د. يحي الشاعر
27-04-2009, 08:31 PM
عـرض كـتـاب هــل كان عـبد الـناصر ديكـتـاتوراً بقلم الدكـتور عـصـمت سـيـف الـدولـة
تعود علينا يوم 28 سيتمير ذكرى وفاة الرجل ... الذى يتفق عليه محبيه ومعارضيه ....
كان رجل ... أحب أمته ...
وسأنشر عدة مقارت منقولة فة محاولة لكشف الستار عن بعض المجهول ... وتدعيما لمن بود أن يناقش ... ولا ينزلق أو يسعى لأسلوب بعيد عن الموضوعية
السطور تخمل معلومات ... وهذا هو المهم ... وبعد تجميه المعلومات .... سيمكن العديد منا المناقشة ... والنقد البناء .. من أجل توضيح فترة الخمسينيات والستينيات
فلألسف .. وصلنا بنا الوضع فى مصر إلى أن ستسم "سطور حكايات الراقصات ... والداعرات " بمصداقية تعلوا على ... معلومات الباحثين والمؤرخين والحقائق التى تكشف عنهم الوصائق
نتمتع بالحرية فى قراءة الموضوع ... ورفضه كاملا أو جزئيا ... كما يحق لنا أيضا أن نعبر عن أرائنا
ومن لا يعجبه رأينا ... فهو حر ...
د. يحى الشاعر
الموضوع منقول حرفيا من
المصدر (http://alfikralarabi.net/vb/showthread.php?t=1234)
اقتباس:
عـرض كـتـاب
هــل كان عـبد الـناصر ديكـتـاتوراً
محـمـد يـوســـف
الكـتاب هـو من أهـم الكتب ـ إن لـم يكـن أهـمها ـ التى تعـرضت لـقـضية الديموقراطية فى الـفـكر والـممارسة الناصرية إبـان تـشـيـيـد المرتـكـزات الأساسية للمـشروع النهـضوى العـربى الذى قــاده جـمال عـبد الناصر خلال الفـتـرة من 1952 الى 1970 .
وهـو الكـتاب الذى تـضمن عـرضاً واضحـاً ومفصلاً للمنظور الـناصرى للديمقراطية .. وكيف أن هـذا المنظور قـد جـاء مـميـزاً ومتمايـزاً فيما قـد تعـلق بالسلطة والـثـروة والجـماهـيـر ، عـن المنظور اللـيـبرالى ، وعـن المنظور الماركسى ، وعـن منظور الإخـوان المسلميـن .. إن فى فكر كل منهم ، أو فى ممارستـه .. وقـد كانت تـلك هـى المدارس الفكرية وأوعـية الحـراك السياسى التى جـاءت المدرسة الناصرية ووجـدتها عـلى الساحة فى مصر والوطن العـربى ،
وكان أن كشـفت الناصرية عـن واكتـشفت عـجز تـلك المدارس عـن التـعـبـير عـن جماهـيـر الشعـب والإنحـياز لـهـا .. فـلم يكن أمامها إلا أن تـبـتـدع طريقها الخاص لتحـقيـق ذلك الإنحـيـاز الصريح والمعـلن للأغـلبـية الساحقة الغـائبة من الجماهـيـر .. فـكـراً وممارسة .
إن الكـتـاب يمثـل كـما يقـول ناشـره " صـرخـة الـحــق فى وجـه الـباطـل الـذى يحــاول الـبعـض إلصـاقه بـثـورة عـبد الناصـر من مواقـع مخـتـلفة ، وبـدوافع مخـتـلفة ، إنـه كتـاب للـملـتـزميـن بقـضيـة هـذه الأمــة عـن وعـى وإيـمـان " .
والكـاتـب .. هـو واحـد من أبـرز مـشـاعـل الإسـتـنـارة والتحـريض فى الفـكـر القـومى العـربى ، والـذى تـمـنطـق وعـيـه بأهـمية أمـتـه ، ودورها الحضارى والتاريخى ، وحقـهـا فى مسـتـقـبـل هـى خـليـقـة بـه وتسـتحـقـه .. وأهـمية أن يـتعـرف شـبابها عـلى معـالم طريقهـم الى مسـتـقـبـل أمـتـهـم .. وإدراكــه . وبعــد أن تـمـنـطـق وعـيه هــذا ، أوقـف عـمره كـله لـيـنـقـله الى شـبــاب هـذه الأمـة وشـيـبـهـا ، ولـيـدعـوهـم إليه .. ويحـرضهـم عـليـه .
بـذلك يـكـون الكاتب هـو الدكـتور عـصـمت سـيـف الـدولـة .
والـمكـتـوب عـنـه .. هـو جـمال عـبد النـاصـر حسـيـن الـسـيد عـثـمان ( وهـذا هـو إسـمه بالـكامـل ) .. فـيـض من الـنـبالة والبـطولة والشـرف وصـدق الإنـتـمـاء ، هـبط عـلى هـذه الأمـة فى لحـظـة هـى الأخـطر والأهـم فى كـل تاريخـهـا الحـديث وحتى كتابة هـذه السطور عـلى الأقـل .
رجـل ليـس أصـدق ما يقـال فى حـقـه ، من تـلك الـعـبـارة التى نقـشـت عـلى الجرانـيـت الذى جـلب من أســـوان ليـغـطـى قـبـره " رجـل عـاش من أجـل أمـتـه واسـتـشـهـد فى سبـيـلهـا " .
إنـه الـذى اسـتحضـر فى وعـيه ووجـدانـه وإبصـاره وبصـيـرته ، مـجـد أمـته وحـقـها فى الحــــاضـر وفى الـمسـتـقـبـل ، وعـقـد الـعــزم عـلى أن يـقـود أبـنائهـا الغـائبـيـن والمهـمشيـن والمسحـوقيـن لإنـتـزاع حـقـهـم المشـروع فى الحـيـاة ، من الذيـن اعـتـدوا ونهـبوا واسـتـغـلوا
.. وتعـالوا وخـانـوا .. ووافـقـته الجماهـيـر وسـانـدته وسـنـدته ، فى نضـاله الـنبـيـل لإنـتـزاع هـذا الـحـق من مغــتصـبـيه إن اخـتـياراً أو جــبـراً .
واخـتار أعـداء الأمـة الـجـبـر .. وكان عـبد الناصر وأبـناء الأمة لـهـا ، فـدارت دورة نـضـال وكـفاح مـريـر وعـنيف .. بـقـدر مـا كـان نبـيلاً وشـريفاً .. و قـدوة لـكـل الشـعـوب المغـلوبة والمقهـورة والـساعـية لإنـتـزاع حـقـهـا فى الحـياة ، عـلى طول الأرض وعـرضها .
( 2 )
وفى أتـون عـملية الـنـضـال من أجـل إرســاء مـرتكـزات المشروع النهـضوى العـربى ، لـم يتـردد عـبد الناصـر فى أن ينـحـت بالـفكـر والـممارسة مفهـومه الـشامخ والصحيح للديمقراطية ، باعـتـبارها تـلك الـمنظـومة السياسية والإقـتصادية والإجتماعـية التى لا بـد أن تـنــتج حـرية الـوطن ، وأن تـنتج الـعـدل الإجـتـماعـى .. وأن تـنتج وحدة الأرض والتاريخ والـبشـر والإمكانات العـربـية . وأن ذلك لـن يتحـقـق إلا باسـتحـواذ الأغـلبـية الغـائـبة والمسـحـوقـة عـلى الـسلـطة والـثـروة .. لتـصنع بهـما قـرارهـا الذى يحـقـق مصالحهـا فى الحرية والإشـتراكية والـوحـدة .
وكان هـذا المجال تحـديداً ـ مفهـوم الديمقراطية ـ هـو مجـال الإتـفـاق المطـلق بيـن القـــائد الذى قـاد مشروع النهـضة ، وهـو جمال عـبد الناصر .. وبيـن المثـقـف الذى عـاش فى ثـنايا هـذا المشروع ، ورأى جموع الجماهـيـر وكان معـها وهـى تـشـيـده ، فـتوحـد مع أهـدافه ومنجـزاته ، والـهـمه المشروع مـا ألهـمه ، فاجـتهـد فى أن يصيغ لـه أسـساً نظرية بعـد أن كـان قـد أصبح واقـعـاً عـملياً عـلى الأرض .. وهـو الدكتور عـصمت سـيف الدولة ، وغـيـره من المفكرين القـوميـيـن الكـبـار ، الذين سـاروا فى طـابـور الـفــكـر الـقـومى الطويـل .
( 3 )
هـل كـان عـبد الناصر ديكتاتوراً ؟
يحــدد الدكـتور عـصمت سيـف الـدولة " تـشـريعـاً " يتعـيـن عـلى كـل من يـريـد " محــاكمة " عـبد الـنـاصر الإلـتـزام بـه ، كـشـرط حـاكـم ، لإقــامة العـدل والـمنـطـق والـموضوعـية فى " المحـاكمة " ، باعـتـبار أن أى محاكـمة بــلا تـشـريع ، ليست إلا صـراعـاً فى غــابة ، يخــرج عـن أى ضـابـط أو مرجـعـية من أى نــوع .. ويستـطيـع فـيها الحـاضر أن يـنـهــش لحـم الغـائـب ، ليـس بقـوة المنطـق والـوقائع ، ولكن فـقـط بضـعـف الـغـيـاب .. فـيـقـول :
" ... فـدعـونا نـتـفـق من الآن عـلى أمـريـن :
الأول .. أن يحاول كل منا ، وبقدر ما يستطيع ، أن يحتـفظ لنفسه بأحكامه عـلى مشكلة الديـمقراطية أو عـلى عـبد الناصر .. الى أن ينـتـهى الحـديـث عـلى الأقــل ... فـليس أسخـف من القول ( لوكنت مكان عـبد الناصرلفعـلت كـذا .. ) إلا القول ( لوكنت عـبد الناصر لفعـلت كـذا .. ) فـلا أحـد غـيـر عـبد الناصر كـان فى مكـانه . وعـبد الـناصر الـذى مـات لا يـتـكـرر .
الثـانى .. إذا لـم تـكن الحـيدة ممكنة فعـلى كل واحد أن يحدد موقـفه من حرية وطنه قبل أن يحــدد موقـفه من حـريـته الشخـصية . وقـبل أن يـتـشـدق أى واحــد مـنا بالكـلـمات الكبيرة عـن الديمقراطية ، عـليه أن يخـتار بين الإستـقلال وبيـن الـتـبعـية . لقـد اخـتار عـبد الناصر قائـد ثـورة يوليـو حــرية الوطن واستـقـلاله منذ البداية . وقضى وهـو فى ميدان معـارك التحرر العـربى ، وسيـكون عـلى أى منـصف مهـما يـكن إخـتــياره ، أن يـتـتـبع تاريخ الرجل مع مشـكلة الديـمقراطية فى مصــر ، إنـطـلاقاً من البـداية الـتى اخــتـارها الرئيس الراحـل .. إلى الـنهـــايـة .
ثـم يـبـدأ الدكتور عـصمت عـرض مسـاجـلات المحاكمة ، فـيقـول فى حـسـم :
" ... أمـا الـذيـن لا يــرون عـلاقـة بـيـن معـارك الـتحـرر الوطـنى ومـشـكلة الـديـمـقـراطـية فهــم جاهـلون . وأما الذين يرفعـون أصواتهم فوق صوت المعـركة ، هاتـفين للديمقراطية ، فهــم يـريـدون أن يـنسحـبوا من المعـركة تحت غـطاء الدعـوة الى الديمقراطية ، إنهم يـريدون ـ نـفـاقـاً ـ أن يــقـال عـنهـم ديـمقراطـيون ، بـــدلاً من انـهـزامـيـيـن .
ولقـد طالت ـ يسـتـطــرد الدكـتور ـ معـارك التحــرر الوطـنى التى خـاضتها ثورة 23 يوليو تحت قيادة عـبد الناصر ، حتى كادت أن تستغـرق كل حـياتها ، وأثـرت فى مشكلة الديمقراطية وحـلها ... وقـد فـرضت تـلك المعـارك حـدوداً للحـرية عـلى الـثـورة وجمال عـبد الناصر ... وقـد واجــه عـبد الـناصر مـشكـلة الديـمقراطـية داخـل نـطـاق تـلك الحـدود ، لـم يـسـتـطع ، ولـم يـرغـب فى أن يـتـخـطاها ، بـدون إنـكـار لأثـرها عـلى المـشـكـلة وإمكـانات حلها . فـما هـى ـ يـسـأل الدكتور ـ تـلك الحـدود ؟ " .
وعـلى الـفــور يـجـيـب :
" ـ الإصـرار عـلى الوحـدة الوطـنية ، وعــدم الـسماح بأى صــراع اجـتـماعى حــاد ، أو سياسى عـنيف ، أو أية انـقـسامات فى الجـبهة الداخـلية . وقـد أثـر هـذا فى موقـفه من الأحـزاب التى لـم يـسمح بـتـعـددها أبـداً ، بالرغـم من أنه كان يـتـوقع نـشـوء الأحـزاب وتعــددها فى مصـر ، ولا يعـتـرض عـلــيه ...
( 4 )
ـ اسـتـمرار حـالة الطـوارىء ، بما يستـدعـيه ذلك من تركيـز السلطة ...
ـ صعـود القــوات الـمسلحة الى الـمركــز الأول من مراكـز القــوى فى الدولة ، عـلى أساس أنها الـمسـئـول الأول عـن ســلامة الـوطـن ...
ـ تـضخــم أجـهـزة الأمن الداخــلى ( أمن الـدولة ) والخــارجى ( المخابرات العـامة ...
ـ خـضـوع الإعـلام ووسـائـله ... لمقـتـضيات معـارك الـتحـرر .. وليـس من بين وظائف الإعـلام ، خـلال الصراع من أجـل الـتحـرر الوطـنى ، أن يـتـطوع بـوضع الحـقــائـق الإقـتصادية أو الإجـتماعـية أو السياسية أو العــسكرية ، تحت تصرف أجهزة الإستماع المعـادية . بل من وظـائفه أن يـذيـع ويـنـشـر ما يـخــدم معـركـته الوطـنـية " .
ويـدلـل الـدكـتور سيـف الـدولة عـلى صحـة ذلك بأمثـلة ذكـــر منها :
" بـلغ مجـموع الـسفـن الألمانـية الـتى أعـلن الحــلفاء إغـراقــها فى الحــرب الأوربــية الثــانية ، أضعـاف أضعـاف ما ملـكـته ألـمانيا من سفـن فى كــل تاريخــها منـذ غـزوات الـفايـكـنج .. وخـاضت مصـر وسوريا حــرباً إعـلامية مـدعـومة فـكـرياً وسـياسياً وإحــصــائياً ، استـمرت عـاماً ، ثــم انـتـهت فى لــقاء فى أقــل من خـمس دقــائـق ... " .
ـ تحـمل الإقـتـصاد الوطنى أعـباء المعـارك التحررية اقـتطاعـاً من بنية أقـتصادية ضعـيفة أصـلاً ... ولقد أصبحت تكلفة المعـارك أبهظ من أن تـطيقها الدول المتـقدمة اقـتصادياً ... " .
ورغـم هـذا الفهـم الرفيع ، الذى يقـدمه الدكتور فى طول الكتاب وعـرضه ، لوضع الــديمقراطية فى أوقـات تعـرض الأوطـان للخـطـر ، فـإنـه يـورد فـقــرة لا نـوافـقـه عـليها ، لأن معـناها يـصـب فى خانة الطقوس الديمقراطية الغـربـية الشكلية ، التى يـصدرونها لـنا ويـلـزمونا بـهـا وهــم غـيـر مقـتـنعـون بـها ، ولا يـلـتـزمونها . وهــو شخـصـياً ـ الـدكـتور ـ من أشــد الرافـضيـن لتـلك الطـقوس ، بدلـيـل قـصة سفن ألمانيا فى الحرب العـالمية الثانية التى أشار إليها منـذ لحـظة . ونضيف نحـن .. سـفـنـهـا وطائراتها أيضاً ، حيث كان تـشرشل الـذى لايـوجـد بـريطانى فى كـل تاريـخ بريطانيا ، من هـو أكـثـر منه شـهـرة ولا أكبـر منه مكانة .. كان أثـناء نـفس الحـرب قـابعاً فى مخـبئه تحت الأرض ، ليذيع عـلى مواطنيه أخـبـارإسـقـاط الـطائرات الألمانية المغـيرة عـلى لندن ، بأعـداد بلغ مجموعـها أكثـر من الأعـداد التى كـانت تملـكها كـل دول الحـلفاء وكـل دول المحـور، أى طـرفى الحـرب .. فى الوقـت الذى كادت لندن فيه أن تسوى بالأرض بفـعـل 246 غـارة جوية كانت تـتعـرض لهـا من تـلك الطائـرات يـومـياً ! .. إنهـا الحرب التى غـالباً لا تـترك لك أن تختار ماتـفـعـله ، بـل إنهـا قـد تـفـرض عـليك الذى تـفـعـله ، وفى مقــدمة ذلك ، تضـليل العـدو ـ من حـيث كونه عـدواً ـ بكـل الوسائـل ، وأولها الوسائـل غـيـر المشروعـة ( فى غـير زمن الحـرب ) والتى هـى ذاتهـا مــشروعـة فى زمـن الـحــرب ، إذ لـن تـكون لديـنا ديمقراطية من أى نوع ، فى حـال هـزيـمـتـنا ، وفى الـمـقـابـل انـتـصار الـعـدو الـذى رفـضـنا " تـضـليله " فـفـقـدنا حـماية الـوطــن ، فـكـأنـنا اخـتـرنـا الـهــزيـمة !! .
يقول الدكتور فى تـلك الفـقـرة التى نخالفـه الـرأى فـيها والتى عـلقـنا عـليها قـبل أن نـورد نصـها .. وهـذا خـطــأ نعـتـرف بـه :
( 5 )
" ولـما كانت معـرفـة الحـقائق هى المـادة الخــام التى يكون منها المواطنون آرائهم ، ويحددون عـلى ضوئها مواقـفهم ، ويمارسون عـلى أساسها حـرياتهم ، أو ينكصون عـن ممارستهـا ، فـإن كـل تـزيـيـف فى الحـقائق ولو كان لتضليـل الأعـداء وحـماية الوطن ، يـنعـكـس زيـفـاً عـلى الديـمقراطـية وممـارسـتـهـا " .
إن أمريكـا والغــرب الإستـعـمارى كـله واسـرائيـل ، يـزيـفـون الحقائق التى يقدمونها لمواطـنيـهـم عـلى مــدار الساعـة ، بـدون خـجـل أو وجـل ، بـدعـوى حماية " أمنهم القـومى " .. وحـيـن يعـتـدون عـليـنا فـإنهم ـ أيـضـاً بـدون خجـل أو وجـل ـ يــلـهـبون ظـهــورنا بسـيـاط " الشفافـية الديمقـراطية " الغـائـبة عـنـدنا ، والحاضرة عـندهـم شـكـلاً وغـائـبة موضـوعـاً !! .
بـعـد هـذه المداخـلة .. فـإنـنـا نعـلم تمامـاً ـ لمعـرفـتـنا بـه وقـت أن كــان بيـنـنا ـ أن روح المفـكر الكبـيـر سـوف تـقـبل منـا هـــذا الإعـتراض " العـارض " وسـوف يقـبله أيضاً مـنـا كل الـذيـن اسـتـنــاروا بإبـداعـاته الفكرية ، ونحـن منهـم .. ثـم نـسـتـمر .
ومـاذا بـعـــد ؟ .. يـواصـل الدكتور عـصمت ـ بمناسبة حديثـنا عـن المحاكمة ـ تــفـنيد دعـاوى " الإدعـاء " عـلى عـبد الـنـاصـر :
" يـقـولون ـ خـاصة الماركسيـون ـ إن الـثـورة ( التى ظـلوا لأكـثـر من عـشـر سنوات من بـدايتها يصفونها بأنها إنـقـلاب دبـرته طـليعـة الطبقة البرجوازية لإنـقاذ تـلك الطبقة من المأزق الذى أصبحت فيه بعـد الحـرب العـالمية الثانية وسقوط فلسطين ) قـد بـدأت بـدون نظـرية ، وأن كل شـىء كان خاضعـاً " للـتجــربة والـخـطـأ " .. وهـذا " خـطـأ " .
ويــورد الدكتور رد عـبد الناصر نفـسه عـلى هـذا الـقـول :
" فى يوم 21 مايو 1962 قـدم الرئيس الراحـل جمال عـبد الناصر الى المؤتمر الوطنى للـقـوى الشعـبـية ميـثـاق العـمل الوطنى بقـوله : " الميـثـاق عـبارة عـن مبـادىء عــامة وإطـاراً للعـمل أو للخـطة ... نـتـج عـن تجـربة وممارسـة عـشـر سنـوات ... كــانت فـترة مشيـنا فيـها بالتجـربة والخـطأ " .. وقــال يـوم 7 أبريل 1963 " ... لـم يكـن عـندنا منهج ، لم يكن عـندنا نظرية ، ولم يكن عـندنا منظمة شعـبـية ، ولكن كان عـندنا المبادىء الـسـتة " . وقـال يوم 25 نوفمبر 1961 " ... إيـه هى أهـداف النظرية ؟ أنا بأقول إنى مكنش مطلوب منى أطـلع فى يوم 23 يوليو معـايا كـتاب مطبوع ، وأقـول إن هـذا الكتاب هـو النـظرية ، مـسـتـحيـل . لو كنا قـعـدنا نعـمل الكتاب ده قبل 23 يوليو ما كناش عـملنا 23 يوليو ، لأن مكـناش نـقـدر نعـمل العـمليـتيـن فى وقـت واحــد " .
يعـلــق الدكتور عـصمت عـلى ذلك قـائـلاً :
" وهـكـذا مع الإعـتراف بغـيـبة النـظرية ، طرح ( عـبد الناصر ) المشكلة الفكرية طرحاً يـتـضمن الإشـارة الى سـباق بيـن الفـكر الذى لابـد لـه من الوقـت اللازم والكـافى لـنـضجه وبـلورته ، وهـو وقـت قـد يستـغـرق حياة جيـل أو أجيال .. وبيـن موقف مصر المتردى بسرعـة متـزايدة قـبـل 1952 ، مـما كان يسـتوجب الإنـقـاذ بالـممـكن بدون انـتـظار لـما يجـــب أن يكون . وكان الـممكن هـو ما عـرف باسـم المبادىء الـستة للـثورة ، ومن بـينها إقامة حـياة ديمقراطية سـليـمة " .
( 6 )
ويسـتـطـرد .. " بـدأ عـبد الناصر قائداً ينـتهج التجربة والخطأ أسلوباً . ولم يكن مثـقـفاً يملك كل الوقت اللازم للإجتهاد الفكرى المجرد ، ويملك ـ بشكل خاص ـ أن يحـجب أفكاره أو يـراجعـها أو يغـيـرها ، قبـل أن يـطرحها عـلى الناس أفعـالاً تـؤثر فى حـياتهم العـينية . ذلك لأنه كـان قـائد ثـورة مهـمـته الأولى أن يغـيـر ويـطور ، وينـفـذ ويـصحح فى الـواقـع الإجـتماعى بما يحـمله من أفـكـــار " .
ونـقـول نحـن .. إن التلازم والـترابط العـضوى بيـن الفكـر والعـمل ، كان هـو الأساس المحـورى الذى قـام عـليه ذلك التراكم الحـضارى الإنسانى ، منذ بـدء الخليقة الى أن يـرث الله
الأرض ومن عـليها . فـلم تخـل مسيـرة الإنسان الحضارية عـبر كـل تاريخـه من التجربة ولا من الخـطأ ولا من التصحيح .. وحـينما كان يلاحـظ الإنسـان ثـباتـاً للنـتائج حـينما يـتـكررالقـياس ، فـإنه كان يـشرع فى صياغـة القـواعـد والثوابت والقوانيـن ، وبلورة النظريات . وحين كانت تـتـقـدم المراحـل التاريخية والحضارية بالإنسـان ، كانت تظهـر ( أو تـفرض نفسها ) حاجـته الى تغـيـير المقايـيس والقوانين والنظريات .. بـل والبديهـيات ، ولم يكـن ذلك ليـحـدث ـ بأى حـال ـ إلا عـلى قاعـدة " الـتجـربة والـخـطأ والتصحيح " . والماركـسيون أنفسهم هـم الذيـن يقولون " إن الواقع هـو الذى ينـتج قوانيـنه " و هـم الذيـن يقولون " أن الـتـاريخ يعـود دائماً الى الواقع ليـصحح نـظريـاته " .
ويـشـير الدكتور عـصمت الى ذلك الجـدل العـلمى الذى يحـدث دائماً بيـن الـفكـر وبيـن الواقع ، وكـيف كان وعـى عـبد الناصر بـه ، واسـتعـداده الشخـصى للإستجابة لـه . فيقـول :
" ... قـد كان ـ بالضرورة ـ أكثـر قبولاً للتعـلم من التجربة من أصحاب النظريات ، وفى حياته تجـربة إنسانية خصيـبة لإمتـزاج التـقدم الفكرى بالتـقدم العـملى . فـقـد أعـطى التجربة أفكـاره ، واسـترد من التجربة أفـكاراً أكثر نـمواً ، فعـاد وأعـطاها للتجربة ، ثم استرد منها .. وهـكذا فى عـملية نـمو فكـرى خـصيـبة ، ما تـزال فى حاجة الى دراسات عـلمية مطــولة . إذ لا شك
فى أن دراسة عـبد الناصر المفـكر شىء أكـثر لـزوماً وفائـدة وصعـوبة من دراسة أى مفـكر آخـــــر ، لم يتحـمل بنـفسه عـبء وضع أفـكـاره موضع التـنـفيذ ، كما لا شك فى أن دراسة عـبد الناصر الثـائر أكـثـر لـزوماً وفائـدة وصعـوبة أيـضاً من دراسة أى ثـائر آخر ، كان قصارى جهـده أن يغـير ويطور وينـفـذ نظـرية وضـعـت لـه والتـزم بها قـل أن يـثور " .
ويقـولون ـ يسـتـمر الدكتور ـ أنه كانت هـناك أزمة بـيـن الثـورة وبيـن الـمثـقـفـيـن :
يـوم 25 نوفمبر قـال عـبد الناصـر مخاطباً المثـقـفـيـن : " ... انـتـم اللى عـليكم تعـملوا النظرية ، المثـقـفين هـم اللى يعـملوا النـظرية ، يـوم ما لاقى كتاب طالع عـن اقـتصادنا وتجربـتـنـا ، أو إيه اللى يجب يحصـل فـيها ، أشعـر بأن هـذا الكتاب هـو جـزء كبـير من النظرية ... عـلى هـذا الوجه ـ يستـطرد الدكتور ـ حـدد عـبد الناصـر مسئولية البناء النظرى للـثـورة وأسـلوب هـذا البناء . فمسـئوليـته تـقع عـلى عـاتـق المثـقـفـيـن " ..
لـكـن من هــم المثـقـفيـن الـذيـن كان يعـنيـهم عـبد الناصر ؟ يجـيب هـو نـفـسه : " المفروض بالمـثـقـف أنه المثـقـف إجتماعـياً " ويعـلق الدكتور عـصمت .. " وهـو مـا يـمكن فـهـمه عـلى أنهم المثـقـفون الـناشـطون فى الحـقـل السياسى أو العـاملون بالقضايا العـامة " .
ويحـدد الميـثـاق ـ يستطرد الدكتور ـ معـالم العـطاء الفكـرى الـثورى الإجتماعـى :
" الثـورة العـربـية وهى تواجه هـذا العـالم لا بد لها من أن تواجهـه بفـكر جـديد لا يحـبس نفسه فى نظريات مغـلقة يـقـيد بها طاقـته ، وإن كان فى نفس الوقت لا ينعـزل عـن التجارب
( 7 )
الغـنية التى حـصلت عـليها الشعـوب المناضلة بكـفاحها ... إن الـتسليم بوجـود قـوانيـن طـبـيعـية للعـمل الإجـتماعى ، ليـس معـناه الـقـبول بالنـظريات الجـاهـزة ، والإستـغـناء بـها عـن الـتجـربة الوطـنـية " .
تـلك كانت رؤية عـبد الناصر والثورة لـدور المثـقـفين .. فـماذا كانت رؤية المثـقـفـيـن لعـبد الناصر والثـورة ؟ .
يقـول الدكتور عـصمت : " نحن نعـرف الآن أن الوجه السياسى لعـملة الرأسمالية هى الديـمقراطية الليـبرالية التى كانـت سائـدة فى مصر قـبل الثـورة . وحـين حــددت الثـورة أحـد
أهـدافها فى " القضاء عـلى سيطرة رأس المال عـلى الحكم " كانت تـتـقدم ـ حتى دون أن تـدرى ـ الى مواقع الصدام مع الليـبراليـين وأفـكارهـم الخاصة عن الديمقراطية ، أى مع مثـقـفى مرحلة مـا قبـل الثـورة ( الذين تمثـلوا فى أنصار الديمقراطية الليـبرالية وبعـض فصائـل التيار الماركسى ) ... إن المثـقـفين فى مصر ـ يسـتطرد الدكتور ـ لم يـقوموا بـدورهــم التاريخى فى البناء النـظرى للثـورة ، وهـو الـدور الذى لم ينـكره عـليهم عـبد الناصر قــط ، ولم يـدعـه لنـفسه من دونهـم قــط ، فبـقى بـدون إنجـاز لـمدة طــالت أكثـر مما يجـب " .
ونـقـول نـحـن .. إن تـلك كانت هـى الأرضية التى دارت فوقها محاولة الإلتـفـاف عـلى الـثـورة ووأدهـا إبــان ما عـرف فى التـاريخ السياسى المصرى بـ " أزمة مارس 1954 " ، ومحاولة
إرجــاع صانعـيها الى ثـكـناتهـم ، أو الى غـياهـب السجـون .. أو تعـليـق هـؤلاء " المتـمردون " ـ عـند اللـزوم ـ عـلى أعـواد المـشـانـق .
وكـأن هـذا الـحـديـث .. جــاء مدخـلاً للـحـديث عـن أزمـة مـارس 1954 :
يـقـول الدكتور عـصمت سيـف الــدولة عـنـهـا :
" فى ذلك الصراع ، إخـتار الليـبراليون داخـل مجـلس قـيـادة الـثورة ، ورمـزهـم محـمـــد نجـيب ( ونضيف إلـيـه : خـالد محى الدين وعـبد المنعـم عـبد الرؤوف وعـبد المنعـم أميـن ، كما يضيف الدكتور قـولـه أن محمد نجيب اليمينى قد رشح خالد محى الدين اليسارى ، فى أزمة مارس 1954 ، ليكون رئيساً للـوزراء فى مقابل إنهاء الثورة ) .. هــؤلاء كـان يساندهـم رجـال الأحزاب المنحـلة وجـماعـات المثـقـفين ، اخـتـاروا العـودة الى النظام البرلمانى الليـبرالى . وكانت حـججهم المعـلنة ، أن الثـورة وقـد نجحـت فى القـضاء عـلى " المفـسديـن للـديمقراطية ( الملك والإقطاع ) ، فـقـد اسـتـنـفذت غايـتها .. وعـليها أن تـنهى ذاتـها لـتـعـود الحــياة الديمقراطية الليـبرالية الى استـئـناف مسيـرتها الـتى عـوقها المفسدون .. وأن عـلى مجلس قيادة الثورة وضباط القوات المسلحة أن يعـودوا الى ثـكناتهم ... وأن يـسلموا الـسلطة الى حـزب الأغـلبـية ( الوفــد ) ... يضـاف الى ذلك ـ يسـتـطــرد الدكـتـور ـ الـنـظرة المتعـالية التى كان يـنـظر بها المثـقـفون وقـادة الأحـزاب السابقة الى " شـوية الـضـباط " صغـار الـسن ، غـيـر المعـروفيـن من الـشعـب ، الـمجـرديـن من الخـبـرة حـــتى ولو كانوا غـيـر مجـرديـن من الإخــلاص " .
( نـرى أنـه يـنـبـغـى مـنـح الإنـتـبـاه الـكــافى لتـعـبـيـر " الـنـظـرة المـتعـاليـة " الذى اسـتخـدمه الدكـتور لوصـف موقـف المثـقـفـيـن من الثــورة منـذ أربعـاً وخمسـون عـاماً ، وتعـبـيـر " شـوية الضبـاط " الذى كانوا يشـيـرون بـه إلى الـثــوار الذيـن زلـزلوا واحداً من أكثـر النظم الحاكمة فى العـالم يومها ، سـطوة وتـرهـلاً وفـساداً وعـمالة وتـبعـية .. ليـس هـذا هـو المهـم الآن .. وإنـما الغـريـب الـفـج فى هـذا الـصــدد هـو أنـه ما زالت " نـظـرة التـعـالى " تـلك و تـعـبـيـر " شـويـة الضـباط " ذلك ، يستـكـنان فى نـفـوس عـديـد من المثـقـفـيـن ،
( 8 )
ومن ثـم يتـحـكـمان فيما يـقـولون ويكـتـبون وينـشـرون بـدون خـجـل . وكــأن عـلى الـثـوار والغـيـوريـن عـلى أوطانهـم .. والشـهـداء ، ألا يكـونوا كـذلك إلا بعـد حصولهـم عـلى درجـة الدكـتوراه ، وتـقـديـم شـهـادة " حـسن سـيـر وسـلوك " معـتمـدة من اثـنين مـثـقـفيـن !! ) .
ويـفـسـر الدكـتور سيف الدولة .. لـماذا انحـاز الماركسيون الى الليـبراليـيـن فيـقول : " لأنهم لـم يكـونوا من الـقـوة بحـيث يـفـرضون مـذهـبهم الـتـقـليـدى فى ديـكـتـاتـورية الـبلـوريـتاريا ... فانحازوا الى الليـبراليـين عـلى أساس أن الليـبرالية سـتـتيح لهم فـرصة أكـبر لتعـميق التـناقـضات الطبقـية ، وتعـبئة الجماهـير تحـت قـيادة الطبقة العـاملة للإستـيلاء فى النهاية عـلى السلطة ... وأن عـودة الليـبرالية بعـودة الوفـد كانا ـ فى تـقـديـر الماركسيـين مبـرراً كــافياً أو مساعـداً لإنحـيـازهـم الى إنهـاء الثـورة " .
ويلخـص الدكـتور سيف الدولة ، مشهد الصراع فى تـلك الأزمة ويـوصـفه بـقـوله :
" أياً ما كان الأمـر فإن الصراع حـول مشكـلة الديمقراطية فى مصر أصبح قائـماً بين الليـبراليـين وبيـن الثوريـين " .. ثم يـسـأل " فـأى الفـريقيـن كــان ديـمقراطـياً ؟ " .
ويـجــيـب ..
" ... الأولون انحازوا الى أنفسهم ، الى القـلة المـمتازة الحاضرة ، والآخرون انحازوا الى الشـعـب ، الى الأغـلبـية المسحـوقة الغـائـبة ... وعـلى المستـوى الـواقعـى ، نعـنى واقـــع مصر عـند قيام الثورة ، فإن الأولين لم يكونوا ديمقراطيـين بأى معـنى ، وكان الثـوار وحـدهـم هـم الديـمقراطيـون . ذلك لأن الـقـلة الممتـازة التى انحـاز اليها الليـبراليـون لم تـكن تعـانى من أيـة مشكلة ديمقراطية . فهى قــادرة فكــراً وعـلماً وخـبرة ومالاً عـلى ممارسة حـقوقها السياسية ... الـذى كان يعـانى مشـكلة ديمقراطية حـقـيـقية هـو الشعـب . أغـلبية الشعـب الراكـد الغائب الضعـيف ، المستـضعـف المحكوم بـدون أى أمـل فى أن يشارك فى الحـكم " .
ويـستـوقـفنا هـذا الفهـم والتحليـل الرفيع لمشكلة الديمقراطية ، ولقضية العـدل الإجتماعـى فى مصر العـربـية ، وهـذا التـلخـيص والتوصيف لذلك المشهد الفاصـل فى تاريخ الـثـورة فـى مصر ، حـيث يـبرز من ثـناياه ذلك المفهـوم اليـقـينى العـقـيدى للديـمقراطية الذى ترسخ فى وعـى جـمال عـبدالناصر ، فالـتـزم بـه وأعـلـنه .. بــل وقـاتـل دونه ، كـل الحــرية والديمقراطية للشعـب ، ولا حـرية ولا ديمقراطية لأعـداء الشعـب ، ولا ديمقراطية ولا حـديث عـنها ، قـبـل أن يـتـمكن المسحـوقون والغـائـبون والمهمـشون آمـاداً طـــويـلةً ، مـن أن يـكونوا مثـل " الـقـلة الممتازة " ، قـادرون فـكراً وعـلماً وخـبرة ومـالاً عـلى ممـارسة حـقـوقــهم السياسـية .
وفى هـذا الـسـياق .. لم يكـن غـريـباً أن تـصـدر الثورة ـ ولـما تكـمل شـهـرين من عـمـرها ـ أول قانـون للإصلاح الزراعى ، الذى قصـم ظهـر الإقـطاع لـصالح الفلاحـيـن أقـنــان الأرض فى مصـر ، ولم يكن غـريـباً أيضاً ، كما يـوضح الدكتور سيف الدولة ـ أن يتـلقى العـمال من الــثورة ـ ولـما تكـمـل عـامها الأول ـ القانون الذى يحـرم فصلهم من العـمل بدون مبـرر ، ويـوقـف قرار الفصل التعـسفى " عـلى وجه الإستـعـجال " مع صرف الراتب ، حـتى لو لم يـقبـل رب العـمل إعـادة العـامل الى عـمله . وعـدم جــواز توقـيع أكـثر من عـقوبة عن المخالفة الواحدة .. إضافة الى القـانون الذى يفـرض حـصر كل العـمال العـاطليـن فى مصر ، وانشاء سجل لهم ، وتشغـيلهم ، وإلزام أصحاب الأعـمال بالإبلاغ عـن طلبات العـمل ، ومنـع
( 9 )
الـوســـاطة ، وكـفالة الـدولة لمصروفات نـقل العـامل وأسرته من محل إقامته الى حيث يقـدم لـه العـمـل .
لـيـس هـنـاك ـ فى رأيـنا ـ غـيـر هـذا الحـديـث حـديـثـاً عـن الديـمقـراطية ومعـناها .. وجـدواها . وإذا وجـد حـديـثاً غـيـره فى مصر والأمة العـربـية والعـالم الثالث بإجـماله ، فـإنـه يـكون فـقـط من قـبـيـل " اسـتـهبـال المثـقـفيـن " أوجهـلهـم .
يـقـول الدكـتور عـصـمت :
" ثـم نعـجـب ممن وضعـوا أنـفسهم فى مقاعـد الـتـقـدمية ... أو سـودوا ما توهـموا أنه تاريخها ، فـقــالوا إن الصـراع كان يـدور فى القمة بين الديمقراطيـين وبـين أنصار الديكتاتورية ، وهـذا صحيح ، ثم أخـطأوا خـطأً فاحـشاً ، فـقالوا إن دعـاة استـمرار الثـورة هـم الديـكتـاتـوريون ، وأن دعــاة العـودة الى الليـبرالية وأحـزابها ، كانوا هـم الـديموقـراطيـين . كـأن الديـمقراطية كـلـمة تـقـال وليـست حـرية مكـتـسبة ، كـأن ثـورة يـوليـو ما قــامت إذ قــامت ، إلا من أجل أن يسـتـأنف حـزب الوفـد وأحـزاب مدرسة " حزب الأمة " حكمها الشعـب العـربى فى مصر ، بعـد أكثر من سبعـين عـاماً من تحالفها ضـد الخط الوطنى الثـورى ، وبعـد ثلاثـيـن عـاماً من ممارستها الفـاشــلة للديمقراطية الليـبرالية فى مصـر " .
لقـد كان ذلك هـو مفهوم عـبد الناصر العـقيدى للديمقراطية .. وكان ذلك أيضاً هو مـا وافـقـه عـليه الدكتور عـصمت سيف الدولة .. ونحاول الآن أن نغـوص أكـثـر مع الدكتور ، فى الواقع والوقائع التى جـرت بـفـعـل الـثـورة عـلى الأرض ، لـندرك أعـماق المفهـوم الديمقراطى لـدى عـبد الناصر ، ومدى مصداقيـته .. لـنـجيب عـن السـؤال : هـل كان فـعـلاً ديكـتاتوراً ؟ .
يسـتمر حديـثـنا مع الدكتور .. أو حديـثـه إلـيـنا .
الإصـلاح الزراعـى :
" كان الهدف الأول ، الأكثـر وضوحاً ، لثورة يوليو هـو تحرير الفلاحين ... وكان تحديد الملكية هـو التحـدى الظاهـر الذى واجـهت بـه الـثورة الأحزاب فرفـضـتـه . ( يقول عـبد الناصر يوم 26 يوليو 1955 " من أول يوم من أيام الثورة ، قـلنا لهم ، إذا أردتم فعـلاً أن تحـقـقوا الحرية ... لـهذا الشعـب الطيب الذى خدعـتـموه تحت اسم الحرية .. فـلتوافـقوا ولتعـلنوا مـعـنا القضاء عـلى الإقـطاع ، ولتـعـلنوا تحديد الملكية " ) ... إن قانون الإصلاح الزراعـى ـ يؤكـد الدكتور عـصمت ـ هـو القانون الديمقراطى الأول فى تاريخ مصر الحديث . ذلك لأنه يتضمن محاولة لحل مشكلة الديمقراطية بالنسبة لأغـلبـية الشعـب من الفلاحين ... بالحــد من قـوة الإقـطاعـيـين وكـسـر شوكـتهـم ، وتحـطيـم ما تـراكـم لهـم من هـيـبة طاغـية فى الريـف . وأيضـاً بخـلـخـلة الـقيـود التى كـبلت الفلاحين ، وتـشـجيعـهـم عـلى التـمرد والفـكـاك من التـبعـية ، وتـدريـبهـم عـلى الجــرأة وتحـدى استـغـلال المـلاك والإقـطاعــيـين لـهـم ... وكسر السيطرة الإجتماعـية والنفسية والأخلاقية لـهـؤلاء عـليهـم ... بالإضافة الى ذلك ، حــاول القانون الــزج بجمـوع الفلاحين زجــاً الى مواقـف جماعـية إيجابـية يواجهون بها احتياجاتهم ، بدلاً من عـلاقات الإتكـال والتواكل التى كانوا قـد اعـتـادوا عـليـها سـنين طـويلة . فــأنشـأ الجــمعـيات التـعـاونية الـزراعـية ، واشـتـرط أن تـكون عـضويـتـها لـمـن تــقـل ملكيـتهم عـن خـمسة أفــدنـة " .
( 10 )
يسـتطرد الدكتور سيف الدولة : " لم يركز عـبد الناصر قــط عـلى المبرر الإقـتصادى للإصلاح الزراعـى ، ولكـنه بـرره دائماً تبريـراً تحـررياً ديموقراطياً ، وهو ما يعـنى أن الإصلاح الـزراعـى كان مرتـبطاً فى وعـيه بمـشـكلة الديموقراطية فى مصـر " .
أيـهما الديمقراطى .. الـوفـد أم عـبد النـاصـر ؟؟
يحـدثـنا الدكتور عـصمت سيف الدولة فى كـتـابه فـيقـول :
" لم تخـضع قـيـادة حـزب الوفـد منـذ تأسـيسه لـرأى غـالبـية إلأعـضاء إلا فى المـسـائل الـتى لا تـهـم القـيـادة ! ، وأعــطى قـائد الـوفـد سعـد زغـلول ومصطـفى النحاس ، لـنـفسـيـهـما " استـبدادية " فى مواجهة أعـضاء الحـزب ، تـكررت حتى استـقرت تـقـليداً فى هـذا الحزب العـتـيد ... ففى عـام 1921 قـرر سعــد زغـلول ـ منـفـرداً ـ فـصل أغـلبـية أعـضـاء الـقـيادة العـليا للـوفـد ( عـشرة من أربعـة عـشر ) . وفى عـام 1932 كـرر مصطـفى النحـاس الأمر ذاته ، فاتـخذ قـراراً منـفـرداً ( ! ) بفـصل أغـلبـية القـيادة ( ثـمانية من أحـد عـشر ) . ولـقـد كان هـذا التـقـــــليد الإستـبـدادى من بيـن أسبـاب الإنشـقاقـات المتـتابعـة التى حـدثـت فى الحــزب ، وكان الـسبـب الرئيسى فى خـروج العـقـاد وروز اليوسف وأحمد ماهـر ومحمود فهمى النقراشى عـلى الوفــد أو عـنـه " .
ونـضـيف فى هـذا السـيـاق .. تـلك كانت فـكـرة " الـزعـامة المقـدسـة " لـدى حـزب الوفـد الليـبرالى التى لاتـرى إلا ذاتها وخـضوع الـتابعـيـن .. وهـى ذاتـها فــكـــرة " الـمرشـــد " الذى يمتـلك بصيرة ، وإلهـاماً ، أكـثـر من كـل الذيـن " يـرشــدهـم " ، بـل ويــبايـع منـهـم عـلى الطـاعـة والتسليم الكامـل بما يقـول وما يفـعـل ، عـند الإخـوان المسلميـن .. ثـم هـى نـفـس فـكــرة " الإمــام " أو " ولايـة الـفـقـيه " عــنـد الــشـيعـة .. وهـى كــلها حـالات ـ فى أحـسـن أحــوالها ـ لا تـمت الى الديـمقراطية بأدنى صـلـة .. فهـى ـ فى أحسن أحوالها أيضاً ـ تـصـادر حـق الآخريـن ( الجماهـير ) فى المـشاركة فى المشكلة ، وفى تـقـديم الحـل .. لأن الحـل سـوف يأتـيـهم من " معـصـوم " لـن يـخـطىء ، حتى لـو كان فى مثـل حالهم أو أقـل !! .
إن الذين صـبوا جــام غـضبهم " الديمقراطى " عـلى عـبد الناصر " الديكتاتورى " فى أزمة مارس 1954 وهـم تحـالف الوفد والإخوان المسلمين والماركسيـين ، وبقايا الأحزاب المتهالكة ، بقيادة محـمد نجيب وخالد محى الدين .. لـم يكـن بينهـم عـلى أى وجـه ـ من حيث الفكـر والمنهج والسلوك ـ ديمقراطى واحـد ، فـلقـد كانوا جميعـاً ـ كما يقول الدكتور سيف الدولة ـ مـمن يسلمون أمورهـم الى قيادتهم تسليماً غـير مشروط ، ثـم ينكرونه عـلى عـبد الناصر ، الذى لـم يطلبه منهـم أصـلاً .
لـقـد كانت مطالب الليـبراليـين فى ذلك الوقت ـ كما يورد الدكتور ـ تـنـتهى كخلاصة ، الى أن يسلم عـبد الناصر السلطة الى " الزعـيم " مصطفى النحاس ، أو الى " الإمـام " حسن الهـضيـبى ، أو الى خـالد محى الديـن وحركة " حـدتـو " الشيوعـية ، تـحـت عــباءة محـمد نجـيب . لـم يـكن لأى من هـؤلاء عـلاقـة بقـضية الديمقـراطية فى مصـر ، رغـم واقـعـهـا الـمـهـيـن الـذى كان " واقعـاً " عـلى الأرض أمـام عـيونـهـم ، وليـس فى متـاحـف الـديمقراطية الغـربـية وطـقوسها الـمزيـفة ، ولـم يصل وعـى أياً من هـؤلاء بالمشـكلة وأبعـادها ، كما وصـل وعـى جـمال عـبد الناصر بهـا .. والمؤكـد ـ بالقـطع ـ أن كـل منهـم ، وبدون استـثـناء ، كان لـديه حـلم كبـيـر بالسلطة وكرسى الحـكم ، حـتى وإن تحـقـق حـلمه هـذا
( 11 )
عـلى جـثـة الديـمقراطـية التى عـاش يـتـشـدق بهـا .. بـل وعـلى جـثـث الذيـن يـطـلبـونها والـذين هـم يسـتحقـونها بالواقع والتاريخ .. ورغـم ذلك فـإنه وغـيـره لا يكـلون ولا يـملون من جـلـدنا وأولـنا جـمال عـبد الناصر بـسـوطهـا متـعــدد الأطــراف !! .
والخامس من يونيو / حزيران 1967 :
كـنا قـد اتـفـقـنا من قـبل .. نحـن وجمال عـبد الناصر والدكتور عـصمت سيـف الدولة ، والمـنطـق والـتـاريخ والـواقع ـ وعـلى غـير رغـبة كل القوى المعـادية للشعـب العـربى فى مصر والأمة العـربـية كلها ـ اتـفـقـنا عـلى أن قضية الديمقراطية لا تـتجـزأ ، وأنها ترتـبط عـضوياً بكـليات النضـال الوطنى والقومى وجـزئياته ، إن فى الداخـل أو فى الخارج .. أى سـواء كان هـذا الـــنضال داخـل الحـدود الوطنية والقومية ، أو لحـماية تـلك الحـدود ذاتـها .. التى إذا انكـسـرت واسـتـباحـهـا الأعـــداء ، يتوقـف الحديـث " غـربى الـمـنـشــأ " عـن الديمقراطية ، ويـفـرض نـفـسه الحـديـث عـن تحــريـر الوطـن .. والصياغـة الجامعـة لـذلك هـى " لا صـوت يـعـلو فـوق صـوت الـمعـركة " .. معـركة تـحـريـر الوطـن والأمـة ، باعـــتـبار أن نطـاق العـدوان كان أكـبـر من حـدود قـطـر معـيـن من أقـطـارها .
يقـول الدكـتور سيـف الـدولة عـن هـــذا اليـوم :
" ... يوم أن ظهر ما كانت القوى المعـادية لأمـتـنا قـد دبرتـه ، وخطـطت لـه ... وضربت ضربـتها الصاعـقة . ولـقـد اعـتـرفـوا من بعـد أن هـدفهـم الأساسى كان إسقاط قائد معـارك التحرر العـربى ، عـبد الناصر ونظامه ، وهـزيمة أمـته . ولقـد نـالوا منه ومن نـظامه ومن أمتـه مـا نـالوا ، وهـو جـسـيـم ، ولكنهـم لم يسقـطوه ولا أسقـطوا نظامه ولا هــزموا أمـته . فـقـد احـتـضنـته وحـمته الجماهـير العـربـية الهادرة من المحيط الى الخليج ، وأعـادته الى موقع القيادة ، ثـقـة منها فى مقـدرته . كان ذلك فى يومى 9 و 10 يونيو / حـزيران 1967 .
وسـيثـبت التـاريخ ، وقـد أثـبـت فعـلاً ، أن أعـظـم أيـام عـبد الناصر ، وأكـثرها جــلالاً هـى الأيام التى تـلت الهـزيمة ، فـفى يوم 5 يونيو 1967 لم يـمت جمال عـبد الناصر ، ولكـنه اسـتـرد ملء حـيـاته وحـيـويـته . نالـت الهـزيمة من عـبد الـناصر الحاكم ، وأبرزت عـبد الناصر الزعـيـم . أضعـفت رجل الدولة " الحكيم " الذى يتعـامل بالممكن ، وقد كان الممكن صـفراً ، وقدمت القـائد والثـائر الذى يتحـدى بما يجـب أن يـكون مبـتـدئاً من الصفـر أيضاً .
بكل مقايـيس الحكمة والمرونة والعـقول المفتوحة والواقعـية ، كان عـلى عـبد الناصر أن يسـتسلم ، مفاوضة وصفحاً واعـترافاً بالذين هـزموه . ولكن بمقايـيس القيادة والزعـامة والـثـورة ، كــان عـلى عـبد الناصر أن يـلـبى نـداء جـماهـيـر أمـته ، ويـقـودها عـلى طـــــريق : " لا صـلح ، لا تـفـاوض ، لا اعـتـراف " ولـقـد اخـتـار عـبد الناصر الـطريـق الـذى لا يخـتـاره إلا الأبـطـال " .
ثـم يستـمر الدكتور فى دفـاعـه " مرافـعـته " .. محـدداً دوافع العـدوان وأسباب الهـزيمة :
ـ ضرب المـد الوحدوى الذى كان يقوده عـبد الناصر ، وأن خطة عـدوان 67 قـد وضعـت
وبـدىء فى التـدريـب عـليها فــور قـيام الوحــدة عـام 1958 .
ـ وأن الإنـفصال عـام 1961 لم يكن إلا جـزءاً مبكـر التـطبـيـق لخـطة عـدوان 67 .
ـ ضـرب وتـدمير الطـاقات الإقـتصادية التى كانـت بدأت لأول مـرة تعـطى ثـمار التخـطيط
العـلمى والتصنيع .
( 12 )
ـ بالـمـرة .. لـقـد دفعـنا الأعـداء الى أن نعـتـقد بأن ما حـدث كان نتـيجة " عـيـوبا نحن ، عـجزنا نحن ، تخـلفنا نحن ، ما قـلناه نحن ، ما فعـلناه نحن .. لنـكون " نحن " الذين جنينا عـلى أنفـسـنا ، ويـكون الأعــداء أبـريـاء مما أصابنا . كأنـنا نحن الذيـن اغـتصبنا الأرض وبدأنا العـدوان وتجاوزنا الحدود ، كما يقـول الدكتور .
ونضيف نـحـن .. أنه إذا كان من بين الحكام العـرب فى تـلك الفـترة ، من استـصدر قراراً رسمياً من مجلس وزرائه ، فى شهـر ديسمبر 1966 ـ أى قـبل العـدوان بستة أشهـر فـقـط ـ بتـقـديـم " التـماس " الى الولايات المتحـدة الأمريكية لاتخــاذ " الإجـراءات اللازمة " لإخـراج القـوات المصرية من اليمن .. وأن من بيـن هـؤلاء الحكام من جمع كـبار ضـباط جيـشه صبيحة يوم 29 سبتـمبر 1970 ، ليهـنـئهـم " بـوفـاة جـمال عـبد الناصر " فـــى اليـوم السـابق !! .. نـقـول إذا كــان ذلك قـد حـدث ، وقد حـدث أبـشع منه الكـثـيـر .. فـإنه كــاف لتوضيح أبعــاد المؤامرة ، وأطرافها ، وما حــشد وأعـد لتـنـفيذها ، بغـض النـظـر عـن أوجـه القـصور والخـطـأ لـديـنا ، وعـدم إنكارنا للتأثـيرات السلبـية والمدمـرة للقصور والخـطأ .. ومـا حـدث فى الإغـارة الأمريكية الإستعـمارية الصهـيونية عـلى العـراق عـام 2003 ، وما حـدث فى جنوب السودان وسوف يحـدث فى غـربه فى دارفـور ، وما قـد يحـدث لـسوريا وإيران .. فـإنه يفصح بجـلاء عـن العـنصر الثابت الأعـلى فى الإستراتيجية الإمبريالية الإستعـمارية الصهـيونية العـالمية ، وهـو الإغـارة والعـدوان المباشر ، لـمنع أى بـروز لأى قـوة أو قـيـادة إقـليمية خـارجة عـن السيـطـرة ، فى المنطـقـة الأهـم ـ بما لا يقـارن ـ فى العـــالم كـله .. وهـى المنـطقة العـربـية والـدول الملامسـة لهـا .
__________________
تعود علينا يوم 28 سيتمير ذكرى وفاة الرجل ... الذى يتفق عليه محبيه ومعارضيه ....
كان رجل ... أحب أمته ...
وسأنشر عدة مقارت منقولة فة محاولة لكشف الستار عن بعض المجهول ... وتدعيما لمن بود أن يناقش ... ولا ينزلق أو يسعى لأسلوب بعيد عن الموضوعية
السطور تخمل معلومات ... وهذا هو المهم ... وبعد تجميه المعلومات .... سيمكن العديد منا المناقشة ... والنقد البناء .. من أجل توضيح فترة الخمسينيات والستينيات
فلألسف .. وصلنا بنا الوضع فى مصر إلى أن ستسم "سطور حكايات الراقصات ... والداعرات " بمصداقية تعلوا على ... معلومات الباحثين والمؤرخين والحقائق التى تكشف عنهم الوصائق
نتمتع بالحرية فى قراءة الموضوع ... ورفضه كاملا أو جزئيا ... كما يحق لنا أيضا أن نعبر عن أرائنا
ومن لا يعجبه رأينا ... فهو حر ...
د. يحى الشاعر
الموضوع منقول حرفيا من
المصدر (http://alfikralarabi.net/vb/showthread.php?t=1234)
اقتباس:
عـرض كـتـاب
هــل كان عـبد الـناصر ديكـتـاتوراً
محـمـد يـوســـف
الكـتاب هـو من أهـم الكتب ـ إن لـم يكـن أهـمها ـ التى تعـرضت لـقـضية الديموقراطية فى الـفـكر والـممارسة الناصرية إبـان تـشـيـيـد المرتـكـزات الأساسية للمـشروع النهـضوى العـربى الذى قــاده جـمال عـبد الناصر خلال الفـتـرة من 1952 الى 1970 .
وهـو الكـتاب الذى تـضمن عـرضاً واضحـاً ومفصلاً للمنظور الـناصرى للديمقراطية .. وكيف أن هـذا المنظور قـد جـاء مـميـزاً ومتمايـزاً فيما قـد تعـلق بالسلطة والـثـروة والجـماهـيـر ، عـن المنظور اللـيـبرالى ، وعـن المنظور الماركسى ، وعـن منظور الإخـوان المسلميـن .. إن فى فكر كل منهم ، أو فى ممارستـه .. وقـد كانت تـلك هـى المدارس الفكرية وأوعـية الحـراك السياسى التى جـاءت المدرسة الناصرية ووجـدتها عـلى الساحة فى مصر والوطن العـربى ،
وكان أن كشـفت الناصرية عـن واكتـشفت عـجز تـلك المدارس عـن التـعـبـير عـن جماهـيـر الشعـب والإنحـياز لـهـا .. فـلم يكن أمامها إلا أن تـبـتـدع طريقها الخاص لتحـقيـق ذلك الإنحـيـاز الصريح والمعـلن للأغـلبـية الساحقة الغـائبة من الجماهـيـر .. فـكـراً وممارسة .
إن الكـتـاب يمثـل كـما يقـول ناشـره " صـرخـة الـحــق فى وجـه الـباطـل الـذى يحــاول الـبعـض إلصـاقه بـثـورة عـبد الناصـر من مواقـع مخـتـلفة ، وبـدوافع مخـتـلفة ، إنـه كتـاب للـملـتـزميـن بقـضيـة هـذه الأمــة عـن وعـى وإيـمـان " .
والكـاتـب .. هـو واحـد من أبـرز مـشـاعـل الإسـتـنـارة والتحـريض فى الفـكـر القـومى العـربى ، والـذى تـمـنطـق وعـيـه بأهـمية أمـتـه ، ودورها الحضارى والتاريخى ، وحقـهـا فى مسـتـقـبـل هـى خـليـقـة بـه وتسـتحـقـه .. وأهـمية أن يـتعـرف شـبابها عـلى معـالم طريقهـم الى مسـتـقـبـل أمـتـهـم .. وإدراكــه . وبعــد أن تـمـنـطـق وعـيه هــذا ، أوقـف عـمره كـله لـيـنـقـله الى شـبــاب هـذه الأمـة وشـيـبـهـا ، ولـيـدعـوهـم إليه .. ويحـرضهـم عـليـه .
بـذلك يـكـون الكاتب هـو الدكـتور عـصـمت سـيـف الـدولـة .
والـمكـتـوب عـنـه .. هـو جـمال عـبد النـاصـر حسـيـن الـسـيد عـثـمان ( وهـذا هـو إسـمه بالـكامـل ) .. فـيـض من الـنـبالة والبـطولة والشـرف وصـدق الإنـتـمـاء ، هـبط عـلى هـذه الأمـة فى لحـظـة هـى الأخـطر والأهـم فى كـل تاريخـهـا الحـديث وحتى كتابة هـذه السطور عـلى الأقـل .
رجـل ليـس أصـدق ما يقـال فى حـقـه ، من تـلك الـعـبـارة التى نقـشـت عـلى الجرانـيـت الذى جـلب من أســـوان ليـغـطـى قـبـره " رجـل عـاش من أجـل أمـتـه واسـتـشـهـد فى سبـيـلهـا " .
إنـه الـذى اسـتحضـر فى وعـيه ووجـدانـه وإبصـاره وبصـيـرته ، مـجـد أمـته وحـقـها فى الحــــاضـر وفى الـمسـتـقـبـل ، وعـقـد الـعــزم عـلى أن يـقـود أبـنائهـا الغـائبـيـن والمهـمشيـن والمسحـوقيـن لإنـتـزاع حـقـهـم المشـروع فى الحـيـاة ، من الذيـن اعـتـدوا ونهـبوا واسـتـغـلوا
.. وتعـالوا وخـانـوا .. ووافـقـته الجماهـيـر وسـانـدته وسـنـدته ، فى نضـاله الـنبـيـل لإنـتـزاع هـذا الـحـق من مغــتصـبـيه إن اخـتـياراً أو جــبـراً .
واخـتار أعـداء الأمـة الـجـبـر .. وكان عـبد الناصر وأبـناء الأمة لـهـا ، فـدارت دورة نـضـال وكـفاح مـريـر وعـنيف .. بـقـدر مـا كـان نبـيلاً وشـريفاً .. و قـدوة لـكـل الشـعـوب المغـلوبة والمقهـورة والـساعـية لإنـتـزاع حـقـهـا فى الحـياة ، عـلى طول الأرض وعـرضها .
( 2 )
وفى أتـون عـملية الـنـضـال من أجـل إرســاء مـرتكـزات المشروع النهـضوى العـربى ، لـم يتـردد عـبد الناصـر فى أن ينـحـت بالـفكـر والـممارسة مفهـومه الـشامخ والصحيح للديمقراطية ، باعـتـبارها تـلك الـمنظـومة السياسية والإقـتصادية والإجتماعـية التى لا بـد أن تـنــتج حـرية الـوطن ، وأن تـنتج الـعـدل الإجـتـماعـى .. وأن تـنتج وحدة الأرض والتاريخ والـبشـر والإمكانات العـربـية . وأن ذلك لـن يتحـقـق إلا باسـتحـواذ الأغـلبـية الغـائـبة والمسـحـوقـة عـلى الـسلـطة والـثـروة .. لتـصنع بهـما قـرارهـا الذى يحـقـق مصالحهـا فى الحرية والإشـتراكية والـوحـدة .
وكان هـذا المجال تحـديداً ـ مفهـوم الديمقراطية ـ هـو مجـال الإتـفـاق المطـلق بيـن القـــائد الذى قـاد مشروع النهـضة ، وهـو جمال عـبد الناصر .. وبيـن المثـقـف الذى عـاش فى ثـنايا هـذا المشروع ، ورأى جموع الجماهـيـر وكان معـها وهـى تـشـيـده ، فـتوحـد مع أهـدافه ومنجـزاته ، والـهـمه المشروع مـا ألهـمه ، فاجـتهـد فى أن يصيغ لـه أسـساً نظرية بعـد أن كـان قـد أصبح واقـعـاً عـملياً عـلى الأرض .. وهـو الدكتور عـصمت سـيف الدولة ، وغـيـره من المفكرين القـوميـيـن الكـبـار ، الذين سـاروا فى طـابـور الـفــكـر الـقـومى الطويـل .
( 3 )
هـل كـان عـبد الناصر ديكتاتوراً ؟
يحــدد الدكـتور عـصمت سيـف الـدولة " تـشـريعـاً " يتعـيـن عـلى كـل من يـريـد " محــاكمة " عـبد الـنـاصر الإلـتـزام بـه ، كـشـرط حـاكـم ، لإقــامة العـدل والـمنـطـق والـموضوعـية فى " المحـاكمة " ، باعـتـبار أن أى محاكـمة بــلا تـشـريع ، ليست إلا صـراعـاً فى غــابة ، يخــرج عـن أى ضـابـط أو مرجـعـية من أى نــوع .. ويستـطيـع فـيها الحـاضر أن يـنـهــش لحـم الغـائـب ، ليـس بقـوة المنطـق والـوقائع ، ولكن فـقـط بضـعـف الـغـيـاب .. فـيـقـول :
" ... فـدعـونا نـتـفـق من الآن عـلى أمـريـن :
الأول .. أن يحاول كل منا ، وبقدر ما يستطيع ، أن يحتـفظ لنفسه بأحكامه عـلى مشكلة الديـمقراطية أو عـلى عـبد الناصر .. الى أن ينـتـهى الحـديـث عـلى الأقــل ... فـليس أسخـف من القول ( لوكنت مكان عـبد الناصرلفعـلت كـذا .. ) إلا القول ( لوكنت عـبد الناصر لفعـلت كـذا .. ) فـلا أحـد غـيـر عـبد الناصر كـان فى مكـانه . وعـبد الـناصر الـذى مـات لا يـتـكـرر .
الثـانى .. إذا لـم تـكن الحـيدة ممكنة فعـلى كل واحد أن يحدد موقـفه من حرية وطنه قبل أن يحــدد موقـفه من حـريـته الشخـصية . وقـبل أن يـتـشـدق أى واحــد مـنا بالكـلـمات الكبيرة عـن الديمقراطية ، عـليه أن يخـتار بين الإستـقلال وبيـن الـتـبعـية . لقـد اخـتار عـبد الناصر قائـد ثـورة يوليـو حــرية الوطن واستـقـلاله منذ البداية . وقضى وهـو فى ميدان معـارك التحرر العـربى ، وسيـكون عـلى أى منـصف مهـما يـكن إخـتــياره ، أن يـتـتـبع تاريخ الرجل مع مشـكلة الديـمقراطية فى مصــر ، إنـطـلاقاً من البـداية الـتى اخــتـارها الرئيس الراحـل .. إلى الـنهـــايـة .
ثـم يـبـدأ الدكتور عـصمت عـرض مسـاجـلات المحاكمة ، فـيقـول فى حـسـم :
" ... أمـا الـذيـن لا يــرون عـلاقـة بـيـن معـارك الـتحـرر الوطـنى ومـشـكلة الـديـمـقـراطـية فهــم جاهـلون . وأما الذين يرفعـون أصواتهم فوق صوت المعـركة ، هاتـفين للديمقراطية ، فهــم يـريـدون أن يـنسحـبوا من المعـركة تحت غـطاء الدعـوة الى الديمقراطية ، إنهم يـريدون ـ نـفـاقـاً ـ أن يــقـال عـنهـم ديـمقراطـيون ، بـــدلاً من انـهـزامـيـيـن .
ولقـد طالت ـ يسـتـطــرد الدكـتور ـ معـارك التحــرر الوطـنى التى خـاضتها ثورة 23 يوليو تحت قيادة عـبد الناصر ، حتى كادت أن تستغـرق كل حـياتها ، وأثـرت فى مشكلة الديمقراطية وحـلها ... وقـد فـرضت تـلك المعـارك حـدوداً للحـرية عـلى الـثـورة وجمال عـبد الناصر ... وقـد واجــه عـبد الـناصر مـشكـلة الديـمقراطـية داخـل نـطـاق تـلك الحـدود ، لـم يـسـتـطع ، ولـم يـرغـب فى أن يـتـخـطاها ، بـدون إنـكـار لأثـرها عـلى المـشـكـلة وإمكـانات حلها . فـما هـى ـ يـسـأل الدكتور ـ تـلك الحـدود ؟ " .
وعـلى الـفــور يـجـيـب :
" ـ الإصـرار عـلى الوحـدة الوطـنية ، وعــدم الـسماح بأى صــراع اجـتـماعى حــاد ، أو سياسى عـنيف ، أو أية انـقـسامات فى الجـبهة الداخـلية . وقـد أثـر هـذا فى موقـفه من الأحـزاب التى لـم يـسمح بـتـعـددها أبـداً ، بالرغـم من أنه كان يـتـوقع نـشـوء الأحـزاب وتعــددها فى مصـر ، ولا يعـتـرض عـلــيه ...
( 4 )
ـ اسـتـمرار حـالة الطـوارىء ، بما يستـدعـيه ذلك من تركيـز السلطة ...
ـ صعـود القــوات الـمسلحة الى الـمركــز الأول من مراكـز القــوى فى الدولة ، عـلى أساس أنها الـمسـئـول الأول عـن ســلامة الـوطـن ...
ـ تـضخــم أجـهـزة الأمن الداخــلى ( أمن الـدولة ) والخــارجى ( المخابرات العـامة ...
ـ خـضـوع الإعـلام ووسـائـله ... لمقـتـضيات معـارك الـتحـرر .. وليـس من بين وظائف الإعـلام ، خـلال الصراع من أجـل الـتحـرر الوطـنى ، أن يـتـطوع بـوضع الحـقــائـق الإقـتصادية أو الإجـتماعـية أو السياسية أو العــسكرية ، تحت تصرف أجهزة الإستماع المعـادية . بل من وظـائفه أن يـذيـع ويـنـشـر ما يـخــدم معـركـته الوطـنـية " .
ويـدلـل الـدكـتور سيـف الـدولة عـلى صحـة ذلك بأمثـلة ذكـــر منها :
" بـلغ مجـموع الـسفـن الألمانـية الـتى أعـلن الحــلفاء إغـراقــها فى الحــرب الأوربــية الثــانية ، أضعـاف أضعـاف ما ملـكـته ألـمانيا من سفـن فى كــل تاريخــها منـذ غـزوات الـفايـكـنج .. وخـاضت مصـر وسوريا حــرباً إعـلامية مـدعـومة فـكـرياً وسـياسياً وإحــصــائياً ، استـمرت عـاماً ، ثــم انـتـهت فى لــقاء فى أقــل من خـمس دقــائـق ... " .
ـ تحـمل الإقـتـصاد الوطنى أعـباء المعـارك التحررية اقـتطاعـاً من بنية أقـتصادية ضعـيفة أصـلاً ... ولقد أصبحت تكلفة المعـارك أبهظ من أن تـطيقها الدول المتـقدمة اقـتصادياً ... " .
ورغـم هـذا الفهـم الرفيع ، الذى يقـدمه الدكتور فى طول الكتاب وعـرضه ، لوضع الــديمقراطية فى أوقـات تعـرض الأوطـان للخـطـر ، فـإنـه يـورد فـقــرة لا نـوافـقـه عـليها ، لأن معـناها يـصـب فى خانة الطقوس الديمقراطية الغـربـية الشكلية ، التى يـصدرونها لـنا ويـلـزمونا بـهـا وهــم غـيـر مقـتـنعـون بـها ، ولا يـلـتـزمونها . وهــو شخـصـياً ـ الـدكـتور ـ من أشــد الرافـضيـن لتـلك الطـقوس ، بدلـيـل قـصة سفن ألمانيا فى الحرب العـالمية الثانية التى أشار إليها منـذ لحـظة . ونضيف نحـن .. سـفـنـهـا وطائراتها أيضاً ، حيث كان تـشرشل الـذى لايـوجـد بـريطانى فى كـل تاريـخ بريطانيا ، من هـو أكـثـر منه شـهـرة ولا أكبـر منه مكانة .. كان أثـناء نـفس الحـرب قـابعاً فى مخـبئه تحت الأرض ، ليذيع عـلى مواطنيه أخـبـارإسـقـاط الـطائرات الألمانية المغـيرة عـلى لندن ، بأعـداد بلغ مجموعـها أكثـر من الأعـداد التى كـانت تملـكها كـل دول الحـلفاء وكـل دول المحـور، أى طـرفى الحـرب .. فى الوقـت الذى كادت لندن فيه أن تسوى بالأرض بفـعـل 246 غـارة جوية كانت تـتعـرض لهـا من تـلك الطائـرات يـومـياً ! .. إنهـا الحرب التى غـالباً لا تـترك لك أن تختار ماتـفـعـله ، بـل إنهـا قـد تـفـرض عـليك الذى تـفـعـله ، وفى مقــدمة ذلك ، تضـليل العـدو ـ من حـيث كونه عـدواً ـ بكـل الوسائـل ، وأولها الوسائـل غـيـر المشروعـة ( فى غـير زمن الحـرب ) والتى هـى ذاتهـا مــشروعـة فى زمـن الـحــرب ، إذ لـن تـكون لديـنا ديمقراطية من أى نوع ، فى حـال هـزيـمـتـنا ، وفى الـمـقـابـل انـتـصار الـعـدو الـذى رفـضـنا " تـضـليله " فـفـقـدنا حـماية الـوطــن ، فـكـأنـنا اخـتـرنـا الـهــزيـمة !! .
يقول الدكتور فى تـلك الفـقـرة التى نخالفـه الـرأى فـيها والتى عـلقـنا عـليها قـبل أن نـورد نصـها .. وهـذا خـطــأ نعـتـرف بـه :
( 5 )
" ولـما كانت معـرفـة الحـقائق هى المـادة الخــام التى يكون منها المواطنون آرائهم ، ويحددون عـلى ضوئها مواقـفهم ، ويمارسون عـلى أساسها حـرياتهم ، أو ينكصون عـن ممارستهـا ، فـإن كـل تـزيـيـف فى الحـقائق ولو كان لتضليـل الأعـداء وحـماية الوطن ، يـنعـكـس زيـفـاً عـلى الديـمقراطـية وممـارسـتـهـا " .
إن أمريكـا والغــرب الإستـعـمارى كـله واسـرائيـل ، يـزيـفـون الحقائق التى يقدمونها لمواطـنيـهـم عـلى مــدار الساعـة ، بـدون خـجـل أو وجـل ، بـدعـوى حماية " أمنهم القـومى " .. وحـيـن يعـتـدون عـليـنا فـإنهم ـ أيـضـاً بـدون خجـل أو وجـل ـ يــلـهـبون ظـهــورنا بسـيـاط " الشفافـية الديمقـراطية " الغـائـبة عـنـدنا ، والحاضرة عـندهـم شـكـلاً وغـائـبة موضـوعـاً !! .
بـعـد هـذه المداخـلة .. فـإنـنـا نعـلم تمامـاً ـ لمعـرفـتـنا بـه وقـت أن كــان بيـنـنا ـ أن روح المفـكر الكبـيـر سـوف تـقـبل منـا هـــذا الإعـتراض " العـارض " وسـوف يقـبله أيضاً مـنـا كل الـذيـن اسـتـنــاروا بإبـداعـاته الفكرية ، ونحـن منهـم .. ثـم نـسـتـمر .
ومـاذا بـعـــد ؟ .. يـواصـل الدكتور عـصمت ـ بمناسبة حديثـنا عـن المحاكمة ـ تــفـنيد دعـاوى " الإدعـاء " عـلى عـبد الـنـاصـر :
" يـقـولون ـ خـاصة الماركسيـون ـ إن الـثـورة ( التى ظـلوا لأكـثـر من عـشـر سنوات من بـدايتها يصفونها بأنها إنـقـلاب دبـرته طـليعـة الطبقة البرجوازية لإنـقاذ تـلك الطبقة من المأزق الذى أصبحت فيه بعـد الحـرب العـالمية الثانية وسقوط فلسطين ) قـد بـدأت بـدون نظـرية ، وأن كل شـىء كان خاضعـاً " للـتجــربة والـخـطـأ " .. وهـذا " خـطـأ " .
ويــورد الدكتور رد عـبد الناصر نفـسه عـلى هـذا الـقـول :
" فى يوم 21 مايو 1962 قـدم الرئيس الراحـل جمال عـبد الناصر الى المؤتمر الوطنى للـقـوى الشعـبـية ميـثـاق العـمل الوطنى بقـوله : " الميـثـاق عـبارة عـن مبـادىء عــامة وإطـاراً للعـمل أو للخـطة ... نـتـج عـن تجـربة وممارسـة عـشـر سنـوات ... كــانت فـترة مشيـنا فيـها بالتجـربة والخـطأ " .. وقــال يـوم 7 أبريل 1963 " ... لـم يكـن عـندنا منهج ، لم يكن عـندنا نظرية ، ولم يكن عـندنا منظمة شعـبـية ، ولكن كان عـندنا المبادىء الـسـتة " . وقـال يوم 25 نوفمبر 1961 " ... إيـه هى أهـداف النظرية ؟ أنا بأقول إنى مكنش مطلوب منى أطـلع فى يوم 23 يوليو معـايا كـتاب مطبوع ، وأقـول إن هـذا الكتاب هـو النـظرية ، مـسـتـحيـل . لو كنا قـعـدنا نعـمل الكتاب ده قبل 23 يوليو ما كناش عـملنا 23 يوليو ، لأن مكـناش نـقـدر نعـمل العـمليـتيـن فى وقـت واحــد " .
يعـلــق الدكتور عـصمت عـلى ذلك قـائـلاً :
" وهـكـذا مع الإعـتراف بغـيـبة النـظرية ، طرح ( عـبد الناصر ) المشكلة الفكرية طرحاً يـتـضمن الإشـارة الى سـباق بيـن الفـكر الذى لابـد لـه من الوقـت اللازم والكـافى لـنـضجه وبـلورته ، وهـو وقـت قـد يستـغـرق حياة جيـل أو أجيال .. وبيـن موقف مصر المتردى بسرعـة متـزايدة قـبـل 1952 ، مـما كان يسـتوجب الإنـقـاذ بالـممـكن بدون انـتـظار لـما يجـــب أن يكون . وكان الـممكن هـو ما عـرف باسـم المبادىء الـستة للـثورة ، ومن بـينها إقامة حـياة ديمقراطية سـليـمة " .
( 6 )
ويسـتـطـرد .. " بـدأ عـبد الناصر قائداً ينـتهج التجربة والخطأ أسلوباً . ولم يكن مثـقـفاً يملك كل الوقت اللازم للإجتهاد الفكرى المجرد ، ويملك ـ بشكل خاص ـ أن يحـجب أفكاره أو يـراجعـها أو يغـيـرها ، قبـل أن يـطرحها عـلى الناس أفعـالاً تـؤثر فى حـياتهم العـينية . ذلك لأنه كـان قـائد ثـورة مهـمـته الأولى أن يغـيـر ويـطور ، وينـفـذ ويـصحح فى الـواقـع الإجـتماعى بما يحـمله من أفـكـــار " .
ونـقـول نحـن .. إن التلازم والـترابط العـضوى بيـن الفكـر والعـمل ، كان هـو الأساس المحـورى الذى قـام عـليه ذلك التراكم الحـضارى الإنسانى ، منذ بـدء الخليقة الى أن يـرث الله
الأرض ومن عـليها . فـلم تخـل مسيـرة الإنسان الحضارية عـبر كـل تاريخـه من التجربة ولا من الخـطأ ولا من التصحيح .. وحـينما كان يلاحـظ الإنسـان ثـباتـاً للنـتائج حـينما يـتـكررالقـياس ، فـإنه كان يـشرع فى صياغـة القـواعـد والثوابت والقوانيـن ، وبلورة النظريات . وحين كانت تـتـقـدم المراحـل التاريخية والحضارية بالإنسـان ، كانت تظهـر ( أو تـفرض نفسها ) حاجـته الى تغـيـير المقايـيس والقوانين والنظريات .. بـل والبديهـيات ، ولم يكـن ذلك ليـحـدث ـ بأى حـال ـ إلا عـلى قاعـدة " الـتجـربة والـخـطأ والتصحيح " . والماركـسيون أنفسهم هـم الذيـن يقولون " إن الواقع هـو الذى ينـتج قوانيـنه " و هـم الذيـن يقولون " أن الـتـاريخ يعـود دائماً الى الواقع ليـصحح نـظريـاته " .
ويـشـير الدكتور عـصمت الى ذلك الجـدل العـلمى الذى يحـدث دائماً بيـن الـفكـر وبيـن الواقع ، وكـيف كان وعـى عـبد الناصر بـه ، واسـتعـداده الشخـصى للإستجابة لـه . فيقـول :
" ... قـد كان ـ بالضرورة ـ أكثـر قبولاً للتعـلم من التجربة من أصحاب النظريات ، وفى حياته تجـربة إنسانية خصيـبة لإمتـزاج التـقدم الفكرى بالتـقدم العـملى . فـقـد أعـطى التجربة أفكـاره ، واسـترد من التجربة أفـكاراً أكثر نـمواً ، فعـاد وأعـطاها للتجربة ، ثم استرد منها .. وهـكذا فى عـملية نـمو فكـرى خـصيـبة ، ما تـزال فى حاجة الى دراسات عـلمية مطــولة . إذ لا شك
فى أن دراسة عـبد الناصر المفـكر شىء أكـثر لـزوماً وفائـدة وصعـوبة من دراسة أى مفـكر آخـــــر ، لم يتحـمل بنـفسه عـبء وضع أفـكـاره موضع التـنـفيذ ، كما لا شك فى أن دراسة عـبد الناصر الثـائر أكـثـر لـزوماً وفائـدة وصعـوبة أيـضاً من دراسة أى ثـائر آخر ، كان قصارى جهـده أن يغـير ويطور وينـفـذ نظـرية وضـعـت لـه والتـزم بها قـل أن يـثور " .
ويقـولون ـ يسـتـمر الدكتور ـ أنه كانت هـناك أزمة بـيـن الثـورة وبيـن الـمثـقـفـيـن :
يـوم 25 نوفمبر قـال عـبد الناصـر مخاطباً المثـقـفـيـن : " ... انـتـم اللى عـليكم تعـملوا النظرية ، المثـقـفين هـم اللى يعـملوا النـظرية ، يـوم ما لاقى كتاب طالع عـن اقـتصادنا وتجربـتـنـا ، أو إيه اللى يجب يحصـل فـيها ، أشعـر بأن هـذا الكتاب هـو جـزء كبـير من النظرية ... عـلى هـذا الوجه ـ يستـطرد الدكتور ـ حـدد عـبد الناصـر مسئولية البناء النظرى للـثـورة وأسـلوب هـذا البناء . فمسـئوليـته تـقع عـلى عـاتـق المثـقـفـيـن " ..
لـكـن من هــم المثـقـفيـن الـذيـن كان يعـنيـهم عـبد الناصر ؟ يجـيب هـو نـفـسه : " المفروض بالمـثـقـف أنه المثـقـف إجتماعـياً " ويعـلق الدكتور عـصمت .. " وهـو مـا يـمكن فـهـمه عـلى أنهم المثـقـفون الـناشـطون فى الحـقـل السياسى أو العـاملون بالقضايا العـامة " .
ويحـدد الميـثـاق ـ يستطرد الدكتور ـ معـالم العـطاء الفكـرى الـثورى الإجتماعـى :
" الثـورة العـربـية وهى تواجه هـذا العـالم لا بد لها من أن تواجهـه بفـكر جـديد لا يحـبس نفسه فى نظريات مغـلقة يـقـيد بها طاقـته ، وإن كان فى نفس الوقت لا ينعـزل عـن التجارب
( 7 )
الغـنية التى حـصلت عـليها الشعـوب المناضلة بكـفاحها ... إن الـتسليم بوجـود قـوانيـن طـبـيعـية للعـمل الإجـتماعى ، ليـس معـناه الـقـبول بالنـظريات الجـاهـزة ، والإستـغـناء بـها عـن الـتجـربة الوطـنـية " .
تـلك كانت رؤية عـبد الناصر والثورة لـدور المثـقـفين .. فـماذا كانت رؤية المثـقـفـيـن لعـبد الناصر والثـورة ؟ .
يقـول الدكتور عـصمت : " نحن نعـرف الآن أن الوجه السياسى لعـملة الرأسمالية هى الديـمقراطية الليـبرالية التى كانـت سائـدة فى مصر قـبل الثـورة . وحـين حــددت الثـورة أحـد
أهـدافها فى " القضاء عـلى سيطرة رأس المال عـلى الحكم " كانت تـتـقدم ـ حتى دون أن تـدرى ـ الى مواقع الصدام مع الليـبراليـين وأفـكارهـم الخاصة عن الديمقراطية ، أى مع مثـقـفى مرحلة مـا قبـل الثـورة ( الذين تمثـلوا فى أنصار الديمقراطية الليـبرالية وبعـض فصائـل التيار الماركسى ) ... إن المثـقـفين فى مصر ـ يسـتطرد الدكتور ـ لم يـقوموا بـدورهــم التاريخى فى البناء النـظرى للثـورة ، وهـو الـدور الذى لم ينـكره عـليهم عـبد الناصر قــط ، ولم يـدعـه لنـفسه من دونهـم قــط ، فبـقى بـدون إنجـاز لـمدة طــالت أكثـر مما يجـب " .
ونـقـول نـحـن .. إن تـلك كانت هـى الأرضية التى دارت فوقها محاولة الإلتـفـاف عـلى الـثـورة ووأدهـا إبــان ما عـرف فى التـاريخ السياسى المصرى بـ " أزمة مارس 1954 " ، ومحاولة
إرجــاع صانعـيها الى ثـكـناتهـم ، أو الى غـياهـب السجـون .. أو تعـليـق هـؤلاء " المتـمردون " ـ عـند اللـزوم ـ عـلى أعـواد المـشـانـق .
وكـأن هـذا الـحـديـث .. جــاء مدخـلاً للـحـديث عـن أزمـة مـارس 1954 :
يـقـول الدكتور عـصمت سيـف الــدولة عـنـهـا :
" فى ذلك الصراع ، إخـتار الليـبراليون داخـل مجـلس قـيـادة الـثورة ، ورمـزهـم محـمـــد نجـيب ( ونضيف إلـيـه : خـالد محى الدين وعـبد المنعـم عـبد الرؤوف وعـبد المنعـم أميـن ، كما يضيف الدكتور قـولـه أن محمد نجيب اليمينى قد رشح خالد محى الدين اليسارى ، فى أزمة مارس 1954 ، ليكون رئيساً للـوزراء فى مقابل إنهاء الثورة ) .. هــؤلاء كـان يساندهـم رجـال الأحزاب المنحـلة وجـماعـات المثـقـفين ، اخـتـاروا العـودة الى النظام البرلمانى الليـبرالى . وكانت حـججهم المعـلنة ، أن الثـورة وقـد نجحـت فى القـضاء عـلى " المفـسديـن للـديمقراطية ( الملك والإقطاع ) ، فـقـد اسـتـنـفذت غايـتها .. وعـليها أن تـنهى ذاتـها لـتـعـود الحــياة الديمقراطية الليـبرالية الى استـئـناف مسيـرتها الـتى عـوقها المفسدون .. وأن عـلى مجلس قيادة الثورة وضباط القوات المسلحة أن يعـودوا الى ثـكناتهم ... وأن يـسلموا الـسلطة الى حـزب الأغـلبـية ( الوفــد ) ... يضـاف الى ذلك ـ يسـتـطــرد الدكـتـور ـ الـنـظرة المتعـالية التى كان يـنـظر بها المثـقـفون وقـادة الأحـزاب السابقة الى " شـوية الـضـباط " صغـار الـسن ، غـيـر المعـروفيـن من الـشعـب ، الـمجـرديـن من الخـبـرة حـــتى ولو كانوا غـيـر مجـرديـن من الإخــلاص " .
( نـرى أنـه يـنـبـغـى مـنـح الإنـتـبـاه الـكــافى لتـعـبـيـر " الـنـظـرة المـتعـاليـة " الذى اسـتخـدمه الدكـتور لوصـف موقـف المثـقـفـيـن من الثــورة منـذ أربعـاً وخمسـون عـاماً ، وتعـبـيـر " شـوية الضبـاط " الذى كانوا يشـيـرون بـه إلى الـثــوار الذيـن زلـزلوا واحداً من أكثـر النظم الحاكمة فى العـالم يومها ، سـطوة وتـرهـلاً وفـساداً وعـمالة وتـبعـية .. ليـس هـذا هـو المهـم الآن .. وإنـما الغـريـب الـفـج فى هـذا الـصــدد هـو أنـه ما زالت " نـظـرة التـعـالى " تـلك و تـعـبـيـر " شـويـة الضـباط " ذلك ، يستـكـنان فى نـفـوس عـديـد من المثـقـفـيـن ،
( 8 )
ومن ثـم يتـحـكـمان فيما يـقـولون ويكـتـبون وينـشـرون بـدون خـجـل . وكــأن عـلى الـثـوار والغـيـوريـن عـلى أوطانهـم .. والشـهـداء ، ألا يكـونوا كـذلك إلا بعـد حصولهـم عـلى درجـة الدكـتوراه ، وتـقـديـم شـهـادة " حـسن سـيـر وسـلوك " معـتمـدة من اثـنين مـثـقـفيـن !! ) .
ويـفـسـر الدكـتور سيف الدولة .. لـماذا انحـاز الماركسيون الى الليـبراليـيـن فيـقول : " لأنهم لـم يكـونوا من الـقـوة بحـيث يـفـرضون مـذهـبهم الـتـقـليـدى فى ديـكـتـاتـورية الـبلـوريـتاريا ... فانحازوا الى الليـبراليـين عـلى أساس أن الليـبرالية سـتـتيح لهم فـرصة أكـبر لتعـميق التـناقـضات الطبقـية ، وتعـبئة الجماهـير تحـت قـيادة الطبقة العـاملة للإستـيلاء فى النهاية عـلى السلطة ... وأن عـودة الليـبرالية بعـودة الوفـد كانا ـ فى تـقـديـر الماركسيـين مبـرراً كــافياً أو مساعـداً لإنحـيـازهـم الى إنهـاء الثـورة " .
ويلخـص الدكـتور سيف الدولة ، مشهد الصراع فى تـلك الأزمة ويـوصـفه بـقـوله :
" أياً ما كان الأمـر فإن الصراع حـول مشكـلة الديمقراطية فى مصر أصبح قائـماً بين الليـبراليـين وبيـن الثوريـين " .. ثم يـسـأل " فـأى الفـريقيـن كــان ديـمقراطـياً ؟ " .
ويـجــيـب ..
" ... الأولون انحازوا الى أنفسهم ، الى القـلة المـمتازة الحاضرة ، والآخرون انحازوا الى الشـعـب ، الى الأغـلبـية المسحـوقة الغـائـبة ... وعـلى المستـوى الـواقعـى ، نعـنى واقـــع مصر عـند قيام الثورة ، فإن الأولين لم يكونوا ديمقراطيـين بأى معـنى ، وكان الثـوار وحـدهـم هـم الديـمقراطيـون . ذلك لأن الـقـلة الممتـازة التى انحـاز اليها الليـبراليـون لم تـكن تعـانى من أيـة مشكلة ديمقراطية . فهى قــادرة فكــراً وعـلماً وخـبرة ومالاً عـلى ممارسة حـقوقها السياسية ... الـذى كان يعـانى مشـكلة ديمقراطية حـقـيـقية هـو الشعـب . أغـلبية الشعـب الراكـد الغائب الضعـيف ، المستـضعـف المحكوم بـدون أى أمـل فى أن يشارك فى الحـكم " .
ويـستـوقـفنا هـذا الفهـم والتحليـل الرفيع لمشكلة الديمقراطية ، ولقضية العـدل الإجتماعـى فى مصر العـربـية ، وهـذا التـلخـيص والتوصيف لذلك المشهد الفاصـل فى تاريخ الـثـورة فـى مصر ، حـيث يـبرز من ثـناياه ذلك المفهـوم اليـقـينى العـقـيدى للديـمقراطية الذى ترسخ فى وعـى جـمال عـبدالناصر ، فالـتـزم بـه وأعـلـنه .. بــل وقـاتـل دونه ، كـل الحــرية والديمقراطية للشعـب ، ولا حـرية ولا ديمقراطية لأعـداء الشعـب ، ولا ديمقراطية ولا حـديث عـنها ، قـبـل أن يـتـمكن المسحـوقون والغـائـبون والمهمـشون آمـاداً طـــويـلةً ، مـن أن يـكونوا مثـل " الـقـلة الممتازة " ، قـادرون فـكراً وعـلماً وخـبرة ومـالاً عـلى ممـارسة حـقـوقــهم السياسـية .
وفى هـذا الـسـياق .. لم يكـن غـريـباً أن تـصـدر الثورة ـ ولـما تكـمل شـهـرين من عـمـرها ـ أول قانـون للإصلاح الزراعى ، الذى قصـم ظهـر الإقـطاع لـصالح الفلاحـيـن أقـنــان الأرض فى مصـر ، ولم يكن غـريـباً أيضاً ، كما يـوضح الدكتور سيف الدولة ـ أن يتـلقى العـمال من الــثورة ـ ولـما تكـمـل عـامها الأول ـ القانون الذى يحـرم فصلهم من العـمل بدون مبـرر ، ويـوقـف قرار الفصل التعـسفى " عـلى وجه الإستـعـجال " مع صرف الراتب ، حـتى لو لم يـقبـل رب العـمل إعـادة العـامل الى عـمله . وعـدم جــواز توقـيع أكـثر من عـقوبة عن المخالفة الواحدة .. إضافة الى القـانون الذى يفـرض حـصر كل العـمال العـاطليـن فى مصر ، وانشاء سجل لهم ، وتشغـيلهم ، وإلزام أصحاب الأعـمال بالإبلاغ عـن طلبات العـمل ، ومنـع
( 9 )
الـوســـاطة ، وكـفالة الـدولة لمصروفات نـقل العـامل وأسرته من محل إقامته الى حيث يقـدم لـه العـمـل .
لـيـس هـنـاك ـ فى رأيـنا ـ غـيـر هـذا الحـديـث حـديـثـاً عـن الديـمقـراطية ومعـناها .. وجـدواها . وإذا وجـد حـديـثاً غـيـره فى مصر والأمة العـربـية والعـالم الثالث بإجـماله ، فـإنـه يـكون فـقـط من قـبـيـل " اسـتـهبـال المثـقـفيـن " أوجهـلهـم .
يـقـول الدكـتور عـصـمت :
" ثـم نعـجـب ممن وضعـوا أنـفسهم فى مقاعـد الـتـقـدمية ... أو سـودوا ما توهـموا أنه تاريخها ، فـقــالوا إن الصـراع كان يـدور فى القمة بين الديمقراطيـين وبـين أنصار الديكتاتورية ، وهـذا صحيح ، ثم أخـطأوا خـطأً فاحـشاً ، فـقالوا إن دعـاة استـمرار الثـورة هـم الديـكتـاتـوريون ، وأن دعــاة العـودة الى الليـبرالية وأحـزابها ، كانوا هـم الـديموقـراطيـين . كـأن الديـمقراطية كـلـمة تـقـال وليـست حـرية مكـتـسبة ، كـأن ثـورة يـوليـو ما قــامت إذ قــامت ، إلا من أجل أن يسـتـأنف حـزب الوفـد وأحـزاب مدرسة " حزب الأمة " حكمها الشعـب العـربى فى مصر ، بعـد أكثر من سبعـين عـاماً من تحالفها ضـد الخط الوطنى الثـورى ، وبعـد ثلاثـيـن عـاماً من ممارستها الفـاشــلة للديمقراطية الليـبرالية فى مصـر " .
لقـد كان ذلك هـو مفهوم عـبد الناصر العـقيدى للديمقراطية .. وكان ذلك أيضاً هو مـا وافـقـه عـليه الدكتور عـصمت سيف الدولة .. ونحاول الآن أن نغـوص أكـثـر مع الدكتور ، فى الواقع والوقائع التى جـرت بـفـعـل الـثـورة عـلى الأرض ، لـندرك أعـماق المفهـوم الديمقراطى لـدى عـبد الناصر ، ومدى مصداقيـته .. لـنـجيب عـن السـؤال : هـل كان فـعـلاً ديكـتاتوراً ؟ .
يسـتمر حديـثـنا مع الدكتور .. أو حديـثـه إلـيـنا .
الإصـلاح الزراعـى :
" كان الهدف الأول ، الأكثـر وضوحاً ، لثورة يوليو هـو تحرير الفلاحين ... وكان تحديد الملكية هـو التحـدى الظاهـر الذى واجـهت بـه الـثورة الأحزاب فرفـضـتـه . ( يقول عـبد الناصر يوم 26 يوليو 1955 " من أول يوم من أيام الثورة ، قـلنا لهم ، إذا أردتم فعـلاً أن تحـقـقوا الحرية ... لـهذا الشعـب الطيب الذى خدعـتـموه تحت اسم الحرية .. فـلتوافـقوا ولتعـلنوا مـعـنا القضاء عـلى الإقـطاع ، ولتـعـلنوا تحديد الملكية " ) ... إن قانون الإصلاح الزراعـى ـ يؤكـد الدكتور عـصمت ـ هـو القانون الديمقراطى الأول فى تاريخ مصر الحديث . ذلك لأنه يتضمن محاولة لحل مشكلة الديمقراطية بالنسبة لأغـلبـية الشعـب من الفلاحين ... بالحــد من قـوة الإقـطاعـيـين وكـسـر شوكـتهـم ، وتحـطيـم ما تـراكـم لهـم من هـيـبة طاغـية فى الريـف . وأيضـاً بخـلـخـلة الـقيـود التى كـبلت الفلاحين ، وتـشـجيعـهـم عـلى التـمرد والفـكـاك من التـبعـية ، وتـدريـبهـم عـلى الجــرأة وتحـدى استـغـلال المـلاك والإقـطاعــيـين لـهـم ... وكسر السيطرة الإجتماعـية والنفسية والأخلاقية لـهـؤلاء عـليهـم ... بالإضافة الى ذلك ، حــاول القانون الــزج بجمـوع الفلاحين زجــاً الى مواقـف جماعـية إيجابـية يواجهون بها احتياجاتهم ، بدلاً من عـلاقات الإتكـال والتواكل التى كانوا قـد اعـتـادوا عـليـها سـنين طـويلة . فــأنشـأ الجــمعـيات التـعـاونية الـزراعـية ، واشـتـرط أن تـكون عـضويـتـها لـمـن تــقـل ملكيـتهم عـن خـمسة أفــدنـة " .
( 10 )
يسـتطرد الدكتور سيف الدولة : " لم يركز عـبد الناصر قــط عـلى المبرر الإقـتصادى للإصلاح الزراعـى ، ولكـنه بـرره دائماً تبريـراً تحـررياً ديموقراطياً ، وهو ما يعـنى أن الإصلاح الـزراعـى كان مرتـبطاً فى وعـيه بمـشـكلة الديموقراطية فى مصـر " .
أيـهما الديمقراطى .. الـوفـد أم عـبد النـاصـر ؟؟
يحـدثـنا الدكتور عـصمت سيف الدولة فى كـتـابه فـيقـول :
" لم تخـضع قـيـادة حـزب الوفـد منـذ تأسـيسه لـرأى غـالبـية إلأعـضاء إلا فى المـسـائل الـتى لا تـهـم القـيـادة ! ، وأعــطى قـائد الـوفـد سعـد زغـلول ومصطـفى النحاس ، لـنـفسـيـهـما " استـبدادية " فى مواجهة أعـضاء الحـزب ، تـكررت حتى استـقرت تـقـليداً فى هـذا الحزب العـتـيد ... ففى عـام 1921 قـرر سعــد زغـلول ـ منـفـرداً ـ فـصل أغـلبـية أعـضـاء الـقـيادة العـليا للـوفـد ( عـشرة من أربعـة عـشر ) . وفى عـام 1932 كـرر مصطـفى النحـاس الأمر ذاته ، فاتـخذ قـراراً منـفـرداً ( ! ) بفـصل أغـلبـية القـيادة ( ثـمانية من أحـد عـشر ) . ولـقـد كان هـذا التـقـــــليد الإستـبـدادى من بيـن أسبـاب الإنشـقاقـات المتـتابعـة التى حـدثـت فى الحــزب ، وكان الـسبـب الرئيسى فى خـروج العـقـاد وروز اليوسف وأحمد ماهـر ومحمود فهمى النقراشى عـلى الوفــد أو عـنـه " .
ونـضـيف فى هـذا السـيـاق .. تـلك كانت فـكـرة " الـزعـامة المقـدسـة " لـدى حـزب الوفـد الليـبرالى التى لاتـرى إلا ذاتها وخـضوع الـتابعـيـن .. وهـى ذاتـها فــكـــرة " الـمرشـــد " الذى يمتـلك بصيرة ، وإلهـاماً ، أكـثـر من كـل الذيـن " يـرشــدهـم " ، بـل ويــبايـع منـهـم عـلى الطـاعـة والتسليم الكامـل بما يقـول وما يفـعـل ، عـند الإخـوان المسلميـن .. ثـم هـى نـفـس فـكــرة " الإمــام " أو " ولايـة الـفـقـيه " عــنـد الــشـيعـة .. وهـى كــلها حـالات ـ فى أحـسـن أحــوالها ـ لا تـمت الى الديـمقراطية بأدنى صـلـة .. فهـى ـ فى أحسن أحوالها أيضاً ـ تـصـادر حـق الآخريـن ( الجماهـير ) فى المـشاركة فى المشكلة ، وفى تـقـديم الحـل .. لأن الحـل سـوف يأتـيـهم من " معـصـوم " لـن يـخـطىء ، حتى لـو كان فى مثـل حالهم أو أقـل !! .
إن الذين صـبوا جــام غـضبهم " الديمقراطى " عـلى عـبد الناصر " الديكتاتورى " فى أزمة مارس 1954 وهـم تحـالف الوفد والإخوان المسلمين والماركسيـين ، وبقايا الأحزاب المتهالكة ، بقيادة محـمد نجيب وخالد محى الدين .. لـم يكـن بينهـم عـلى أى وجـه ـ من حيث الفكـر والمنهج والسلوك ـ ديمقراطى واحـد ، فـلقـد كانوا جميعـاً ـ كما يقول الدكتور سيف الدولة ـ مـمن يسلمون أمورهـم الى قيادتهم تسليماً غـير مشروط ، ثـم ينكرونه عـلى عـبد الناصر ، الذى لـم يطلبه منهـم أصـلاً .
لـقـد كانت مطالب الليـبراليـين فى ذلك الوقت ـ كما يورد الدكتور ـ تـنـتهى كخلاصة ، الى أن يسلم عـبد الناصر السلطة الى " الزعـيم " مصطفى النحاس ، أو الى " الإمـام " حسن الهـضيـبى ، أو الى خـالد محى الديـن وحركة " حـدتـو " الشيوعـية ، تـحـت عــباءة محـمد نجـيب . لـم يـكن لأى من هـؤلاء عـلاقـة بقـضية الديمقـراطية فى مصـر ، رغـم واقـعـهـا الـمـهـيـن الـذى كان " واقعـاً " عـلى الأرض أمـام عـيونـهـم ، وليـس فى متـاحـف الـديمقراطية الغـربـية وطـقوسها الـمزيـفة ، ولـم يصل وعـى أياً من هـؤلاء بالمشـكلة وأبعـادها ، كما وصـل وعـى جـمال عـبد الناصر بهـا .. والمؤكـد ـ بالقـطع ـ أن كـل منهـم ، وبدون استـثـناء ، كان لـديه حـلم كبـيـر بالسلطة وكرسى الحـكم ، حـتى وإن تحـقـق حـلمه هـذا
( 11 )
عـلى جـثـة الديـمقراطـية التى عـاش يـتـشـدق بهـا .. بـل وعـلى جـثـث الذيـن يـطـلبـونها والـذين هـم يسـتحقـونها بالواقع والتاريخ .. ورغـم ذلك فـإنه وغـيـره لا يكـلون ولا يـملون من جـلـدنا وأولـنا جـمال عـبد الناصر بـسـوطهـا متـعــدد الأطــراف !! .
والخامس من يونيو / حزيران 1967 :
كـنا قـد اتـفـقـنا من قـبل .. نحـن وجمال عـبد الناصر والدكتور عـصمت سيـف الدولة ، والمـنطـق والـتـاريخ والـواقع ـ وعـلى غـير رغـبة كل القوى المعـادية للشعـب العـربى فى مصر والأمة العـربـية كلها ـ اتـفـقـنا عـلى أن قضية الديمقراطية لا تـتجـزأ ، وأنها ترتـبط عـضوياً بكـليات النضـال الوطنى والقومى وجـزئياته ، إن فى الداخـل أو فى الخارج .. أى سـواء كان هـذا الـــنضال داخـل الحـدود الوطنية والقومية ، أو لحـماية تـلك الحـدود ذاتـها .. التى إذا انكـسـرت واسـتـباحـهـا الأعـــداء ، يتوقـف الحديـث " غـربى الـمـنـشــأ " عـن الديمقراطية ، ويـفـرض نـفـسه الحـديـث عـن تحــريـر الوطـن .. والصياغـة الجامعـة لـذلك هـى " لا صـوت يـعـلو فـوق صـوت الـمعـركة " .. معـركة تـحـريـر الوطـن والأمـة ، باعـــتـبار أن نطـاق العـدوان كان أكـبـر من حـدود قـطـر معـيـن من أقـطـارها .
يقـول الدكـتور سيـف الـدولة عـن هـــذا اليـوم :
" ... يوم أن ظهر ما كانت القوى المعـادية لأمـتـنا قـد دبرتـه ، وخطـطت لـه ... وضربت ضربـتها الصاعـقة . ولـقـد اعـتـرفـوا من بعـد أن هـدفهـم الأساسى كان إسقاط قائد معـارك التحرر العـربى ، عـبد الناصر ونظامه ، وهـزيمة أمـته . ولقـد نـالوا منه ومن نـظامه ومن أمتـه مـا نـالوا ، وهـو جـسـيـم ، ولكنهـم لم يسقـطوه ولا أسقـطوا نظامه ولا هــزموا أمـته . فـقـد احـتـضنـته وحـمته الجماهـير العـربـية الهادرة من المحيط الى الخليج ، وأعـادته الى موقع القيادة ، ثـقـة منها فى مقـدرته . كان ذلك فى يومى 9 و 10 يونيو / حـزيران 1967 .
وسـيثـبت التـاريخ ، وقـد أثـبـت فعـلاً ، أن أعـظـم أيـام عـبد الناصر ، وأكـثرها جــلالاً هـى الأيام التى تـلت الهـزيمة ، فـفى يوم 5 يونيو 1967 لم يـمت جمال عـبد الناصر ، ولكـنه اسـتـرد ملء حـيـاته وحـيـويـته . نالـت الهـزيمة من عـبد الـناصر الحاكم ، وأبرزت عـبد الناصر الزعـيـم . أضعـفت رجل الدولة " الحكيم " الذى يتعـامل بالممكن ، وقد كان الممكن صـفراً ، وقدمت القـائد والثـائر الذى يتحـدى بما يجـب أن يـكون مبـتـدئاً من الصفـر أيضاً .
بكل مقايـيس الحكمة والمرونة والعـقول المفتوحة والواقعـية ، كان عـلى عـبد الناصر أن يسـتسلم ، مفاوضة وصفحاً واعـترافاً بالذين هـزموه . ولكن بمقايـيس القيادة والزعـامة والـثـورة ، كــان عـلى عـبد الناصر أن يـلـبى نـداء جـماهـيـر أمـته ، ويـقـودها عـلى طـــــريق : " لا صـلح ، لا تـفـاوض ، لا اعـتـراف " ولـقـد اخـتـار عـبد الناصر الـطريـق الـذى لا يخـتـاره إلا الأبـطـال " .
ثـم يستـمر الدكتور فى دفـاعـه " مرافـعـته " .. محـدداً دوافع العـدوان وأسباب الهـزيمة :
ـ ضرب المـد الوحدوى الذى كان يقوده عـبد الناصر ، وأن خطة عـدوان 67 قـد وضعـت
وبـدىء فى التـدريـب عـليها فــور قـيام الوحــدة عـام 1958 .
ـ وأن الإنـفصال عـام 1961 لم يكن إلا جـزءاً مبكـر التـطبـيـق لخـطة عـدوان 67 .
ـ ضـرب وتـدمير الطـاقات الإقـتصادية التى كانـت بدأت لأول مـرة تعـطى ثـمار التخـطيط
العـلمى والتصنيع .
( 12 )
ـ بالـمـرة .. لـقـد دفعـنا الأعـداء الى أن نعـتـقد بأن ما حـدث كان نتـيجة " عـيـوبا نحن ، عـجزنا نحن ، تخـلفنا نحن ، ما قـلناه نحن ، ما فعـلناه نحن .. لنـكون " نحن " الذين جنينا عـلى أنفـسـنا ، ويـكون الأعــداء أبـريـاء مما أصابنا . كأنـنا نحن الذيـن اغـتصبنا الأرض وبدأنا العـدوان وتجاوزنا الحدود ، كما يقـول الدكتور .
ونضيف نـحـن .. أنه إذا كان من بين الحكام العـرب فى تـلك الفـترة ، من استـصدر قراراً رسمياً من مجلس وزرائه ، فى شهـر ديسمبر 1966 ـ أى قـبل العـدوان بستة أشهـر فـقـط ـ بتـقـديـم " التـماس " الى الولايات المتحـدة الأمريكية لاتخــاذ " الإجـراءات اللازمة " لإخـراج القـوات المصرية من اليمن .. وأن من بيـن هـؤلاء الحكام من جمع كـبار ضـباط جيـشه صبيحة يوم 29 سبتـمبر 1970 ، ليهـنـئهـم " بـوفـاة جـمال عـبد الناصر " فـــى اليـوم السـابق !! .. نـقـول إذا كــان ذلك قـد حـدث ، وقد حـدث أبـشع منه الكـثـيـر .. فـإنه كــاف لتوضيح أبعــاد المؤامرة ، وأطرافها ، وما حــشد وأعـد لتـنـفيذها ، بغـض النـظـر عـن أوجـه القـصور والخـطـأ لـديـنا ، وعـدم إنكارنا للتأثـيرات السلبـية والمدمـرة للقصور والخـطأ .. ومـا حـدث فى الإغـارة الأمريكية الإستعـمارية الصهـيونية عـلى العـراق عـام 2003 ، وما حـدث فى جنوب السودان وسوف يحـدث فى غـربه فى دارفـور ، وما قـد يحـدث لـسوريا وإيران .. فـإنه يفصح بجـلاء عـن العـنصر الثابت الأعـلى فى الإستراتيجية الإمبريالية الإستعـمارية الصهـيونية العـالمية ، وهـو الإغـارة والعـدوان المباشر ، لـمنع أى بـروز لأى قـوة أو قـيـادة إقـليمية خـارجة عـن السيـطـرة ، فى المنطـقـة الأهـم ـ بما لا يقـارن ـ فى العـــالم كـله .. وهـى المنـطقة العـربـية والـدول الملامسـة لهـا .
__________________