المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : كيف دخلنا الزمن الأصولي بعد الزمن اللّيبرالي؟ - بقلم : هاشم صالح


إبراهيم إسماعيل
14-05-2009, 12:44 AM
http://www.aqwasmag.com/images/hashemsaleh.gif

كيف دخلنا الزمن الأصولي بعد الزمن اللّيبرالي؟

جمال عبد الناصر وعشرون سنة من حياة الثقافة العربية

شغل جمال عبد الناصر فترة عشرين سنة تقريبا من تاريخ مصر والعرب: أي منذ بداية الخمسينات وحتى بداية السبعينات. وفي هذه المرحلة كانت الايديولوجيا السائدة هي القومية العربية المتلونة بألوان الاسلام اولا، ثم بألوان الماركسية والاشتراكية ثانيا. وبالتالي ففترة عبد الناصر متمايزة بالفعل عن غيرها وتقع بين فترتين: فترة العصر الليبرالي الذي ازدهر في مصر وبعض البلدان العربية الأخرى ما بين الحربين العالميتين (1921 ـ 1952)، وفترة العصر الاصولي الذي ابتدأ مباشرة تقريبا بعد موت عبد الناصر عام 1970. وبالتالي فلكي نفهم موقع عبد الناصر على الخارطة السياسية والايديولوجية العربية ولكي تقيم منجزاته سلبا او ايجابا ينبغي علينا اولا ان نطلع ولو بشكل سريع على الفترة التي سبقته والفترة التي لحقته..


الزمن الليبرالي العربي

لقد نسينا هذا الزمن كثيرا لأن الفترة الناصرية بكل شعاراتها وضجيجها الايديولوجي غطت عليه وطمسته. ولكن البعض اصبحوا يحنون إليه الآن ويتأسفون على الزمن البرلماني، والانتخابات الحرة، والصحافة التعددية ذات الاصوات المختلفة ان لم نقل المتعارضة، والاحزاب السياسية التي تعبر عن تيارات المجتمع المختلفة الخ.... اصبحنا نَحِنٌّ الى زمن احمد لطفي السيد، ومحمود حسنين هيكل، وسلامة موسى، وابراهيم عبد القادر المازني، وطه حسين وتوفيق الحكيم، وقاسم أمين، وعباس محمد العقاد وعشرات غيرهم. فآنذاك لم تكن ادلجة الثقافة قد حصلت كما حصل في عهد عبد الناصر.

والواقع ان هذه الفترة البرلمانية الملكية من تاريخ مصر على الرغم من فساد حكامها ووقوعهم تحت سيطرة الانجليز المباشرة او غير المباشرة وتحكم الاقطاعيين وكبار العائلات والباشوات بمقدرات البلاد وثرواتها، إلا انها شهدت ازدهارا ثقافيا مدهشا. فالصحف اليومية والمجلات الاسبوعية او الشهرية ظهرت بكثرة في تلك الفترة. وقد حظيت بهامش من الحرية لا يستهان به. ولم يكن يبدو عليها طابع التلقين الايديولجي كما حصل للصحافة العربية بعد الخمسينات والستينات في ظل الانظمة الثورية ذات الحزب الواحد والقائد الاوحد!.

وعندما نعود الى تلك الفترة فإننا ندهش بسبب غنى المناقشات الثقافية التي ظهرت فيها. وهي مناقشات تمت عادة بين انصار القديم وانصار الجديد. او بين التراث والحداثة كما نقول الآن. نضرب عليها مثلا تلك المناقشة التي جرت بين مصطفى صادق الرافعي وطه حسين. ومعظم ممثلي تيار التجديد كانوا قد تلقوا جزءا من تعليمهم في اوروبا. وبالتالي فكانوا يدافعون عن الرؤية الليبرالية، أي الاوروبية الحديثة، بالمعنى الواسع للكلمة. وكانوا يدافعون عن الحرية الفردية في الفكر والسلوك، وعن نظرية التطور على طريقة سبنسر او داروين، وعن النظام الاجتماعي العلماني، وعن مقدرة العلم الحديث على تحقيق التقدم والسعادة للمجتمع ككل. وبما انهم كانوا يدافعون عن العلمانية وحرية التفكير والتعبير والنشر فإنهم اصطدموا بالمحافظين والازهر وبقية المؤسسات التقليدية الراسخة منذ زمن طويل. ومن اهم المناقشات التي شغلت مصر آنذاك تلك المناقشة التي دارت حول كتاب علي عبد الرازق "الاسلام واصول الحكم" 1925. فقد شجعه الغاء اتاتورك للخلافة على اصدار هذا الكتاب والقول بأنه لا توجد مشروعية دينية لنظام الخلافة في الاسلام. وزاد على ذلك بأن الخلافة كنظام سياسي اثبتت فشلها واظهرت مساوئها عبر التاريخ. وبالتالي فلا اسف على الغائها ويمكن تنظيم الحكم في العالم الاسلامي وبالتالي في مصر بطريقة اخرى وبدونها. واما المناقشة الثانية فقد دارت حول كتاب طه حسين "في الشعر الجاهلي" 1926. وفيه يطبق المنهج التاريخي على النص القرآني ويعامل بعض القصص الواردة فيه على اساس انها اساطير.. وقد اثار الكتاب ضجة واسعة في الاوساط الجامعية والثقافية المصرية.

وقد عوقب علي عبد الرازق على نشره لهذا الكتاب من قبل الازهر. فقد فصلوه من لجنة كبار العلماء. واما طه حسين فقد اضطر الى سحب النسخة الاصلية لكتابه من السوق وحذف بعض مقاطعها وتعديلها ونشرها من جديد. وهوجم هجوما شديدا من قبل الاوساط المحافظة.

ثم تراجعت الافكار الليبرالية بعد تأسيس جماعة الاخوان المسلمين عام 1928 دون ان تختفي. فقد شنوا هجوما عنيفا على القوانين المستمدة من اصول غربية، وكذلك على النظام البرلماني الذي هو غربي ايضا. ودعوا الى تبني القوانين الاسلامية بشكل كامل وتطبيقها بحذافيرها على المجتمع المصري. ولكن في الجهة المضادة كانت هناك الحركات الاشتراكية المصرية والنقابات العمالية وكانت تدعو الى حلول غربية لمشاكل مصر، ولكنها تأخذ من الغرب فلسفته الاشتراكية لا الليبرالية. ولكن القطيعة بين اليمين المصري واليسار المصري لم تكن نهائية. فبعض شكاواهم من الوضع القائم ومقترحاتهم لمعالجته كانت متشابهة. والشيء الذي يجمع بين الاخوان واليساريين هو معاداتهم للنظام الملكي البرلماني الذي تهيمن عليه طبقة الباشوات وحزب الوفد. وكانوا مجمعين على القول بأنه فشل في حل المشاكل الاجتماعية والاقتصادية لمصر. ولكن هذا لا يعني ان المرحلة الليبرالية كانت كلها سلبية. فالواقع ان الثلاثين سنة من الحكم الليبرالي (1922 – 1952) شهدت حرية فكرية كبيرة ربما لم تشهدها مصر في أي فترة أخرى. ويمكن القول بأن الكثير من التوجهات المصرية اللاحقة قد زرعت بذورها في العصر الليبرالي. ونلاحظ أن الكثير من المصريين يحنون الآن الى تلك الفترة التي شهدت كل هذه الحرية في التعبير عن الأفكار الفلسفية والسياسية والاجتماعية، وفي التفاعل الخصب بين هذه الأفكار. ويمكن للمصريين المعاصرين ان يستعيدوا الجوانب الايجابية لتلك الفترة ويطوروها ويبنوا عليها مستقبلا ديمقراطيا حقيقيا.



الزمن الناصري

وهو يتموضع كما قلنا بين زمنين، الزمن الليبرالي والزمن الأصولي، لذلك واحتراما للتدرج الزمني فإني سأتحدث عنه قبل التوصل الى الزمن الأصولي الذي تعيشه مصر والعالم العربي حاليا ومنذ ثلاثين سنة: أي منذ وصول السادات الى الحكم وانقلابه على العهد الناصري. وهكذا تتوضح لنا معالم الأزمنة الثلاثة بشكل أفضل، ومن خلال التسلسل الزمني المنطقي.

قلنا بأن الزمن الناصري استغرق عمليا عشرين سنة من حياة مصر والعرب. فهل انتهى كليا بموت جمال عبد الناصر؟ نعم ولا. نعم اذا كان المقصود بذلك انحسار ذلك الحلم الكبير الذي تجسد في أهم شخصية سياسية عربية شهدها القرن العشرون. نعم اذا كان المقصود به انهيار الآيديولوجيا الديماغوجية، وسياسة الحزب الواحد، وكل تلك البلاغيات الخطابية والتهويلات والشعارات التي سيطرت على السياسة العربية خلال تلك الفترة.

لا، اذا كان المقصود به موت كل أثر للناصرية. فالتيار الناصري، أو القومي العربي، سوف يستمر ليس فقط في مصر وانما في انحاء شتى من العالم العربي. نقول ذلك وان كانت قاعدته الشعبية قد تقلصت كثيرا وحلت محله الحركات الأصولية. فالتجييش الشعبي الهائل الذي كانت الناصرية قادرة عليه في حياة الزعيم، انتقل الى الحركات الأصولية بالذات. ولكن التيار الناصري لن يستمر فعلا إلا اذا تبنى اللغة العقلانية في السياسة وتخلى عن اللغة الانفعالية والعاطفية. وبالتالي فينبغي ان يجري عدة تعديلات على ذاته اذا ما اراد ان يستقطب الناس ويتحول الى تيار سياسي قوي، كما ينبغي عليه ان يعترف بالتعددية الأقوامية داخل العالم العربي، ويتخلى عن النزعة الشوفينية العنصرية. مهما يكن من أمر فإنه بعد أكثر من ثلاثين سنة على الموت المفاجئ أو المباغت لجمال عبد الناصر، فإن ذكراه لا تزال رازحة في الذاكرة الشعبية والفلاحية والحضرية، وكذلك ذكرى الانقلابات والزعزعات التي حصلت في الخمسينات والستينات من القرن العشرين. لا تزال صورة البطل ماثلة في الأذهان وان كانت قد شحبت بمرور الزمن. لا تزال تمثل لحظة رومانطيقية رائعة في الوجدان السياسي للعرب.

ولكن المرحلة الرومانطيقية في الحب لا تدوم كما نعلم، وانما تتلوها عادة المرحلة الواقعية. فبعد السكرة جاءت الفكرة كما يقول المثل العامي. وتصفية الحسابات ابتدأت تقريبا مباشرة بعد موت عبد الناصر، فالمعارك اشتعلت بين ورثة عبد الناصر وحزب الوفد الليبرالي الذي كان مسيطرا على السياسة المصرية قبل ظهور الزعيم. ومعلوم ان حزب الوفد بعث من مرقده وعاد الى الحياة السياسية من جديد واصبحت له صحافته وتياره الثقافي. واما العلاقة مع الاخوان المسلمين فتبدو اكثر صعوبة بسبب الدم المسفوك أثناء العهد الناصري. ولكن توجد محاولات لاقامة جسور بين الطرفين من خلال المصالحة بين التيار القومي والتيار الاسلامي.

واما العلاقة مع اليساريين أو الشيوعيين – أو من تبقى منهم – فتحاول تجاوز ذلك التناقض الذي حكم علاقتهم بعبد الناصر. فقد دعموه باسم التقدمية على الرغم من أنه القاهم في السجون وعذبهم في مرحلة من المراحل.

وهناك ايضا نقاش داخل التيار الناصري نفسه بين الجيل القديم والجيل الجديد. فالأول يقول بأن المحصلة الختامية للعهد الناصري ايجابية، والثاني يركز على السلبيات ويتجرأ على نقدها.

مهما يكن من أمر، وسواء احببنا عبد الناصر أم كرهناه، فإن الانقلاب العسكري الذي حصل عام 1952، كان أكثر من انقلاب، كان ثورة بالفعل، وقد شكل قطيعة في تاريخ مصر والعرب. بهذا المعنى فإن جمال عبد الناصر سوف يبقى في تاريخ العرب على الرغم من كل السلبيات والتجاوزات التي حصلت في عهده.

ينبغي العلم ان المجتمع المصري كان قد بقي منذ اقدم العصور وحتى عشية الثورة الناصرية دون أي تغيير يذكر، فالسادة أصحاب القرار هم من اصل تركي وألباني، والمنفذون ينتمون الى الطبقة العليا ذات الامتيازات سواء أكانوا من الأقباط أو المسلمين او حتى الأجانب. وبالتالي فالثقافة بقيت حتى مجيء عبد الناصر حكرا على البورجوازية الكبرى المشكلة من بقايا الارستقراطية التركية، الأقباط، والسوريين ـ اللبنانيين المسيحيين من حيث اصولهم، وبعض اليهود.

هذه أشياء نسيناها الآن نحن الذين لم نعرف الا العهد الناصري وما تلاه. في الواقع ان الثقافة في مصر كانت كوسموبوليتية طيلة قرن كامل قبل ثورة يوليو. هل نعلم ان معظم افراد هذه الطبقة العليا التي تتحكم بالشعب المصري لم تكن تتكلم العربية؟! معظمهم كانوا يترددون على مدارس البعثة الفرنسية ويكملون بعدئذ دراستهم الجامعية في باريس أو اكسفورد ويحتقرون الشعب المصري في اعماقهم، او ينظرون اليه نظرة استعلاء.

وبالتالي فحتى مجيء عبد الناصر كانت هذه الطبقة المتميزة تتكلم الفرنسية او الانجليزية بمن فيهم الملك فاروق نفسه الذي لم يكن يعرف من اللغة العربية الا ألفاظ الشتائم!

بالاضافة الى هذه البورجوازية الكوسموبوليتية راحت تنشأ بورجوازية وطنية. وتحت قيادة سعد زغلول (1919) راحت هذه البورجوازية الوطنية تخوض معركة الاستقلال وتناضل ضد الاستعمار. ولم تكن هذه البورجوازية تخوض معركتها باسم العروبة، وانما باسم مصر فقط. العروبة لن تزدهر إلا في عهد عبد الناصر. وهنا تكمن ميزته الثانية ايضا. فقد عود الشعب المصري على حب العروبة والتعلق بها. مصر كانت تشعر بأنها أمة لوحدها، لها طبقتها البورجوازية والعمالية ولها تاريخها الخاص. وبالتالي فالشيء الذي كان سائدا آنذاك هو الوطنية المصرية لا القومية العربية. القومية العربية اختراع حديث العهد في مصر.

ولكن حتى البورجوازية الوطنية كانت مستديرة بأنظارها نحو الغرب. وكانت مثقفة جدا ومهذبة ومتحضرة ومتأثرة بالتيارات الفكرية الغربية. وخلال نصف قرن من العهد الليبرالي كانت التيارات الفلسفية والادبية والسياسية والفنية تجيء من فرنسا وايطاليا وانجلترا. وكان المثقفون في اغلبيتهم من الناطقين بالانجليزية او بالفرنسية او بهما معا. وبالتالي فالثقافة والفكر كانا في ايدي الاجانب. وأما من يمتلكون الثقافة المزدوجة، أي العربية والاوروبية، فكانوا يعانون من عقدة النقص تجاه الثقافة الاجنبية ويحاولون تقليدها او التحدث بلغتها لإرضاء السادة الحاكمين او الطبقة العليا في المجتمع. كان المصري آنذاك يخجل بنفسه او من نفسه حتى جاء عبد الناصر وأشعره بكرامته: ارفع رأسك يا أخي!

في ذلك الوقت اصدر طه حسين كتابه مستقبل الثقافة في مصر سنة 1937 حيث دعا الى ارتباط مصر بالثقافة الاوروبية من خلال البحر الابيض المتوسط. وقد اعتبر المحافظون دعوته نوعاً من الخيانة للشخصية العربية ـ الاسلامية لمصر.. وأعتقد انهم ظلموه لانه اذا كان يوجد شخص راسخ في العروبة والاسلام، فهو طه حسين ولكن هذا لم يمنعه من الانفتاح على الحضارة الحديثة، وهنا تكمن عظمته واستنارته الفكرية.

ان هذه البورجوازية الوطنية المتأثرة بالفرنسيين والانجليز هي التي اعطت لمصر خيرة عقولها طلية نصف قرن. فرجال السياسة المصريون والديبلوماسيون واساتذة الجامعات والمحامون والاطباء والكتاب والشعراء والصحافيون كلهم خرجوا من صفوفها. كلهم كانوا من ابناء العائلات كما يقال.

ولكن ماذا حصل بعد ثورة عبد الناصر؟

بعد عام 1982 راحت البورجوازية الكوسموبوليتية ـ أي المشكلة من عناصر اجنبية ـ تترك البلاد، او تعود الى قراها ومزارعها البعيدة عن القاهرة، لكن بعد ان فقدت الكثير من ارضها بسبب الاصلاح الزراعي الذي دشنه زعيم مصر الجديد الخارج من اعماق الصعيد، من "بني مر".

وأما البورجوازية الوطنية فقد انضمت في قسم كبير منها الى عبد الناصر بعد مؤتمر باندونغ 1955. وهناك قسم آخر كان يكرهه في البداية، لكنه انضم اليه بعد العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، لماذا انضموا اليه؟ لانه بدا بطلا قوميا ووطنيا كبيرا بعد صموده امام العدوان الغادر والاستعماري، ثم لأن العدوان بدا للبورجوازية المصرية المتشبعة بحب اللغة والثقافة الفرنسية وكأنه خيانة من طرف فرنسا.

وكانت النتيجة انه حصل رد فعل ضد كل ما هو اجنبي في مصر. ورد الفعل هذا كان طبيعيا ومشروعا في البداية، لكن للاسف فانه تجاوز حده فيما بعد كأي رد فعل، وتحول الى شعارات وقوالب ايديولوجية ديماغوجية. وانعكس بشكل سلبي على الفكر والثقافة والتعليم الجامعي. فالجامعة المصرية طُهِّرت من خيرة عناصرها، والكتَّاب الكبار اصبحوا مضطرين إما للسكوت وإما لمراعاة النظام والايديولوجيا الجديدة. وهكذا ضعف مستوى البحث العلمي في مصر. صحيح ان كمية المتعلمين ازدادت بسبب فتح المدارس الوطنية ولكن النوعية انخفضت. ولهذا السبب فان الفترة الناصرية لم تولد كتابا كبارا كما حصل في الفترة الليبرالية. فالكتاب الكبار من نوعية نجيب محفوظ او طه حسين او سلامة موسى او العقاد او توفيق الحكيم، كانوا قد ظهروا في الفترة الليبرالية وانتجوا فيها خيرة اعمالهم وان كان بعضهم قد استمر بعد الفترة الناصرية وانتج كتبا لا بأس بها (وبخاصة نجيب محفوظ). ولكن الزمن الناصري لم يتسطع ان ينتج كتابا في حجمهم ومستواهم.. هذه حقيقة لا يمكن انكارها.

في البداية كان عبد الناصر محبذا للتواصل الحضاري مع الغرب، لكن العدوان الثلاثي هو الذي جعله يقوم برد فعل عنيف تجاه كل ما هو فرنسي او انجليزي، لذلك يمكن القول بأن العدوان الثلاثي لم يدفع بعبد الناصر الى الارتماء في احضان السوفييت، وانما دفعه الى الانخراط في مغامرة الوحدة العربية. فبعدها لم يعد يتحدث إلا عن الأمة العربية، والشعوب العربية.. بعدها راح يصدر قرار التعريب الذي يجبر الشركات والمؤسسات العاملة في مصر على كتابة عقودها باللغة العربية لا بالفرنسية ولا بالانجليزية، كذلك فيما يخص عناوين المحلات التجارية واللافتات الموجودة في الشوارع او على واجهات المباني الرسمية. كل ذلك تم تعريبه، ثم اصدر قراراً مهما جدا فيما يخص التعليم عندما أمم المدارس الخاصة الاجنبية وأجبرها على تعليم نصف موادها على الاقل باللغة العربية لا بالانجليزية ولا بالفرنسية، ثم غيَّر مضامين البرامج لكي تتماشى مع الخط الوطني المصري والعربي.

هكذا راح عبد الناصر يسن القوانين الهادفة الى تشجيع التعريب والقضاء على النفوذ الاجنبي في البلاد. ووجه بذلك ضربة موجعة للبورجوازية المصرية المتولدة عن ثورة 1919 والمتمثلة سياسيا بحزب الوفد أساسا. وهي بورجوازية كانت انظارها تتجه دائما نحو الغرب: أي نحو فرنسا وانجلترا بشكل خاص. وأمر عبد الناصر بتعريب الثقافة وتأميمها وجعلها شعبوية لا نخبوية كما كان عليه الحال في الماضي. وهذه قرارات ايجابية بحد ذاتها لأن التعليم لم يعد حكرا على ابناء العائلات والطبقات العليا في المجتمع، لكن المشكلة هي ان عبد الناصر لم يجد الى جانبه شخصيات كفؤة لكي تنفذ هذه القرارات بشكل صحيح. او قل انه وجدها، لكن ليس بالعدد الكافي. وهكذا اضطر الى تسليم مسؤوليات ثقافية ضخمة الى اشخاص انتهازيين او ضعيفين من حيث التكوين الثقافي. وكانت النتيجة ان انخفض مستوى الثقافة المصرية في عهد عبد الناصر بالقياس الى العصر الليبرالي السابق. فما ربحناه كميا خسرناه نوعيا.

يضاف إلى ذلك أن قانون الرقابة الذي أصدر بداية الستينات كان عاما شاملا. وهو ينطبق على كل المطبوعات والمنشورات والطرود البريدية الداخلة الى مصر والخارجة منها. كما وينطبق على كل الرسائل، والمعلومات، والأفلام، والمسرحيات، والأسطوانات، الخ.. ويمكن للرقيب أن يوقف كل المراسلات ويتلف كل المطبوعات التي يعتبرها خطرا على أمن الدولة. كما ويمكنه تعليق الصحف أو مصادرة آلات الطباعة والنشر. ولم يعد مسموحاً بادخال أي كتاب أجنبي يتحدث عن مصر. كلها أصبحت مشبوهة. ومعظم المطبوعات السوفياتية كانت ممنوعة أيضا. ولم يسمحوا بأي ترجمة كاملة لأعمال كارل ماركس. وكان الرقيب يتصل بالصحف المصرية يومياً لتلقينها التوجيهات والأوامر: أي ما ينبغي نشره أو عدم نشره.

هكذا انغلقت الثقافة في مصر داخل اطار ضيق ومحصور جدا. ولم يعد مسموحا لك أن تتنفس فكريا خارج هذا الاطار المحروس بكل عناية. وبدءاً من تلك اللحظة أصيبت حرية الفكر في مصر بضربة موجعة لم تقم منها إلا بعد سنوات طويلة. وأصبح الكاتب الخارج على قانون الرقابة مضطرا إلى نشر مؤلفاته في بيروت، حيث كان هامش الحرية لا يزال موجودا.

أصبح الحزب الواحد أو الفكر الواحد هو السائد، وكل ما عداه متهم بأنه بورجوازي، أو رجعي، أو عميل!. هنا تكمن نواقص النظام الناصري. ولكن ألا يمكن القول بأنه كان مضطرا الى ذلك اضطرارا بسبب الأعداء الكثر الذين يتربصون به في الداخل والخارج؟

مهما يكن من أمر فإن أدلجة الفكر أو قولبته ايديولوجيا هي التي أدت الى شيوع اللغة السياسية الفارغة والمملة أو الطنانة الرنانة التي تقول كل شيء ولا تقول شيئا يذكر. وهي التي أفقدت الخطاب الناصري، وكذلك البعثي والشيوعي، مصداقيته في أواخر الستينات وفتحت المجال لانتصار الخطاب الأصولي بدءا من السبعينات. فإذا كانت الناصرية تمثل ثورة سياسية واجتماعية، فإنها لم تستطع أن تكون ثورة فكرية. صحيح أن عبد الناصر أعطى توجيهات جديدة لاصلاح الأزهر وتحديثه، ولكنه لم يتجرأ على احداث ثورة داخل الفكر الاسلامي نفسه. وربما كان الكفاح ضد الاستعمار واسرائيل، ومواجهة أعدائه في الداخل وبخاصة جماعة الاخوان المسلمين قد شغله عن ذلك. فهو لا يستطيع أن يقوم بكل شيء دفعة واحدة. وقد كانت هناك مهام ملحة وعاجلة ينبغي القيام بها. والانقلابات التي أحدثها النظام الناصري لا يستهان بها. ولكن الانقلاب الأساسي الذي يخص الفكر العربي الاسلامي لم يحصل. ولهذا السبب استطاع الأصوليون أن يحتلوا الساحة من جديد بمجرد أن تعب زخم الايديولوجيا الناصرية. أو بمجرد أن غاب عبد الناصر عن الساحة.

ما الذي نقصده بثورة داخل الفكر؟ نقصد القراءة النقدية لكل الماضي العربي الاسلامي على ضوء المنهجية التاريخية والعلمية أو على ضوء العلوم الانسانية. وهذه القراءة هي التي ستحرر العقول من الوعي الخاطئ والعقلية الغيبية أو التقليدية. وهي التي قام بها فلاسفة التنوير في أوروبا، والتي لم تحصل عندنا حتى الآن. وعلى الرغم من أن عبد الناصر كان مستنيرا من الناحية الدينية وذا رؤية عقلانية وتقدمية الا أنه لم يستطع أن يفرض هذه الرؤية على عامة الشعب المصري. ولكن هل كان عنده الوقت الكافي للاهتمام بهذه المسألة؟ وهل كان يمتلك الثقافة الواسعة والعميقة لاحداث ثورة داخل الفكر الديني؟ بالطبع لا. ولا يمكن أن نطالبه بذلك. حسبه وكفاه ما فعله وأنجزه. ولكن يمكن أن نطالبه بتشجيع المفكرين الموجودين على القيام بذلك. وهذا ما لم يحصل الا جزئيا. ولذلك استطاعت الحركة الاصولية أن تستعيد مواقعها بعد موته مباشرة وأن تحتل الساحة من جديد كما قلنا. لقد حارب عبد الناصر الحركة الاصولية سياسيا وأمنيا وانتصر عليها، ولكن مؤقتا. ولكنه لم يعرف كيف يحاربها فكريا وعقائديا ويبلور تفسيرا آخر للاسلام غير تفسيرها. ولذلك انتصرت عليه في نهاية المطاف. فسرعان ما عاد الأخوان المسلمون لاحتلال الساحة بعد وفاته مباشرة. لا ريب في أن عبد الناصر أدخل العلوم الحديثة كالهندسة والطب والفيزياء الى الجامع الأزهر وساهم في تحديث التعليم داخله، ولكن طريقة تعليم المواد الدينية لم تتغير كثيرا. وبالتالي فالتحديث كان شكليا أو سطحيا أكثر مما كان عميقا. وفي الواقع أن عبد الناصر استخدم علماء الأزهر ومشروعيتهم وقاعدتهم الشعبية كسلاح من أجل مواجهة شعبية الاخوان المسلمين ومن أجل قمعهم سياسيا.

ولكن طريقة فهم الدين لدى الأزهريين أو لدى الاخوان المسلمين تظل واحدة أو متشابهة جدا في نهاية المطاف. ولهذا السبب فقد التقوا مع بعضهم بعضا بكل بساطة وسهولة بعد موت الزعيم. وشكلوا الاطار الحقيقي أو التربة الخصبة لنمو الحركات الأصولية بعد السبعينات.

وفي الختام يمكن القول بأن التفاوت الاجتماعي بين الفقراء والأغنياء تناقص في عهد عبد الناصر قياسا الى العصر الليبرالي السابق له، عصر الباشوات والعائلات. وأما في ما يخص التعليم ومحو الأمية فإن التقدم الذي تحقق لا يستهان به. نقول ذلك على الرغم من أن النوعية لم تكن دائما جيدة. فعدد التلاميذ تزايد ثلاث مرات قياسا بالسابق. وعدد التلميذات تزايد بنسبة ست مرات. وقد كان عدد التلاميذ عام 1937 مليونا وثلث المليون فأصبح عام 1960 مليونين وثلثا تقريبا بمعنى أنه دخل المدرسة في عهد عبد الناصر ما لا يقل عن مليون تلميذ زيادة عن السابق.

وأما عدد التلميذات فقد اصبح في عهد عبد الناصر عام 1960 (210000) هذا في حين أنه لم يكن يزيد على (44000) عام 1937. وهذه زيادة ضخمة وتحسب للعهد الجديد. فقد اهتم بفتح المدارس ونشر التعليم على أوسع نطاق ممكن. هذا في حين أن التعليم كان مقتصرا في العهد الملكي السابق على الطبقات الغنية والوسطى في المدن خصوصا. وأما أبناء الأرياف فكانوا مهملين ما عدا أبناء الملاك الكبار أو المتوسطين.

وبالتالي فيمكن القول بأن قطاع التربية والتعليم توسع كثيرا في عهد عبد الناصر على كافة المستويات من ابتدائية وثانوية وجامعية. وأما نسبة الأمية فكانت قبل وصول عبد الناصر الى السلطة مباشرة تصل الى 65 بالمائة من أبناء الشعب المصري، ولكنها في نهاية عهده تقلصت إلى نسبة 35 بالمائة فقط. وهذا تقدم باهر يحسب له.

في الواقع ان جمال عبد الناصر كصعيدي ينتمي الى البورجوازية الصغيرة بل وحتى إلى الفلاحين فيما يخص أعمامه وأخواله كان حساسا جدا لمسألة الفقر وضرورة الاهتمام بالفقراء. وبالتالي فالمضمون الاجتماعي لثورته لم يكن يقل عن المضمون السياسي. كان يريد أن يرتفع بالطبقة الفقيرة إلى مستوى مقبول من الحياة الكريمة. كان البرنامج الثوري الناصري يهدف الى تقليص الظلم أو التفاوت الطبقي في كافة المجالات.

فيما يخص التعليم الجامعي كان التزايد بنفس النسبة، ولكن الأدلجة أضرت بأقسام العلوم الانسانية والفلسفة. فبسبب عداء النظام للغرب فإنه راح يحتقر الفكر الغربي ذاته. وهذا خطأ كبير. فالعلوم الانسانية لم تعد لازمة في نظره لأن الايديولوجيا تحل محلها بكل بساطة.. والفرق بين الايديولوجيا والعلوم الإنسانية هو أن الايديولوجيا تشكل عن الواقع رؤية جزئية، ناقصة بالضرورة. ولكنها رؤية ملونة بألوان زاهية، جميلة، وردية. ولا غرو في ذلك فهي تهدف الى تجييش الجماهير وتعبئتها بالدرجة الأولى. أما العلوم الانسانية فتهدف الى تحليل الواقع بشكل علمي، واقعي، حتى لو أعطى هذا التحليل عنه صورة باردة أو مخيبة للآمال.



الزمن الأصولي

كنا قد تحدثنا عنه اكثر من مرة طيلة الصفحات السابقة، وبالتالي فلا داعي لتكرار ما قلناه سابقا. كل ما نريد اضافته هو أن الأصولية هي وحدها التي استطاعت أن تجيش الجماهير بالملايين مثلما كان يفعل عبد الناصر، وهذا ما عجزت عنه الأحزاب اليسارية أو التقدمية أو الماركسية. والواقع أن غيابه ترك فراغا كبيرا لم يستطع أحد أن يملأه الا الحركات الدينية. وهكذا حلت يوطوبيا جديدة قادرة على تحريك الجماهير محل اليوطوبيا القديمة. ولكي نكون أكثر دقة فسوف نقول بأن الايديولوجيا الدينية حلت محل الايديولوجيا القومية العربية. وهذا الأمر يعتبر انتقاما كبيرا للاخوان المسلمين من عبد الناصر والناصرية. ولكنه انتقام مؤقت في رأيي لأن موجة الحركات الأصولية أخذت تنكسر الآن بعد أن بلغت ذروتها في أواسط التسعينات. فقد فشلت حركات الاسلام السياسي في الوصول الى السلطة الا في بلد واحد هو إيران. وحتى هناك انقسمت الى اصلاحيين ومتشددين. ومن المتوقع أن ينتصر تيار التحديث في النهاية. كما فشلت الحركات الأصولية في تنفيذ برنامجها المشدود دائما الى الخلف. وبالتالي فلا يراعي المستجدات التي طرأت على المجتمعات العربية والإسلامية نتيجة احتكاكها بالحداثة الغربية.

والأسئلة المطروحة الآن هي التالية:

1 ـ ما هي الايديولوجيا التي ستحل محل الايديولوجيا الأصولية بعد انحسارها عن الساحة وفقدان شعبيتها ومصداقيتها نتيجة تورطها في اعمال العنف والإرهاب على المستوى المحلي والدولي؟

2 ـ كيف يمكن الخروج من العصر الايديولوجي العربي بنسختيه: القومية والدينية؟

3 ـ أين هو الفكر العربي الجديد القادر على تحقيق هذا الخروج؟

4 ـ لماذا سيطرت الايديولوجيا على الثقافة في العهد الناصري خلافا لما حصل في العهد الليبرالي؟

5 ـ هل الحل يكون في العودة إلى ما قبل الزمن الناصري والزمن الأصولي: أي الى الزمن الليبرالي؟

البعض يعتقد ذلك. ولكن العودة فقط لا تكفي. فالحضارة الحديثة تجاوزت العصر الليبرالي العربي بكثير. وهناك تساؤلات وقضايا جديدة لم تكن مطروحة سابقا. وبالتالي فإن العودة الى عصر سلامة موسى وطه حسين وأحمد لطفي السيد سوف تكون مفيدة من أجل الاستئناس بها ومعرفة منجزاتها. ولكن ينبغي تجاوز تلك المرحلة عن طريق الاطلاع على ما حصل من مستجدات معرفية في ساحة الفلسفة والعلوم الانسانية بعدها: أي طيلة نصف القرن المنصرم. فالعصر الليبرالي العربي هو استحياء أو تقليد للحداثة الكلاسيكية للغرب: أي حداثة القرن التاسع عشر في الواقع. ولكننا نعلم أنه حصلت ثورة معرفية في نصف القرن الماضي. وبالتالي فلا بد من قراءة العصر الليبرالي العربي على ضوئها.

وهكذا نعرف نواقصه وانجازاته في آن معا. وهذا ما يمكننا من البناء عليه والاضافة له. مهما يكن من أمر فإن جو الحرية الفكرية والتعددية الذي كان يسوده ينبغي أن نستعيده لكي نتخلص من الجو الخانق للايديولوجيا سواء أكانت قومية عربية على طريقة عبد الناصر أم أصولية متزمتة على طريقة الاخوان وسواهم..

وفي الختام يمكن القول بأن الفكر العربي لن ينهض فعلا إلا اذا أحدث القطيعة الابستمولوجية (أي المعرفية العميقة) مع المسلمات الايديولوجية للناصرية، ومع المسلمات اللاهوتية للأصولية. وهذا لا يعني أنه ينبغي أن يتنكر للعروبة والاسلام. وإنما يعني أن يفهمهما بشكل آخر، بشكل جديد تماما. ينبغي على الفكر العربي لأول مرة أن يتنفس بشكل حر خارج اطار المسلمات المسبقة أيا تكن. فهل يستطيع؟ وهل يسمح له الجو المحيط بذلك؟ بعض المثقفين يفكرون بإنشاء مركز للترجمة والدراسات والبحوث في جنيف أو باريس أو لندن لكي يتمتعوا بجو الحرية الفكرية بشكل كامل. وبعدئذ يمكنهم أن ينتقدوا الماضي ويفككوه ويغربلوه لكي نتحرر من رواسبه وأصفاده وتصبح الانطلاقة الحضارية عملية ممكنة وعندئذ يمكننا أن نتحرر لأول مرة من الشعارات القومجية التي وصلت الى حد الفاشية في عهد صدام حسين. ومعلوم انهم أنكروا وجود التعددية الاقوامية في العالم العربي ووصل بهم الأمر الى حد نفي وجود الأكراد في المشرق والبربر الأمازيغ في المغرب باعتبار انهم عرب حوَّلهم الاستعمار الى أكراد وبربر!! وهذه هي أكبر كذبة ايديولوجية ارتكبتها القومية العربية ذات الطابع الفاشي في هذا العصر. فانكار التنوع والتعددية في المجتمع يؤدي الى انكار الحقيقة التاريخية، الشيء الذي يقود مباشرة الى الفاشية. فالأكراد والبربر من أقدم الشعوب في التاريخ مثل العرب ولهم الحق في الاحترام والتقدير.