين لدى العزاء..
قلت: فلتكن الأرض لى.. ولهم!
وأنا بينهم..
حين أخلع عنى ثياب السماء..
فأنا أتقدس في صرخة الجوع فوق الفراش الخشن!
(الإصحاح الخامس)
حدقت في الصخر وفى الينبوع..
رأيت وجهي في سمات الجوع!
حدقت في جبيني المقلوب..
رأيتني: الصليب والمصلوب..
صرخت..
صرخت.. كنت خارجاً من رحم الهناءة..
صرخت؛ أطلب البراءة..
كينونتي: مشنقتي..
وحبلي السري كان:
حبلها..
المقطوع!
-
من أوراق "أبو نواس"
http://www.sonsofegypt.net/library/a_d/abo-nawass.wma
( الورقة الأولى )
خارجين من الدرس كنا..
وحبر الطفولة فوق الرداء..
والعصــافــــير تمرق عبر البيوت..
وتهبط فوق النخيل البعيد..
"ملكٌ أم كتابة؟"، صاح بي..
فانتبهتُ..
ورفَّتْ ذُبابة حول عينين لامعتين..
فقلتْ : الكتابه..
فَتَحَ اليدَ مُبتَسماً:
كانَ وجهُ المليكِ السَّعيدْ بَاسِماً في مهابه !
"ملكٌ أم كتابة؟"، صحتُ فيه بدوري..
فرفرف في مُقلتيهِ الصِبَّا والنِجابه..
وأجابَ : الملكْ..
(دون أن يتلَعَثَمَ أو يرتَبِكْ !)
وفَتحتْ يدي..
كانَ نقشُ الكتابه..
بارزاً في صلابه !
دارت الأرضْ دوراتهَا..
حَمَلَتْنَاَ الشَّواديفُ من هدأة النهرِ..
ألقتْ بنا في جداول أرض الغَرَابه..
نتفرَّق بينَ حقول الأسى.. وحقول الصبابه..
والتقينا..
قطرتْين إلتقينا على سُلَّم القَصرِ..
ذاتَ مسَاء وحيدْ..
كُنتُ فيه : نديمَ الرشيد !
بينما صاَحِبي.. يتولى الحجابه!
( الورقة الثانية )
مَنْ يَمْلِكُ العُملهَ يُمسكُ بالوجهيْن !
والفقراءُ : بَيْنَ بيْنْ !
( الورقة الثالثة )
نائماً كنتُ جانبه : وسمعتُ الحرسْ يُوقِظُون أبي..
- خَارِجيُّ !
- أنا.. ؟!
- مَاَرِقٌ !!
- مَنْ ؟! أنا ؟!!!!
صَرَخَ الطِفلُ في صدرِ أمّي..
(وأمي َ محلولةُ الشَّعر.. واقفةُ في ملابسها المنزلية)
- إخرَسوا !
وإختبأنا وراءَ الجِدار..
- إخرَسوا !!
وتسللَ في الحلق خيطٌ من الدم..
كان أبي يُمسِكُ الجُرحَ..
يُمسكُ قامته.. ومَهَابَتَه العائليه !
- يا أبي..
- إخرسوا !
وتواريتُ في ثوب أمِّيَ..
والطِّفلُ في صدرها ما نَبَسْ..
ومَضوا بأبي..
تاركين لنا اليُتم.. مُتَّشِحاً بالخَرَس !!!
( الورقة الرابعة )
أيُهَا الشِعرُ..
يا أيُها الفَرَحُ المُخْتَلَسْ..
كُلُّ ما كُنتُ أكتُبُ في هذه الصفحة الورقيه..
صادرتهُ العَسسْ !
( الورقة الخامسة )
وأمي خادمةٌ فارسيَّة..
يَتَنَاقَلُ سَادتُها قهوةَ الحب وهي تدير الحَطبُ..
يتبادلُ سادتُها النظرات لأردَافِهِا بينما تنْحني لِتُضئ اللَّهب..
يتندَّر سادتُها الطيِّبون بلهجتها الأعجميَّه..
نائماً كُنتُ جانِبَها..
ولمحت ملاكَ القُدُسْ..
ينحني.. ويُرَبِّتَ وجنَتَها..
وتراخى الذراعانِ عني.. قليلاً.. قليلاً..
وسارتْ بقلبي قشعريرة الصمت:
- أمِّي !
وعَادَ لي الصوتُ..
- أمَّي !!!
وجاوبني الموتُ..
- أمَّي !!
وعانقتها.. وبكيتُ..
وغَامَ بي الدَّمعُ.. حتى إحتَبَسْ..
( الورقة السادسة )
لا تسألني إن كانَ القرآنْ مَخلوقاً.. أو أَزَليّ..
بل سَلْنِي إن كان السُّلطانْ لِصاً.. أو نِصفَّ نبيّ !!
( الورقة السابعة )
كنتُ في كَرْبلاْْء،
عندما قال لي الشيخُ إن الحُسينْ ماتَ من أجلِ جرعةِ ماءْ !
وتساءلتُ : كيف السيوفُ إستباحتْ بني الأكرمين ؟!
فأجاب الذي بصَّرتْه السَّماء :
إنه الذَّهب المتلألئُ في كلَّ عينْ..
إن تكُن كلماتُ الحسينْ..
وسُيوفُ الحُسينْ..
وجَلالُ الحُسينْ..
سَقَطَتْ.. دون أن تنقذ الحقَّ مِن ذَهب الأمراءْ..
أفتقدرُ أن تنقذ الحقَّ: ثرثرةُ الشُّعراء؟
والفُراتُ لسانٌ مِن الدم لا يجدُ الشَّفَتينْ!
ماتَ مِنْ أجلِ جرعة ماءْ !
فإسقني يا غُلام.. صباحَ مساء..
إسقني يا غُلام..
ربما بالمُدام.. أتناسى الدماءْ !!
..
آهٍ..
من يوقف في رأسي الطواحين..
ومن ينزع من قلبي السكاكين..
ومن يقتل أطفالي المساكين لئلا يكبروا في الشقق المفروشة الحمراء خدّامين..
من يقتل أطفالي المساكين لكيلا يصبحوا في الغد شحاذين..
يستجدون أصحاب الدكاكين وأبواب المرابين..
يبيعون لسيارات أصحاب الملايين الرياحين..
وفي المترو يبيعون الدبابيس وياسين..
وينسلون في الليل يبيعون الجعارين لأفواج الغزاة السائحين..
..
هذه الأرض التي ما وعد الله بها..
من خرجوا من صلبها..
وانغرسوا في تربها..
وانطرحوا في حبها مستشهدين..
فادخلوها بسلام آمنين..
ادخلوها بسلام آمنين..
-
لا تصالح
http://www.sonsofegypt.net/library/a_d/la-tousale7.wma
لا تصالحْ!
..ولو منحوك الذهب
أترى حين أفقأ عينيك
ثم أثبت جوهرتين مكانهما..
هل ترى..؟
هي أشياء لا تشترى..:
ذكريات الطفولة بين أخيك وبينك،
حسُّكما - فجأةً - بالرجولةِ،
هذا الحياء الذي يكبت الشوق.. حين تعانقُهُ،
الصمتُ - مبتسمين - لتأنيب أمكما..
وكأنكما
ما تزالان طفلين!
تلك الطمأنينة الأبدية بينكما:
أنَّ سيفانِ سيفَكَ..
صوتانِ صوتَكَ
أنك إن متَّ:
للبيت ربٌّ
وللطفل أبْ
هل يصير دمي -بين عينيك- ماءً؟
أتنسى ردائي الملطَّخَ بالدماء..
تلبس -فوق دمائي- ثيابًا مطرَّزَةً بالقصب؟
إنها الحربُ!
قد تثقل القلبَ..
لكن خلفك عار العرب
لا تصالحْ..
ولا تتوخَّ الهرب!
(2)
لا تصالح على الدم.. حتى بدم!
لا تصالح! ولو قيل رأس برأسٍ
أكلُّ الرؤوس سواءٌ؟
أقلب الغريب كقلب أخيك؟!
أعيناه عينا أخيك؟!
وهل تتساوى يدٌ.. سيفها كان لك
بيدٍ سيفها أثْكَلك؟
سيقولون:
جئناك كي تحقن الدم..
جئناك. كن -يا أمير- الحكم
سيقولون:
ها نحن أبناء عم.
قل لهم: إنهم لم يراعوا العمومة فيمن هلك
واغرس السيفَ في جبهة الصحراء
إلى أن يجيب العدم
إنني كنت لك
فارسًا،
وأخًا،
وأبًا،
ومَلِك!
(3)
لا تصالح ..
ولو حرمتك الرقاد
صرخاتُ الندامة
وتذكَّر..
(إذا لان قلبك للنسوة اللابسات السواد ولأطفالهن الذين تخاصمهم الابتسامة)
أن بنتَ أخيك "اليمامة"
زهرةٌ تتسربل -في سنوات الصبا-
بثياب الحداد
كنتُ، إن عدتُ:
تعدو على دَرَجِ القصر،
تمسك ساقيَّ عند نزولي..
فأرفعها -وهي ضاحكةٌ-
فوق ظهر الجواد
ها هي الآن.. صامتةٌ
حرمتها يدُ الغدر:
من كلمات أبيها،
ارتداءِ الثياب الجديدةِ
من أن يكون لها -ذات يوم- أخٌ!
من أبٍ يتبسَّم في عرسها..
وتعود إليه إذا الزوجُ أغضبها..
وإذا زارها.. يتسابق أحفادُه نحو أحضانه،
لينالوا الهدايا..
ويلهوا بلحيته (وهو مستسلمٌ)
ويشدُّوا العمامة..
لا تصالح!
فما ذنب تلك اليمامة
لترى العشَّ محترقًا.. فجأةً،
وهي تجلس فوق الرماد؟!
(4)
لا تصالح
ولو توَّجوك بتاج الإمارة
كيف تخطو على جثة ابن أبيكَ..؟
وكيف تصير المليكَ..
على أوجهِ البهجة المستعارة؟
كيف تنظر في يد من صافحوك..
فلا تبصر الدم..
في كل كف؟
إن سهمًا أتاني من الخلف..
سوف يجيئك من ألف خلف
فالدم -الآن- صار وسامًا وشارة
لا تصالح،
ولو توَّجوك بتاج الإمارة
إن عرشَك: سيفٌ
وسيفك: زيفٌ
إذا لم تزنْ -بذؤابته- لحظاتِ الشرف
واستطبت- الترف
(5)
لا تصالح
ولو قال من مال عند الصدامْ
".. ما بنا طاقة لامتشاق الحسام.."
عندما يملأ الحق قلبك:
تندلع النار إن تتنفَّسْ
ولسانُ الخيانة يخرس
لا تصالح
ولو قيل ما قيل من كلمات السلام
كيف تستنشق الرئتان النسيم المدنَّس؟
كيف تنظر في عيني امرأة..
أنت تعرف أنك لا تستطيع حمايتها؟
كيف تصبح فارسها في الغرام؟
كيف ترجو غدًا.. لوليد ينام
-كيف تحلم أو تتغنى بمستقبلٍ لغلام
وهو يكبر -بين يديك- بقلب مُنكَّس؟
لا تصالح
ولا تقتسم مع من قتلوك الطعام
وارْوِ قلبك بالدم..
واروِ التراب المقدَّس..
واروِ أسلافَكَ الراقدين..
إلى أن تردَّ عليك العظام!
(6)
لا تصالح
ولو ناشدتك القبيلة
باسم حزن "الجليلة"
أن تسوق الدهاءَ
وتُبدي -لمن قصدوك- القبول
سيقولون:
ها أنت تطلب ثأرًا يطول
فخذ -الآن- ما تستطيع:
قليلاً من الحق..
في هذه السنوات القليلة
إنه ليس ثأرك وحدك،
لكنه ثأر جيلٍ فجيل
وغدًا..
سوف يولد من يلبس الدرع كاملةً،
يوقد النار شاملةً،
يطلب الثأرَ،
يستولد الحقَّ،
من أَضْلُع المستحيل
لا تصالح
ولو قيل إن التصالح حيلة
إنه الثأرُ
تبهتُ شعلته في الضلوع..
إذا ما توالت عليها الفصول..
ثم تبقى يد العار مرسومة (بأصابعها الخمس)
فوق الجباهِ الذليلة!
(7)
لا تصالحْ، ولو حذَّرتْك النجوم
ورمى لك كهَّانُها بالنبأ..
كنت أغفر لو أنني متُّ..
ما بين خيط الصواب وخيط الخطأ.
لم أكن غازيًا،
لم أكن أتسلل قرب مضاربهم
أو أحوم وراء التخوم
لم أمد يدًا لثمار الكروم
أرض بستانِهم لم أطأ
لم يصح قاتلي بي: "انتبه"!
كان يمشي معي..
ثم صافحني..
ثم سار قليلاً
ولكنه في الغصون اختبأ!
فجأةً:
ثقبتني قشعريرة بين ضعلين..
واهتزَّ قلبي -كفقاعة- وانفثأ!
وتحاملتُ، حتى احتملت على ساعديَّ
فرأيتُ: ابن عمي الزنيم
واقفًا يتشفَّى بوجه لئيم
لم يكن في يدي حربةٌ
أو سلاح قديم،
لم يكن غير غيظي الذي يتشكَّى الظمأ
(8)
لا تصالحُ..
إلى أن يعود الوجود لدورته الدائرة:
النجوم.. لميقاتها
والطيور.. لأصواتها
والرمال.. لذراتها
والقتيل لطفلته الناظرة
كل شيء تحطم في لحظة عابرة:
الصبا - بهجةُ الأهل - صوتُ الحصان - التعرفُ بالضيف - همهمةُ القلب حين يرى برعماً في الحديقة يذوي - الصلاةُ لكي ينزل المطر الموسميُّ - مراوغة القلب حين يرى طائر الموتِ
وهو يرفرف فوق المبارزة الكاسرة
كلُّ شيءٍ تحطَّم في نزوةٍ فاجرة
والذي اغتالني: ليس ربًا..
ليقتلني بمشيئته
ليس أنبل مني.. ليقتلني بسكينته
ليس أمهر مني.. ليقتلني باستدارتِهِ الماكرة
لا تصالحْ
فما الصلح إلا معاهدةٌ بين ندَّينْ..
(في شرف القلب)
لا تُنتقَصْ
والذي اغتالني مَحضُ لصْ
سرق الأرض من بين عينيَّ
والصمت يطلقُ ضحكته الساخرة!
(9)
لا تصالح
فليس سوى أن تريد
أنت فارسُ هذا الزمان الوحيد
وسواك.. المسوخ!
(10)
لا تصالحْ
لا تصالحْ
-
الطيور
http://www.sonsofegypt.net/library/a_d/al6uor.wma
الطيور مشرّدةٌ في السماوات..
مشرّدة ليس لها أن تحطّ على الأرض..
ليس لها غير أن تتقاذَفَها فَلَواتُ الرياح!
ربّما تتنزّلُ..
تتنزّلُ كي تستريحَ دقائق..
فوق النخيلِ..
النجيلِ..
التماثيل..
أعمدةِ الكهرباء..
حوافِ الشبابيكِ والمشربياتِ..
والأسطحِ الخرسانية..
اهدأْ..
اهدأ..
ليلتقطَ القلبُ تنهيدة..
والفمُ العذبُ تغريدة..
والقط الرزق..
القط الرزق..
سرعان ما تتفزّعُ..
من نقلةِ الرّجْل..
من نبلةِ الطفل..
من ميلةِ الظلّ عبرَ الحوائط..
من حصواتِ الصياح!
..
الطيورُ معلّقةٌ في السموات..
في يد العنكبوتِ الفضائيّ: الريح..
مرشوقةٌ في امتداد السهامِ المضيئة للشمس..
رفرِفْ..
رفرِفْ..
فليسَ أمامَك - والبشرُ المستبيحونَ والمستباحون: صاحون - ليس أماَمكَ غيرُ الفرارْ..
الفرارُ الذي يتجدّد.. كلَّ صباح!
..
والطيورُ التي أقعدَتها مخالطةُ الناس..
مرّت طُمأنينةُ العيشِ فوقَ مناسرِها.. فانتَخَتْ..
وبأعينِها.. فارتَخَتْ..
وارتَضَتْ أن تقأقئ حولَ الطعامِ المُتاحْ..
ما الذي يتبقّى لها غيرُ سكّينةِ الذَبْح!
غيرُ انتظارِ النهاية؟!
إنّ اليدَ الآدميةَ - واهبةَ القمح - تعرفُ كيفَ تَسِنُّ السلاح!
..
الطيورُ .. الطيورْ..
تحتوي الأرضُ جثمانها.. في السقوطِ الأخيرْ!
والطيورُ التي لا تطيرْ.. طَوَتِ الريشَ واستَسْلَمَتْ..
هل تُرى عَلِمَتْ أنّ عمرَ الجنَاحِ قصيرٌ..قصيرْ؟!
الجنَـاحُ حيـاة..
والجنـاحُ ردى..
والجنـاحُ نَجـاة..
والجنـاحُ سـُدى..
الجنـاحُ سـُدى..
يتبع ..
http://www.sonsofegypt.net/library/a_d/takwen.wma
(الإصحاح الأول)
في البدء كنت رجلا.. وامرأة.. وشجرة..
كنتُ أباً.. وابنا.. وروحاً قدُسا.
كنتُ الصباحَ.. والمسا..
والحدقة الثابتة المدورة..
..
وكان عرشي.. حجراً على ضفاف النهر..
وكانت الشياه.. ترعى..
وكان النحلُ حول الزهرُ.. يطنُّ..
والإوزُّ يطفو في بحيرة السكون..
والحياة.. تنبضُ.. كالطاحونة البعيدة..
حين رأيت أن كل ما أراه.. لا ينقذُ القلبَ من الملل!
"مبارزاتُ الديكة".. كانت هي التسلية الوحيدة.. في جلستي الوحيدة.. بين غصون الشجر المشتبكة!
(الإصحاح الثاني)
قلتُ لنفسي.. لو نزلت الماء.. واغتسلت.. لانقسمت!
لو انقسمت.. لازدوجت.. وابتسمتْ..
وبعدما استحممت..
تناسجَ الزهرُ وشاحاً من حرارة الشفاهْ..
لففتُ فيه جسدي المصطكّ..
وكان عرشي طافيا.. كالفلك..
ورف عصفور على رأسي.. وحط ينفض البلل..
حدقت في قرارة المياه..
حدقت..
كان ما أراه..
وجهي.. مكللا بتاج الشوك..
(الإصحاح الثالث)
قلتُ: فليكن الحبُ في الأرض.. لكنه لم يكن..
قلتُ: فليذهب النهرُ في البحرُ.. والبحر في السحبِ.. والسحب في الجدبِ.. والجدبُ في الخصبِ..
ينبت خبزاً ليسندَ قلب الجياع، وعشباً لماشية الأرض..
ظلا لمن يتغربُ في صحراء الشجنْ..
ورأيتُ ابن آدم ينصب أسواره حول مزرعة الله..
يبتاع من حوله حرسا.. ويبيع لإخوته الخبز والماء..
يحتلبُ البقراتِ العجاف.. لتعطى اللبن..
قلتُ فليكن الحب في الأرض.. لكنه لم يكن..
أصبح الحب.. ملكاً لمن يملكون الثمن!
..
ورأى الربُّ ذلك غير حسنْ..
..
قلت: فليكن العدلُ في الأرض.. عين بعين.. وسن بسن..
قلت: هل يأكل الذئب ذئباً، أو الشاه شاة؟
ولا تضع السيف في عنق اثنين: طفل.. وشيخ مسن..
ورأيتُ ابن آدم يردى ابن آدم..
يشعل في المدن النارَ..
يغرسُ خنجرهُ في بطون الحواملِ..
يلقى أصابع أطفاله علفا للخيول..
يقص الشفاه وروداً تزين مائدة النصر.. وهى تئن..
أصبح العدل موتاً، وميزانه البندقية..
أبناؤهُ صلبوا في الميادين، أو شنقوا في زوايا المدن..
قلت: فليكن العدل في الأرض.. لكنه لم يكن..
أصبح العدل.. ملكاً لمن جلسوا فوق عرش الجماجم بالطيلسان الكفن!
..
ورأى الرب ذلك غير حسنْ!
..
قلت: فليكن العقل في الأرض.. تصغي إلى صوته المتزن..
قلت: هل يبتنى الطير أعشاشه في فم الأفعوان؟
هل الدود يسكن في لهب النار؟
والبوم هل يضع الكحل في هدب عينيه؟
هل يبذر الملح من يرتجى القمح حين يدور الزمن؟
ورأيت ابن آدم وهو يجن، فيقتلع الشجر المتطاول..
يبصق في البئر..
يلقى على صفحة النهر بالزيت..
يسكن في البيت؛ ثم يخبئ في أسفل الباب قنبلة الموت..
يؤوى العقارب في دفء أضلاعه..
ويورث أبناءه دينه.. واسمه.. وقميص الفتن..
أصبح العقل مغترباً يتسول..
يقذفه صبية بالحجارة..
يوقفه الجند عند الحدود..
وتسحب منه الحكومات جنسية الوطني..
وتدرجه في قوائم من يكرهون الوطن..
قلت: فليكن العقل في الأرض.. لكنه لم يكن..
سقط العقل في دورة النفي والسجن.. حتى يجن!
..
ورأى الرب ذلك غير حسن!
..
(الإصحاح الرابع)
قلت: فلتكن الريح في الأرض؛ تكنس هذا العفن..
قلت: فلتكن الريح والدم..
تقتلع الريح هسهسة الورق الذابل المتشبث!
يندلع الدم حتى الجذور.. فيزهرها ويطهرها.. ثم يصعد في السوق..
والورق المتشابك، والثمر المتدلي.. فيعصره العاصرون نبيذاً يزغرد في كل دن..
قلت: فليكن الدم نهراً من الشهد ينساب تحت فراديس عدن..
هذه الأرض حسناء، زينتها الفقراء لهم تتطيب..
يعطونها الحب، تعطيهم النسل والكبرياء..
قلت: لا يسكن الأغنياء بها..
الأغنياء الذين يصوغون من عرق الأجراء نقود زنا..
ولآلئ تاج..
وأقراط عاج..
ومسبحة للرياء..
إنني أول الفقراء الذين يعيشون مغتربين..
يموتون محتسبين لدى العزاء..
قلت: فلتكن الأرض لى.. ولهم!
وأنا بينهم..
حين أخلع عنى ثياب السماء..
فأنا أتقدس في صرخة الجوع فوق الفراش الخشن!
(الإصحاح الخامس)
حدقت في الصخر وفى الينبوع..
رأيت وجهي في سمات الجوع!
حدقت في جبيني المقلوب..
رأيتني: الصليب والمصلوب..
صرخت..
صرخت.. كنت خارجاً من رحم الهناءة..
صرخت؛ أطلب البراءة..
كينونتي: مشنقتي..
وحبلي السري كان:
حبلها..
المقطوع!
-
من أوراق "أبو نواس"
http://www.sonsofegypt.net/library/a_d/abo-nawass.wma
( الورقة الأولى )
خارجين من الدرس كنا..
وحبر الطفولة فوق الرداء..
والعصــافــــير تمرق عبر البيوت..
وتهبط فوق النخيل البعيد..
"ملكٌ أم كتابة؟"، صاح بي..
فانتبهتُ..
ورفَّتْ ذُبابة حول عينين لامعتين..
فقلتْ : الكتابه..
فَتَحَ اليدَ مُبتَسماً:
كانَ وجهُ المليكِ السَّعيدْ بَاسِماً في مهابه !
"ملكٌ أم كتابة؟"، صحتُ فيه بدوري..
فرفرف في مُقلتيهِ الصِبَّا والنِجابه..
وأجابَ : الملكْ..
(دون أن يتلَعَثَمَ أو يرتَبِكْ !)
وفَتحتْ يدي..
كانَ نقشُ الكتابه..
بارزاً في صلابه !
دارت الأرضْ دوراتهَا..
حَمَلَتْنَاَ الشَّواديفُ من هدأة النهرِ..
ألقتْ بنا في جداول أرض الغَرَابه..
نتفرَّق بينَ حقول الأسى.. وحقول الصبابه..
والتقينا..
قطرتْين إلتقينا على سُلَّم القَصرِ..
ذاتَ مسَاء وحيدْ..
كُنتُ فيه : نديمَ الرشيد !
بينما صاَحِبي.. يتولى الحجابه!
( الورقة الثانية )
مَنْ يَمْلِكُ العُملهَ يُمسكُ بالوجهيْن !
والفقراءُ : بَيْنَ بيْنْ !
( الورقة الثالثة )
نائماً كنتُ جانبه : وسمعتُ الحرسْ يُوقِظُون أبي..
- خَارِجيُّ !
- أنا.. ؟!
- مَاَرِقٌ !!
- مَنْ ؟! أنا ؟!!!!
صَرَخَ الطِفلُ في صدرِ أمّي..
(وأمي َ محلولةُ الشَّعر.. واقفةُ في ملابسها المنزلية)
- إخرَسوا !
وإختبأنا وراءَ الجِدار..
- إخرَسوا !!
وتسللَ في الحلق خيطٌ من الدم..
كان أبي يُمسِكُ الجُرحَ..
يُمسكُ قامته.. ومَهَابَتَه العائليه !
- يا أبي..
- إخرسوا !
وتواريتُ في ثوب أمِّيَ..
والطِّفلُ في صدرها ما نَبَسْ..
ومَضوا بأبي..
تاركين لنا اليُتم.. مُتَّشِحاً بالخَرَس !!!
( الورقة الرابعة )
أيُهَا الشِعرُ..
يا أيُها الفَرَحُ المُخْتَلَسْ..
كُلُّ ما كُنتُ أكتُبُ في هذه الصفحة الورقيه..
صادرتهُ العَسسْ !
( الورقة الخامسة )
وأمي خادمةٌ فارسيَّة..
يَتَنَاقَلُ سَادتُها قهوةَ الحب وهي تدير الحَطبُ..
يتبادلُ سادتُها النظرات لأردَافِهِا بينما تنْحني لِتُضئ اللَّهب..
يتندَّر سادتُها الطيِّبون بلهجتها الأعجميَّه..
نائماً كُنتُ جانِبَها..
ولمحت ملاكَ القُدُسْ..
ينحني.. ويُرَبِّتَ وجنَتَها..
وتراخى الذراعانِ عني.. قليلاً.. قليلاً..
وسارتْ بقلبي قشعريرة الصمت:
- أمِّي !
وعَادَ لي الصوتُ..
- أمَّي !!!
وجاوبني الموتُ..
- أمَّي !!
وعانقتها.. وبكيتُ..
وغَامَ بي الدَّمعُ.. حتى إحتَبَسْ..
( الورقة السادسة )
لا تسألني إن كانَ القرآنْ مَخلوقاً.. أو أَزَليّ..
بل سَلْنِي إن كان السُّلطانْ لِصاً.. أو نِصفَّ نبيّ !!
( الورقة السابعة )
كنتُ في كَرْبلاْْء،
عندما قال لي الشيخُ إن الحُسينْ ماتَ من أجلِ جرعةِ ماءْ !
وتساءلتُ : كيف السيوفُ إستباحتْ بني الأكرمين ؟!
فأجاب الذي بصَّرتْه السَّماء :
إنه الذَّهب المتلألئُ في كلَّ عينْ..
إن تكُن كلماتُ الحسينْ..
وسُيوفُ الحُسينْ..
وجَلالُ الحُسينْ..
سَقَطَتْ.. دون أن تنقذ الحقَّ مِن ذَهب الأمراءْ..
أفتقدرُ أن تنقذ الحقَّ: ثرثرةُ الشُّعراء؟
والفُراتُ لسانٌ مِن الدم لا يجدُ الشَّفَتينْ!
ماتَ مِنْ أجلِ جرعة ماءْ !
فإسقني يا غُلام.. صباحَ مساء..
إسقني يا غُلام..
ربما بالمُدام.. أتناسى الدماءْ !!
..
آهٍ..
من يوقف في رأسي الطواحين..
ومن ينزع من قلبي السكاكين..
ومن يقتل أطفالي المساكين لئلا يكبروا في الشقق المفروشة الحمراء خدّامين..
من يقتل أطفالي المساكين لكيلا يصبحوا في الغد شحاذين..
يستجدون أصحاب الدكاكين وأبواب المرابين..
يبيعون لسيارات أصحاب الملايين الرياحين..
وفي المترو يبيعون الدبابيس وياسين..
وينسلون في الليل يبيعون الجعارين لأفواج الغزاة السائحين..
..
هذه الأرض التي ما وعد الله بها..
من خرجوا من صلبها..
وانغرسوا في تربها..
وانطرحوا في حبها مستشهدين..
فادخلوها بسلام آمنين..
ادخلوها بسلام آمنين..
-
لا تصالح
http://www.sonsofegypt.net/library/a_d/la-tousale7.wma
لا تصالحْ!
..ولو منحوك الذهب
أترى حين أفقأ عينيك
ثم أثبت جوهرتين مكانهما..
هل ترى..؟
هي أشياء لا تشترى..:
ذكريات الطفولة بين أخيك وبينك،
حسُّكما - فجأةً - بالرجولةِ،
هذا الحياء الذي يكبت الشوق.. حين تعانقُهُ،
الصمتُ - مبتسمين - لتأنيب أمكما..
وكأنكما
ما تزالان طفلين!
تلك الطمأنينة الأبدية بينكما:
أنَّ سيفانِ سيفَكَ..
صوتانِ صوتَكَ
أنك إن متَّ:
للبيت ربٌّ
وللطفل أبْ
هل يصير دمي -بين عينيك- ماءً؟
أتنسى ردائي الملطَّخَ بالدماء..
تلبس -فوق دمائي- ثيابًا مطرَّزَةً بالقصب؟
إنها الحربُ!
قد تثقل القلبَ..
لكن خلفك عار العرب
لا تصالحْ..
ولا تتوخَّ الهرب!
(2)
لا تصالح على الدم.. حتى بدم!
لا تصالح! ولو قيل رأس برأسٍ
أكلُّ الرؤوس سواءٌ؟
أقلب الغريب كقلب أخيك؟!
أعيناه عينا أخيك؟!
وهل تتساوى يدٌ.. سيفها كان لك
بيدٍ سيفها أثْكَلك؟
سيقولون:
جئناك كي تحقن الدم..
جئناك. كن -يا أمير- الحكم
سيقولون:
ها نحن أبناء عم.
قل لهم: إنهم لم يراعوا العمومة فيمن هلك
واغرس السيفَ في جبهة الصحراء
إلى أن يجيب العدم
إنني كنت لك
فارسًا،
وأخًا،
وأبًا،
ومَلِك!
(3)
لا تصالح ..
ولو حرمتك الرقاد
صرخاتُ الندامة
وتذكَّر..
(إذا لان قلبك للنسوة اللابسات السواد ولأطفالهن الذين تخاصمهم الابتسامة)
أن بنتَ أخيك "اليمامة"
زهرةٌ تتسربل -في سنوات الصبا-
بثياب الحداد
كنتُ، إن عدتُ:
تعدو على دَرَجِ القصر،
تمسك ساقيَّ عند نزولي..
فأرفعها -وهي ضاحكةٌ-
فوق ظهر الجواد
ها هي الآن.. صامتةٌ
حرمتها يدُ الغدر:
من كلمات أبيها،
ارتداءِ الثياب الجديدةِ
من أن يكون لها -ذات يوم- أخٌ!
من أبٍ يتبسَّم في عرسها..
وتعود إليه إذا الزوجُ أغضبها..
وإذا زارها.. يتسابق أحفادُه نحو أحضانه،
لينالوا الهدايا..
ويلهوا بلحيته (وهو مستسلمٌ)
ويشدُّوا العمامة..
لا تصالح!
فما ذنب تلك اليمامة
لترى العشَّ محترقًا.. فجأةً،
وهي تجلس فوق الرماد؟!
(4)
لا تصالح
ولو توَّجوك بتاج الإمارة
كيف تخطو على جثة ابن أبيكَ..؟
وكيف تصير المليكَ..
على أوجهِ البهجة المستعارة؟
كيف تنظر في يد من صافحوك..
فلا تبصر الدم..
في كل كف؟
إن سهمًا أتاني من الخلف..
سوف يجيئك من ألف خلف
فالدم -الآن- صار وسامًا وشارة
لا تصالح،
ولو توَّجوك بتاج الإمارة
إن عرشَك: سيفٌ
وسيفك: زيفٌ
إذا لم تزنْ -بذؤابته- لحظاتِ الشرف
واستطبت- الترف
(5)
لا تصالح
ولو قال من مال عند الصدامْ
".. ما بنا طاقة لامتشاق الحسام.."
عندما يملأ الحق قلبك:
تندلع النار إن تتنفَّسْ
ولسانُ الخيانة يخرس
لا تصالح
ولو قيل ما قيل من كلمات السلام
كيف تستنشق الرئتان النسيم المدنَّس؟
كيف تنظر في عيني امرأة..
أنت تعرف أنك لا تستطيع حمايتها؟
كيف تصبح فارسها في الغرام؟
كيف ترجو غدًا.. لوليد ينام
-كيف تحلم أو تتغنى بمستقبلٍ لغلام
وهو يكبر -بين يديك- بقلب مُنكَّس؟
لا تصالح
ولا تقتسم مع من قتلوك الطعام
وارْوِ قلبك بالدم..
واروِ التراب المقدَّس..
واروِ أسلافَكَ الراقدين..
إلى أن تردَّ عليك العظام!
(6)
لا تصالح
ولو ناشدتك القبيلة
باسم حزن "الجليلة"
أن تسوق الدهاءَ
وتُبدي -لمن قصدوك- القبول
سيقولون:
ها أنت تطلب ثأرًا يطول
فخذ -الآن- ما تستطيع:
قليلاً من الحق..
في هذه السنوات القليلة
إنه ليس ثأرك وحدك،
لكنه ثأر جيلٍ فجيل
وغدًا..
سوف يولد من يلبس الدرع كاملةً،
يوقد النار شاملةً،
يطلب الثأرَ،
يستولد الحقَّ،
من أَضْلُع المستحيل
لا تصالح
ولو قيل إن التصالح حيلة
إنه الثأرُ
تبهتُ شعلته في الضلوع..
إذا ما توالت عليها الفصول..
ثم تبقى يد العار مرسومة (بأصابعها الخمس)
فوق الجباهِ الذليلة!
(7)
لا تصالحْ، ولو حذَّرتْك النجوم
ورمى لك كهَّانُها بالنبأ..
كنت أغفر لو أنني متُّ..
ما بين خيط الصواب وخيط الخطأ.
لم أكن غازيًا،
لم أكن أتسلل قرب مضاربهم
أو أحوم وراء التخوم
لم أمد يدًا لثمار الكروم
أرض بستانِهم لم أطأ
لم يصح قاتلي بي: "انتبه"!
كان يمشي معي..
ثم صافحني..
ثم سار قليلاً
ولكنه في الغصون اختبأ!
فجأةً:
ثقبتني قشعريرة بين ضعلين..
واهتزَّ قلبي -كفقاعة- وانفثأ!
وتحاملتُ، حتى احتملت على ساعديَّ
فرأيتُ: ابن عمي الزنيم
واقفًا يتشفَّى بوجه لئيم
لم يكن في يدي حربةٌ
أو سلاح قديم،
لم يكن غير غيظي الذي يتشكَّى الظمأ
(8)
لا تصالحُ..
إلى أن يعود الوجود لدورته الدائرة:
النجوم.. لميقاتها
والطيور.. لأصواتها
والرمال.. لذراتها
والقتيل لطفلته الناظرة
كل شيء تحطم في لحظة عابرة:
الصبا - بهجةُ الأهل - صوتُ الحصان - التعرفُ بالضيف - همهمةُ القلب حين يرى برعماً في الحديقة يذوي - الصلاةُ لكي ينزل المطر الموسميُّ - مراوغة القلب حين يرى طائر الموتِ
وهو يرفرف فوق المبارزة الكاسرة
كلُّ شيءٍ تحطَّم في نزوةٍ فاجرة
والذي اغتالني: ليس ربًا..
ليقتلني بمشيئته
ليس أنبل مني.. ليقتلني بسكينته
ليس أمهر مني.. ليقتلني باستدارتِهِ الماكرة
لا تصالحْ
فما الصلح إلا معاهدةٌ بين ندَّينْ..
(في شرف القلب)
لا تُنتقَصْ
والذي اغتالني مَحضُ لصْ
سرق الأرض من بين عينيَّ
والصمت يطلقُ ضحكته الساخرة!
(9)
لا تصالح
فليس سوى أن تريد
أنت فارسُ هذا الزمان الوحيد
وسواك.. المسوخ!
(10)
لا تصالحْ
لا تصالحْ
-
الطيور
http://www.sonsofegypt.net/library/a_d/al6uor.wma
الطيور مشرّدةٌ في السماوات..
مشرّدة ليس لها أن تحطّ على الأرض..
ليس لها غير أن تتقاذَفَها فَلَواتُ الرياح!
ربّما تتنزّلُ..
تتنزّلُ كي تستريحَ دقائق..
فوق النخيلِ..
النجيلِ..
التماثيل..
أعمدةِ الكهرباء..
حوافِ الشبابيكِ والمشربياتِ..
والأسطحِ الخرسانية..
اهدأْ..
اهدأ..
ليلتقطَ القلبُ تنهيدة..
والفمُ العذبُ تغريدة..
والقط الرزق..
القط الرزق..
سرعان ما تتفزّعُ..
من نقلةِ الرّجْل..
من نبلةِ الطفل..
من ميلةِ الظلّ عبرَ الحوائط..
من حصواتِ الصياح!
..
الطيورُ معلّقةٌ في السموات..
في يد العنكبوتِ الفضائيّ: الريح..
مرشوقةٌ في امتداد السهامِ المضيئة للشمس..
رفرِفْ..
رفرِفْ..
فليسَ أمامَك - والبشرُ المستبيحونَ والمستباحون: صاحون - ليس أماَمكَ غيرُ الفرارْ..
الفرارُ الذي يتجدّد.. كلَّ صباح!
..
والطيورُ التي أقعدَتها مخالطةُ الناس..
مرّت طُمأنينةُ العيشِ فوقَ مناسرِها.. فانتَخَتْ..
وبأعينِها.. فارتَخَتْ..
وارتَضَتْ أن تقأقئ حولَ الطعامِ المُتاحْ..
ما الذي يتبقّى لها غيرُ سكّينةِ الذَبْح!
غيرُ انتظارِ النهاية؟!
إنّ اليدَ الآدميةَ - واهبةَ القمح - تعرفُ كيفَ تَسِنُّ السلاح!
..
الطيورُ .. الطيورْ..
تحتوي الأرضُ جثمانها.. في السقوطِ الأخيرْ!
والطيورُ التي لا تطيرْ.. طَوَتِ الريشَ واستَسْلَمَتْ..
هل تُرى عَلِمَتْ أنّ عمرَ الجنَاحِ قصيرٌ..قصيرْ؟!
الجنَـاحُ حيـاة..
والجنـاحُ ردى..
والجنـاحُ نَجـاة..
والجنـاحُ سـُدى..
الجنـاحُ سـُدى..
يتبع ..