المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : عـرض كـتـاب هــل كان عـبد الـناصر ديكـتـاتوراً بقلم الدكـتور عـصـمت سـيـف الـدولـة


د. يحي الشاعر
27-04-2009, 08:31 PM
عـرض كـتـاب هــل كان عـبد الـناصر ديكـتـاتوراً بقلم الدكـتور عـصـمت سـيـف الـدولـة

تعود علينا يوم 28 سيتمير ذكرى وفاة الرجل ... الذى يتفق عليه محبيه ومعارضيه ....

كان رجل ... أحب أمته ...

وسأنشر عدة مقارت منقولة فة محاولة لكشف الستار عن بعض المجهول ... وتدعيما لمن بود أن يناقش ... ولا ينزلق أو يسعى لأسلوب بعيد عن الموضوعية

السطور تخمل معلومات ... وهذا هو المهم ... وبعد تجميه المعلومات .... سيمكن العديد منا المناقشة ... والنقد البناء .. من أجل توضيح فترة الخمسينيات والستينيات

فلألسف .. وصلنا بنا الوضع فى مصر إلى أن ستسم "سطور حكايات الراقصات ... والداعرات " بمصداقية تعلوا على ... معلومات الباحثين والمؤرخين والحقائق التى تكشف عنهم الوصائق

نتمتع بالحرية فى قراءة الموضوع ... ورفضه كاملا أو جزئيا ... كما يحق لنا أيضا أن نعبر عن أرائنا
ومن لا يعجبه رأينا ... فهو حر ...


د. يحى الشاعر

الموضوع منقول حرفيا من

المصدر (http://alfikralarabi.net/vb/showthread.php?t=1234)


اقتباس:

عـرض كـتـاب
هــل كان عـبد الـناصر ديكـتـاتوراً


محـمـد يـوســـف

الكـتاب هـو من أهـم الكتب ـ إن لـم يكـن أهـمها ـ التى تعـرضت لـقـضية الديموقراطية فى الـفـكر والـممارسة الناصرية إبـان تـشـيـيـد المرتـكـزات الأساسية للمـشروع النهـضوى العـربى الذى قــاده جـمال عـبد الناصر خلال الفـتـرة من 1952 الى 1970 .

وهـو الكـتاب الذى تـضمن عـرضاً واضحـاً ومفصلاً للمنظور الـناصرى للديمقراطية .. وكيف أن هـذا المنظور قـد جـاء مـميـزاً ومتمايـزاً فيما قـد تعـلق بالسلطة والـثـروة والجـماهـيـر ، عـن المنظور اللـيـبرالى ، وعـن المنظور الماركسى ، وعـن منظور الإخـوان المسلميـن .. إن فى فكر كل منهم ، أو فى ممارستـه .. وقـد كانت تـلك هـى المدارس الفكرية وأوعـية الحـراك السياسى التى جـاءت المدرسة الناصرية ووجـدتها عـلى الساحة فى مصر والوطن العـربى ،


وكان أن كشـفت الناصرية عـن واكتـشفت عـجز تـلك المدارس عـن التـعـبـير عـن جماهـيـر الشعـب والإنحـياز لـهـا .. فـلم يكن أمامها إلا أن تـبـتـدع طريقها الخاص لتحـقيـق ذلك الإنحـيـاز الصريح والمعـلن للأغـلبـية الساحقة الغـائبة من الجماهـيـر .. فـكـراً وممارسة .

إن الكـتـاب يمثـل كـما يقـول ناشـره " صـرخـة الـحــق فى وجـه الـباطـل الـذى يحــاول الـبعـض إلصـاقه بـثـورة عـبد الناصـر من مواقـع مخـتـلفة ، وبـدوافع مخـتـلفة ، إنـه كتـاب للـملـتـزميـن بقـضيـة هـذه الأمــة عـن وعـى وإيـمـان " .

والكـاتـب .. هـو واحـد من أبـرز مـشـاعـل الإسـتـنـارة والتحـريض فى الفـكـر القـومى العـربى ، والـذى تـمـنطـق وعـيـه بأهـمية أمـتـه ، ودورها الحضارى والتاريخى ، وحقـهـا فى مسـتـقـبـل هـى خـليـقـة بـه وتسـتحـقـه .. وأهـمية أن يـتعـرف شـبابها عـلى معـالم طريقهـم الى مسـتـقـبـل أمـتـهـم .. وإدراكــه . وبعــد أن تـمـنـطـق وعـيه هــذا ، أوقـف عـمره كـله لـيـنـقـله الى شـبــاب هـذه الأمـة وشـيـبـهـا ، ولـيـدعـوهـم إليه .. ويحـرضهـم عـليـه .
بـذلك يـكـون الكاتب هـو الدكـتور عـصـمت سـيـف الـدولـة .

والـمكـتـوب عـنـه .. هـو جـمال عـبد النـاصـر حسـيـن الـسـيد عـثـمان ( وهـذا هـو إسـمه بالـكامـل ) .. فـيـض من الـنـبالة والبـطولة والشـرف وصـدق الإنـتـمـاء ، هـبط عـلى هـذه الأمـة فى لحـظـة هـى الأخـطر والأهـم فى كـل تاريخـهـا الحـديث وحتى كتابة هـذه السطور عـلى الأقـل .
رجـل ليـس أصـدق ما يقـال فى حـقـه ، من تـلك الـعـبـارة التى نقـشـت عـلى الجرانـيـت الذى جـلب من أســـوان ليـغـطـى قـبـره " رجـل عـاش من أجـل أمـتـه واسـتـشـهـد فى سبـيـلهـا " .

إنـه الـذى اسـتحضـر فى وعـيه ووجـدانـه وإبصـاره وبصـيـرته ، مـجـد أمـته وحـقـها فى الحــــاضـر وفى الـمسـتـقـبـل ، وعـقـد الـعــزم عـلى أن يـقـود أبـنائهـا الغـائبـيـن والمهـمشيـن والمسحـوقيـن لإنـتـزاع حـقـهـم المشـروع فى الحـيـاة ، من الذيـن اعـتـدوا ونهـبوا واسـتـغـلوا
.. وتعـالوا وخـانـوا .. ووافـقـته الجماهـيـر وسـانـدته وسـنـدته ، فى نضـاله الـنبـيـل لإنـتـزاع هـذا الـحـق من مغــتصـبـيه إن اخـتـياراً أو جــبـراً .

واخـتار أعـداء الأمـة الـجـبـر .. وكان عـبد الناصر وأبـناء الأمة لـهـا ، فـدارت دورة نـضـال وكـفاح مـريـر وعـنيف .. بـقـدر مـا كـان نبـيلاً وشـريفاً .. و قـدوة لـكـل الشـعـوب المغـلوبة والمقهـورة والـساعـية لإنـتـزاع حـقـهـا فى الحـياة ، عـلى طول الأرض وعـرضها .


( 2 )

وفى أتـون عـملية الـنـضـال من أجـل إرســاء مـرتكـزات المشروع النهـضوى العـربى ، لـم يتـردد عـبد الناصـر فى أن ينـحـت بالـفكـر والـممارسة مفهـومه الـشامخ والصحيح للديمقراطية ، باعـتـبارها تـلك الـمنظـومة السياسية والإقـتصادية والإجتماعـية التى لا بـد أن تـنــتج حـرية الـوطن ، وأن تـنتج الـعـدل الإجـتـماعـى .. وأن تـنتج وحدة الأرض والتاريخ والـبشـر والإمكانات العـربـية . وأن ذلك لـن يتحـقـق إلا باسـتحـواذ الأغـلبـية الغـائـبة والمسـحـوقـة عـلى الـسلـطة والـثـروة .. لتـصنع بهـما قـرارهـا الذى يحـقـق مصالحهـا فى الحرية والإشـتراكية والـوحـدة .

وكان هـذا المجال تحـديداً ـ مفهـوم الديمقراطية ـ هـو مجـال الإتـفـاق المطـلق بيـن القـــائد الذى قـاد مشروع النهـضة ، وهـو جمال عـبد الناصر .. وبيـن المثـقـف الذى عـاش فى ثـنايا هـذا المشروع ، ورأى جموع الجماهـيـر وكان معـها وهـى تـشـيـده ، فـتوحـد مع أهـدافه ومنجـزاته ، والـهـمه المشروع مـا ألهـمه ، فاجـتهـد فى أن يصيغ لـه أسـساً نظرية بعـد أن كـان قـد أصبح واقـعـاً عـملياً عـلى الأرض .. وهـو الدكتور عـصمت سـيف الدولة ، وغـيـره من المفكرين القـوميـيـن الكـبـار ، الذين سـاروا فى طـابـور الـفــكـر الـقـومى الطويـل .



( 3 )
هـل كـان عـبد الناصر ديكتاتوراً ؟

يحــدد الدكـتور عـصمت سيـف الـدولة " تـشـريعـاً " يتعـيـن عـلى كـل من يـريـد " محــاكمة " عـبد الـنـاصر الإلـتـزام بـه ، كـشـرط حـاكـم ، لإقــامة العـدل والـمنـطـق والـموضوعـية فى " المحـاكمة " ، باعـتـبار أن أى محاكـمة بــلا تـشـريع ، ليست إلا صـراعـاً فى غــابة ، يخــرج عـن أى ضـابـط أو مرجـعـية من أى نــوع .. ويستـطيـع فـيها الحـاضر أن يـنـهــش لحـم الغـائـب ، ليـس بقـوة المنطـق والـوقائع ، ولكن فـقـط بضـعـف الـغـيـاب .. فـيـقـول :

" ... فـدعـونا نـتـفـق من الآن عـلى أمـريـن :

الأول .. أن يحاول كل منا ، وبقدر ما يستطيع ، أن يحتـفظ لنفسه بأحكامه عـلى مشكلة الديـمقراطية أو عـلى عـبد الناصر .. الى أن ينـتـهى الحـديـث عـلى الأقــل ... فـليس أسخـف من القول ( لوكنت مكان عـبد الناصرلفعـلت كـذا .. ) إلا القول ( لوكنت عـبد الناصر لفعـلت كـذا .. ) فـلا أحـد غـيـر عـبد الناصر كـان فى مكـانه . وعـبد الـناصر الـذى مـات لا يـتـكـرر .

الثـانى .. إذا لـم تـكن الحـيدة ممكنة فعـلى كل واحد أن يحدد موقـفه من حرية وطنه قبل أن يحــدد موقـفه من حـريـته الشخـصية . وقـبل أن يـتـشـدق أى واحــد مـنا بالكـلـمات الكبيرة عـن الديمقراطية ، عـليه أن يخـتار بين الإستـقلال وبيـن الـتـبعـية . لقـد اخـتار عـبد الناصر قائـد ثـورة يوليـو حــرية الوطن واستـقـلاله منذ البداية . وقضى وهـو فى ميدان معـارك التحرر العـربى ، وسيـكون عـلى أى منـصف مهـما يـكن إخـتــياره ، أن يـتـتـبع تاريخ الرجل مع مشـكلة الديـمقراطية فى مصــر ، إنـطـلاقاً من البـداية الـتى اخــتـارها الرئيس الراحـل .. إلى الـنهـــايـة .

ثـم يـبـدأ الدكتور عـصمت عـرض مسـاجـلات المحاكمة ، فـيقـول فى حـسـم :

" ... أمـا الـذيـن لا يــرون عـلاقـة بـيـن معـارك الـتحـرر الوطـنى ومـشـكلة الـديـمـقـراطـية فهــم جاهـلون . وأما الذين يرفعـون أصواتهم فوق صوت المعـركة ، هاتـفين للديمقراطية ، فهــم يـريـدون أن يـنسحـبوا من المعـركة تحت غـطاء الدعـوة الى الديمقراطية ، إنهم يـريدون ـ نـفـاقـاً ـ أن يــقـال عـنهـم ديـمقراطـيون ، بـــدلاً من انـهـزامـيـيـن .

ولقـد طالت ـ يسـتـطــرد الدكـتور ـ معـارك التحــرر الوطـنى التى خـاضتها ثورة 23 يوليو تحت قيادة عـبد الناصر ، حتى كادت أن تستغـرق كل حـياتها ، وأثـرت فى مشكلة الديمقراطية وحـلها ... وقـد فـرضت تـلك المعـارك حـدوداً للحـرية عـلى الـثـورة وجمال عـبد الناصر ... وقـد واجــه عـبد الـناصر مـشكـلة الديـمقراطـية داخـل نـطـاق تـلك الحـدود ، لـم يـسـتـطع ، ولـم يـرغـب فى أن يـتـخـطاها ، بـدون إنـكـار لأثـرها عـلى المـشـكـلة وإمكـانات حلها . فـما هـى ـ يـسـأل الدكتور ـ تـلك الحـدود ؟ " .

وعـلى الـفــور يـجـيـب :
" ـ الإصـرار عـلى الوحـدة الوطـنية ، وعــدم الـسماح بأى صــراع اجـتـماعى حــاد ، أو سياسى عـنيف ، أو أية انـقـسامات فى الجـبهة الداخـلية . وقـد أثـر هـذا فى موقـفه من الأحـزاب التى لـم يـسمح بـتـعـددها أبـداً ، بالرغـم من أنه كان يـتـوقع نـشـوء الأحـزاب وتعــددها فى مصـر ، ولا يعـتـرض عـلــيه ...


( 4 )

ـ اسـتـمرار حـالة الطـوارىء ، بما يستـدعـيه ذلك من تركيـز السلطة ...

ـ صعـود القــوات الـمسلحة الى الـمركــز الأول من مراكـز القــوى فى الدولة ، عـلى أساس أنها الـمسـئـول الأول عـن ســلامة الـوطـن ...

ـ تـضخــم أجـهـزة الأمن الداخــلى ( أمن الـدولة ) والخــارجى ( المخابرات العـامة ...

ـ خـضـوع الإعـلام ووسـائـله ... لمقـتـضيات معـارك الـتحـرر .. وليـس من بين وظائف الإعـلام ، خـلال الصراع من أجـل الـتحـرر الوطـنى ، أن يـتـطوع بـوضع الحـقــائـق الإقـتصادية أو الإجـتماعـية أو السياسية أو العــسكرية ، تحت تصرف أجهزة الإستماع المعـادية . بل من وظـائفه أن يـذيـع ويـنـشـر ما يـخــدم معـركـته الوطـنـية " .

ويـدلـل الـدكـتور سيـف الـدولة عـلى صحـة ذلك بأمثـلة ذكـــر منها :

" بـلغ مجـموع الـسفـن الألمانـية الـتى أعـلن الحــلفاء إغـراقــها فى الحــرب الأوربــية الثــانية ، أضعـاف أضعـاف ما ملـكـته ألـمانيا من سفـن فى كــل تاريخــها منـذ غـزوات الـفايـكـنج .. وخـاضت مصـر وسوريا حــرباً إعـلامية مـدعـومة فـكـرياً وسـياسياً وإحــصــائياً ، استـمرت عـاماً ، ثــم انـتـهت فى لــقاء فى أقــل من خـمس دقــائـق ... " .

ـ تحـمل الإقـتـصاد الوطنى أعـباء المعـارك التحررية اقـتطاعـاً من بنية أقـتصادية ضعـيفة أصـلاً ... ولقد أصبحت تكلفة المعـارك أبهظ من أن تـطيقها الدول المتـقدمة اقـتصادياً ... " .

ورغـم هـذا الفهـم الرفيع ، الذى يقـدمه الدكتور فى طول الكتاب وعـرضه ، لوضع الــديمقراطية فى أوقـات تعـرض الأوطـان للخـطـر ، فـإنـه يـورد فـقــرة لا نـوافـقـه عـليها ، لأن معـناها يـصـب فى خانة الطقوس الديمقراطية الغـربـية الشكلية ، التى يـصدرونها لـنا ويـلـزمونا بـهـا وهــم غـيـر مقـتـنعـون بـها ، ولا يـلـتـزمونها . وهــو شخـصـياً ـ الـدكـتور ـ من أشــد الرافـضيـن لتـلك الطـقوس ، بدلـيـل قـصة سفن ألمانيا فى الحرب العـالمية الثانية التى أشار إليها منـذ لحـظة . ونضيف نحـن .. سـفـنـهـا وطائراتها أيضاً ، حيث كان تـشرشل الـذى لايـوجـد بـريطانى فى كـل تاريـخ بريطانيا ، من هـو أكـثـر منه شـهـرة ولا أكبـر منه مكانة .. كان أثـناء نـفس الحـرب قـابعاً فى مخـبئه تحت الأرض ، ليذيع عـلى مواطنيه أخـبـارإسـقـاط الـطائرات الألمانية المغـيرة عـلى لندن ، بأعـداد بلغ مجموعـها أكثـر من الأعـداد التى كـانت تملـكها كـل دول الحـلفاء وكـل دول المحـور، أى طـرفى الحـرب .. فى الوقـت الذى كادت لندن فيه أن تسوى بالأرض بفـعـل 246 غـارة جوية كانت تـتعـرض لهـا من تـلك الطائـرات يـومـياً ! .. إنهـا الحرب التى غـالباً لا تـترك لك أن تختار ماتـفـعـله ، بـل إنهـا قـد تـفـرض عـليك الذى تـفـعـله ، وفى مقــدمة ذلك ، تضـليل العـدو ـ من حـيث كونه عـدواً ـ بكـل الوسائـل ، وأولها الوسائـل غـيـر المشروعـة ( فى غـير زمن الحـرب ) والتى هـى ذاتهـا مــشروعـة فى زمـن الـحــرب ، إذ لـن تـكون لديـنا ديمقراطية من أى نوع ، فى حـال هـزيـمـتـنا ، وفى الـمـقـابـل انـتـصار الـعـدو الـذى رفـضـنا " تـضـليله " فـفـقـدنا حـماية الـوطــن ، فـكـأنـنا اخـتـرنـا الـهــزيـمة !! .

يقول الدكتور فى تـلك الفـقـرة التى نخالفـه الـرأى فـيها والتى عـلقـنا عـليها قـبل أن نـورد نصـها .. وهـذا خـطــأ نعـتـرف بـه :
( 5 )

" ولـما كانت معـرفـة الحـقائق هى المـادة الخــام التى يكون منها المواطنون آرائهم ، ويحددون عـلى ضوئها مواقـفهم ، ويمارسون عـلى أساسها حـرياتهم ، أو ينكصون عـن ممارستهـا ، فـإن كـل تـزيـيـف فى الحـقائق ولو كان لتضليـل الأعـداء وحـماية الوطن ، يـنعـكـس زيـفـاً عـلى الديـمقراطـية وممـارسـتـهـا " .

إن أمريكـا والغــرب الإستـعـمارى كـله واسـرائيـل ، يـزيـفـون الحقائق التى يقدمونها لمواطـنيـهـم عـلى مــدار الساعـة ، بـدون خـجـل أو وجـل ، بـدعـوى حماية " أمنهم القـومى " .. وحـيـن يعـتـدون عـليـنا فـإنهم ـ أيـضـاً بـدون خجـل أو وجـل ـ يــلـهـبون ظـهــورنا بسـيـاط " الشفافـية الديمقـراطية " الغـائـبة عـنـدنا ، والحاضرة عـندهـم شـكـلاً وغـائـبة موضـوعـاً !! .

بـعـد هـذه المداخـلة .. فـإنـنـا نعـلم تمامـاً ـ لمعـرفـتـنا بـه وقـت أن كــان بيـنـنا ـ أن روح المفـكر الكبـيـر سـوف تـقـبل منـا هـــذا الإعـتراض " العـارض " وسـوف يقـبله أيضاً مـنـا كل الـذيـن اسـتـنــاروا بإبـداعـاته الفكرية ، ونحـن منهـم .. ثـم نـسـتـمر .

ومـاذا بـعـــد ؟ .. يـواصـل الدكتور عـصمت ـ بمناسبة حديثـنا عـن المحاكمة ـ تــفـنيد دعـاوى " الإدعـاء " عـلى عـبد الـنـاصـر :

" يـقـولون ـ خـاصة الماركسيـون ـ إن الـثـورة ( التى ظـلوا لأكـثـر من عـشـر سنوات من بـدايتها يصفونها بأنها إنـقـلاب دبـرته طـليعـة الطبقة البرجوازية لإنـقاذ تـلك الطبقة من المأزق الذى أصبحت فيه بعـد الحـرب العـالمية الثانية وسقوط فلسطين ) قـد بـدأت بـدون نظـرية ، وأن كل شـىء كان خاضعـاً " للـتجــربة والـخـطـأ " .. وهـذا " خـطـأ " .

ويــورد الدكتور رد عـبد الناصر نفـسه عـلى هـذا الـقـول :
" فى يوم 21 مايو 1962 قـدم الرئيس الراحـل جمال عـبد الناصر الى المؤتمر الوطنى للـقـوى الشعـبـية ميـثـاق العـمل الوطنى بقـوله : " الميـثـاق عـبارة عـن مبـادىء عــامة وإطـاراً للعـمل أو للخـطة ... نـتـج عـن تجـربة وممارسـة عـشـر سنـوات ... كــانت فـترة مشيـنا فيـها بالتجـربة والخـطأ " .. وقــال يـوم 7 أبريل 1963 " ... لـم يكـن عـندنا منهج ، لم يكن عـندنا نظرية ، ولم يكن عـندنا منظمة شعـبـية ، ولكن كان عـندنا المبادىء الـسـتة " . وقـال يوم 25 نوفمبر 1961 " ... إيـه هى أهـداف النظرية ؟ أنا بأقول إنى مكنش مطلوب منى أطـلع فى يوم 23 يوليو معـايا كـتاب مطبوع ، وأقـول إن هـذا الكتاب هـو النـظرية ، مـسـتـحيـل . لو كنا قـعـدنا نعـمل الكتاب ده قبل 23 يوليو ما كناش عـملنا 23 يوليو ، لأن مكـناش نـقـدر نعـمل العـمليـتيـن فى وقـت واحــد " .

يعـلــق الدكتور عـصمت عـلى ذلك قـائـلاً :

" وهـكـذا مع الإعـتراف بغـيـبة النـظرية ، طرح ( عـبد الناصر ) المشكلة الفكرية طرحاً يـتـضمن الإشـارة الى سـباق بيـن الفـكر الذى لابـد لـه من الوقـت اللازم والكـافى لـنـضجه وبـلورته ، وهـو وقـت قـد يستـغـرق حياة جيـل أو أجيال .. وبيـن موقف مصر المتردى بسرعـة متـزايدة قـبـل 1952 ، مـما كان يسـتوجب الإنـقـاذ بالـممـكن بدون انـتـظار لـما يجـــب أن يكون . وكان الـممكن هـو ما عـرف باسـم المبادىء الـستة للـثورة ، ومن بـينها إقامة حـياة ديمقراطية سـليـمة " .

( 6 )

ويسـتـطـرد .. " بـدأ عـبد الناصر قائداً ينـتهج التجربة والخطأ أسلوباً . ولم يكن مثـقـفاً يملك كل الوقت اللازم للإجتهاد الفكرى المجرد ، ويملك ـ بشكل خاص ـ أن يحـجب أفكاره أو يـراجعـها أو يغـيـرها ، قبـل أن يـطرحها عـلى الناس أفعـالاً تـؤثر فى حـياتهم العـينية . ذلك لأنه كـان قـائد ثـورة مهـمـته الأولى أن يغـيـر ويـطور ، وينـفـذ ويـصحح فى الـواقـع الإجـتماعى بما يحـمله من أفـكـــار " .

ونـقـول نحـن .. إن التلازم والـترابط العـضوى بيـن الفكـر والعـمل ، كان هـو الأساس المحـورى الذى قـام عـليه ذلك التراكم الحـضارى الإنسانى ، منذ بـدء الخليقة الى أن يـرث الله
الأرض ومن عـليها . فـلم تخـل مسيـرة الإنسان الحضارية عـبر كـل تاريخـه من التجربة ولا من الخـطأ ولا من التصحيح .. وحـينما كان يلاحـظ الإنسـان ثـباتـاً للنـتائج حـينما يـتـكررالقـياس ، فـإنه كان يـشرع فى صياغـة القـواعـد والثوابت والقوانيـن ، وبلورة النظريات . وحين كانت تـتـقـدم المراحـل التاريخية والحضارية بالإنسـان ، كانت تظهـر ( أو تـفرض نفسها ) حاجـته الى تغـيـير المقايـيس والقوانين والنظريات .. بـل والبديهـيات ، ولم يكـن ذلك ليـحـدث ـ بأى حـال ـ إلا عـلى قاعـدة " الـتجـربة والـخـطأ والتصحيح " . والماركـسيون أنفسهم هـم الذيـن يقولون " إن الواقع هـو الذى ينـتج قوانيـنه " و هـم الذيـن يقولون " أن الـتـاريخ يعـود دائماً الى الواقع ليـصحح نـظريـاته " .

ويـشـير الدكتور عـصمت الى ذلك الجـدل العـلمى الذى يحـدث دائماً بيـن الـفكـر وبيـن الواقع ، وكـيف كان وعـى عـبد الناصر بـه ، واسـتعـداده الشخـصى للإستجابة لـه . فيقـول :
" ... قـد كان ـ بالضرورة ـ أكثـر قبولاً للتعـلم من التجربة من أصحاب النظريات ، وفى حياته تجـربة إنسانية خصيـبة لإمتـزاج التـقدم الفكرى بالتـقدم العـملى . فـقـد أعـطى التجربة أفكـاره ، واسـترد من التجربة أفـكاراً أكثر نـمواً ، فعـاد وأعـطاها للتجربة ، ثم استرد منها .. وهـكذا فى عـملية نـمو فكـرى خـصيـبة ، ما تـزال فى حاجة الى دراسات عـلمية مطــولة . إذ لا شك
فى أن دراسة عـبد الناصر المفـكر شىء أكـثر لـزوماً وفائـدة وصعـوبة من دراسة أى مفـكر آخـــــر ، لم يتحـمل بنـفسه عـبء وضع أفـكـاره موضع التـنـفيذ ، كما لا شك فى أن دراسة عـبد الناصر الثـائر أكـثـر لـزوماً وفائـدة وصعـوبة أيـضاً من دراسة أى ثـائر آخر ، كان قصارى جهـده أن يغـير ويطور وينـفـذ نظـرية وضـعـت لـه والتـزم بها قـل أن يـثور " .

ويقـولون ـ يسـتـمر الدكتور ـ أنه كانت هـناك أزمة بـيـن الثـورة وبيـن الـمثـقـفـيـن :

يـوم 25 نوفمبر قـال عـبد الناصـر مخاطباً المثـقـفـيـن : " ... انـتـم اللى عـليكم تعـملوا النظرية ، المثـقـفين هـم اللى يعـملوا النـظرية ، يـوم ما لاقى كتاب طالع عـن اقـتصادنا وتجربـتـنـا ، أو إيه اللى يجب يحصـل فـيها ، أشعـر بأن هـذا الكتاب هـو جـزء كبـير من النظرية ... عـلى هـذا الوجه ـ يستـطرد الدكتور ـ حـدد عـبد الناصـر مسئولية البناء النظرى للـثـورة وأسـلوب هـذا البناء . فمسـئوليـته تـقع عـلى عـاتـق المثـقـفـيـن " ..

لـكـن من هــم المثـقـفيـن الـذيـن كان يعـنيـهم عـبد الناصر ؟ يجـيب هـو نـفـسه : " المفروض بالمـثـقـف أنه المثـقـف إجتماعـياً " ويعـلق الدكتور عـصمت .. " وهـو مـا يـمكن فـهـمه عـلى أنهم المثـقـفون الـناشـطون فى الحـقـل السياسى أو العـاملون بالقضايا العـامة " .
ويحـدد الميـثـاق ـ يستطرد الدكتور ـ معـالم العـطاء الفكـرى الـثورى الإجتماعـى :
" الثـورة العـربـية وهى تواجه هـذا العـالم لا بد لها من أن تواجهـه بفـكر جـديد لا يحـبس نفسه فى نظريات مغـلقة يـقـيد بها طاقـته ، وإن كان فى نفس الوقت لا ينعـزل عـن التجارب
( 7 )

الغـنية التى حـصلت عـليها الشعـوب المناضلة بكـفاحها ... إن الـتسليم بوجـود قـوانيـن طـبـيعـية للعـمل الإجـتماعى ، ليـس معـناه الـقـبول بالنـظريات الجـاهـزة ، والإستـغـناء بـها عـن الـتجـربة الوطـنـية " .

تـلك كانت رؤية عـبد الناصر والثورة لـدور المثـقـفين .. فـماذا كانت رؤية المثـقـفـيـن لعـبد الناصر والثـورة ؟ .

يقـول الدكتور عـصمت : " نحن نعـرف الآن أن الوجه السياسى لعـملة الرأسمالية هى الديـمقراطية الليـبرالية التى كانـت سائـدة فى مصر قـبل الثـورة . وحـين حــددت الثـورة أحـد
أهـدافها فى " القضاء عـلى سيطرة رأس المال عـلى الحكم " كانت تـتـقدم ـ حتى دون أن تـدرى ـ الى مواقع الصدام مع الليـبراليـين وأفـكارهـم الخاصة عن الديمقراطية ، أى مع مثـقـفى مرحلة مـا قبـل الثـورة ( الذين تمثـلوا فى أنصار الديمقراطية الليـبرالية وبعـض فصائـل التيار الماركسى ) ... إن المثـقـفين فى مصر ـ يسـتطرد الدكتور ـ لم يـقوموا بـدورهــم التاريخى فى البناء النـظرى للثـورة ، وهـو الـدور الذى لم ينـكره عـليهم عـبد الناصر قــط ، ولم يـدعـه لنـفسه من دونهـم قــط ، فبـقى بـدون إنجـاز لـمدة طــالت أكثـر مما يجـب " .

ونـقـول نـحـن .. إن تـلك كانت هـى الأرضية التى دارت فوقها محاولة الإلتـفـاف عـلى الـثـورة ووأدهـا إبــان ما عـرف فى التـاريخ السياسى المصرى بـ " أزمة مارس 1954 " ، ومحاولة
إرجــاع صانعـيها الى ثـكـناتهـم ، أو الى غـياهـب السجـون .. أو تعـليـق هـؤلاء " المتـمردون " ـ عـند اللـزوم ـ عـلى أعـواد المـشـانـق .

وكـأن هـذا الـحـديـث .. جــاء مدخـلاً للـحـديث عـن أزمـة مـارس 1954 :

يـقـول الدكتور عـصمت سيـف الــدولة عـنـهـا :

" فى ذلك الصراع ، إخـتار الليـبراليون داخـل مجـلس قـيـادة الـثورة ، ورمـزهـم محـمـــد نجـيب ( ونضيف إلـيـه : خـالد محى الدين وعـبد المنعـم عـبد الرؤوف وعـبد المنعـم أميـن ، كما يضيف الدكتور قـولـه أن محمد نجيب اليمينى قد رشح خالد محى الدين اليسارى ، فى أزمة مارس 1954 ، ليكون رئيساً للـوزراء فى مقابل إنهاء الثورة ) .. هــؤلاء كـان يساندهـم رجـال الأحزاب المنحـلة وجـماعـات المثـقـفين ، اخـتـاروا العـودة الى النظام البرلمانى الليـبرالى . وكانت حـججهم المعـلنة ، أن الثـورة وقـد نجحـت فى القـضاء عـلى " المفـسديـن للـديمقراطية ( الملك والإقطاع ) ، فـقـد اسـتـنـفذت غايـتها .. وعـليها أن تـنهى ذاتـها لـتـعـود الحــياة الديمقراطية الليـبرالية الى استـئـناف مسيـرتها الـتى عـوقها المفسدون .. وأن عـلى مجلس قيادة الثورة وضباط القوات المسلحة أن يعـودوا الى ثـكناتهم ... وأن يـسلموا الـسلطة الى حـزب الأغـلبـية ( الوفــد ) ... يضـاف الى ذلك ـ يسـتـطــرد الدكـتـور ـ الـنـظرة المتعـالية التى كان يـنـظر بها المثـقـفون وقـادة الأحـزاب السابقة الى " شـوية الـضـباط " صغـار الـسن ، غـيـر المعـروفيـن من الـشعـب ، الـمجـرديـن من الخـبـرة حـــتى ولو كانوا غـيـر مجـرديـن من الإخــلاص " .
( نـرى أنـه يـنـبـغـى مـنـح الإنـتـبـاه الـكــافى لتـعـبـيـر " الـنـظـرة المـتعـاليـة " الذى اسـتخـدمه الدكـتور لوصـف موقـف المثـقـفـيـن من الثــورة منـذ أربعـاً وخمسـون عـاماً ، وتعـبـيـر " شـوية الضبـاط " الذى كانوا يشـيـرون بـه إلى الـثــوار الذيـن زلـزلوا واحداً من أكثـر النظم الحاكمة فى العـالم يومها ، سـطوة وتـرهـلاً وفـساداً وعـمالة وتـبعـية .. ليـس هـذا هـو المهـم الآن .. وإنـما الغـريـب الـفـج فى هـذا الـصــدد هـو أنـه ما زالت " نـظـرة التـعـالى " تـلك و تـعـبـيـر " شـويـة الضـباط " ذلك ، يستـكـنان فى نـفـوس عـديـد من المثـقـفـيـن ،

( 8 )

ومن ثـم يتـحـكـمان فيما يـقـولون ويكـتـبون وينـشـرون بـدون خـجـل . وكــأن عـلى الـثـوار والغـيـوريـن عـلى أوطانهـم .. والشـهـداء ، ألا يكـونوا كـذلك إلا بعـد حصولهـم عـلى درجـة الدكـتوراه ، وتـقـديـم شـهـادة " حـسن سـيـر وسـلوك " معـتمـدة من اثـنين مـثـقـفيـن !! ) .

ويـفـسـر الدكـتور سيف الدولة .. لـماذا انحـاز الماركسيون الى الليـبراليـيـن فيـقول : " لأنهم لـم يكـونوا من الـقـوة بحـيث يـفـرضون مـذهـبهم الـتـقـليـدى فى ديـكـتـاتـورية الـبلـوريـتاريا ... فانحازوا الى الليـبراليـين عـلى أساس أن الليـبرالية سـتـتيح لهم فـرصة أكـبر لتعـميق التـناقـضات الطبقـية ، وتعـبئة الجماهـير تحـت قـيادة الطبقة العـاملة للإستـيلاء فى النهاية عـلى السلطة ... وأن عـودة الليـبرالية بعـودة الوفـد كانا ـ فى تـقـديـر الماركسيـين مبـرراً كــافياً أو مساعـداً لإنحـيـازهـم الى إنهـاء الثـورة " .

ويلخـص الدكـتور سيف الدولة ، مشهد الصراع فى تـلك الأزمة ويـوصـفه بـقـوله :
" أياً ما كان الأمـر فإن الصراع حـول مشكـلة الديمقراطية فى مصر أصبح قائـماً بين الليـبراليـين وبيـن الثوريـين " .. ثم يـسـأل " فـأى الفـريقيـن كــان ديـمقراطـياً ؟ " .

ويـجــيـب ..

" ... الأولون انحازوا الى أنفسهم ، الى القـلة المـمتازة الحاضرة ، والآخرون انحازوا الى الشـعـب ، الى الأغـلبـية المسحـوقة الغـائـبة ... وعـلى المستـوى الـواقعـى ، نعـنى واقـــع مصر عـند قيام الثورة ، فإن الأولين لم يكونوا ديمقراطيـين بأى معـنى ، وكان الثـوار وحـدهـم هـم الديـمقراطيـون . ذلك لأن الـقـلة الممتـازة التى انحـاز اليها الليـبراليـون لم تـكن تعـانى من أيـة مشكلة ديمقراطية . فهى قــادرة فكــراً وعـلماً وخـبرة ومالاً عـلى ممارسة حـقوقها السياسية ... الـذى كان يعـانى مشـكلة ديمقراطية حـقـيـقية هـو الشعـب . أغـلبية الشعـب الراكـد الغائب الضعـيف ، المستـضعـف المحكوم بـدون أى أمـل فى أن يشارك فى الحـكم " .

ويـستـوقـفنا هـذا الفهـم والتحليـل الرفيع لمشكلة الديمقراطية ، ولقضية العـدل الإجتماعـى فى مصر العـربـية ، وهـذا التـلخـيص والتوصيف لذلك المشهد الفاصـل فى تاريخ الـثـورة فـى مصر ، حـيث يـبرز من ثـناياه ذلك المفهـوم اليـقـينى العـقـيدى للديـمقراطية الذى ترسخ فى وعـى جـمال عـبدالناصر ، فالـتـزم بـه وأعـلـنه .. بــل وقـاتـل دونه ، كـل الحــرية والديمقراطية للشعـب ، ولا حـرية ولا ديمقراطية لأعـداء الشعـب ، ولا ديمقراطية ولا حـديث عـنها ، قـبـل أن يـتـمكن المسحـوقون والغـائـبون والمهمـشون آمـاداً طـــويـلةً ، مـن أن يـكونوا مثـل " الـقـلة الممتازة " ، قـادرون فـكراً وعـلماً وخـبرة ومـالاً عـلى ممـارسة حـقـوقــهم السياسـية .

وفى هـذا الـسـياق .. لم يكـن غـريـباً أن تـصـدر الثورة ـ ولـما تكـمل شـهـرين من عـمـرها ـ أول قانـون للإصلاح الزراعى ، الذى قصـم ظهـر الإقـطاع لـصالح الفلاحـيـن أقـنــان الأرض فى مصـر ، ولم يكن غـريـباً أيضاً ، كما يـوضح الدكتور سيف الدولة ـ أن يتـلقى العـمال من الــثورة ـ ولـما تكـمـل عـامها الأول ـ القانون الذى يحـرم فصلهم من العـمل بدون مبـرر ، ويـوقـف قرار الفصل التعـسفى " عـلى وجه الإستـعـجال " مع صرف الراتب ، حـتى لو لم يـقبـل رب العـمل إعـادة العـامل الى عـمله . وعـدم جــواز توقـيع أكـثر من عـقوبة عن المخالفة الواحدة .. إضافة الى القـانون الذى يفـرض حـصر كل العـمال العـاطليـن فى مصر ، وانشاء سجل لهم ، وتشغـيلهم ، وإلزام أصحاب الأعـمال بالإبلاغ عـن طلبات العـمل ، ومنـع

( 9 )

الـوســـاطة ، وكـفالة الـدولة لمصروفات نـقل العـامل وأسرته من محل إقامته الى حيث يقـدم لـه العـمـل .

لـيـس هـنـاك ـ فى رأيـنا ـ غـيـر هـذا الحـديـث حـديـثـاً عـن الديـمقـراطية ومعـناها .. وجـدواها . وإذا وجـد حـديـثاً غـيـره فى مصر والأمة العـربـية والعـالم الثالث بإجـماله ، فـإنـه يـكون فـقـط من قـبـيـل " اسـتـهبـال المثـقـفيـن " أوجهـلهـم .

يـقـول الدكـتور عـصـمت :

" ثـم نعـجـب ممن وضعـوا أنـفسهم فى مقاعـد الـتـقـدمية ... أو سـودوا ما توهـموا أنه تاريخها ، فـقــالوا إن الصـراع كان يـدور فى القمة بين الديمقراطيـين وبـين أنصار الديكتاتورية ، وهـذا صحيح ، ثم أخـطأوا خـطأً فاحـشاً ، فـقالوا إن دعـاة استـمرار الثـورة هـم الديـكتـاتـوريون ، وأن دعــاة العـودة الى الليـبرالية وأحـزابها ، كانوا هـم الـديموقـراطيـين . كـأن الديـمقراطية كـلـمة تـقـال وليـست حـرية مكـتـسبة ، كـأن ثـورة يـوليـو ما قــامت إذ قــامت ، إلا من أجل أن يسـتـأنف حـزب الوفـد وأحـزاب مدرسة " حزب الأمة " حكمها الشعـب العـربى فى مصر ، بعـد أكثر من سبعـين عـاماً من تحالفها ضـد الخط الوطنى الثـورى ، وبعـد ثلاثـيـن عـاماً من ممارستها الفـاشــلة للديمقراطية الليـبرالية فى مصـر " .

لقـد كان ذلك هـو مفهوم عـبد الناصر العـقيدى للديمقراطية .. وكان ذلك أيضاً هو مـا وافـقـه عـليه الدكتور عـصمت سيف الدولة .. ونحاول الآن أن نغـوص أكـثـر مع الدكتور ، فى الواقع والوقائع التى جـرت بـفـعـل الـثـورة عـلى الأرض ، لـندرك أعـماق المفهـوم الديمقراطى لـدى عـبد الناصر ، ومدى مصداقيـته .. لـنـجيب عـن السـؤال : هـل كان فـعـلاً ديكـتاتوراً ؟ .

يسـتمر حديـثـنا مع الدكتور .. أو حديـثـه إلـيـنا .

الإصـلاح الزراعـى :

" كان الهدف الأول ، الأكثـر وضوحاً ، لثورة يوليو هـو تحرير الفلاحين ... وكان تحديد الملكية هـو التحـدى الظاهـر الذى واجـهت بـه الـثورة الأحزاب فرفـضـتـه . ( يقول عـبد الناصر يوم 26 يوليو 1955 " من أول يوم من أيام الثورة ، قـلنا لهم ، إذا أردتم فعـلاً أن تحـقـقوا الحرية ... لـهذا الشعـب الطيب الذى خدعـتـموه تحت اسم الحرية .. فـلتوافـقوا ولتعـلنوا مـعـنا القضاء عـلى الإقـطاع ، ولتـعـلنوا تحديد الملكية " ) ... إن قانون الإصلاح الزراعـى ـ يؤكـد الدكتور عـصمت ـ هـو القانون الديمقراطى الأول فى تاريخ مصر الحديث . ذلك لأنه يتضمن محاولة لحل مشكلة الديمقراطية بالنسبة لأغـلبـية الشعـب من الفلاحين ... بالحــد من قـوة الإقـطاعـيـين وكـسـر شوكـتهـم ، وتحـطيـم ما تـراكـم لهـم من هـيـبة طاغـية فى الريـف . وأيضـاً بخـلـخـلة الـقيـود التى كـبلت الفلاحين ، وتـشـجيعـهـم عـلى التـمرد والفـكـاك من التـبعـية ، وتـدريـبهـم عـلى الجــرأة وتحـدى استـغـلال المـلاك والإقـطاعــيـين لـهـم ... وكسر السيطرة الإجتماعـية والنفسية والأخلاقية لـهـؤلاء عـليهـم ... بالإضافة الى ذلك ، حــاول القانون الــزج بجمـوع الفلاحين زجــاً الى مواقـف جماعـية إيجابـية يواجهون بها احتياجاتهم ، بدلاً من عـلاقات الإتكـال والتواكل التى كانوا قـد اعـتـادوا عـليـها سـنين طـويلة . فــأنشـأ الجــمعـيات التـعـاونية الـزراعـية ، واشـتـرط أن تـكون عـضويـتـها لـمـن تــقـل ملكيـتهم عـن خـمسة أفــدنـة " .

( 10 )

يسـتطرد الدكتور سيف الدولة : " لم يركز عـبد الناصر قــط عـلى المبرر الإقـتصادى للإصلاح الزراعـى ، ولكـنه بـرره دائماً تبريـراً تحـررياً ديموقراطياً ، وهو ما يعـنى أن الإصلاح الـزراعـى كان مرتـبطاً فى وعـيه بمـشـكلة الديموقراطية فى مصـر " .

أيـهما الديمقراطى .. الـوفـد أم عـبد النـاصـر ؟؟

يحـدثـنا الدكتور عـصمت سيف الدولة فى كـتـابه فـيقـول :

" لم تخـضع قـيـادة حـزب الوفـد منـذ تأسـيسه لـرأى غـالبـية إلأعـضاء إلا فى المـسـائل الـتى لا تـهـم القـيـادة ! ، وأعــطى قـائد الـوفـد سعـد زغـلول ومصطـفى النحاس ، لـنـفسـيـهـما " استـبدادية " فى مواجهة أعـضاء الحـزب ، تـكررت حتى استـقرت تـقـليداً فى هـذا الحزب العـتـيد ... ففى عـام 1921 قـرر سعــد زغـلول ـ منـفـرداً ـ فـصل أغـلبـية أعـضـاء الـقـيادة العـليا للـوفـد ( عـشرة من أربعـة عـشر ) . وفى عـام 1932 كـرر مصطـفى النحـاس الأمر ذاته ، فاتـخذ قـراراً منـفـرداً ( ! ) بفـصل أغـلبـية القـيادة ( ثـمانية من أحـد عـشر ) . ولـقـد كان هـذا التـقـــــليد الإستـبـدادى من بيـن أسبـاب الإنشـقاقـات المتـتابعـة التى حـدثـت فى الحــزب ، وكان الـسبـب الرئيسى فى خـروج العـقـاد وروز اليوسف وأحمد ماهـر ومحمود فهمى النقراشى عـلى الوفــد أو عـنـه " .

ونـضـيف فى هـذا السـيـاق .. تـلك كانت فـكـرة " الـزعـامة المقـدسـة " لـدى حـزب الوفـد الليـبرالى التى لاتـرى إلا ذاتها وخـضوع الـتابعـيـن .. وهـى ذاتـها فــكـــرة " الـمرشـــد " الذى يمتـلك بصيرة ، وإلهـاماً ، أكـثـر من كـل الذيـن " يـرشــدهـم " ، بـل ويــبايـع منـهـم عـلى الطـاعـة والتسليم الكامـل بما يقـول وما يفـعـل ، عـند الإخـوان المسلميـن .. ثـم هـى نـفـس فـكــرة " الإمــام " أو " ولايـة الـفـقـيه " عــنـد الــشـيعـة .. وهـى كــلها حـالات ـ فى أحـسـن أحــوالها ـ لا تـمت الى الديـمقراطية بأدنى صـلـة .. فهـى ـ فى أحسن أحوالها أيضاً ـ تـصـادر حـق الآخريـن ( الجماهـير ) فى المـشاركة فى المشكلة ، وفى تـقـديم الحـل .. لأن الحـل سـوف يأتـيـهم من " معـصـوم " لـن يـخـطىء ، حتى لـو كان فى مثـل حالهم أو أقـل !! .

إن الذين صـبوا جــام غـضبهم " الديمقراطى " عـلى عـبد الناصر " الديكتاتورى " فى أزمة مارس 1954 وهـم تحـالف الوفد والإخوان المسلمين والماركسيـين ، وبقايا الأحزاب المتهالكة ، بقيادة محـمد نجيب وخالد محى الدين .. لـم يكـن بينهـم عـلى أى وجـه ـ من حيث الفكـر والمنهج والسلوك ـ ديمقراطى واحـد ، فـلقـد كانوا جميعـاً ـ كما يقول الدكتور سيف الدولة ـ مـمن يسلمون أمورهـم الى قيادتهم تسليماً غـير مشروط ، ثـم ينكرونه عـلى عـبد الناصر ، الذى لـم يطلبه منهـم أصـلاً .

لـقـد كانت مطالب الليـبراليـين فى ذلك الوقت ـ كما يورد الدكتور ـ تـنـتهى كخلاصة ، الى أن يسلم عـبد الناصر السلطة الى " الزعـيم " مصطفى النحاس ، أو الى " الإمـام " حسن الهـضيـبى ، أو الى خـالد محى الديـن وحركة " حـدتـو " الشيوعـية ، تـحـت عــباءة محـمد نجـيب . لـم يـكن لأى من هـؤلاء عـلاقـة بقـضية الديمقـراطية فى مصـر ، رغـم واقـعـهـا الـمـهـيـن الـذى كان " واقعـاً " عـلى الأرض أمـام عـيونـهـم ، وليـس فى متـاحـف الـديمقراطية الغـربـية وطـقوسها الـمزيـفة ، ولـم يصل وعـى أياً من هـؤلاء بالمشـكلة وأبعـادها ، كما وصـل وعـى جـمال عـبد الناصر بهـا .. والمؤكـد ـ بالقـطع ـ أن كـل منهـم ، وبدون استـثـناء ، كان لـديه حـلم كبـيـر بالسلطة وكرسى الحـكم ، حـتى وإن تحـقـق حـلمه هـذا

( 11 )

عـلى جـثـة الديـمقراطـية التى عـاش يـتـشـدق بهـا .. بـل وعـلى جـثـث الذيـن يـطـلبـونها والـذين هـم يسـتحقـونها بالواقع والتاريخ .. ورغـم ذلك فـإنه وغـيـره لا يكـلون ولا يـملون من جـلـدنا وأولـنا جـمال عـبد الناصر بـسـوطهـا متـعــدد الأطــراف !! .

والخامس من يونيو / حزيران 1967 :

كـنا قـد اتـفـقـنا من قـبل .. نحـن وجمال عـبد الناصر والدكتور عـصمت سيـف الدولة ، والمـنطـق والـتـاريخ والـواقع ـ وعـلى غـير رغـبة كل القوى المعـادية للشعـب العـربى فى مصر والأمة العـربـية كلها ـ اتـفـقـنا عـلى أن قضية الديمقراطية لا تـتجـزأ ، وأنها ترتـبط عـضوياً بكـليات النضـال الوطنى والقومى وجـزئياته ، إن فى الداخـل أو فى الخارج .. أى سـواء كان هـذا الـــنضال داخـل الحـدود الوطنية والقومية ، أو لحـماية تـلك الحـدود ذاتـها .. التى إذا انكـسـرت واسـتـباحـهـا الأعـــداء ، يتوقـف الحديـث " غـربى الـمـنـشــأ " عـن الديمقراطية ، ويـفـرض نـفـسه الحـديـث عـن تحــريـر الوطـن .. والصياغـة الجامعـة لـذلك هـى " لا صـوت يـعـلو فـوق صـوت الـمعـركة " .. معـركة تـحـريـر الوطـن والأمـة ، باعـــتـبار أن نطـاق العـدوان كان أكـبـر من حـدود قـطـر معـيـن من أقـطـارها .

يقـول الدكـتور سيـف الـدولة عـن هـــذا اليـوم :

" ... يوم أن ظهر ما كانت القوى المعـادية لأمـتـنا قـد دبرتـه ، وخطـطت لـه ... وضربت ضربـتها الصاعـقة . ولـقـد اعـتـرفـوا من بعـد أن هـدفهـم الأساسى كان إسقاط قائد معـارك التحرر العـربى ، عـبد الناصر ونظامه ، وهـزيمة أمـته . ولقـد نـالوا منه ومن نـظامه ومن أمتـه مـا نـالوا ، وهـو جـسـيـم ، ولكنهـم لم يسقـطوه ولا أسقـطوا نظامه ولا هــزموا أمـته . فـقـد احـتـضنـته وحـمته الجماهـير العـربـية الهادرة من المحيط الى الخليج ، وأعـادته الى موقع القيادة ، ثـقـة منها فى مقـدرته . كان ذلك فى يومى 9 و 10 يونيو / حـزيران 1967 .

وسـيثـبت التـاريخ ، وقـد أثـبـت فعـلاً ، أن أعـظـم أيـام عـبد الناصر ، وأكـثرها جــلالاً هـى الأيام التى تـلت الهـزيمة ، فـفى يوم 5 يونيو 1967 لم يـمت جمال عـبد الناصر ، ولكـنه اسـتـرد ملء حـيـاته وحـيـويـته . نالـت الهـزيمة من عـبد الـناصر الحاكم ، وأبرزت عـبد الناصر الزعـيـم . أضعـفت رجل الدولة " الحكيم " الذى يتعـامل بالممكن ، وقد كان الممكن صـفراً ، وقدمت القـائد والثـائر الذى يتحـدى بما يجـب أن يـكون مبـتـدئاً من الصفـر أيضاً .

بكل مقايـيس الحكمة والمرونة والعـقول المفتوحة والواقعـية ، كان عـلى عـبد الناصر أن يسـتسلم ، مفاوضة وصفحاً واعـترافاً بالذين هـزموه . ولكن بمقايـيس القيادة والزعـامة والـثـورة ، كــان عـلى عـبد الناصر أن يـلـبى نـداء جـماهـيـر أمـته ، ويـقـودها عـلى طـــــريق : " لا صـلح ، لا تـفـاوض ، لا اعـتـراف " ولـقـد اخـتـار عـبد الناصر الـطريـق الـذى لا يخـتـاره إلا الأبـطـال " .

ثـم يستـمر الدكتور فى دفـاعـه " مرافـعـته " .. محـدداً دوافع العـدوان وأسباب الهـزيمة :

ـ ضرب المـد الوحدوى الذى كان يقوده عـبد الناصر ، وأن خطة عـدوان 67 قـد وضعـت
وبـدىء فى التـدريـب عـليها فــور قـيام الوحــدة عـام 1958 .

ـ وأن الإنـفصال عـام 1961 لم يكن إلا جـزءاً مبكـر التـطبـيـق لخـطة عـدوان 67 .
ـ ضـرب وتـدمير الطـاقات الإقـتصادية التى كانـت بدأت لأول مـرة تعـطى ثـمار التخـطيط
العـلمى والتصنيع .

( 12 )

ـ بالـمـرة .. لـقـد دفعـنا الأعـداء الى أن نعـتـقد بأن ما حـدث كان نتـيجة " عـيـوبا نحن ، عـجزنا نحن ، تخـلفنا نحن ، ما قـلناه نحن ، ما فعـلناه نحن .. لنـكون " نحن " الذين جنينا عـلى أنفـسـنا ، ويـكون الأعــداء أبـريـاء مما أصابنا . كأنـنا نحن الذيـن اغـتصبنا الأرض وبدأنا العـدوان وتجاوزنا الحدود ، كما يقـول الدكتور .

ونضيف نـحـن .. أنه إذا كان من بين الحكام العـرب فى تـلك الفـترة ، من استـصدر قراراً رسمياً من مجلس وزرائه ، فى شهـر ديسمبر 1966 ـ أى قـبل العـدوان بستة أشهـر فـقـط ـ بتـقـديـم " التـماس " الى الولايات المتحـدة الأمريكية لاتخــاذ " الإجـراءات اللازمة " لإخـراج القـوات المصرية من اليمن .. وأن من بيـن هـؤلاء الحكام من جمع كـبار ضـباط جيـشه صبيحة يوم 29 سبتـمبر 1970 ، ليهـنـئهـم " بـوفـاة جـمال عـبد الناصر " فـــى اليـوم السـابق !! .. نـقـول إذا كــان ذلك قـد حـدث ، وقد حـدث أبـشع منه الكـثـيـر .. فـإنه كــاف لتوضيح أبعــاد المؤامرة ، وأطرافها ، وما حــشد وأعـد لتـنـفيذها ، بغـض النـظـر عـن أوجـه القـصور والخـطـأ لـديـنا ، وعـدم إنكارنا للتأثـيرات السلبـية والمدمـرة للقصور والخـطأ .. ومـا حـدث فى الإغـارة الأمريكية الإستعـمارية الصهـيونية عـلى العـراق عـام 2003 ، وما حـدث فى جنوب السودان وسوف يحـدث فى غـربه فى دارفـور ، وما قـد يحـدث لـسوريا وإيران .. فـإنه يفصح بجـلاء عـن العـنصر الثابت الأعـلى فى الإستراتيجية الإمبريالية الإستعـمارية الصهـيونية العـالمية ، وهـو الإغـارة والعـدوان المباشر ، لـمنع أى بـروز لأى قـوة أو قـيـادة إقـليمية خـارجة عـن السيـطـرة ، فى المنطـقـة الأهـم ـ بما لا يقـارن ـ فى العـــالم كـله .. وهـى المنـطقة العـربـية والـدول الملامسـة لهـا .


__________________

د. يحي الشاعر
27-04-2009, 08:34 PM
هل كان عبد الناصر ديكتاتورا " الحلقة 7 بقلم عصمت سيف الدولة ...النجاح.. و الاخفاق
..." هل كان عبد الناصر ديكتاتورا 7 - "
الحلقة ألسـابعة
بقلم الأستاذ عصمت سيف الدولة
...
النجاح.. و الاخفاق


الحلقة الأخيرة (7 - 7 )




ما زلنا حتي الأن ... نحاول أن نقيم سنوات حكم جمال عبدالناصر ... ومنا من يود أن يصفهم بالأخفاق والفشل الكامل ... و آخرون منا يرون فيهم النجاح المطلق ... وقد تطغي المشاعر علي المنطق ، فلا يري ما احدث أيضا من فشل...

ويوجد بين الطرفين ، من يشير بالأصبع في إتجاه النجاح .. وإتجاه الفشل .... فهذه سنة الحياة ... ومن لا يعمل ... لا يخطيء ...

التقييم التالي ن يأتي من شخص ، يحسب علي عبدالناصر .. ومن جيله ومحيطه ... ولكنه ينتقد ... وهذا لا يستساغ من البعض ...


كان نشر تلك الحلقات السبع ، هو مجهود في إضافة المواضيع إلي ما يحتويه القسم الخاص هنا ...

فلن يجتذب القاريء الياحث ... مواضيع سهلة فقط ... ولكن أيضا .. المواضيع التي تتناول العديد من المسائل الأجتماعية والأقتصادية والوطنية والقومية ، وخاصة ما يتعلق بيتاريخ مصر القومي


لذلك ، لمن ينتقدون النقل ... فليفهموا الهدف .... وليحاولوا أن يشتركوا في المناقشات بأرائهم ... وليس بتوجيه "تهمة النقل" ... فالنقل من "ويكيبيديا" .. أو الكتابة في ويكيبيديا لا تعتبر إنجاز ..... وطني كبير ... ما لم تكن السطور نابعة منهم ومن أفكارهم وأقلامهم


ومن يلجأ للشخصنة والتشكيك وينتقدوا التاريخ ... الوطني ويعتقدون أنهم سيضرون إسم يحي الشاعر .... فقد أخطأوا ... فما الشخصنة والمهاجمة إلا علامة واضحة علي الضعف


الواحة المصرية تتمتع بمستوي عالي من نتائج البحث عن المواضيع "الوطنية" ...



وسأواصل نقل المواضيع التاريخية ، حتي نبني "مكتبة" شاملة .....


وعندما أرحـــل ... وسيأتي يومي ...

فقد يتذكر البعض ... أن الهدف ... لم يكن وليس يحي الشاعر ...ولكن "الــــواحة المصــرية" ... ومكانها القوي في الأنترنت

أخيرا أشكر كل من الأساتذة الأفاضل الذين يساهمون بأرائهم ونقدهم وخاصة الدكتور رجب "رغم حدته أحيانا" والأستاذ فارو والأستاذ قنايات والمهندس إيجيبت8 وغيرهم من الأساتذة الأفاضل الذين يساهمون بذكرياتهم وأرائهم في توسيع وشرح العديد مما عاصروه ويعرفوه ...... وأرجو المعذرة عندما يسهو علي أحد الأسماء


د. يحي الشاعر

اقتباس:




(14) ا لنجاح.. و الاخفاق

التطبيق:

قلنا من قبل ان بعض الاحكام التي جاءت في الميثاق كانت قد نفذت قبل اصداره سواء بالقوانين والقرارات التي صدرت عام 1961 أو بقواعد العزل والابعاد التي صدرت بعد ذلك. فلما ان صدر الميثاق بديء في تنفيذ بقية أحكامه. وكان أولها انشاء الاتحاد الاشتراكي العربي .
كان المؤتمر الوطني للقوى الشعبية قد أصدر قرارا بتفويض الرئيس جمال عبد الناصر في تشكيل لجنة تنفيذية عليا مؤقتة تقوم باتخاذ القرارات اللازمة لتشكيل تنظيمات الاتحاد . فأصدر قراراً بتشكيل الامانة العامة للاتحاد الاشتراكي العربي من : أنور السادات ، حسن ابراهيم ، حسين الشافعى، كمال الدين حسين ، علي صبري ، الدكتور نور الدين طراف ، المهندس أحمد عبدة الشرباصي ، كمال الدين رفعت ، عباس رضوان ، محمد عبد القادر حاتم ، محمد طلعت خيري ، أنور سلامة .
وصدر القرار رقم 1 لسنة 1962 بقانون الاتحاد الاشتراكي العربي . وعلى أساسه تمت انتخابات الوحدات الاساسية للاتحاد الاشتراكي العربي . ثم توالت الانتخابات من 1962- 1964 انتخابات اللجان النقابية. انتخابات مجالس ممثلي العمال في مجالس الادارات . انتخابات الجمعيات التعاونية. انتخابات مجالس النقابات المهنية. انتخابات مجلس الامة.. الى آخره .
وفي 27 سبتمبر 1962 صدر اعلان دستور بتنفيذ ما جاء في الميثاق عن القيادة الجماعية فتشكل مجلس رئاسة من : جمال عبد الناصر وعبد اللطيف البغدادي وعبد الحكم عامر وعلي صبري والدكتور نور الدين طراف والمهـندس أحمد عبده الشرباصي وكمال الدين رفعت .
نلاحظ هنا ملحوظة على جانب كبير من الاهمية. ونتذكرها لأننا سنعود اليها . تلك هي ان تسعة من أعضاء الامانة العامة للاتحاد الاشتراكي العربي كانوا أعضاء في مجالس الرئاسة.
وفي 23 مارس 1964 صدر دستور 1964 مقننا للثورة . وأسمي (الدستور المؤقت) إلى أن يتم مجلس الامة الجديد وضح الدستور الدائم . بدأ الدستور المؤقت أحكامه بالنص على " ان الجمهورية العربية المتحدة دولة ديموقراطية اشتراكية تقوم على تحالف قوى الشعب العاملة والشعب المصري جزء من الأمة العربية " . اما عن الاتحاد الاشتراكي العربي فقد نص في المادة الثالثة . " ان الوحدة الوطنية التي يصنعها تحالف قوى الشعب الممثلة للشعب العامل ، وهي الفلاحون والعمال والجنود والمثقفون والرأسمالية الوطنية هي التي تقيم الاتحاد الاشتراكي العربي ليكون السلطة الممثلة للشعب والدافعة لامكانيات الثورة والحارسة على قيم الديموقراطية السليمة ". وأصبحت عضوية الاتحاد الاشتراكي لازمة فيمن يرشح لمجلس الامة ( القانون رقم 158 لسنة 1963 المعدل بالقانون رقم 47 لسنة 1964 ) ، ولعضوية النقابات المهنية (القانون رقم 31 لسنة 1966 ) ولمجالس ادارة التشكيلات النقابية ( قرار وزير العدل رقم 35 لسنة 1964) والجمعيات التعاونية ( قانون رقم 87 لسنة 1964 )
والعمد والمشايخ ( قانون رقم 59 لسنة 1964) ومجالس الادارة المحلية ( كان القانون 124 لسنة 1960 يشترط عضوية الاتحاد القومي فاعتبروا ان الاتحاد الاشتراكي العربي حل محل الاتحاد القومي واشترطت عضويته بدون تعديل القانون ) . وانشىء التنظيم السياسي القائد للتحالف " سرا " عام 1963.

النجاح:
على مستوى الحرية الاجتماعية (العنصر الاول للديموقراطية) حققت الثورة نجاحا لا شك فيه. فلاول مرة في مصر وضعت الثورة خطة اقتصادية للتنمية ونفذتها الى حد كبير هى الخطة الخمسية الأولى ( 60 / 1961 - 64 / 1965 ) ، التي كان نكوص الرأسمالية المصرية عن تنفيذها سبباً مباشراً في ثورة 1961 كما ذكرنا . كان هدف الخطة زيادة الدخل القومي في نهايتها بنسبة 40% مما كان عليه في سنة الاساس وقدرت الاستثمارات اللازمة بحوالي 1576.9 مليون جنيه . وقد بلغت الاستثمارات المنفذة خلال مدة الخطة مبلغ 1513 مليون جنيه أي بنسبة 95.9% من الاستثمار المتوقع ، وبمتوسط سنوي قدره 302.6 مليون وهو يعادل 19% من الدخل القومي في المتوسط خلال سنوات الخطة . وقد ساهمت المدخرات القومية في تمويل هذه الاستثمارات بمبلغ 1095.6 مليون جنيه أي بنسبة 72.4% وبمتوسط سنوي قدره 219.1 مليون جنيه وهو ما يساوي 13.2% من الدخل القومي في المتوسط ، بينما ساهمت القروض الاجنبية بمبلغ 417.4 مليون جنيه فقط أي بنسبة 27.6% وبلغت الزيادة المتحققة في الدخل القومي في نهاية الخطة 37.1% مما كان عليه في سنة الاساس مقابل الزيادة المتوقعة والمقدرة في الخطة بنسبة 40% وبلغ متوسط معدل النمو السنوي 6.5% أي تجاوز معدل النمو الاقتصادي في مصر- لاول مرة - معدل زيادة السكان الذي بلغ خلال سنوات الخطة 2.8%. في المتوسط وكان ذلك مبشراً بحل مشكلة الفقر. وانطلق الانتاج الصناعي من مصر الزراعية!! بعد ذلك ، وفي أشد الظروف صعوبة ( الهزيمة والحرب من 1077.618 مليون جنيه عام 66 / 67 الى 1169.419 مليون عام 67 / 1968 الى 1322.968 مليون جنيه عام 68 / 69 الى 1421.987 مليون جنيه عام 69 / 1970 واصبحت مصر الزراعية دولة مصدرة للمصنوعات من 82.238 مليون عام 1966 الى 134.066 مليون عام 1970 كانت تلك هي الفترة الرائعة ، حين كان كل ما نستعمله ونأكله ونشربه ونركبه يحمل ذلك العنوانت العظيم ( صنع في ج . ع . م ) .
وانعكس كل هذا على الشعب فزاد نصيب الفرد من الدخل القومي ما بين 60 / 1965 بنسبة 28 % وجذبت فرص العمل الجديدة اليها الايدي القومية التي لم تكن تجد فرصة عمل فزاد عدد العاملين مليونا ونصف تقريبا في خمس سنوات من ( 6000600 عام 1960 الى 7333400 عام 1966 بزيادة 22.1% أغلبهم كانوا رجالا راكدين في مستنقعات الريف ، فأصبحوا عمالا نشيطين في المدن . بما تحمله المدن الى البشر من ثقافة وعلم وتقدم ونشاط سياسي أيضا (كان سكان المدن عام 1960 يمثلون 37% من عدد المواطنين فأصبحوا يمثلون 40% عام 1966 ) . ولم تكن تلك الهجرة لأن الارض الطيبة قد انكمشت بالعكس حول السد العالي العظيم 836 ألف فدان من ري الحياض الى الري الدائم وأضاف اليها 850 ألف فدان جديدة . ولم تنتقص تلك الهجرة من الانتاج الزراعي بالعكس زاد في عامين فقط من 68 الى 1969 بنسبة 15 % . وزاد المتعلمون بنسبة 132 % - عام 1966 عنهم في عام 1954 فبلغوا 4.502 مليوناً ، وفي كل شهر تبنى مدرسة فبلغت نسبة الاستيعاب في مرحلة التعليم الالزامي 69.7% وفتحت أبواب العلم لأبناء الشعب بدون مقابل فاستقبلت الجامعات أبناء العمال والفلاحين والكادحين ، وانتقلت اليهم الجامعات في الاقاليم وبدأ تكوين أغلى ثروات هذا الشعب : " البشر المنتجون " . وزادت البعثات للتخصص العلمي من 238 بعثة عام 1960 الى 1575 بعثة عام 1966 . وزاد الانفاق على الخدمات من 12 مليوناً عام 1960 الى 22.9 مليونا عام 1965 وتولت الدولة بواسطة أجهزتها عملية تعليم وتثقيف واسعة النطاق من خلال الصحف (التي كان قد تملكها الشعب بالقانون رقم 156 لسنة 1960) ، والاذاعة والتليفزيون، وترجمت الى اللغة العربية وبيعت بثمن يسير آلاف الكتب في سلاسل متنوعة تناولت كل مجالات الثقافة وخاصة الفكر الاشتراكي وأصبح أبناء مصر يدرسون المواد القومية ( الثورة - الاشتراكية- القومية) في كل مرحلة تعليم بصيغ متدرجة حتى المستوى الجامعي ... الى آخره...
ولكن والحق يقال، والشهادة لله . حرم شعب مصر الفقير في تلك الفترة من العمارات الشاهقة والسيارات الفارهة، والكباريات الداعرة ، و ألافلام الهابطة، وحرم المنتجات الاميركية وأدوات التجميل الفرنسية والسجائر الفرنجية ومن الاصواف الانجليزية والحرائر اليابانية ، ثم انه افتقد السمسار والقمار والدولار ولم يتعامل الا بعملته، والى حد كبير حرم حق الاختيار اذ كان عليه ان ينتج والا يستهلك الا مما تصنع يديه .. هذا بالاضافة طبعا - الى انه حرم من الليبرالية ودعاويها وأفكارها وأقلامها اذ لم تسمح الثورة لأحد بأن يخاطب الشعب ويعلمه ويفقه إلا إذا خاطبه عن مشكلاته وعلمه كيف يحلها وثقفه بأساليب حلها . فهل حرم شعب مصر من شيء .
أكاد أرى ليبرالياً يتململ " اشمئزازاً " مما يقرأ ، ويتمتم : ما علاقة هذا بالديموقراطية ؟ وهل يغني الخبز عن الحرية ؟ .. ما الفرق - اذن- بين البهيمة وبين الانسان يفكر ويريد ويدبر. وهل يستوي عند هذا الكاتب الانسان والبهيمة؟.. سيدي صبرك . ان كنت لا ترى علاقة التحرر من الحاجة الاقتصادية والتحرر من الجهل والتحرر من المرض ، بالديموقراطية فنحن مختلفان في فهم الديموقراطية. لكم دينكم ولي دين . اما ان الخبز يغني عن الحرية فهو قول جاهل . يجهل- على الاقل- ان الانسان ليس بهيمه.. انما الخبز شرط للحرية لآن الجوعى المرضى المشغولين ليل نهار بالحصول على " لقمة العيش " ليأكلوا، وقطعة قماش ليلبسوا ، وجحر فارع ليسكنوا ، أو لئك الذين يهد حيلهم المرض فلا يجدون ثمن الدواء ، ويقترضون حين ينجبون أولادهم كما يقترضون حين يدفنون موتاهم ، اولئك يا سيدي- صدقني او انزل الى الشعب لترى - لا يهمهم كثيراً او قليلا ما أنت مشغول به من حرية الرأي لأنهم لا يعلمون ، او حرية الصحافة لأنهم لا يقرأون ، او حرية ألاحزاب لأنهم لا يبالون بمن قال ومن نشر ومن حكم .. ولا يستطيعون ان يبالوا قبل ان يأكلوا ويشربوا ويسكنوا .. فان كنت ديموقراطيا حقا فابدأ بحفظ حياة البشر لأن الموتى أو الذين يوشكون على الموت - جوعاً أو مرضاً - لا يستطيعون الاستماع الى آرائك أو قراءة صحفك أو الانضمام الى احزابك . وحين تبدأ حل مشكلة الحياة ( مأكلاً وملبساً وسكناً ) تبدأ ممارسة الحياة فكراً وسياسة .. وويل - حينئذ - للذين يتوهمون أن الخبز يغني عن الحرية ..
ولقد بدأت ثورة 1961 بحل مشكلة حرية الحياة وحققت نجاحا كبيرا فهل حلت مشكلة الحرية السياسية؟ .

الاخفاق:
نستطيع أن نقول ببساطة ويقين أن " النظرية " الديموقراطية التي جاء بها الميثاق لم تطبق - في جانبها السياسي - على وجه الاطلاق . انشئ تحالف من قوى الشعب العاملة ولكنه ليس التحالف الذي نص عليه الميثاق . قامت منظمة باسم الاتحاد الاشتراكي العربى ولكنها ليست الاتحاد الاشتراكي العربي الذي جاء في الميثاق . مارس الاتحاد الاشتراكي العربى- الذي أقيم- مهمات سياسية و لكن ليست هي المهمات التي جاءت في الميثاق . انشىء التنظيم السياسي الذي يقود التحالف ، و لكنه ليس التنظيم السياسي الذي جاء في الميثاق .
منذ خمسة عشر سنة وكل الناس يتحدثون عن تحالف قوى الشعب العاملة ، وعن الاتحاد الاشتراكي العربي ، وعن التنظيم السياسي السري يؤيدونه ويهاجمونه ويحلونه ويعيدون تشكيله ويطورونه ويصنفونه ويختلفون في هذا اختلافا كبيرا أو قليلاً دون أن يفطن أحد ، أو لم يقل الذين فطنوا ، ان مصر قد عرفت ثلاث مؤسسات مختلفة تحمل جميعها اسم الاتحاد الاشتراكي العربي . المؤسسة الأولى انشئت عام 1962 واستمرت حتى عام 1971 والمؤسسة الثانية في عام 1971 واستمرت حتى عام 1976 والمؤسسة الثالثة هي القائمة اليوم والتي حلت بتقسيمها الى " أحزاب " … ثم - وهذا هو الاهم - ان أيا من هذه " الاتحادات الاشتراكيات العربيات " لا تمت بصلة قريبة أو بعيدة إلى الاتحاد الاشتراكي العربي الذي جاء في الميثاق .. ولا تمت بصلة قريبة او بعيدة لا بقوى الشعب العاملة ولا بتحالفها، اللهم الا استعارة الاسماء والعناوين واللافتات .. درءا للشبهات.. ذلك لأن الرأسمالية المتحالفة مع البيروقراطية قد سرقت الاسماء والعناوين واللافتات لتضعها فوق مؤسساتها التابعة لها التي لم يكن أي منها اتحادا، او اشتراكيا أو عربياً ولنبدأ من البداية .

السباق الى النفاق:
ما ان قدم جمال عبد الناصر " الميثاق " حتى انضمت الى جماعة المؤمنين به جمهرة الانتهازيين فأصبحوا جميعاً " ميثاقيين " (ما زلنا نذكر ان واحدا من جهابذة الكتاب وأعلاهم صوتا وأكثرهم بذلا للجهد في تأصيل التجربة- أية تجربة- كان قد بادر فأنشأ- في ذهنه- جماعة " الميثاقيون " وانتمى اليها وتحدث باسمها على صفحات الجرائد.. الى ان قيل له كفى فكف. وما زلنا نذكر انه حين تقرر تدريس " الاشتراكية العربية " في المدارس والجامعات تسابق عدد من أساتذة الجامعات والمعلمين ينشئون كتبا مطولة وكتبا مختصرة في بيان ماهية الاشتراكية العربية . فلما خطر لجمال عبد الناصر ان يقول ان الاشتراكية واحدة ونحن نطبقها تطبيقا عربيا ، سارع الاساتذة الكبار الى اعادة طبع كتبهم وغيروا جلودها ليغيروا عناوينها بعد ان غيروا جلودها . وما زلنا نحتفظ بأصول كتاب عن " الطريق الى الاشتراكية العربية " قدمناه الى الدار القومية للطباعة والنشر ( 1966 ) دفاعاً عن الاشتراكية العربية فأشار عليه مدير الدار بعدم النشر " لأن الرئيس جمال عبد الناصر قد حسم الخلاف في هذه القضية " ولقد وافقت رقابة عبد الناصر على نشر الكتاب لأن عبد الناصر - وحده تقريبا - هو الذي كان يصر على أن مصر تمر بمرحلة التحول الاشتراكي وان الميثاق دليل عمل وان شيئاً لم يحسم وان كل شيء سيعاد فيه النظر على ضوء الممارسة بعد عشر سنوات .. ولسنا في حاجة الى القول بأن أولئك المنافقين قد انقلبوا على انفسهم فانقلبوا على عبد الناصر وميثاقه . وكذلك يفعل الانتهازيون دائماً .
نهايته !!
نعود الى الموضوع فنقول ان الانتهازية ليست خاليه من مضمون . نعني ان الناس لا ينافقون ويهدرون كراماتهم ويزحفون على بطونهم- كالديدان- الا متجهين الى غاية، مثلهم في هذا مثل السائرين على أقدامهم . والواقع انه لا يوجد موقف بدون مضمون سواء كان موقفا أخلاقيا او موقفا غير أخلاقي لهذا نستطيع ان نتجاوز الجانب الاخلاقي لننتبه الى المحتوى الموضوعي لظاهرة الانتهازية ونسأل : ما هي " الفرصة " التي كان يسعى الى اهتبالها الانتهازيون؟
انها فرصة التحول الاشتراكي ذاته.
فابتداء من عام 1961 لم تعد الدولة سلطة حكم او مساندة او تمويل بل أصبحت جهاز ادارة رئيسي للاقتصاد القومي . تملك القدر الأكبر من أدوات الانتاج ، وتديرها ، وتنتج ، وتوزع ، وتتاجر ، وتستهلك . هي التي تعين الوزراء والمديرين وهي التي تشغل العاطلين وهي التي تحدد الاجور وهي التي توفر المأكل والملبس وتبني السكن وتعلم وتعالج .. الى آخره . وكانت هذه الدولة ، ربة العمل ، قد انتزعت اغلب ما تملك وما تدير من الرأسماليين الكبار وأضافت اليه طولاً وعرضاً وعمقاً منشآت جديدة ومصادر رزق جديدة فيما عرف باسم " القطاع العام " . ولكنها ابقت بجواره ما أسمي بالقطاع الخاص و " بالرأسمالية الوطنية " . فكيف " تربح " هذه الرأسمالية الوطنية ؟ .. بالتطفل على القطاع العام تعيش من باطنه وتتاجر معه و " تسمسر " على صفقاته وتسرق وترش . فتحول القطاع العام - أي الدولة - الى مصدر جديد للرأسمالية . و هي رأسمالية طفيلية غير منتجة تتعاون في تكوينها على طريقة " شيلني واشيلك " البيروقراطية المنحرفة والقطاع الخاص الطفيلي وكانت الثغرة التي تسرب منها هذا الحلف هو ما أشرنا اليه من قبل من ان قواعد العزل السياسي لم تطبق على الذين أضيروا بقوانين يوليو 1961 او الذين تتناقض مصالحهم مع التحول الاشتراكي . اولئك الذين أسمتهم اللجنة التحضيرية " أعداء الثورة الاجتماعية الاشتراكية " فصدر القانون رقم 34 لسنة 1962 خاليا من عزلهم . فقدوا ما يملكون او أغلبه فالتحقوا بخدمة المالكة الجديدة ( الدولة ) بحجة خبرتهم و علمهم و (وطنيتهم ) وأيضا أصبحوا عماد البيرو قراطية في الدولة والقطاع العام والرأسمالية الطفيلية التي تمتصه . ولما كانوا أضعف من أن يقاوموا فقد نافقوا . وبادروا الى تنفيذ مشروع الثورة الديموقراطي " الاتحاد الاشتراكي العربي " قبل أن يصدر الدستور . وكانوا وراء قرار " انتهازي " أصدره المؤتمر الوطني للقوى الشعبية قبل أن ينفض وهو " تفويض " الرئيس جمال عبد الناصر بتشكيل لجنة تنفيذية عليا مؤقتة لتضع القانون الاساسي للاتحاد الاشتراكي العربي .
تأملوا...
الميثاق يقول ان تحالف قوى الشعب العامل هو الذي يقيم الاتحاد الاشتراكي العربى ، فاذا بالمؤتمر يفوض رئيس السلطة التنفيذية في ان يختار المؤسسين للاتحاد الاشتراكي العربى ، قلة يسميها اللجنة التنفيذية العليا المؤقتة، لتقيم هي الاتحاد الاشتر اكي العربي وتضع قانونه الاساسي . والميثاق يحرص على القول بان الاتحاد الاشتراكي العربي هو السلطة الممثلة للشعب ومفهوم انها سلطة في مواجهة باقي السلطات او فوقها ، فيعهد المؤتمر الى السلطة التنفيذية بانشاء السلطة الممثلة للشعب . من قبل نبهنا الى دلالة ان يكون تسعة من أعضاء الامانة العامة للاتحاد الاشتراكي العربي أعضاء في مجلس الرئاسة. والميثاق يقول انه بعد سقوط تحالف الرجعية ورأس المال " لا بد ان ينفسح المجال بعد ذلك ديموقراطياً للتفاعل الديموقراطى بين قوى الشعب العامل ".. وهو ما يعني بان ينشأ الاتحاد الاشتراكي العربي من القاعدة المتفاعلة ديموقراطياً الى القمة ، فإذا بالاتحاد الاشتراكي العربي ينشأ بالقمة التي تتولى هي انشاء القاعدة … على ما تهوى .
هل انشأته على ما تهوى؟
نعم، وذلك بأنها:
اولا: الاتحاد الاشتراكي العربي هو تنظيم تحالف قوى الشعب العاملة " الممثلة للشعب " والشعب هو صاحب السيادة بحكم الميثاق وبحكم الدستور. وهذا يعني انه طبقا للميثاق والدستور كليهما، تكون سلطة السيادة للاتحاد الاشتراكي العربي . لم تختلف أغلبية أساتذة القانون الدستوري في هذا، وعبروا عن آرائهم في مناقشات " اللجنة التحضيرية للدستور الدائم " التي تشكلت يوم 30 مايو 1966 لوضع مشروع دستور دائم قال الدكتور سليمان الطماوي عميد كلية حقوق عين شمس : " الاتحاد الاشتراكي ليس مجرد سلطة دستورية له علاقة بالحكومة ولكنه أكبر من ذلك ". قال الدكتور ثروت بدوي استاذ القانون الدستوري بكلية حقوق القاهرة قال مفاخرا : " انني اول من قالوا بان الاتحاد الاشتراكي العربي هو أعلى سلطة في الدولة " وقال الدكنور طعيمة الجرف استاذ القانون الدستوري في كلية حقوق القاهرة : " ان الاتحاد الاشتراكي العربى سلطة سيادة عليا ". وقال الدكتور عبد الحميد حشيش استاذ القانون الدستوري في كلية حقوق عين شمس : " اما فيما يتعلق بالاتحاد الاشتراكي العربى فانني اتفق مع الزملاء الذين سبقوني في هذا المجال من أن الاتحاد الاشتراكي سلطة عليا " .. اما الدكتور مصطفى أبو زيد فقد عبر عن رأيه بطريقته فقال : " اذا قلنا ان مجلس الامة هو الذي ينظم الاتحاد الاشتراكي فهذا يعني ان مجلس الامة أصبح أعلى من الاتحاد الاشتراكي وهذا ما لا يجوز ولا يمكن القول به، وأذا قلنا ان الحكومة تنظمه بقرار جمهوري او بقرار وزاري فهذا يعني ان الحكومة أعلى منه وهذا لا يجوز ".. الى آخرهم .
لم يكن هؤلاء الاساتذة ينافقون بل كانوا يعبرون عن حقيقة الاتحاد الاشتراكي العربى كما أراده الميثاق وكما أراده الدستور . و لكن " المصالح " لا يهمها القانون فقد تشكلت اللجنة التنفيذية العليا، وأصدرت القرار رقم 1 لسنة 1962 بالقانون الاساسي للاتحاد الاشتراكي العربى وبعد ان سردت في مقدمته فقرات من الميثاق وحددت وظيفته فقالت عن وظيفة المؤتمر القومي الذي هو أعلى سلطة .
(أ) دراسة ومناقشة تقرير اللجنة العامة للاتحاد الاشتر اكي العربي.
(ب) دراسة سياسة الاتحاد الاشتراكي العربى وخططه العامة و اصدارها.
(خ) مراجعة وتعديل القانون الاساسي للاتحاد الاشتراكي العربى اذا دعت الحاجة الى ذلك
(د) انتخاب واعفاء اللجنة العامة للاتحاد الاشتراكي العربي او اعضائها الاحتياطيين.
وهكذا تحول المؤتمر القومي للاتحاد الاشتراكي الذي هو سلطة تمثل الشعب ، وفوق الحكومة وفوق مجلس الأمة ، تحول الى جمعية لدراسة التقارير ليقدمها الى اللجنة التنفيذية العليا . واصيب منذ مولده بالعقم ، وعبثاً حاول كل الذين تولوا أمره بعد ذلك " تنشيطه " وبعث الحياة فيه . ذلك لأنهم قد سلبوه روحه حين سلبوه سلطته فلم يبق منه الا " هيكل " مجوف يجتمع فيه الناس وينفضون لا حول لهم ولا قوة . ومن هنا نعرف كيف أن الذين هاجموا وأدانوا الاتحاد الاشتراكي العربي واتهموه بالسلبية ، وبالذيلية ، ينسون ما قال الشاعر :
" لقد اسمعت لو ناديت حياً … ولكن لاحياة لمن تنادي "
وماذا عن التنظيم القائد الذي قال الميثاق انه : " يجند العناصرالصالحة للقيادة وينظم جهدها ويطور الحوافر الثورية للجماهير"... لقد تم تشكيله فعلا ولكن " الحلف البيروقراطي الرأسمالي " الذي أنشأ الاتحاد الاشتراكي العربى هو الذي شكله. لقد اخروا انشاءه حتى عام 1964 اي الى ان تمكنوا من السيطرة على الاتحاد الاشتراكي العربى وعندما نشأ انشأته قيادة الاتحاد الاشتراكي نفسها ( قيادة التنظيم) وأختير لانشائه وقيادته - من كل القوى المتاحة - وزير الداخلية شخصياً وكأن وزارة الداخلية قد كانت " ناقصة " أجهزة استطلاع وتقارير.
ثانيا : ان الاتحاد الاشتراكي العربي هو تنظيم تحالف قوى الشعب العاملة . ومن بين تلك القوى العمال والفلاحون . ويزيد الميثاق والدستور كلاهما فيشترطان خمسين في المائة من المقاعد على الأقل للعمال والفلاحين . ومع ذلك نشأ الاتحاد الاشتراكي وقد استبعد من عضويته العمال والفلاحين الا أقلية ضئيلة.
شيء غريب أليس كذلك ؟
نعم غريب ولكنه حدث من خلال تولي الحلف " الرأسمالي البيروقراطي " تعريف العامل والفلاح .
فالفلاح عندهم هو من لا يزيد عما يحوزه من أرض زراعية على خمسة وعشرين فدانا. تصوروا ان في مصر الفلاحين حيث عمال التراحيل والمعدمون بالملايين وحيث يكون من يملك خمسة أفدنة شيخا للقرية ومن يملك عشرة أفدنة يكون عمدة لها ومن يملك أكثر من الاعيان . يعتبر فلاحا من يملك خمسة وعشرين فدانا. اما العامل عندهم فهو كل من تتوافر فيه شروط العضوية للنقابات العمالية ( تقرير لجنة الميثاق الذي أخذ به في تشكيل الاتحاد الاشتراكي العربي) .
وهكذا انبرى الذين يحوزون 25 فداناً في الريف أو حتى عشرة ، فاحتلوا مقاعد الفلاحين في التحالف وطردوا ملايين من العمال الزراعيين وعمال التراحيل ، والأجراء، والمستأجرين ، وصغار الملاك. وهكذا انبرى لاحتلال مقاعد العمال في التحالف وكلاء الإدارات ورؤساء الأقسام وخريجو الجامعات من الأطباء والمحامين والمهندسين والصحفيين ومن إليهم من العاملين في المؤسسات و الشركات.
فلما أراد جمال عبد الناصر تصحيح هذا الوضع الشاذ عام 1968، فأصدر بصفته رئيساً للاتحاد الاشتراكي العربي تعريفا يقوق ان العامل " هو الذي يعمل يدويا او ذهنيا في الصناعة أو الزراعة أو الخدمات ويعيش من دخله الناتج عن هذا العمل ولا يحق له الانضمام إلى نقابة مهنية ولا يكون من خريجي الجامعات والمعاهد العليا أو الكليات العسكرية وتستثنى من ذلك من بدأ حياته عاملأ وحصل على مؤهل جامعي وبقي في نقابته العمالية". وأن الفلاح " هو الذي لا يحوز هو وأسرته أكثر من عشرة أفدنة علي أن تكون الزراعة مصدر رزقه أو عمله الوحيد وأن يكون مقيماً في الريف ".. وجرت على أساسه انتخابات وتشكيلات الاتحاد الاشتراكي العربي ، أوقف الحلف البيروقراطي الرأسمالي عملية الانتخاب عند مستوى المؤتمر القومي الذي لا ينعقد إلا كل سنتين ، أما لجان المحافظات واللجنة العامة واللجنة التنفيذية، أي اللجان القيادية، فقد تم تشكيلها بالتعيين، تفادياً لتسرب فلاح أو عامل ، اي فلاح او اي عامل ، إلى القيادة..
على هذا الوجه أنشأت الطبقة الجديدة التي أصبحت، بعد سقوط الرأسمالية الكبيرة عام 1961 وتصفية المؤسسة العسكرية عام 1967، تضم " البيروقراطيين والرأسمالية الطفيلية " . انشأت الاتحاد الاشتراكي العربي إطاراً لتحالفها وأداة لسيطرتها ، وأهدرت الرؤية الديموقراطية التي جاءت في الميثاق ، وأهدرت الاحكام الديموقراطية التي جاءت في دستور 1964 ، فلم يكن الاتحاد الاشتراكي العربي منذ البداية تحالف العمال والفلاحين و … الى آخره …

السلطة التنفيذية :
في دستور 1964 ينتخب رئيس الجمهورية من الشعب وهو الذي يضع بالاشتراك مع الحكومة السياسة العامة للدولة في جميع النواحي السياسية والاقتصادية والاجتماعية والادارية ويشرف على تنفيذها. وله حق دعوة مجلس الوزراء للانعقاد وحضور جلساته وتكون له رئاسة الجلسات التي يحضرها . وله حق اقتراح القوانين و الاعتراض عليها وإصدارها . فاذا رد مشروع قانون إلى المجلس فلا يصدر إلا إذا أقره المجلس ثانية بأغلبية ثلثي أعضائه. وإذا حدث فيما بين أدوار انعقاد مجلس الأمة أو في فترة حله مما يوجب الإسراع في اتخاذ تدابير لا تحتمل التأخير جاز لرئيس الجمهورية أن يصدر في شأنها قرارات لها قوة القانون . ولرئيس الجمهورية في الأحوال الاستثنائية بناء على تفويض من مجلس الأمة أن يصدر قرارات لها قوة القانون . وهو القائد الأعلى للقوات المسلحة . وهو الذي يعلن الحرب بعد موافقة مجلس الأمة . و هو الذي يبرم المعاهدات ويبلغها إلى مجلس الأمة . وهو الذي يعلن حالة الطوارىء وله أن يستفتي الشعب في المسائل الهامة التي تتصل بمصالح البلاد العليا . أما الحكومة فهي أداة تنفيذ .
على هذا الوجه كان لرئيس الجمهورية القرار وكان على الحكومة التنفيذ . ولكن من يسأل أمام مجلس الأمة ؟ الحكومة وحدها ( المادتان 84 و 90 ) . وهكذا عرفت مصر نظاماً مختلطاً عجيباً لا تقترن فيه السلطة بالمسئولية . من له السلطة الفعلية لا يسأل . ويسأل الذين لهم سلطة . وتضخمت سلطات رئيس
الجمهورية واندمجت في يده السلطات بشكل لا مثيل له في النظام الرئاسي ( حيث ليس للرئيس حق التشريع ) ولا في النظام النيابي ( حيث ليس للرئيس سلطة منفردة عن الوزارة ) . ولما كان الرئيس الذي أصبح يملك أغلب السلطات لا ينفذها بنفسه ولكن " بأجهزة الدولة " طبقاً للبيانات و المعلومات و الآراء التي ترفعها إليه " أجهزة الدولة " فقد خول دستور 1964 لأجهزة الدولة التي يسيطر عليها الحلف " البيروقراطي الرأسمالي " أفضل غطاء لانحرافاتهم وأصبح كل شيء ينسب إلى عبد الناصر ما دامت كل السلطات على صفحات الدستور لعبد الناصر، وأصبح كل نقد لهم نقد لعبد الناصر، ما داموا أجهزة عبد الناصر، وأصبحت مواجهتهم تآمراً على عبد الناصر ما دام أمنهم قد اختلط بأمن عبد الناصر.
هل كان من ذلك مفر؟.
يجب أن نعترف بأنه حيث تكون الدولة اشتراكية، أي تقوم على توظيف الموارد البشرية و المادية المتاحة لإشباع الحاجات المادية والثقافية للشعب ، طبقآ لخطة مركزية شاملة فلا بد من مركزية السلطة. يستحيل- دستورياً واقتصادياً- إقامة نظام اشتراكي بدون سلطة تنفيذية مركزية قوية لتضمن تنفيذ الخطة في كل مجالاتها ، تأمر وتتابع وتراقب وتحاسب . من ناحية أخرى لا يعرف النظام الاشتراكي المناصب الشرفية. لا يتفق معه منصب رئيس دولة لا يعمل أي لا يكون رئيساً للسلطة التنفيذية. ومن هنا فإن كل السلطات التي خولها دستور 1964 لرئيس الجمهورية سلطات طبيعية ومتسقة مع دوره في مجتمع يتحول اشتراكياً . ثم تبقى الثغرة التي انفرد بها نظام الحكم في مصر؟.. من الذي يأمر ويتابع ويراقب ويحاسب السلطات التنفيذية ذاتها؟ من الذي يوافق على الخطة ويتابع تنفيذها ويحاسب على نتائجها؟.. مجلس الأمة ، ومن الذي يتابع ويراقب ويحاسب مجلس الأمة؟.. الشعب.. كيف ؟ عن طريق الاتحاد الاشتراكي العربي الذي هو سلطة سيادة عليا ، وهو ممثل الشعب ومن حقه على هذا الوجه أن يتابع ويراقب ويحاسب - إلى حد العزل - رئيس الجمهورية والوزراء والنواب . ولقد كان الدستور- دستور 1964- في مادته الثالثة يخول الاتحاد الاشتراكي العربي هذه السلطة . سلطة متابعة ومراقبة ومحاسبة كل سلطة أخرى ومنها رئيس الجمهورية. وكان هذا يقتضي استقلال الاتحاد الاشتراكي العربي استقلالاً تاماً - بصفته مؤسسة دستورية- عن السلطة التنفيذية. و لكنه نشأ- كما رأينا- تابعاً للسلطة التنفيذية فبقيت للسلطة التنفيذية كل السلطات بدون متابعة أو مراقبة أو محاسبة.

محاولة أخيرة :
ذكرنا من قبل كيف حاول جمال عبد الناصر عام 1968 تصحيح الوضع المختل في تكوين الاتحاد الاشتراكي العربى بتقديم تعريف جديد للعامل والفلاح . ونعرف أنه صفى المؤسسة العسكرية في ذلك العام . ولكنه في المقابل كان قد تفرغ بعد هزيمة 1967 لإعادة تكوين القوات المسلحة واستئناف القتال واستغرقته معركة التحرير، فكانت فرصة مضافة الى البيروقراطية والرأسمالية . فبدأت الرأسمالية تسترد بعض ما كانت فقدته . رفع اسعار بعض الحاصلات الزراعية ، الاستيراد بدون تحويل عملة . وقف الانتقال التدريجي لقطاعي تجارة الجملة والمقاولات الى القطاع العام . أما البيروقراطية فقد قضت بضربة واحدة على محاولة جديدة كانت القيادة قد لجأت إليها لحل مشكلة الديموقراطية .
ففي عام 1965 كان يبدو أن جمال عبد الناصر قد يئس من محاولة حل مشكلة الديموقراطية على المستوى الشعبي من خلال جيل نشأ رأسمالياً بيروقراطياً ولم يزل . فأعلن يوم 20 يناير 1965، أمام مجلس الأمة، بعد ترشيحه رئيساً للجمهورية برنامجه للسنوات القادمة. وإذ به يضع في أول ذلك البرنامج مايلى :
" إن المهمة الأساسية التي يجب أن نضعها نصب عيوننا في المرحلة القادمة هي أن نمهد الطرق لجيل جديد يقود الثورة في جميع مجالاتها السياسية والاقتصادية والفكرية. ولسنا نستطيع أن نقول إن جيلنا قد أدى واجبه إلا إذا اكنا نستطيع قبل كل المنجزات وبعدها أن نطمئن إلى استمرار التقدم ، وإلا فإن كل ما صنعناه مهدد بأن يتحول- مهما كانت روعته- إلى فورة ومضت ثم انطفأت.. إلى بداية تقدمت ثم توقفت. إن الأمل الحقيقي هو في استمرار النضال ويتأكد الاستمرار حين يكون هناك في كل وقت جيل جديد على أتم الاستعداد للقيادة ولحمل الأمانة ومواصلة التقدم بها .. أكثر وعياً من جيل سبق . أكثر طموحاً من جيل سبق . وينبغي أن ندرك أن التمهيد لهذا الجيل واجبنا واننا نستطيع بالتعالي والجمود أن نصده ونعقده وبالتالي نعرقل تقدمه وتقدم امتنا . . إن علينا بالصبر ان نستكشفه دون مّن عليه ولا وصاية، وعلينا بالفهم أن نقدم له تجاربنا دون أن نقمع حقه في التجربة الذاتية وعلينا في رضا أن نفسح الطريق له دون أنانية نتصور غروراً أنها قادرة على شد وثائق المستقبل بأغلال الحاضر وعلينا أن نتجه له بفكره الحر أن يستكشف عصره دون أن نفرض عليه قسراً أن ينظر إلى عالمه بعيون الماضي"...
ولم تكن تلك مجرد خطبة، بل كانت في رأينا محاولة أخيرة لحل مشكلة الديموقراطية بعد أن يئس من حلها عن طريق الاتحاد الاشتراكي العربى الذي أنشأته أجهزة دولته . والواقع أن جمال عبد الناصر قد عبر في مناسبتين سابقتين عن هذا اليأس . الأولى يوم أن قبل إنشاء المنظمات الشعبية في ميثاق الوحدة الثلاثية بين مصر والعراق وسورية التي كانت موضع دراسة وبحث واتفاق عام 1963. والمناسبة الثانية يوم أن وجه نداء إلى الشباب العربى بأن يبادر إلى إنشاء الحركة العربية الواحدة لأنها " أصبحت ضرورة تاريخية "، عام 1963 أيضاً ، على أي حال فما أن قدم برنامجه حتى نفذه . وانشئت منظمة الشباب الاشتراكي من جيل الثورة ، مستقلة إلى حد كبير عن الاتحاد الاشتراكي العربي وأولاها عناية خاصة مليئة بالعطف والأمل ، ولأول مرة ترى مصركيف يمكن أن يتم تكوين تنظيم سياسي تكويناً علمياً يختلط فيه النمو الفكري بالنمو الحركي . ونجحت التجربة نجاحاً فائقاً إلى درجة أنه في فبراير 1968، بعد الهزيمة، كانت هي القوة الوحيدة التي قادت الجماهير في مظاهرات صاخبة تطالب بمحاسبة المسئولين و لم تستثن من المحاسبة حتى جمال عبد الناصر نفسه وكان ذلك برهاناً على أن أملاً شعبياً ديموقراطياً تقدمياً قد بدأ في مصر ، وأن الثورة - أخيراً - قد أنجبت جيلها . أما عبد الناصر فقد تجاوز عما أصابه من أبناء ثورته واستجاب لندائهم وأصدر بيان 30 مارس متضمناً ما كانوا يطالبون به. أما البيروقراطية " المعششة " في الاتحاد الاشتراكي العربي فقد أفزعها المولود الجديد الذي شب مبكراً على الطوق فأصدر أمين الاتحاد الاشتراكي العربي (علي صبري) قراراً بتجميد نشاط منظمة الشباب وطرد خيرة قياداتها من صفوفها . وضربت التجربة الجديدة الوليدة .. إلى حين .

هل كان يعلم:
هل معنى هذا ان عبد الناصر كان يعلم ان الرجعيين و الانتهازيين والبيروقراطيين قد نفذوا الى تجربته الجديدة وسيطروا على الاتحاد الاشتراكي العربى وافشلوا مشروعه الديموقراطي الثالث (كانت هيئة التحرير هي المشروع الاول ، وكان الاتحاد القومي هو المشروع الثاني ).. هل كان يعلم؟..
يجيب عبد الناصر نفسه:
قال في 12 نوفمبر 1964: " ان الميول البيروقراطية في مرحلة الانتقال من الاقطاع والرأسمالية الى الاشتراكية تمثل قوى اجتماعية خطيرة . وهذه البيروقراطية موجودة وستحاول بكل الوسائل ان تكوّن لها مكاسب . ان البيروقراطية في مرحلة الانتقال من الرأسمالية إلى الاشتراكية ستعمل على آن تحصل بكل الوسائل على أكبر قدر من السلطة حتى تستطيع ان تقوم بدور حاسم في الانتاج وفي العلاقات الاجتماعية وان تحتكر هذا الدور. وتستطيع البيروقراطية بفضل هذا الاحتكار ان تأخذ مكان الرأسمالية في المجتمع الرأسمالي ".
بقيت نقطة أريد ان أتكلم عنها ، وهي العيوب الاساسية، وأبرز هذه العيوب بان الاتحاد الاشتراكي لم يستكمل دوره ليكون تعبيرا أصيلا وكاملا عن الديموقراطية الاشتراكية ... لقد تابعت مؤتمرات الاتحاد الاشتراكي في الوحدات الاساسية والتي عقدت أخيراً وكان فيها حياة وحيوية وفيها نبض . ويجب ان نجد الوسيلة التي تجعل هذا النبض يرتفع كصوت ، وأهم من مجرد ارتفاعه ان يؤثر في الحوادث . و ليست الديموقراطية السيامية الحقيقية والمعبرة عن الديموقراطية الاجتماعية الحقيقية هي أن نجعل الناس يغيرون بارادتهم ما يريدون تغييره . هل وصلنا الى هذا حتى الان ... لم نصل بعد... "
لماذا؟.
قال في 16 مايو 1965: " ... فيه حزب رجعي موجود وحايفضل موجود بدون اعلان وبدون ترخيص وعارفين بعض واتلموا على بعض ومنظمين قوي أحسن من الاتحاد الاشتراكي ... اذن في هذه المرحلة لا سبيل إلا تحالف قوى الشعب العاملة في تنظيم واحد هو الاتحاد الاشتراكي العربي .. مع تطهير الاتحاد الاشتراكي باستمرار من القوى الانتهازية او القوى الرجعية التي تسللت داخل الاتحاد الاشتراكي ...
أكثر من هذا صراحة ما ردده في أحاديثه غير العلنية في اجتماعات الامانة العامة للاتحاد الاشتراكي العربي ابتداء من عام 1965. نشر بعضها أخيرا تحت عنوان " مفهوم العمل السياسي ". ففيها يقول : " ان لدينا مشكلة عويصة وهي ان العناصر المضادة للثورة والاشتراكية موجودة بالفعل داخل الاتحاد الاشتراكي وهي عناصر حركية .. ونحن ينقصنا داخل الاتحاد الاشتراكي وجود العناصر الحركية المخلصة بشكل منظم ... " وقال " هناك خطأ آخر له صفة الانحراف يضعف من تحالف قوى الشعب العاملة وذلك الخطأ هو ظاهرة البيروقراطية... ".
وفي 7 مارس 1966 يضرب أمثلة للفشل في الريف : " ان الجمعيات التعاونية تحتاج الى تطوير. فما زال كبار الملاك مسيطرين عليها.. فكبار الملاك لهم نفوذ ويستطيعون وضع رجالهم في مجالس ادارات الجمعيات التعاونية ، وربما كان هذا هو الذي أثر على فكرة الديموقراطية التي تكلمت عنها فلن تكون هناك ديموقراطية حقيقية بهذا الشكل ... "
كان يعلم اذن
فماذا فعل؟...
حيث يجيب عبد الناصر على هذا السؤال، سنكتشف قمة النضج في مفهومه للديموقراطية مشكلة والديموقراطية حلا، ويكون علينا بتلك الاجابة، القادمة، ان نختم الحديث عن عبد الناصر ومشكلة الديموقراطية في مصر مودعين مرحلته التاريخية وقد انتهت الى تحديد بالغ الوضوح لمشكلة الديموقراطية في مصر وفكر بالغ النضج في كيفية حلها.. ذلك لأنه- رحمه الله - لن تسمح له الظروف القاهرة بان يضع فكره الذي بلغ قمة النضج موضع التطبيق لحل مشكلة بلغت قمة الحدة .
****************

خاتمة
(15) الموقف " الناصري " من المشكلة

عبد الناصر... و" الناصرية " :
في جلسة مباحثات الوحدة الثلاثية بين مصر والعراق وسورية التي انعقدت مساء يوم 20 مارس 1963 هاجم عبد الناصر تعبير " الناصرية والناصريين ".. وأسند التعبيرين الشعارين إلى القوى المعادية له وللثورة . قال : " .. خرجوا بعملية الناصريين . طلعوها بعد الانفصال . قبل الانفصال ما كانش فيه حاجة اسمها ناصريين .. اعداؤنا علشان يمثلوا العملية بشخص ويركزوا عليه قلبوا العملية كلها إلى شخص جمال عبد الناصر وبدأو الحملة عليه وعلى اللي سموها الناصرية والناصريين .. ما كانش فيه حاجة اسمها ناصرية ولا ناصريين .. " .
أما الآن ، وبعد وفاة عبد الناصر، فإن الناصريين قوى جماهيرية متعاقبة في الوطن العربي وفي مصر حتى لو لم تكن موحدة أو منظمة . و" الناصرية " مفهوم يحدد انتماء الناصريين ، على خلاف قليل أوكثير في المضمون وتأخذ مكاناً يتسع بإطراد في القاموس العربي للمبادىء السائدة أو المرشحة للسيادة .
وحتى الذين يقفون من الناصرية والناصريين موقف العداء يعترفون بموقفهم هذا بوجود الناصرية فكرة والناصريين بشرا، وإلا فهل يقفون موقف العداء من أشباح معدومة ؟.. بل إن تهمة " أدعياء " الناصرية تتضمن اعترافاً بأن الناصرية ليست موجودة فقط بل إنها- أيضاً- ذات إغراء يسمح، لا بالانتماء إليها فحسب ، بل بادعائها أيضاً...
فكيف حدث هذا؟
كيف أن " الناصرية " تكون اصطناعاً معادياً في حياة عبد الناصر، ثم تكون راية موحدة لجماهير عبد الناصر بعد وفاته ؟ ..
لقد قدم الرئيس جمال عبد الناصر نصف الإجابة في حديثه الذي أوردنا نصه. أريد بالناصرية في حياته تقليص القضية لتكون شخصاً تمهيداً لضرب الشخص وهو أسهل من ضرب القضية . أو تجريد الموقف من الانتماء المبدئي والتشهير به عن طريق تحويله إلى انتماء وولاء لشخص عبد الناصر. النصف الثاني من الإجابة لم يقله عبد الناصر لأنه يتعلق بظاهرة نشأت بعد وفاته.
نجيب نحن ، تطوعاً ، وعلى مسئوليتنا. ونستمد مادة الإجابة من موضوع الحديث عن " عبد الناصر ومشكلة الديموقراطية في مصر ". وان كانت اجابتنا تصدق- فيما نعتقد- أيآ كانت مادة الحديث ما دام الحديث يدور عن عبد الناصر وتجربتة الطويلة الغنية..
باختصار،
لقد كان ثمة عوامل متعددة حالت دون أن تكون " الناصرية " ذات دلالة موضوعية محددة يمكن الانتماء إليها في حياة عبد الناصر، وقد انقضت تلك العوامل بوفاة الرئيس الراحل وبالتالي أمكن ، موضوعياً ، أن يكون لتعبير الناصرية و الناصريين دلالات موضوعية .
أول تلك العوامل أن عبد الناصر قائد المسيرة الثورية منذ 1952 حتى وفاته كان ينتهج التجربة والخطأ والتصحيح . ولقد عرفنا ذلك من اعترافه ومن تتبع الحديث عن علاقته بمشكلة الديموقراطية في مصر وبالتالي فلم يكن من الممكن ، في حياة عبد الناصر، تثبيت التجربة عند حصر فكري أو تطبيقي معين ليقال حينئذ أن هذي هي الناصرية . ذلك أن عبد الناصر كان إلى آخر يوم في حياته قادراً مقدرة متزايدة على أن يكتشف أخطاء الممارسة وأن يبدع لها حلولاً جديدة على المستوى الفكري والمستوى التطبيقي كليهما . وقفت تلك التجربة بوفاة عبد الناصر. مات القائد فتحدد مضمون مرحلته التاريخية مات المعلم فتوقفت تعاليمه. وأصبح ممكناً - حينئذ فقط - تحديد الحصيلة النهائية فكراً وممارسة ليقال ان هذي هي الناصرية .
العامل الثاني أشرنا إليه في أكثر من موضع في هذا الحديث ، وأوردنا عليه أدلته مما قال عبد الناصر ومما فعل . وخلاصته أن عبد الناصر كان ينمو وينضج ويتقدم فكرياً من خلال التجربة والخطأ والتصحيح . كان تفاعله الجدلي مع الظروف العينية في كل مرحلة يثمر في كل خطوة ثماراً فكرية أكثر نضجاً من عناصر تكوينها . وكان في حركته الجدلية يتقدم مخلفاً وراءه مواقفه وأفكاره السابقة. ولقد عبرنا عن ذلك من قبل حين قلنا إن عبد الناصر 1961 كان يثور على عبد الناصر 1952 ومن هنا يقوم الفارق المميز بين أفكار عبد الناصر وبين الناصرية .. على وجه يحول دون التطابق بينهما.
ذلك لأن كل مفردات المسيرة، فكراً أو ممارسة ، كما وقفت في زمانها تنسب إلى عبد الناصر، فيقال إنها أفكار أو مواقف عبد الناصر، أما ما ينسب إلى " الناصرية " فهي مجموع الأفكار والمواقف التي انتهى إليها بعد أن قطع إليها طريقه الطويل الشاق خلال التجربة والخطأ.. ولعل أوضح الأمثلة على ذلك موقفه من " الوحدة الوطنية " ومفهومه لتعبير الشعب .. على الوجه الذي عرفنا تطوره من قبل .
يضاف إلى هذين العاملين عامل ثالث هو- في تقديرنا- أكثر من العاملين السابقين أهمية. لقد ذكرنا من قبل أن عبد الناصر كان يتوقع عام 1962 أن ستنشأ أفكار أكثر تطوراً وتقدمية بعد عام 1970 أو 1971 قد ترى تطوير الميثاق أو تعديله أو الاضافة إليه.. كما عرفنا دعوته الحارة لفتح أبواب الإبداع لجيل الشباب بدون وصاية . ان هذا يعني - في رأينا- ان الناصرية ليست مقصورة على حصيلة تجربة عبد الناصر فكراً أو ممارسة حين وفاته ولكنها لا بد- طبقاً لرؤية عبد الناصر نفسه وتوقعاته - أن تكون قد اكتسبت مضامين مضافة إلى ما خلفه الزعيم الراحل مما " حدث " بعد أن غاب عبد الناصر. بل أنني أزعم أن الدروس المستفادة من تجربة الحياة في مصر وفي الوطن العربي بعد غياب عبد الناصر قد أثبتت أن شخصيته التاريخية العملاقة كانت قد حجبت عنه ، وعنا، أفكاراً واتجاهات لم تكن تملك شجاعة الظهور في حياته فظهرت وعربدت ونجحت بعد وفاته. وأصبح ما انتهى إليه عبد الناصر فكراً وممارسة يفتقد تكملة هي الجواب على السؤال : ماذا كان يقول عبد الناصر أو يفعل لو أن كل تلك الأفكار والاتجاهات التي أخفاها الجبن عنه في حياته قد واجهته وواجهها .. ثم ماذا كان يقول عبد الناصر أو يفعل لو أن العمر امتد به حتى اليوم ؟.. ثم ، ماذا كان يقول عبد الناصر أو يفعل لو أنه عاش المستقبل مع شعبه. طبيعي أن ليس في تراث عبد الناصر اجابات محددة على هذه الأسئلة . إذ لم يكن عبد الناصر نبياً ، الإجابات التي تكمل مفهوم الناصرية مسؤولية أولئك الذين لم تكمل معرفتهم بتجربة عبد الناصر إلا بعد أن ظهر بعد وفاته ما ومن كان مختفياً أثناء حياته وأولئك الذين لا يكتبون التاريخ بل يصنعونه.
وأخيراً فإن عبد الناصر في حياته كان المفكر والقائد معاً . وكان يقدم إلى الجماهير العربية من تاريخه معها ضماناً ضد مخاطر التجربة والخطأ . الآن غاب القائد وقد بقيت الأفكار أو خلاصتها النامية. فكيف يمتلىء مكان القيادة التاريخية الشاغر؟.
هل باصطناع أو اختلاق أو " ادعاء " عبد الناصر جديد؟..
مستحيل . بل نقول أنه عبث . عبد الناصر صنعه التاريخ .
ولن يستطيع أحد أن يقوم بدور التاريخ في خلق الزعماء والقادة من أمثال عبد الناصر. وما تزال ترن في أذهاننا الكلمات الصادقة الحكيمة التي قالها الرئيس أنور السادات وهو يتلقى من مجلس الشعب قرار ترشيحه خليفة لعبد الناصر في موقع رئاسة الجمهورية ، تأكيداً بأن سيادته أو أي شخص آخر لا يستطيع أن يملأ- وحده - الفراغ الذي تركه القائد العملاق ..
إذن، فإما أن تبقى جماهير عبد الناصر بدون قيادة أو أن تقودها المبادىء الناصرية. وهذا يعني أن " الناصرية " ليست قائمة مبوبة بالأفكار التي خلفها عبد الناصر أو خلاصاتها، أو ما كان يمكن أن تكون عليه تلك الأفكار لو أنه بقى يطورها، بل هي أفكار ومباديء " صالحة " لتؤدي " دور القيادة ". صالحة للالتقاء عليها والالتزام بها والاحتكام إليها عند الخلاف . وهي لا تكون كذلك إلا إذا أرسيت على قاعدة منهجية علمية تفرز من بينها المبدأ من الاستراتيجية عن التكتيك . الاستراتيجية والتكتيك عناصر لصيقة بالقيادة بكل خصائصها الفذة وظروفها التي انقضت فهي من مفردات التجربة التي تنسب إلى عبد الناصر. أما المبدأ فهو وحده الذي يبقى مميزاً " للناصرية "...
ومن ناحية أخرى ، فإن هذا المنهج العلمي القادر على أن يستخلص من تجربة عبد الناصر " نظرية " ناصرية يمثل ضرورة، مهما كانت لازمة حتى في حياة عبد الناصر، فإنها الآن حتمية. ذلك أن " الضمان " الذي كان يقدمه شخص عبد الناصر ضد مخاطر التجربة والخطأ قد سقط بوفاة الزعيم الذي كان محل ثقة الجماهير العربية. وبالتالي فإن مخاطر التجربة والخطأ بعد عبد الناصر، قد أصبحت بدون حدود ، وأصبح محتماً أن يستبدل بمنهج التجربة والخطأ لذي فقد الضمان ضد مخاطر منهج علمي يحصن المسيرة المقبلة ضد الجنوح إلى التجريب بحجة أن عبد الناصر قد جرب من قبل .. وهكذا نرى أن ثمة فارقاً مميزاً أساسياً بين تجربة عبد الناصر والناصرية ، هو أن ضابطاً لحركة تجربة عبد الناصر كان " التجربة والخطأ " وأن ضابط الحركة الناصرية هو " المنهج العلمي ".. أو لا بد أن يكون كذلك .. وهو عبء لا بد لمن يريدون للناصرية أن تقود الجماهير من أن ينجزوه ...
إذا صح ما تقدم ، وهو عندنا صحيح ، فقد صحح ما قال به عبد الناصر من أن اصطناع " الناصرية " في حياته كان اختلافاً معادياً له وللثورة . لأنه إذا صح أنه لم يكن من الممكن في حياة عبد الناصر أن توجد " الناصرية " فإن دلالة " الناصرية " في ذلك الوقت لم تكن تزيد عن الانتماء إلى عبد الناصر الشخصي . تمهيداً لضرب التجربة في الشخص نفسه. ودلالة " الناصريين " في ذلك الموقف لم تكن تزيد عن الولاء لعبد الناصر الشخصي تشهيراً بموقف الولاء للقضية التي كان يناضل من أجلها عبد الناصر...
يترتب على هذا أيضاً أن " المفردات " من الرجال الذين عرفوا عبد الناصر أو عاشروه أو صادقوه أو أسهموا معه في الثورة أو شاركوه مسيرتها ، أو ناضلوا تحت قيادته، أو كانوا له أعواناً ومستشارين وجنداً .. الخ ، يحسبون على عبد الناصر تبعاً لعلاقة كل واحد منهم به وموقعه منه .. ولكن هذه العلاقة أو الموقع لا تؤهل أياً منهم " بالضرورة " ليقول أو يقال عنه أنه ناصري ..
" الناصري " لا ينتي إلى عبد الناصر ولكنه ينتمي إلى " الناصرية " بخصائصها التي ذكرناها وبالتالي فإن كل الذين لم يكملوا المسيرة مع عبد الناصر إلى أن بلغت ذروة نضجها فتخلوا عنها في مراحل سابقة على وفاته، أو كل الذين أكملوا المسيرة معه " موظفين " تحت قيادته ثم توقفوا بوفاته، أو كل الذين اهتبلوا فرصة وفاته فتنكروا لمسيرته أو ارتدوا عنها أو حاولوا الرجوع إلى المواقع الفكرية والتطبيقية التي كان عبد الناصر قد تجاوزها .. كل أولئك ، بالإضافة إلى الذين ينقضون بناءه لبنة لبنة لا يستحقون أن يكونوا ناصريين ولا ينسبون إلى الناصرية مهما كانت علاقاتهم الحميمة والقريبة والطويلة مع عبد الناصر... أما الذين توقفوا فكراً وحركة بوفاة عبد الناصر ويقضون أيامهم الراكدة يجترون أفكاره ويترحمون عليه فاولئك " لا شيء " أنهم يبعدون عن حركة الحياة كلها بعد عام 1970 عن الحاضر المتجدد أبداً..
على ضوء هذا، ما هو الموقف " الناصري " من مشكلة الديوقراطية في مصر ؟
نحدد أولاً عناصر المشكلة كما تركها عبد الناصر ، وحلها وأسلوب الحل :

المشكلة والحل:
قبل أن يغيب عبد الناصر كانت مشكلة الديموقراطية في مصر قد وصلت إلى الوضع الآتي :
(أولأ) كانت الثورة في نطاق اتجاهها الديموقراطي العام ، قد رفضت المفهوم الليبرالي للديموقراطية أي عدم تدخل الدولة في حل مشكلات الشعب (1952) وأقلعت- بعد تجربة فاشلة- عن التدخل خدمة للرأسمالية فاتجهت إلى التخطيط الشامل من أجل حل التنمية بقيادة القطاع الخاص (59 / 1960) فلما نكص القطاع الخاص (الرأسمالية الوطنية) عن أداء دوره الوطني أخذت بالتنمية الاشتراكية (1961) ونجحت نجاحاً فائقاً في الحد من الفقر الذي هو أعتى عقبات الديموقراطية إلى أن تعرضت لعدوان 1967 وأصيبت بهزيمة قاسية فاتجه عائد التنمية المتزايدة ، أو أغلبه، من خدمة رفع مستوى المعيشة إلى خدمة إعادة بناء القوات المسلحة وحرب الاستنزاف واستطاع القطاع العام فعلاً أن يوفر كل الامكانات المادية والمالية والتكنولوجية التي استعملها جنودنا في حرب اكتوبر 1973.
وكان حل مشكلة الفقر حلاً نهائياً ، باعتباره قيداً على الممارسة الديموقراطية يقتضي مزيداً من التحول الاشتراكي ومزيداً من سيطرة القطاع العام ومزيداً من " اقتصاد الحرب " لتستطيع الدولة أن تزيد من معدلات التنمية والحفاظ على المقدرة العسكرية في الوقت ذاته.
(ثانياً) وكانت الثورة، في نطاق اتجاهها الديموقراطي العام ، قد قضت أو أضعفت أعداء ديموقراطية الشعب من الاقطاعيين (1952- 1961) والرأسمالية الكبيرة الصناعية والتجارية والزراعية عام (1961) والمؤسسة العسكرية الارهابية (1968) ولم يبق إلا البيروقراطية التي تضخمت وتكثفت سلطاتها وأفلتت من المسؤولية عن طريق إسناد أعمالها أو تغطيتها بالسلطات المركزية الكبيرة التي خولها الدستور 1964 لرئيس الجمهورية.
وكان حل هذا الجانب من المشكلة يقتضي الحد من سلطات رئيس الجمهورية وتوزيعها على أجهزة الدولة ليكون شاغل كل سلطة مسؤولاً عن ممارسة سلطته بدون احتماء أو اختفاء وراء أسم وهيبة رئاسة الجمهورية.
(ثالثاً) وكانت الثورة في نطاق اتجاهها الديموقراطي العام ، قد خطت خطوات كبيرة نحو تحرير الفلاحين والعمال ( 1952 - 1961 ) ، وعزلت أعداء الشعب ( 1963 - 1964 ) وأستعملت كل الأساليب التي خطرت على بالها لإخراج الشعب من سلبيته، بالتعلم والثقافة والإعلام والتنظيم (هيئة التحرير / الاتحاد القومي / الاتحاد الاشتراكي العربى) ، وأقرت للشعب المنظم بسلطات دستورية محدودة في دستور 1956، وبسلطة السيادة في دستور 1964 ، ولكن البيروقراطية المتحالفة مع الرأسمالية الطفيلية، اغتصبت تلك المؤسسات الشعبية وسيطرت عليها وسخرتها لمصالحها فأصبح كل منها ، منذ نشأته وإلى أن قضى أداة تابعة للسلطة التنفيذية .
وكان حل هذا الجانب من المشكلة يقتضي رفع يد الحكومة عن الاتحاد الاشتراكي العربى ، واستقلاله عن السلطة التنفيذية، ليستطيع أن يباشر حقوقه السيادية على كل السلطات .

حدة المشكلة:
كانت تلك هي الجوانب الرئيسية لمشكلة الديموقراطية في مصر كما انتهت إليها عام 1970 وكانت تلك هي حلولها الواجبة والممكنة. وبالرغم من أن ثورة 1952 وثورة 1961 كانتا قد تقدمتا خطوات كبيرة نحو حل مشكلة الديموقراطية - كما أوضحنا من قبل- على وجه لا تمكن مقارنته بما كانت عليه مصر منذ حكم الفراعنة حتى حكم الملوك، فإن المشكلة، مشكلة الديموقراطية كانت قد زادت حدتها أضعافاً مضاعفة عام 1970 عنها عام 1952 أو ما قبله من أعوام .
لماذا؟
لأن حدة المشكلة، أية مشكلة، لا تتوقف على حدها الموضوعي بقدر ما تتوقف على الوعي بها. نعني وعي الناس بالتناقض بين ما يريدون وبين ما هو متحقق لهم فعلاً . الحد الأول من التناقض وهو الإرادة التي يخلقها وينميها الوعي عامل أساسي في مدى الشعور بحدة المشكلات الاجتماعية بمعنى أنه مهما تحقق للناس من تقدم مادي أو سياسي أو ثقافي أو اجتماعي فإن وعيهم بما يريدون وإرادة تحقيقه هو الذي يحدد في النهاية الشعور بعمق التناقضات الاجتماعية وما إذا كانت قد زادت أو خفت وانتهت. وحين يسبق وعيهم تقدمهم تزداد المشكلة حدة بالرغم مما يكونون قد أصابوه من تقدم . كالذي يعاني مشكلة استرداد دين يحسبه قليلاً فيرضيه مايسترده إلى أن يعرف أنه كان ضحية " نصب " وان حقه أكثر مما استرد فيصبح أكثر معاناة لمشكلة الاختلاس بالرغم مما أسترد . كالفلاحين القانعين برضا " السادة " يتبينون أنهم ليسوا عبيداً ولا الآخرون سادة فيصبحون أكثر شعوراً بحدة مشكلة القهر والعبودية. كالعمال الذين يكتفون بما يعطيهم رب العمل من أجور فيقال لهم إن القطاع العام ملك للشعب، ملككم، فيصبحون أكثر شعوراً بتسلط الإدارة . كالجماهير السلبية الراكدة اللامبالية بالنشاط السياسي، تنتظم في مؤسسة شعبية لها سلطة السيادة فتشعر بحدة مشكلة الاستبداد وهي ترى البيروقراطية قد استولت على تنظيمها..
ولقد استطاعت الثورة، بأساليب شتى، منذ 1952 حتى 1970، ان تحرك الركود الاجتماعي والسياسي وأن تفتح عيون النائمين وتوقظ طموح القانعين وتعلم الناس أن لهم حقوقاً مسلوبة منذ حين . وتولت انجازاتها المحسوسة في التنمية في فتح شهية البشر لمزيد من الرخاء باعتباره حقاً لمن ينتجه . وتولت أجهزتها الإعلامية- باقتدار فائق- القضاء على كل شك في مبدأ " المساواة " وأن تدخل في نطاق إدراك المغبونين أن لهم حقوقاً لم يكونوا من قبل يعرفون أنها لهم . ولقد حاولت الثورة - طوال عمرها- أن تحقق للشعب مزيداً مما يريد ولكن نجاحها في التوعية والإيقاظ كان أكثر بكثير من نجاحها في الفعل والانجاز. وبالتالي فإن مشكلة الديموقراطية كانت تزداد حدة مرحلة بعد مرحلة منذ 1952 لأن وعي الناس بمعوقات الديموقراطية كان يزداد عمقا مرحلة بعد مرحلة منذ 1952 بالرغم من أن الثورة قد رفعت منذ 1952، عقبات كثيرة في كل مرحلة من مراحلها.
وتضاعفت حدة مشكللة الديموقراطية حين تضاعف عدد المصريين خلال عمر الثورة . فهذا جيل جديد هو جيل الثورة، قد أصبح صلب التركيب الاجتماعي وبدأ يربي على يديه جيلاً ناشئاً بعده ، قوامه الأخوة الصغار. وجيل الثورة لم يرث من الجيل الذي سبقه " كنز القناعة " الذي لا يفنى والذي دفنته الثورة. والمساواة عنده بديهية إنسانية كما علمته الثورة . ولم يعرف أحد منه " عز " امتلاك الابعديات وسكنى السرايات ودولة المليونيرات والأمراء والأميرات والبكوات والباشوات ، فذلك عالم قضت عليه الثورة . وهو قد سمع وتعلم فآمن بقيم الحرية والمساواة والتقدم والديموقراطية فهو يعاني أكثر من اي جيل مضى مما يمس هذه القيم أو يحول دون تحويلها إلى حياة فعلية . لأنه يعرف - أكثر من أي جيل مضى- إن تلك حقوق له لا بد لها من أن تصبح واقعاً يحياه . ولقد تمرد، أوكاد أن يتمرد؟ هذا الجيل، حين كان ناشئاً ، على الثورة وقائدها عام 1968، لأن التناقض بين ما كان يريد وما وقع فعلاً كان أكثر حدة مما عرفه أي جيل آخر. ولم يتوقف كثيراً ليعرف أنه جيل تحقق له ما لم يكن يحلم به أي جيل قبله. تحققت له أولاً وقبل كل شيء فرصة أكبر للافلات من الموت في سن الطفولة (هبطت نسبة الوفيات إلى تسعة في الألف حتى سن الرابعة) بفضل رفع مستوى المعيشة والخدمات الصحية وإمداد القرى بالمياه النقية والخدمات العلاجية والدوائية المجانية للعمال فأصبح هذا الجيل حين أدرك سن الخامسة عشرة يمثل نصف عدد الشعب تقريباً . وقد كانت نسبة مرتفعة من الأجيال السابقة يحول الموت مبكراً دون أن تواكب جيلها. وفرص التعليم المباح بدون أجر والجامعات المفتوحة لكل قادر ذهنياً بدون قيد، والعمل ينتظره فور تخرجه بدون أن يعرض نفسه لمهانة " النخاسة " فلا يباع ويشترى وتحدد له المنافسة الحرة في سوق العمل سعره، كما كان يحدث لأجيال قبله.. وبدون أن يعرض أهله لمذلة استجداء التوصيات من البكوات والباشوات ليحصل على عمل كما كان يذل أهل جيل قبله. لم يتوقف جيل الثورة عند كل هذا لأن ذاتها لم تترك فرصة أو مناسبة لتعليمه وإن كل ما قدم إليه ليس إلا بعض حقه من وطنه وإنه لم يسترد بعد كل حقوقه فطالب- بجسارة صاحب الحق- بما يستحق كاملاً . و لم يزل .
من بين الانجازات الديموقراطية للثورة كان هذا الانجاز " البشري " أروعها ، لأنه استولد الشعب العملاق جيلاً يقظاً . واليقظة الشعبية أولى شروط الديموقراطية نظاماً والديموقراطية ممارسة. وهكذا، حين وافت سنة 1970 كان في مصر شعب أكثر تمسكاً بحقه في الديموقراطية من شعب 1961 ومن شعب 1956 ومن شعب 1952 لأن موجة الوعي الشعبي كانت في تصاعد مستمر منذ 1952 بفعل الثورة ذاتها. وكان لا بد أن تحل المشكلة الديموقراطية في شعب شبابه جيل يقظ متوتر لا يقبل أنصاف الحلول أو الانتظار.
إنه الجيل " الناصري "...
وكان حل مشكلة الديموقراطية في مصر يقتضي التعامل مع هذا الجيل وإتاحة الفرصة له ليتحول من جيل عريض من الأفراد إلى قوة منظمة محررة من رواسب الماضي لتقود المسيرة الاشتراكية والديموقراطية .

الأسلوب:
في بيان أسلوب حل مشكلة الديموقراطية تتجلى قمة نضج موقف عبد الناصر من فهم المشكلة وحلها. عبد الناصر هنا " عالم " متمكن من المعرفة الصحيحة بمشكلة الديموقراطية. تقوم معرفته على الوعي بمعطيات موضوعية غير مشوبة بأية أوهام " مثالية ". وهو أكثر وعياً من أية مرحلة سابقة بالبعد التاريخي لمشكلة الديموقراطية ، وبكيفية حلها ، وبالقوى القادرة على إنجاز هذا الحل وبأساليب حركتها في نضالها الطويل من أجل الديموقراطية..
(1) في يوم 12 نوفمبر 1964 قال عبد الناصر : " احنا ما بقيناش دولة اشتراكية ، ولا يمكن أن احنا نقول ان احنا النهارده دولة اشتراكية . احنا في مرحلة انتقال من الرأسمالية إلى الاشتراكية ". فإذا تذكرنا انه كان قد قال من قبل في يوم 9 يوليو 1960: " هناك.. اتصال عضوي بين الاشتراكية والديموقراطية حتى ليصدق القول بأن الاشتراكية هي ديموقراطية الاقتصاد وأن الديموقراطية هي اشتراكية السياسة ".. إذا تذكرنا هذا تكون خلاصة موقف عبد الناصركما انتهى إليه ان مصر ليست دولة ديموقراطية لأنها ليست دولة اشتراكية . وأنها في مرحلة انتقال من الديكتاتورية إلى الديموقراطية لأنها في مرحلة انتقال من الرأسمالية إلى الاشتراكية وأن الديموقراطية في مصر في العالم الثالث النامي- كما قلنا في بداية هذا الحديث، ليست نظاماً نموذجياً قابلاً للتطبيق بالأمر ولكنه نضال طويل يتقدم خلاله الشعب من خلال الوعي والممارسة نحو الديموقراطية.
(2) في خلال مرحلة التحول هذه لا يعني تجريد أعداء الديموقراطية الاشتراكية أسلحتهم أنهم غير موجودين : لا : " الرجعيين موجودين والرأسماليين موجودين ومستنيين أي غلطة ويتلقفوها .. المجتمع الاشتراكي في مرحلة الانتقال من الرأسمالية المستغلة إلى الاشتراكية لم يتوصل إلى التخلص من آثار الاقطاع والرأسمالية والبيروقراطية (عبد الناصر في 12 نوفمبر 1964) . " يمكن جردناها من أسلحتها وجردناها من أموالها ولكن هذه الطبقة لا زالت موجودة .. لسه عايزه عشرات السنين لغاية ما تنقرض هذه الطبقة " (عبد الناصر في 24 ديسمبر 1964) . " فيه حزب رجعي وحيفضل موجود بدون إعلان وبدون ترخيص وعارفين بعض واتلموا على بعض ومنظمين قوى " (عبد الناصر في 16 مايو 1965) . " إن المشكلة هي أن العناصر المضادة للثورة موجودة داخل الاتحاد الاشتراكي وهي عناصر حركية ونحن ينقصنا داخل الاتحاد الاشتراكي نفسه العناصر الحركية المخلصة.. وفي رأيي أن الاتحاد الاشتراكي بوضعه الحالي لا يستطيع أن يقوم بالعمل السياسي ولا بتحقيق تحالف قوى الشعب العاملة. لأن الأعضاء الموجودين فيه اليوم يمثلون عناصر ثورية وعناصر مضادة للثورة . (عبد الناصر- مفهوم العمل السياسي- 1965) .
(3) " فما هو الحل ؟.. هل نمسك بالاقطاعيين والرأسماليين والرجعيين ونذبحهم ونقول نخلص من شرهم ؟ .. سيقولون إن هذا ليس طريقنا ولا سبيلنا. إن الحل لهذا هو أن تتجمع القوى الاشتراكية وتتعارض وتنظم لتتصدى بكل قوة لمحاولات القوى الرجعية " (عبد الناصر في 12 نوفمبر 1964). " قد نستطيع أن نتغلب على هذا النقص بالوسائل الإدارية ونقول ايه دي وسائل إدارية ثورية ولكن أعتقد أن مرحلة الوسائل الإدارية انتهت .. ولا بد أن نعتمد على الوعي الكامل للشعب العامل " (عبد الناصر في 16 مايو 1965).
(4) " الحل هو أن يكون لدينا كادر وحزب ".. يجب إذن أن نعمل على أساس هدف .. هل الهدف أن نقيم تنظيماً على الورق.. طبعاً لا.. لأن وجود التنظيمات على الورق لا يحقق هدفنا.. وأنا أعتقد أن الهدف الأساسي هو أن ينشط الاتحاد الاشتراكي كاتحاد جماهيري يجمع كل الجماهير... وفي نفس الوقت نخلق تنظيماً سياسياً " . " وإذا اعتبرنا أن عملنا يجب أن ينحصر في العمل السياسي في الوقت الحاضر حتى نستكمل تشكيل الحزب ". " اننا نريد الحزب الاشتراكي داخل الاتحاد الاشتراكي وبدون هذا الجهاز السياسي الذي أسميه الحزب الاشتراكي فلن نستطيع أن نقود الجماهير أو أن نتصدى للقوى المضادة " (عبد الناصر- مفهوم العمل السياسي- 1965) " إحنا حاطين في الاتحاد الاشتراكي تسعة مليون، إذن يجب أن ننظم القوى الاشتراكية الثورية في كادر سياسي أو في تنظيم سياسي، من داخل الاتحاد الاشتراكي، وبهذا نستطيع فعلاً أن نقيم بنيان التنظيم السياسي ودي عملية سايرين فيها دلوقتي... ".

التوقف :
في آخر خطاب عام ألقاه الرئيس الراحل جمال عبد الناصر يوم 22 يوليو 1970 لم يذكر كلمة واحدة عن الديموقراطية. والواقع أنه بالرغم من إصداره بيان 30 مارس في أوائل عام 1968 فإنه منذ هزيمة 1967 كان قد تفرغ وأعطى كل فكره وجهده .. ثم أخيراً حياته.. لحل مشكلة التحرير التي تفاقمت بعد الهزيمة بحيث نستطيع أن نقول مطمئنين إلى أن تجربة الديموقراطية كما قادها عبد الناصر توقفت عند 1967. وليس أدل من هذا أنه بالرغم من أنه كان قد شكل لجنة موسعة يوم 30 مايو 1966 لوضع الدستور الدائم . وكانت توالي مهمتها، فإنه في بيان 30 مارس استفتى الشعب على تأجيل وضع الدستور الدائم إلى ما بعد إزالة آثار العدوان فوافق الشعب على التأجيل حتى " لا يعلو صوت فوق صوت المعركة ".
وفي 28 سبتمبر 1970 توفي الرئيس الراحل جمال عبد الناصر تاركاً مشكلة الديموقراطية وحلولها الممكنة وأسلوب حلها عند الحدود التي أوردناها من قبل . ورشح الاتحاد الاشتراكي العربى الرئيس أنور السادات للرئاسة ، فرشحه مجلس الأمة ، واستفتى عليه رئيساً . وفي شهر مايو 1971 بدأ الصراع في القمة . كان الموضوع " الظاهر " للصراع هو إقامة اتحاد ثلاثي بين مصر وليبيا وسوريا. وعرض الأمر على اللجنة التنفيذية العليا وانقسم الرأي وكان الرئيس السادات في صف الاقلية . فاجري تعديل على مشروع الاتحاد يتفق مع رأي الأغلبية فحظي المشروع بالموافقة الإجماعية. ولكن رئيس الجمهورية رأى أن وراء الأكمة ما وراءها فأطاح بالذين عارضوه .. ثم حل جميع المؤسسات الشعبية والدستورية التي رشحته نفسها لرئاسة الجمهورية وكشف فقال إن! كانت كلها، منذ إنشائها، مصطنعة. ثم أعاد إنشاءها مجدداً وأصدر دستور 1971 (11 سبتمبر 1971) فجاء الدستور مضيفاً إلى السلطات التي كانت مخولة للرئيس جمال عبد الناصر سلطات لا مثيل لها في أي دستور مصري سابق أو أي دستور نعرفه في العام . وبذلك تكثفت أكثر من ذي قبل السلطات التنفيذية في يد رئيس الدولة. أما الاتحاد الاشتراكي العربى فقد أصبح - حين صدور دستور- 1971 تجمعاً من الناس على الورق وفي المقرات يفتقد عنصرين من عناصر تكوينه. أولهما التنظيم السياسي داخله والثاني اللجنة التنفيذية العليا لم تشكل أبداً . فكان هو أيضاً اتحاداً شتراكياً عربياً لا يمت بصلة قريبة أو بعيدة لا بالاتحاد الاشتراكي العربى كما جاء في الميثاق ودستور 1971 ولا بالاتحاد الاشتراكي العربي الذي كان قائماً قبل مايو 1971.. وكانت تلك فترة توقف طالت إلى أن يرى الرئيس كيف يكون الاتحاد الاشتراكي العربي.. خلال فترة الانتقال هذه طرحت مشكلة الديموقراطية في مصر للمناقشة، وكان الذي تولى طرحها الرئيس أنور السادات نفسه كما قلنا في بداية هذا الحديث وبالرغم من كل المواقف المختلفة و المتنوعة فقد كان الاختبار الأساسي محصوراً بين أمرين : الأمر الأول : تكملة " المشوار " الديموقراطي الذي بدأه عبد الناصر انطلاقاً من آخر ما وصلت إليه المشكلة وحلولها الممكنة، التي أوردناها من قبل.
الأمر الثاني، إلغاء التجربة والاختيار من جديد..
وكانت صعوبة الاختيار، التي أثارت كثيراً من الجدل ، إن وراء الاختيار الديموقراطي كان يكمن الاختيار الاشتراكي... فكيف كان اختيار الرئيس أنور السادات ..؟ إن الإجابة تخرجنا عن موضوع حديثنا. وموضوع حديثنا عن عبد الناصر ومشكلة الديموقراطية في مصر.. وليس عن أنور السادات ومشكلة الديموقراطية في مصر..

على هامش التجربة:
هناك موضوعان يمثلا جزءاً بارزاً مما يكتبه المؤرخون أو أصحاب المذكرات وهم يتحدثون عن عبد الناصر ومشكلة الديموقراطية في مصر. و مع ذلك فإننا لم نعطهما مكاناً في هذا الحديث :
أولهما: الجرائم التي ارتكبت ضد بعض المواطنين الذين قبض عليهم خلال مراحل متفرقة من حكم عبدالناصر.
ثانيهما : الصراع بين عبد الناصر قائد الثورة و بين الشيوعيين والاخوان المسلمين وماصاحبه من أحداث كانت في بعض الحالات دموية.
لم نتحدث عن الموضوع الأول لأن ما وقع اكان جرائم . وهي جرائم معاقب عليها بأقصى العقوبات إلى حد الإعدام بمقتضى ذات القوانين التي تشكل ركناً من أركان نظام عبد الناصر.. والجرائم تقع في كل مجتمع وفي كل نظام ولولا هذا لما وجدت القوانين الجزائية و المحاكم والسجون .. ولكنها، مهما بلغت بشاعتها ، لا تؤثر في طبيعة النظام ذاته. ثم أن تلك الجرائم قد تحدد مسئوليتها قضائياً على عاتق الذين كانوا في ظل حكم عبد الناصر يناهضونه ويقيمون دولتهم العسكرية فوق دولته المدنية. ثم، إذا قيل إنه لم يفعل شيئاً ، نقول ، إن عبد الناصر هو الذي صفى المؤسسة العسكرية، وقدم أعضاءها إلى المحاكمة. وفي حياته قضي على شمس بدران عميد المجرمين في القوات المسلحة، وصلاح نصر عميد المجرمين في المخابرات العامة بعقوبات جسيمة بعد محاكمات عادلة. والذي نعرفه أن الرئيس أنور السادات قد أمر بالافراج عنهما وإخراجهما من السجن .. ليتقدم المجنى عليهم، مرة أخرى ، ويأخذون موقف عبد الناصر فيخاصمونهما لدى القضاء الذي يعيد الحكم عليهما مرة أخرى .. وليس في كل هذا ما يمكن أن يغير الموقف من الديموقراطية..
ولم نتحدث عن الصراع بين عبد الناصر قائد الثورة وبين الشيوعيين والإخوان المسلمين أولاً لأننا لا نحبذ النفاق وثانياً لأن ذلك الصراع لا علاقة له بمشكلة الديموقراطية في مصر وثالثاً لأن الصراع على السلطة ليس لعبة رياضية. إن كلأ من الشيوعيين والاخوان المسلمين كان حزباً منظماً يواجه دولة منظمة يقودها عبد الناصر وقد قدر الشيوعيون والإخوان المسلمون ودبروا وخططوا وجهزو ا وأعدوا ما استطاعوا من عدة لإسقاط عبدالناصر عنوة والاستيلاء على السلطة . ولو نجح أي منهما فيما دبر وخطط لقدموا عبد الناصر وكثيراً من رفاقه إلى المشانق ، أو لنجحت محاولات اغتياله .. اختاروا إذن قواعد الصراع بالعنف فتحداهم إليها وسحقهم بدلاً من أن يسحقوه . وقد يكون من حقهم الانساني أن يتألموا.. ولكنهم لا يستطيعون أن ينسبوا إلى عبد الناصر أن خالف قواعد الصراع التي اختاروها . ولا علاقة للشعب في مصر بتلك القواعد وصراعاتها الدموية من أجل الاستيلاء على الحكم .. أي لا علاقة لتلك القواعد وصراعاتها بمشكلة الديموقراطية في مصر فلا توجد دولة في العالم تقبل أن يسقطها أعداؤها بالعنف خشية أن تتهم بأنها غير ديموقراطية .
كل هذا على هامش التجربة وليس من صميمها فلا يستحق أن يذكر.
و أخيراً :
فلقد اجتهدنا ولكل مجتهد نصيب .. من الرضا أو من السخط . ونحن نقبل نصيبنا أياً كان نوعه لأننا ما أردنا- منذ البداية- أن نرضي أحداً أو أن نغضب أحداً . وما يزال باب الاجتهاد مفتوحاً ... لمن يريد.
القاهرة مايو- يوليو 1977
دكتور عصمت سيف الدولة


الفهرس
مقدمات
لماذا قامت ثورة 1952..........................
خطان في الحركة الوطنية........................
القيود.. و الحدود
البحث عن الطريق.....
تحرير الفلاحين …..
أسطورة المستبد العادل.................
حجر في الماء الراكد..............................
السلطة، كل السلطة، للشعب.....................
النقد... و النقد الذاتي...........................
دروس مرة لمن يريد أن يتعلم.....................
الشعب... الشعب... من هو الشعب............
ثورة التصحيح .................................
النجاح... و الإخفاق...........................


خاتمة..