معتصم الحارث الضوّي
31-12-2007, 12:31 AM
يوتوبيا توماس مور صحيفة إيلاف الإلكترونية – 20 يونيو 2006 د. نجم عبد الكريم الأخ عثمان العمير كثيراً ما يوصيني بالإكثار من الجرعات الثقافية المتمثلة في التراث الإنساني، ويرى أن إعادة التذكير بها لها فوائد كثيرة.. فالذين كانوا قد قرأوها، تجدد لديهم ما كانوا قد قرأوه، والذين سمعوا بها كعناوين فقط تعطيهم لمحة موجزة عن ذلك التراث. ويرى الصديق عثمان أن هذا النوع من الكتابات ليس سهلاً ولكنه مهم جداً لقراء إيلاف. وقد سبق أن نشرت العديد من الموضوعات الثقافية والفكرية والتي تحمل أفكاراً لعبت دوراً في تغيير مسارات الحضارات الإنسانية.. وعليه فسوف أواصل إنشاء الله في هذا الاتجاه.. ولعل "يوتوبيا" توماس مور تعد واحدةً من المحطات الهامة في تاريخ الفكر الإنساني.. *** (توماس مور) أحد أبرز الكتاب الذين أسسوا المدرسة الرمزية في الكتابة، بيد أن رمزيته هذه تتسم بطابع الواقعية وإن كانت تختار صوراً من الخيال ابتعاداً عن المباشرة، الخيال هنا يكون وسيلة للتعبير غير المباشر في ظلّ مرحلةٍ خطيرة من مراحل التطور الاجتماعي للثقافة المقيدة بقيود سياسية. والـ (يوتوبيا) تعد أهم أعماله التي اشتهر فيها فقد أثار ولا زال يثير جدلاً في أوساط المفكرين والساسة على حدٍ سواء، لا لأنه أول من التقط التفاوت والتباين الاجتماعي بين الحكّام والرعية أو بين الفقراء والأغنياء أو بين المال والإفلاس، وإنما لأنه استطاع أن يجسد ظواهر اجتماعية قسّمت المجتمع إلى فئات وطبقات بصورة بارزة مما أدى إلى وجود الأشكال القسرية في النظم الحاكمة. لذلك فإن أكثر ما دفعه لتأليف كتابه هذا هو مناقشة الواقع بصورة غير مباشرة من خلال اختلاق بلدٍ وهميّ سمّاه ( يوتوبيا) وفي هذا البلد رُتبت الحياة بصورة لائقة وإنسانية متطورة، ربما تكون نموذجاً لأي بلدٍ ينشد إقامة مجتمع العدل والمساواة والرفاهية والسعادة. وكلمة "يوتوبيا" تعني في اليونانية القديمة (البلد الذي لا وجود له) ولكنها اكتسبت معنىً جديداً فيما بعد هو (المدينة المثلى) أو (المدينة الفاضلة) . وكان مور يحرص على نقد الملك الحاكم في بريطانيا وكذلك القانون الذي كان يسود بلاد الإنكليز من خلال هذا الكتاب، فضلاً عن عرض مفاهيمه وأفكاره الاشتراكية الطوباوية في صياغة أسس المجتمع الجديد. كان يحاول في اليوتوبيا أن يصلح الأخطاء الاجتماعية في عصره، وقد لقيت هذه الفكرة مزيداً من النقد الشديد وكاد النقّاد يجمعون على أن توماس مور قليل الخيال مألوف الأفكار لا يقدّم للقارىء شيئاً جديداً ولا يواجه الحقيقة الواقعة بشكل مفهوم ومباشر، بيد أن الفرق الذي يميز كتابه هذا وكتاب أفلاطون حول المدينة الفاضلة والمسمى "جمهورية أفلاطون" هو أنه قصد إصلاح الحياة في بلاده وتقويمها، قبل أن يقصد إلى تصوير دولةٍ مثلى كما فعل أفلاطون في جمهوريته، ومن هنا فإن النقص ربما سببه هذه الناحية القابلة للمزيد من الخيال لأنها لا تتعلق بظواهر اجتماعية معاشة وإنما تتعلق بصورة كيانٍ وهمي صنعه العقل الخيالي . * لقد انتشرت يوتوبيا توماس مور، انتشاراً واسعاً بين أوساط القرّاء في ظروف ازدياد حركة الاستعمار البريطاني أو الاكتشافات الجغرافية للبلدان والـقارات الأخرى الجديدة، حيث كان الناس يتسابقون لشراء أي كتاب يتناول البلاد المجهولة والبعيدة سواء كانت من مكتشفات الحقيقة أو من مكتشفات الخيال. وكان بعض الكتاب يميلون إلى مخاطبة عقول الناس من هذه النافذة المؤثرة للوصول إلى أكبر عددٍ ممكن من المتلقين للثقافة الإنسانية، وعلى هذا المنوال كانت "يوتوبيا" مور رحلةً خيالية إلى جزيرة أنشأها خيال الكاتب، ولكن هذه الرحلة كانت في حقيقة الأمر رحلةً إلى عقل المجتمع الإنكليزي آنذاك. * تناولت يوتوبيا توماس مور ظواهر عديدة ومشاكل متنوعة، كان الكاتب يبحث فيها بلغةٍ جذّابة بغية تقديم الحلول المقبولة لكل سؤالٍ مطروح، وربما أحدثت هذه الطريقة ردود فعلٍ واسعةً في أوساط المتابعين، وكذلك ردود فعلٍ خطيرة في الوسط الحاكم آنذاك وعلى رأسه الملك هنري الثامن، الذي تعامل مع (مور) بطريقتين مختلفتين أولهما تقّربه للبلاط في محاولة مستميتة ومستمرة ومن ثم ومع تطور الأمور والمواقف ورسوخ ( مور)عند آرائـه، تغيــرت الحالة، حيث انقلب عليه الملك ورمى به في مرحلة ثانية إلى الإعدام. لقد حاول ( مور) في يوتوبياه أو (مدينته الفاضلة) تصوير ثلاثة أغراض، أولاً : مناقشة الأوضاع المزرية التي تسود إنكلترا وأوروبا آنذاك وانتقادها بصورةٍ لاذعة والكشف عن المساوىء الاجتماعية في نظم الحكم السائدة. ثانياً : أن يضع مفاهيمه في دولةٍ مثلى قائمةٍ على أسس إنسانية واجتماعية متطورة وفريدة، ثالثاً : أن يكشف طبيعة الفساد في الأخلاق والسياسة والقوانين في بلده ويقارنـها في بلدٍ وهميّ هو ( يوتوبيا ) الذي استطاع أن يؤسس مجتمعاً إنسانياً رفيع المستوى. وانصبّ همُّ (مور) على مناقشة البطالة أو العطالة المقنعة من خلال عرض مشكلة أوقات الفراغ، ومن يتحمل عبء هذا الوضع هل هم الأغنياء أم الفقراء، عارضاً محاسن مبدأ المساواة أو العدالة الاجتماعية، حيث كان من أشد المتحمسين لها، كما عرض ولأول مرة مبدأ تحديد مدة العمل بستّ ساعاتٍ. وناقش أيضاً تأثير العقل في تحديد أسس السياسة القومية والعلاقات الدولية ، وأشار إلى : أن على الأمة أن تهتدي بالعقـل في سياستها الداخلية وفي علاقاتها مع سائر الأمم، وهو المبدأ الوحيد الكفيل بحماية الإنسانية من الكوارث والآلام. كما دعا في أكثر من موضع من يوتوبياه إلى محو الذهب والفضة من الحياة الاقتصادية، وهذه الدعوة، ربما نجد أصداءً لها في وقتنا الراهن، حيث تظهر بين الحين والآخر آراء الاقتصاديين في بلدان مختلفة تطلب استبدال قاعدة النقد القائمة على الذهب بالمعادن أو العناصر الأخرى. • لقد بدأت فكرة كتابة "يوتوبيا" عند ( توماس مور) في لحظة محددة، وهي اللحظة التي عاد فيها سفيراً يتفاوض في هولندا في بعض الشؤون السياسية بينها و بين بلاده ، وذلك عندما تطورت الخلافات بين ملك انكلترا (هنري الثامن) وملك كاستيل (شارل)، وعاد (مور) إلى بلاده بعد فشل المفاوضات فشرع في تأليف هذا كتابة فكرته (اليوتوبيا) التي يعدّ واحدةً من الأسباب الأخرى التي كلفته حياته. تخيل (توماس مور) أنه حيث أرسله هنري الثامن سـفيراً مفاوضاً في هولندا، التقى هناك رجلاً اسمه (هتلوداي)، عرف منه أنه سافر في رحلةٍ طويلة إلى جزيرة مجهولة يطلق عليها "يوتوبيا" فأعجب بما فيها من نظم اجتماعية وخلقية وسياسية، وهو يريد أن يذيع في الناس قصة (هتلوداي) كما سمعها منه، لعلها تهديهم في إصلاح بلادهم. ويستهل مور كتابه برسالة يزعم أنها لصديق يعرف (هتلوداي) صاحب القصة فيرجوه أن يقابل هذا الرجل ويعرض عليه مسوّدة الكتاب قبل نشره خشية أن يكون فيه شيء من الأخطاء، لأنه حريصٌ على أن يخرج للناس صحيحاً صادقاً. وهو يقر لصديقه في هذه الرسالة أنه حتى بعد تحقيق الكتاب وإثبات صحّته، يتردد في نشره لأنه يعلم أن الكثرة الغالبة من الناس فاسدة العقل مختلفة التفكير لأنها جاهلة لم تصِب قسطاً موفوراً من العلم، بل أن الأقلية المتعلمة نفسها تحتقر الحق وتزدريه، فماذا عساه أن يفيد بنشر الكتاب وهو يكاد يثق أنه لن يصادف عند القوم إلا الازدراء، وما أهون أن تتناوله ألسنة النقد الهدّامة فيقضي عليه ناقدٌ بكلمة واحدة يرسلها بين رنين الكؤوس، دون أن يكلف نفسه عناء القراءة فضلاً عن البحث والتفكير، ثم يبدأ (مور) بعد ذلك في رواية القصة، التي قسّمها إلى قسمين هما: الكتاب الأول، والكتاب الثاني، حيث يشرح في الكتاب الأول الظروف التي أحاطت به في مرحلة العمل مع الملك هنري الثامن الذي أرسله للتفاوض في هولندا، وكيف التقى (بروفائيل هتلوداي) صاحب القصة الحقيقي الـذي أخذ يسرد عليه من خلال المناقشة والحديث وضع الجزيرة المثلى وطبيعة الحياة فيها. أما في الكتاب الثاني، فقد تناول نظم الجزيرة المختلفة، وخلال ذلك أراد إيصال مفاهيمه الاشتراكية إلى القارىء والتأثير في الحياة السياسية والاجتماعية السائدة آنذاك. في الجزء الأول من "يوتوبيا" يسرد (مور) حكاية التقائه مع (هتلوداي)، ويقول: "أدّيت الصلاة ذات يومٍ في كنيسة جميلة البناء وسرت في طريقي عائداً إلى الدار فأبصرت (بطرس) - وهو صديق مور ومرافقه إلى التفاوض في هولندا - يتحدث مع رجلٍ تقدمت به السن، بشرته ضاربة إلى السمرة من لفحة الشمس وله لحية طويلة بيضاء، وكان يتلفح بثوبٍ فوق كتفيه، وما كدت أراه حتى رجّحت أن يكون بحّاراً. فلما رآني بطرس أقبل نحوي مسرعاً وحيّاني، فكدت أطلب إليه أن يقدم إلي محدّثه لولا أنه أسرع فأنبأني بأنه كان يعتزم أن يصطحب ذلك الرجل إلى داري، فأجبته أنهما يحلاّن أهلاً وسهلاً لما يكنّه صدري من حبّ (لبطرس). فقال لي: "إنك لن تجد بين الناس من يتحدث إليك حديثاً أحلى وأشهى من حديث هذا الرجل فهو يروي لك قصصاً ممتعةً عن شعوبٍ مجهولة زارها بنفسه وبلادٍ عجيبةٍ رآها بعينه، وأنا أعلم أنك راغبٌ في مثل هذه الأنباء". أما ذلك الرجل فهو (روفائيل هيتلوداي)، كان عالماً باللغة اللاتينية ضليعاً في اليونانية، وأنفق أيامه في دراسة الفلسفة، وقد دفعه حب الرحلة إلى اصطحاب (أميركومسبوتش) - مكتشف أمريكا - في رحلاته الثلاثة الأخيرة، ولكنه لم يعد مع (أمريكو) في ثالثها، بل آثر البقاء في أرض (كيلايك) مع أربعة وعشرين رجل سواه تركهم (أميركو) هناك، وقد آثر (روفائيل) البقاء في تلك البلاد ليضرب في أنحائها ويدور في أصقاعها لأنه يحب أخطار السفر أكثر مما يحب السلامة والعافية، ولم يكن يعبأ أن يدركه الموت في إحدى رحلاته قائلاً: "إن من لا قبر له، فالسماء غطاؤه، والطريق إلى الجنة بُعدها واحدٌ أينما صعدت إليها"، فلما غادره (أميركو) أخذ (روفائيل) ينتقل من بلدٍ إلى آخر مع خمسة من أهل (كيلايك) ثم انتهى آخر الأمر إلى بلدٍ رأى فيه مركباً راسياً من مراكب وطنه، فعاد على ظهرها. ثم يسترسل في سرد قصة (هتلوداي)، فيقول: "حين تخلف (هتلوداي) في أرض (كيلايك) بعد أن غادرها (أميركو فسبوتش)، لم يجد ما يحول دون مخالفته للناس ومعاشرتهم بعد أن كسب ودّهم وقلوبهم فعاش في ألفة ومحبة معهم، وأحبه رجلٌ ذو منزلةٍ عالية، فأمر أن تكون نفقات عيشـه وسائر رفاقه من حسابه، وزوّده برجلٍ يهديه إلى الطريق الصحيح أثناء رحلته، ويقدّمه إلى أمراء البلدان التي يمرّون بها ليهيء له حسن القبول. • وبعد رحلةٍ استغرقت أياماً جاء إلى مجموعة من المدن تسكنها شعوب غنية سعيدة محكومة بقوانين لا يجد النقد إليها سبيلاً، وقد عبر في طريقه إلى تلك المدن بصحارى فسيحة مترامية الأطراف تكاد أرضها تلتهب بحرارة الشمس التي لاتحول ولا تزول، فكل ما فيها مخيف مفزع كريه بغيض، وكل ما تقع عليه العين بها نابٍ ممقوت، ولا يسكنها سوى صفوف الحيوانات المفترسة والزواحف الفاتكة وأقوام من الناس لا يقلّون وحشية عن الحيوان والأفاعي، فإذا ما عبرت ذلك الإقليم المخيف، أخذ كل شيءٍ يعتدل أمام ناظريك ويتغير الهواء بليل عليل معتدل، والأرض يكسوها النخيل الأخضر، والحيوان طيّع ذلول، والناس يقيمون في المدائن ويحيون حياة نشيطة سعيدة. أخذ (روفائيل) يتحدث عن قوانين (يوتوبيا) ويقارن بينها وبين قوانين بلادنا فأبدى مهارةً عجيبة ودراية واسعة بنظم الحكم، فسأله (بطرس): "إني ليدهشني يا روفائيل أن تكون على هذا القدر من العلم ولا تلتحق بحاشية الملك، إني لعلى يقين أنـك تكون في بلاط الأمير درةً نادرة، وتعلو في تقدير الأمير لمّا يجد في حديثك عن البلاد العجيبة التي رأيتها من لذّة و امتاع، ولما يفيد من هداية بنصحك الخالص السديد في إدارة الحكومة، ومما تضع أمام عينيه من أمثلة صالحة، فأجاب (روفائيل): " بأنه لا يحب أن يستعبده ملك كائناً من كان"، فأعترض (بطرس) قائلاً: "إن الأمر لا استعباد فيه، بل ستصيب منصباً رفيعاً ومالاً كثيراً وجاهاً عريضاً تنفع به نفسك وأصدقائك، فأجاب روفائيل: مذا أصنع بالثروة وأنا أستمتع اليوم بحرية أين منها الملوك والأمراء، أفعل ما أشاء متى أشاء". .. ذكر (روفائيل) أنه أُعجب أشدّ الإعجاب حين مرّ بأرض إنكلترا فوجد أن اللص جزاؤه الإعدام، وعلّق على ذلك قائلاً : " إنه حكم يتجاوز حدّ العدل، فهو عقابٌ لا يمنع السرقة رغم قسوته، فما من عقوبة تنجح في منع السرقة وما أشبه الحاكم الذي يقتل السارق دون أن يهييء له العمل أولاً بالمدرّس الأحمق الذي يضرب تلميذه و لا يعلّمه شيئاً ". وقال : " انظر إلى هؤلاء السادة المالكين الذين لا يكفيهم أن يعيشوا بأنفسهم عيش البطالة بما يفرضون على مستأجري أرضهم من الأجور العالية، فتراهم يحيطون أنفسهم بحاشية من المتعطلين الذين لا يتعلمون صنعـة يكسبون بـها عيشهم، حتى إذا ما مات سيدهم أو أصابهم المرض شردوا لأن السادة يؤثرون الإنفاق على متعطل على الإنفاق في سبيل المرضى. ثم انظر يا صاحبي إلى الأشراف ورجال الدين كيف يبلغ بـهم الجشع في كسب المال أن يحولوا المزارع إلى مراعٍ لأن الرعي أدرّ للربح، فيشردون بذلك ألوف المزارعين رجالاً ونساءً وشيوخاً وأطفالاً فيضربون في الأرض يمدّون أيديهم طلباً لإحسان المحسنين، ولا تكتفي الحكومة بهذا فتطوح بهم في غياهب السجون لأنهم يسألون الصدقة ولا يعملون، إلا أن جشع الأقلية الغنية قد جرّ الخراب على البلاد، فتبطلٌ وتسولٌ وشقاءٌ وبؤسٌ في ناحية، وترفٌ وعربدةٌ وخمرٌ ومقامرةٌ وعهرٌ في ناحيةٍ أخرى". وأضاف : " لن يكون قتل اللصوص عادلاً إلا إذا هيأنا لهم عملاً بأن نخلص البلاد من بلاء الأغنياء المخيف، فلا نسمح لهم بطرد المزارعين من أراضيهم حتى نفسح ميدان العمل الشريف أمام من عضّهم الـفقر، فاضطروا إلى التسول أو السرقة… يا سيدي لست أظن من الحق والعدل أن نزهق النفوس البشرية من أجـل إزهاق المال، ورأيي أن خيرات الأرض كلها لا تساوي حياة إنسان واحد ". واستطرد : "إن الملك الصالح هو من احتقر اللذائذ الدنيئة وتخلّص من كبريائه وحاول ألا يوقع الأذى بأحدٍ من شعبه، وهو الذي يمنع أسباب الفوضى واعتداء الأفراد بعضهم على بعض بما يضع لهم من دقيق النظام،لا بأن يزيد أسباب الاعتداء ثم ينزل بالمعتدين العقاب ". خذها كلمة يا سيدي (مور)، ما دامت الملكية الفردية قائمة فلا رجاء في إصلاح، إلا إذا كان رأيك أن العدل يستقيم ميزانه إذا وضعت الأشياء في أيدي الأشرار أو إذا قسّمت الثروة بين نفرٍ قليلٍ من الناس وعاش الباقون في فاقةٍ وشقاءٍ … ويقيني الذي لا أشكّ فيه هو أننا لن نبلغ الكمال في توزيع الثروة إلا إذا حطّمنا قوائم الملكية الخاصة، فما دامت الملكية الفردية قائمة فسيبقى الفقر بعبئه الثقيل. نعم قد تخف وطأة شرّه ببعض الشرائع الحكيمة ولكن البلاء لا يزول ولا يقتلع من جذوره إلا إن أتينا على الملكية الخاصة فمحوناها محواً من الوجود ". أما الكتاب الثاني في (يوتوبيا) كما أسلفنا، فإنه تناول طبيعة الحياة القائمة في هذه (المدينة الفاضلة) وتقسيماتها ونظمها القانونية والسياسية والاقتصاديـة، مع تحديدٍ جغرافي ٍ طبوغرافي لهذه الجزيرة الخيالية، وبعد الوصـف الجغرافي لها يقول : " في جزيرة يوتوبيا أربع وخمسون مدينة كبيرة جميلة تتكلم كلّها بلسانٍ واحد ويلبس الأهلون جميعاً طرازاً واحـداً من اللباس، ولهم جميعاً خلق واحد، وتسود المدائن كلها نظمٌ واحدة وقوانين بعينها، ولا تبعد مدينةٌ عن أخرى أكثر من رحلة يومٍ واحدٍ مشياً على الأقدام، وعلى كل مدينة أن تختار من بين أبنائها شيوخاً ثلاثة فيجتمع شيوخ الجزيرة كلها معاً للتشاور في شؤون الدولة. وتنقسم المدينة إلى أسرٍ لا ينبغي أن تقلّ الواحدة منها عن أربعين شخصاً يخضعون جميعاً للرجل وزوجته اللذين لا بدّ أن يكونا عاقلين حكيمين تقدمت بهما السن، وعلى كل ثلاثين أسرة يقوم رئيسٌ أو حاكم. وتشترط الدولة على كل أسرة أن ترسل كل عام عشرين من أبنائها إلى مزارع الريف حيث يقضون الحول في فلاحة الأرض، حتى إذا ما مهر الجميع في الزراعة كان لكل واحدٍ الحق في البقاء في الريف إن أراد. أما واجب المزارعين فهو حرث الأرض و زرعها وتربية الماشية وقطع الأخشاب وإرسالها إلى المدينة، وهم يربّون قليلاً من الخيول لتربية الشبّان على الفروسية وركوب الخيل. وهم لا يزرعون إلا قمحاً لخبزهم، وأما شرابهم فنبيذ العنب أو عصير التفاح والكمّثرى أو الماء القِراح. ولا بدّ أن يزرعوا ما يزيد عن حاجة المدائن جميعاً ليصدّروا القدر الزائد إلى الأمم المجاورة. والمدن كلّها متشابهةٌ بحيث يكفيك أن تعرف واحدةٍ منها لتعرفها كلّها، أما المنازل فقد تلاصقت في فخامةٍ وجمالٍ، تمتد بينها طرقٌ لا يقل عرض الواحد منها عن عشرين قدماً، وزرعت الحدائق الغنّاء خلف الدور، وبكل منزلٍ بابان أحدهما يطلُّ على الطريق والآخر يفتح في الحديقة الخلفية وهي أبوابٌ يسيرة الفتح والإغلاق و لا يجوز لساكن الدار أن يغلقها بالأقفال والدرابيس حتى يتيسّر لمن شاء أن يمرّ خلالها. ولم يغلق صاحب الدار أبوابه وليس في الدار ما يملكه ملكاً شخصياً، هذا لأن أهل المدينة يتبادلون الدور أحياناً و تدبّ المنافسة بين سكان الطرق المختلفة، ولذا فهم لا يدخرون وسعاً في تجميل الطرق وتنسيقها حتى تبدو بهجة للناظرين، ولعلّ أجمل ما يسترعي النظر في المدينة، حدائقها التي يراعى في زرعها الجمال والإثمار في آنٍ معاً وأظن أن مؤسس المدينة كان قد عني بالحدائق أول ما عني. وتختار كل ثلاثين أسرةً ممثلاً لها، ثم يختار كل ثلاثين ممثلاً من هؤلاء رئيساً، على أن يشترك الممثلون جميعاً في انتخاب أميـر البلاد الذي يظلّ في منصب الحكم ما تبقى حياً، إلا إذا ارتكب من الخيانة ما يستحق العزل من أجله. و إن نشأت خصومةٌ بين الأفراد نظر في أمرها قاضيان من هؤلاء الرؤساء. أما فيما يتعلق بشؤون الدولة كلها فلا بدّ أن يعرض على مجلس الشورى بأجمعه على أن لا ينفّذ منه شيءٌ إلا بعد مناقشته في المجلس ثلاثة أيام. ومن يناقش في أمور الدولة خارج مجلس الشورى يحكم عليه بالإعدام وقد وضع هذا القانون حتى لا يتآمر الأعضاء خارج المجلس مع الأمير على انتهاج خطةٍ يدبّرونها. ولا يبيح قانون مجلس الشورى أن يناقش موضوعٌ إلا إذا سبق عرضه في جلسةٍ سابقة، لا يجوز البتة أن يبدأ عضو من الأعضاء من فوره في بحث موضوعٍ لم يسبق عرضه في جلسةٍ سابقة، ليتّقوا بذلك شرّ أن يقولَ العضو كلَّ سانحةٍ تمرّ في ذهنه ويأخذ في الدفاع عنها بغير رويةٍ وتفكير. ... ثمّ ينتقل (مور) إلى موضوع العلوم والصناعات والأعمال، و يعتبر الزراعة صناعة محتومة على الجميع رجالاً كانوا أو نساءً في الجزيرة، ثم لكل فردٍ في الدولة أن يختار إلى جانب الزراعة صناعةً أخرى يتعلّمها من وجهها العلمي والعملي كصناعة الأقمشة والبناء أو الحدادة أو التجارة، وواجب الدولة أن تكلف كل فردٍ بها بعملٍ يؤديه، وعلى الدولة ألا تسمح بأن يُجبر فردٌ على العمل من الصباح إلى المساء كأنه حيوان أعجم، فلا ينبغي أن يزيد العمل كل يوم على ستّ ساعات، ثلاث منها قبل الظهر ثم يؤذن للعمال بساعتين للطعام والراحة، ثم ينجزون بقية عملهم في ثلاث الساعات الباقية ويتناولون بعدها عشاءهم، حتى إذا ما كانت الساعة الثامنة من المساء انصرف الجميع إلى المخادع حيث ينامون ثماني ساعات. ومن حق الفرد أن يتصرف في وقت فراغه كما يشاء على ألا يتجه في ذلك إلى الرذيلة وسوء السلوك، والدولة يجب أن تنظم محاضرات تلقى في الصباح من كل يوم ليستمع إليها من أراد، أما بعد العشاء فهم يخصصون ساعة للعب والسمر ينفقونها في حديقة الدار إن كان الصيف، وفي قاعةٍ داخل الدار إن أقبل الشتاء. ولكنهم لا يبيحون ألعاب النّرد وما يشابهها ويؤثرون ألعاباً تشبه الشطرنج. إن أهل (يوتوبيا) يوفرون على أنفسهم كثيراً من العمل بفضل المساواة التي يفرضونها بين الناس، فليس لأحدٍ منزلان أو أكثر كما هي الحال بيننا، وبذلك يدّخر البناءون كثيراً من جهدهم الضائع في هذه البلاد، ولا يجوز للرجل هناك أن يستهلك أكثـر من جلبابٍ واحد كلّ عامين، فأين هذا مما تراه حولك من تصرفات المترفين الأغنياء الذين لا يكفي الواحد منهم عشر حللٍ في العام الواحد. وأهل (يوتوبيا) لا يحبون الذهب ولا يسعون إليه، وهم يقوّمونه بقيمته في الصناعة فلا يجدونه مساوياً لقيمة الحديد، إنهم لا يدرون لماذا تخلع الأمم على الذهب والفضة قيمةً ليست لهما بحكم طبيعتهما، ويرون أن الطبيعة أمٌ رؤوم، بسطت كفّها فيما يفيد فزوّدتنا بما لا ينفذ من هواءٍ وماءٍ وأرض، وقبضت كفّها في التوافه التي لا تنفع ودسّتها في باطن الأرض كما فعلت بالذهب والفضة. لقد خشي أهل (يوتوبيا) بأن ينخدع بعض الناس ببريق الذهب فيأخذون في جمعه وتحصيله، فقرروا أن تصاغ منه قيود المجرمين وأغلال المساجين، فعقاب هذه الجريمة قرطٌ من ذهب يعلّق بالأذن، وعقاب تلك الجريمة حلقةٌ من ذهب يخرم بها أنف المجرم، أو عقدٌ يطوّق به عنقه أو سوارٌ يدور حول معصمه. إن أهل (يوتوبيا) ليأخذهم العجب من رجلٍ تبلغ به البلاهة والجنون حدّ الغبطة ببريق حجرٍ كريم، فإن كان غرضه البريق المتلأليء فلماذا لا يملأ بصره برؤية الشمس والنجوم؟.. ويعجب أهل (يوتوبيا) كيف تؤدي الغباوة بالناس إلى تقويم الذهب، مع أن الذهب بطبيعته لا نفع فيه، تقويماً يبخلون به على بعض أفراد الإنسان، وكان ينبغي أن يكون الذهب أداة الخدمة للناس وأداة نفعٍ لهم…. إنهم يعجبون مما سمعوه بأن الغبيّ الأبله في مقدوره أن يسـتذلّ من هم أحكم منه وأعقل، إذا كان بحوزته كومة من الذهب، فإن تحولت كومة الذهب إلى خادمه أصبح الخادم من فوره سيّداً والسيّد خادماً، وأعجب العجب عند أهل (يوتوبيا) أن يحترم الناس الغنيّ لماله مع أنهم على يقينٍ من أنهم لن يكسبوا قرشاً واحداً. انظر إلى هؤلاء الأغنياء يقتلون فراغهم في الصيد، فخبّرني بربك ما لذّة الصيد؟. دعك من الأذى الذي يصيب الحيوان من غير مبررٍ ولا طائل، وحدّثني لمَ يسرّ الإنسان أن يتابع كلبٌ أرنباً؟.. إن كانـت اللذة في رؤية الكلب وهو يجري، فلماذا لا يتابع كلبٌ كلباً آخر؟.. وأما إن كانت المتعة أن يرى الأرنب قتيلاً منهوش الجسد فأيّ نفسٍ هذه التي تلتمس لذّتها في منظر البريء يسحقه المعتدي، و الضعيف يفتك به القويّ المفترس؟... إن أهل (يوتوبيا) ليستنكروا ذلك، ولا يجيزون لأحدٍ منهم أن يسفك دم الحيوان، بل إن ما يذبحونه لطعامهم يكلّفون المجرمين بذبحــه خشية أن يتحول القتل إلى عادة فيفسد بذلك واحدٌ منهم وتميل نفسه إلى الشرّ. والمرضى في (يوتوبيا) يلقون عناية و رعاية وعطفا، وأهلها لا يألون جهداً في معالجة مرضاهم، فإن أصيب المريض بعلّة لا يرجى شفاؤها وجدتهم يسارعون إلى مجالسته ومؤانسته ليرفّهوا عنه. أما الزواج فلا يؤذن للمرأة به قبل الثامنة عشرة وللرجل قبل الثانية والعشرين، والزواج متى تمّ عقده لا ينفصم إلا بالموت أو الزنا أو بأن يسلك أحد الزوجين سلوكاً غير محتملٍ وهم لا يجيزون قطّ أن يطلق الزوج زوجته لأن مرضاً أصابها إذ يرونها قسوةً وحشيةً أن تُهجَر إنسانةٌ في وقتٍ هي فيه أحوج ما تكون للمعونة والسلوى،المحبة والاحترام يسودان معاملة الناس بعضهم لبعض، ولا فضل لرئيسٍ على مرؤوس، فلا زهو ولا كبرياء، ولا يتميز أميرهم بلبس الحرير أو الذهب بل شارة الملك عندهم سنبلة قمحٍ يحملها رجلٌ أمام الملك. وهم لا يؤمنون بالمعاهدات بين أمّةٍ وأمّة، إذ يعتقدون أن الإنسان بطبعه محبٌ لأخيه الإنسان، وإن لم يكن كذلك فلن تجدي كلماتٌ مكتوبةٌ نفعاٍ في تعليمه ذلك الحب. وأهل (يوتوبيا) يمقتون الحرب مقتاً شديداً، لأنها نكسة بالإنسانية إلى حيث الهمجية المتوحشة، وهم لا يعدّون النصر في الحروب من ضروب النصر، ولكنهم على الرغم من ذلك يدرّبون أبناءهم جميعاً رجالاً ونساء، على المقاتلة كي يخفّوا إلى صدّ العدوّ إن هاجمهم عدوّ، أويدرأوا عن أصدقائهم الخطر إن داهمهم خطر،أو يحرروا شعباً أرهقه الذلّ والاستعباد لأنهم يطمعون أن يكونوا حماة الحرية والإخاء. وتراهم مع ذلك يكرهون أن يدحروا أعداءهم بسفك الدماء إن أفلحت وسيلة غير ذلك، وهم يُعدّون أكبر النصر وأدعاه إلى الفخر أن يردوا كيداً لمهاجمين بالحيلة والخداع والذكاء والدهاء، فإن وفّقوا في ذلك رأيتهم يقيمون أنصاب النصر في كل مكان ويفرحون ويمرحون، لأنهم يؤمنون بأن نصر الذكاء وحده هو الجدير بالإنسان، وأما حرب الجسد للجسد والفتك وإراقة الدماء وإزهاق النفوس فتلك وسيلةٌ في مستطاع الأسود والذئاب والكلاب وكلّ ذي ظفرٍ وناب.. * ولمّا أكمل (روفائيل) قصّته عن ذلك البلد السعيد، كان الوقت قد حان للعشاء، فاصطحبته إلى المائدة وتواعدنا أن نتلاقى مرّةً أخرى لنبحث في تلك النظم التي روى لنا نبأها. * ولد (توماس مور) صاحب قصة (يوتوبيا) في لندن في 7 فبراير عام 1478 من أسرةٍ عرفت بمكارم الأخلاق. كان أبوه قاضياً وأراد أن يدرس ابنه القانون، فأرسله إلى جامعة أكسفورد، حيث أبدى من علائم الذكاء واستقامة الخلق ما أنطق الألسنة حتى قال عنه أحد مدرسيه : " إن هذا الصبي سيتمخض عن رجلٍ ممتاز ". ولعلّ أقوى ما أثر في مجرى حياته بعدئذٍ شخصان بارزان في عصره وهما (أزرم) و(كولت) من أعلام الإصلاح الخالدين، حيث أعجب (أزرم) (بمور) إعجاباً عظيماً حتى قال عنه : " متى أنجبت الطبيعة رجلاً أرقّ وأعزّ وأمرح من توماس مور؟".. ولمّا بلغ السادسة والعشرين من عمره انتُخب عضواً في البرلمان الذي عقده هنري السابع عام 1504 ولكنه لم يلبث أن تعرض لسخط الملك وغضبه، وذلك حين عارضه بزيادة الضرائب ليجمع قدراً من المال ينفقه على زواج ابنته من ملك اسكتلندة، فتصدّى له (مور) دون الأعضاء جميعاً، وكان من أثر حملته أن اكتفى الملك لنفقات الزواج بثلاث عشرة ألفاً من الجنيهات بعد أن كان يطالب بثلاثين ألفاً. وقد أسرّ الملك هذا الموقف المعارض من مور في نفسه، وأخذ يتربص به الدوائر، حتى اضطره إلى التنحي عن النيابة وما إليها من الشؤون العامة، وهرب مور حتى مات الملك هنري عام 1509. ثم تولّى الملك هنري الثامن العرش فأخذ نجم مور في الصعود فعُيّن نائباً لعمدة لندن، وهو منصب من أعظم مناصب الدولة في ذلك الوقت واستأنف المحاماة وذاع اسمه فكثر ربحه على الرغم من كرهه للمال. وقد اهتم به التجار وأصحاب المال، فألحوا على هنري الثامن بإرساله سفيراً إلى هولندا ليفض ما كان قائماً بين الدولتين من خلاف ولقد نشأت فكرة (يوتوبيا) في ذهنه وهو في أثناء تلك السفارة. وسعى هنري الثامن سعياً حثيثاً لضمّه إلى حاشيته ليفيد من حكمته ونبوغه وقدراته المختلفة، ولكنه رفض رفضاً قاطعاً. وفي كتابه (يوتوبيا) عبّر عن مقته الشديد لتلك المناصب، ولكن هنري مضى في إلحاحه حتى ظفر به عام 1518 عضواً في مجلس البلاط، بل صار أقرب الأعضاء إلى قلب الملك بحيث أخذ يلازمه ملازمةً لا تكاد تنفصل، ثم عينه كبيراً لأمنائه عام 1529 بدل (ولزي) الذي فشل في التوفيق بين البابا في روما وهنري الثامن، حيث أراد هنري أن يستصدر أمراً بابوياً بإلغاء زواجه من كاترين، ولكن (مور) صارح الملك بأنه هو أيضاً لا يوافق على إلغاء ذلك الزواج فنحاه هنري ومضى في سبيله دون أن يلجأ إليه. وبعد اشتداد النزاع بين البابا وملك بريطانيا هنري الثامن عام 1531 أعلن هذا الأخير أنه حامي الكنيسة كما نصب نفسه رئيساً أعلى لها، فاستقال (مور) من منصبه ونفّذ هنري مشيئته وتزوج (آن بولين)، فقرر البابا حرمانه من الكنيسة وانفصمت العلاقة بين انكلترا و روما. في عام 1534 أعدّ (هنري الثامن) قانوناً يقضي بوراثة العرش في أبنائه من زوجته الجديدة (آن بولين) وطلب من كبار رجال الدولة أن يحلفوا بيمين الإخلاص لذلك القانون، ورفض (مور) ذلك فألقي في برج لندن، حيث حوكم وأُدين وأُزهقت روحه في اليوم السادس من يوليو عام 1535.