معتصم الحارث الضوّي
31-12-2007, 12:38 AM
مفكرة قراءة: عام من الكتب المفضلة البرتو مانغويل: مغامرة في تجربة القراءة واحتفال بحياة تصنعها الكتب ليست غريبة عن اليومي والمعاش 12 سبتمبر 2005 *ابراهيم درويش هناك كتب نتصفحها بسعادة، ننسي الصفحة التي نقرأها عندما نقلب للصفحة التالية، وهناك كتب نقرأها بنوع من التبجيل، دون ان نملك القدرة علي الموافقة او الرفض، وكتب تقدم لنا معلومات ولا تحتاج لتعليقنا، وكتب تبقي معنا، لاننا نحبها بشدة لدرجة نتذكر كل كلمة فيها، وعن ظهر قلب. القراءة هي حوار، المجانين يتحدثون مع اشخاص يسمعون صدي اصواتهم في كل مساحة من مساحات عقولهم ، قارئ الكتب يعيش تجربة مماثلة وان كانت صامتة، وردة فعل القارئ علي القراءة ليست مسجلة وفي بعض الاحيان يشعر بنوع من الرغبة التي قد تكون ملحة للرد، فيتناول قلمه ويكتب بعض التعليقات علي حواف الكتاب، هذه العملية تعطي تجربة القراءة بعدها الواقع، فالكتب المصفوفة بعناية علي الرفوف او مرمية هنا وهناك في جوانب البيت، قرب النافذة او بجانب الفراش جمادات لا تعرف انها تتحدث الي قارئها. القراءة في بعض صورها هي محاولة لاجتراع عالم اخر، وفي كثير من الاحيان يتعايش القارئ مع الكتاب وكأنه يقرأ عن نفسه، ولكنها اي القراءة التي تتم بصمت في غالب الاحيان هي عن رؤية القارئ للكتاب لا عما يكتبه المؤلف. وفي عملية القراءة تجربة في بناء علاقات وصلات نسب بين كتب اخري وابطال آخرين. عملية القراءة هي عملية ممتعة للعقل والجسد، فيها متعة التوحد مع الكتاب في البيت او الشـــــارع، في القطـــار وفي الطائرة، والقراءة تتخــذ اكثر من وضع، نائما، مضطجعا، جالسا، متربعا، قارئا علي طاولة، متكئا علي وسادة...، اما الكتابة فتحتاج علي الرغم من مشاركتها القراءة الكثير من مزاياها الا انها تحتاج لوضع خاص، الجلوس متربعا كما في حالة الكاتب المتربع الفرعوني، علي الحصير كما في حالة ابن منظور المصري، او بالجلوس علي مكتب قد يكون مريحا او مقيدا. فقد كتب كافكا مرة لاحد اصدقائه يصف مكتبه الجميل الذي يكتب عليه قائلا جلست علي مكتبي الجميل، لا تعرفه، واني لك معرفته، ولكنه مقعد برجوازي جميل، صنع لاستخدامه في التعليم، ولديه خشبتان بارزتان لتقييد ركبتي الكاتب، وعندما يجلس الواحد بهدوء ويكتب شيئا جيدا وبرجوازيا لا مشكلة، ولكن الويل لمن تعتريه حالة من الجذل ويحرك رجليه قليلا، لان الخشبتين البارزتين تضربان الركبة وتؤلمانها.. باستطاعتي ان اريك العلامات الزرقاء القاتمة.. ماذا يعني هذا؟ لا تكتب شيئا مثيرا ولا تحرك جسدك علي المكتب. ومن هنا تبدو عملية القراءة اقل ضررا من الكتابة علي الجسد. ولكن القراءة في حد ذاتها هي عن ذوق القارئ وتعكس احيانا مزاجه، هناك كتب للمواسم، وكتب لا يعود اليها القارئ الا في حالات خاصة، وكتب تقرأ في المطر او في المناطق الاستوائية، طبعا هذه ليست اختيارات النقاد او الكتاب، في عالم اصبح فيه الكاتب مندوب مبيعات، يتجول عارضا بضاعته ونفسه امام قراء، بعضهم مثقفون او اشباه مثقفين. وهناك كتب تقرأ كمنشورات سرية، لا يمكن الافصاح عنها، لان العثور عليها يعني الموت. الكتابة عن متعة القراءة تعني العودة الي الكتب القديمة، وفي اسئلة الصحافيين، يطرح علي الكتاب او المبدعين سؤال او اسئلة عن الكتاب او الكتب التي غيرت مسار حياة الكاتب او الكاتبة، وهنا تتردد قائمة من الاسماء، وبالمصادفة في عدد السبت من صحيفة "الاندبندنت" لعدد من النجوم/ المشاهير عن الكتب التي احدثت تغييرا راديكاليا علي حياتهم، والاختيارات كانت متعددة، روائية ونفسية ... اختيارات القراءة تعكس في النهاية مزاج اللحظة والقارئ، وفي حالة مثل حالة الكاتب الارجنتيني - الكندي البرتو مانغويل فالكتب التي يختارها تتناقض مع مزاج اللحظة، والذي يعني تغييرا في المناخ، مناخ القراءة. البرتو مانغويل، كاتب مقالات، جامع مختارات ادبية، روائي، ودودة كتب، والسطور الاولي التي افتتحت بها هذا المقال مأخوذة من كتابه الجديد مفكرة قراءة ، وقبل ذلك فمانغويل معروف في كتابه الجميل عن تاريخ للقراءة (1998) والذي ترجم للغة العربية. في ذلك الكتاب يلاحق الكاتب متعة القراءة وتجلياتها وعلاقتها بالكتابة والكتب. في هذا الكتاب المطبوع في طبعة متوسطة عن القراءة في تجلياتها اليومية، اي كيف تتداخل القراءة في روتين اليوم، وكيف يتحول ابطال الروايات والكتب العظيمة، ولكل قارئ كتبه العظيمة الي شخصيات حقيقية. بدأ مانغويل قبل عدة اعوام بقراءة عدد من كتبه المفضلة، في الحقيقة عملية اعادة قراءة. خطة مانغويل كانت قراءة كتاب كل شهر، عملية القراءة كانت مشفوعة بكتابة مذكرات يومية، شخصية، تحتوي علي انطباعات عن الرحلات والمدن التي يمر بها، تفاصيل عابرة عن الاصدقاء ـ الاماكن، البيوت، المدن، اللحظة السياسية. وقام مانغويل باختيار قائمة الكتب لمشروع عام القراءه هذا والذي بدأ في شهر حزيران (يونيو) 2002 وانتهي ايار (مايو) 2003 اي بعد شهر من سقوط العاصمة العراقية بغداد. والكتب التي اختارها تمثل شتاتا واسعا من الانواع الادبية وكذلك الفترات. يبدأ الجزء الاول من كتابه بكتاب اختراع موريل (وكلمة Morel تعني بحسب ترجمة المورد: الغوشنة: نبات صالح للاكل). لادولفو بويي سيزار، والكتابة عن هذا الكاتب الارجنيتي تقدم لنا رحلة في العاصمة بوينيس ايرس، وذكريات عن الطفولة وشراء الكتب، وانهيار الاقتصاد ولكن المدينة كرمز هي مكان موحش مليء بالاشباح، الماضي موجود في الحاضر، طبقات خلف طبقات، جيل بعد جيل، اشباح الرفاق من عهد الطفولة، ورفاقي الذين اختفوا اثناء الحكم العسكري، والناجون المحطمون. في سرد مانغويل لحركة الاشخاص في رواية بوييي يحاول ان يعكس اجواءها علي حالة المكان واللحظة، هنا يقول ان البطل في رواية بويي سيزار هارب من جريمة اقترفها، ويشعر بانه ملاحق حتي في هذا المكان البعيد، جزيرة في الكاريبي. في داخل القراءة يقدم لنا مانغويل سردا عابرا، عميقا، او مفصلا عن كتاب الروايات والاعمال، بوييي مثققف ارستقراطي، ماهر في وصف والتنبؤ بعالم الضحية الواحد، الابطال الروائيون الذي يقعون ضحية للحظوظ الادبية الخاسرة. بويي ليس معروفا في عالم اللغة الانكليزية واعماله التي ترجمت للانكليزية لم تقرأ. مع ان اعماله يحضر فيها رمز الجزيرة، ويتذكر مانغويل انه شاهد بوييي عام 1968 قبل اعوام من وفاته، حيث قال انه يعد رواية جديدة مثيرة ـ وستحتفل عادة بجزيرة . يزاوج مانغويل بين حركته اليومية كمثقف مطالب بكتابة مقالات، حيث يصبح الكاتب هنا تاجرا ، كما يقول، وفي حالة الكتابة عادة ما يقع في حرج المطالب باتعابه المالية، بعض الكتاب مثل فيرجينيا وولف وصفوا العملية هذه بالاهانة، فيما عبر كتاب اخرون عن فرحهم برسالة من ناشر مجلة او جريدة التي تحتوي في طياتها شيكا ، ويقول مانغويل انه طارد صاحبة مجلة شارك بمقال في نشريتها، وبعد سلسلة من المكالمات، قالت له هل انت حقيقة، بحاجة الي 100 جنيه؟ هي قيمة المكافأة. يقول مانغويل ان قراءة كتاب، اي كتاب تعني البحث عن ربط وصلات شخصية، بين المدينة التي يرحل اليها، وما اكثر المدن التي رحل اليها، والبيوت التي عاش فيها. في مقاربته مثلا لرواية جزيرة الدكتور موروا لهربرت ويلز، تتيح له فرصة الحديث عن لندن، كمكان ولكن لندن التي لم تكن تعجب ويلز، خاصة صيفها الحار، والرطب، هي غير لندن التي تتبدي في رواية ارثر كونان دويل علامة الاربعة فالمدينة/ لندن هي متخيلة، غير قائمة علي الواقع، واذا اخذنا بعين الاعتبار ان بطل كونان دويل كان يتعاطي المخدرات، يشمها من صندوق مغربي ، فان فكرة لندن، كمكان مصنوع في الخيال تصبح اكثر وضوحا، ومن هنا حيرة او دهشة مانغويل عندما حاول العثور علي هذه اللندن التي لا توجد الا في خيال ابطال الرواية والسرد. لندن بحسب احد النقاد لغز شرحه موجود في باريس . ولكن قراءة الكتب او اعادة سردها تلغي احيانا المسافة بين الكاتب/ كحقيقة والبطل كخيال، وهذا واضح في رؤيته لعمل سيرفانتيس، دون كيخوت وبطله سانشو، فالكاتب الاسباني يظل حسب رؤية الكاتب شخصية غير حقيقية علي الرغم من بيته/ المتحف، والمطبخ بموقده العربي الذي كانت تجتمع حوله العائلة، ورغم الحضور الجسدي الواقعي لسرفانتيس فالكاتب يظل لغزا يستعصي علي الخيال. في مطالعته لرواية غوته صلة منتقاة (او هكذا يوحي العنوان) ينشغل مانغويل بتحليل البعد الجسدي للمدن حيث نري ان الشاعر الالماني الكبير الذي كان مشغوفا بسعدي، والشعر الشرقي لم يكن مهتما كثيرا بتفاصيل المدينة ولا بتفاصيل شخصياته، اكثر من انشغاله بالتعامل مع روتين الحياة والقدر، فالحياة تمضي، ويجب ان تمضي وتستمر في خطها ضد كل التيارات والمآسي، وهنا وفي تحليله لرواية شاتوبريان الارستقراطية، عن باريس النابليونية، نعثر علي ثنائية تطبع علاقة المثقف، بالسلطة بين الاعجاب والشجب، ثنائية نابليون البطل والديكتاتور واضحة في علاقة مثقفين مثل سوزان سونتاغ مثلا مع فيديل كاسترو. ولكن مانغويل وان تسامح مع مثل هذه العلاقات الا انه لا يغفر او لا يستطيع تفهم كيف يمنح كتاب معروفون اسماءهم لسلطة مثل سلطة بوش لتحسين صورة امريكا في العالم الاسلامي، او طبيعة التحول الراديكالية التي حصلت لمثقف يساري مثل فاكلاف هافل، الرئيس التشيكي. وهو هنا يسخر من فكرة الوطنية التي تعني اما معنا او ضدنا بالتعبير البوشي. وينقل هنا مقولة لتشسترتون عن الوطنية التي تعني بلدي محق او مخطيء مثل امي سكرانة وصاحية . في اثناء التحضير لغزو العراق كان مانغويل يقرأ رواية اليابانية التي عاشت في البلاط الامبراطوري سي شوناغون كتاب الوسادة ، ورواية الكندية مارغريت اتوود شروق/ انبعاث (هذه اقرب ترجمة لعنوان الرواية Sufacing )، وفي رواية اليابانية، رحلة ذاتية، ومراقبة يومية لزمان يتحرك ببطء في البلاط الامبراطوري، ويبدو ان مراقبتها الشديدة لما يحدث حولها لم تكن مريحة للرجال الذين اخذوا روايتها، مذكراتها ولم يعيدوها لها الا بعد فترة طويلة، وفي محاولة لعكس الرواية او ما بعض ما فيها واعطائها بعدا حدثيا معاصرا يقول مانغويل بوش وبلير رفضا الاستماع الي مطالب هانس بليكس من اجل مزيد من الوقت للبحث عن اسلحة الدمار.. من الواضح ان الانغلو ـ امريكيين لم يعودوا بحاجة لعذر للحرب . وفي انتقال سريع لكتاب اليابانية هناك اوقات اشعر بها بالقرف من هذا العالم لدرجة اشعر فيها انني لا استطيع مواصلة العيش للحظة اخري، وارغب في الغياب عن هذا العالم، ولكن عندما اقع علي ورقة بيضاء جميلة، مثل ورقة من نوع ميشنوكو، او ورقة بيضاء مزخرفة.. اقرر انني استطيع تحمل الاوضاع كما هي لفترة اطول . اليابانية هنا واضحة في تعبيرها عن الاشياء ومراقبتها لزمنها فهي تقول ضوء القمر يجعلني افكر بالناس الذين يعيشون بعيدا عني . ويقترح مانغويل ان كتابا مثل كتاب الوسادة يجب ان يوزع علي رجال الدولة خاصة الباحثين عن الحرب او عذر لتدمير بلد اخر، من اجل مصالح مالية وليس لتحرير سكانه كما في حالة حرب بوش ـ بلير علي العراق. في حالة رواية اتوود التي يعتقد انها اول رواية كندية حقيقية، وتدور عن بحث امرأة عن والدها الضائع في اقليم كوبيك، لا يزال الناقد يعيش اجواء الحرب علي العراق، وهو هنا يتذكر قصيدة شعرية كتبها الشاعر النيكاغراغوي روبن داريو وقدمها للرئيس الامريكي روزفلت التي جاء فيها ان الولايات المتحدة تعتقد انه في المكان الذي تضع فيه الرصاصة يولد المستقبل . وفي هذه الحالة فان المسافة بين الجنون والعقل رقيقة جدا كما هو واضح في التحليل الكانتي ويبدو واضحا في عمل الكندية اتوود، التي تلاحق بحث المرأة عن تفسير لاختفاء والدها. مثلا: في مفكرة يوم الاحد 9/4/2003 في الراديو هذا الصباح: جيش بوش علي ابواب بغداد، يتقدم الجنود يدخلون المدينة تحت شعار تحرير العراقيين من الطاغية من اجل بناء السيطرة الامريكية في المنطقة، في مثل هذه الظروف لا يوجد فرق بين رمز بوش وصدام، كلاهما اغاميمنون الذي باع ابنته من اجل مصلحته الشخصية. تمنح الاعمال التي اعاد مانغويل قراءتها فرصة للدخول في تفاصيل الزمن اليومي والذي كان، وتقدم اكثر من منحي، ففي عمل جواكوم ماريا ماشادو دي اسيس المذكرات اللاحقة لبراس كوباس يتركز العمل حول الحب، طبيعته، واستمراره، اختفاؤه وتحولاته، اعادة اكتشافه، خاصة بعد غيابه، والتفكر بالمرأة التي احبها، وكوباس يتذكر النساء اللاتي احبهن باعتبارهن ملامح مختلفة لحبه وعشقه. الكثير من اختيارات مانغويل ربما ليست معروفة للقاريء الانكليزي، والكاتب هنا لا يطمح بتقديم الاعمال عرضها ، ولكن يحاول البحث في داخلها كقارئ عن روحه ومزاجه وافكاره، فمقاربة كل عمل بشهر من حياته، يعطي صورة اخري عن اهتماماته كناقد، وباحث يتقن فن الاختيارات الادبية ويضع القوائم، قوائم الابطال الروائيين، والمدن، والموضوعات. ويعترف هنا قائلا ان الكثير من القراء يكرهون الناقد الذي يتطوع من تلقاء نفسه لحل عقدة العمل الروائي، ويضيع عليهم متعة القراءة والاكتشاف بانفسهم. كتاب مانغويل هو عن متعة القراءة، العودة للكتاب، حياة الكتب، حتي عملية ترتيب الكتب تفتح افاقا من البحث عن ذاكرة مرتبطة بقراءة الكتب، وهو مثل كتاب ازار نفيسي، الايرانية ـ الامريكية قراءة لوليتا في طهران ، وحتي اعمال امبرتو ايكو خاصة روايته الاخيرة الشعلة الغامضة لدونا روزا التي هي عن اعادة تشكيل الذاكرة الشخصية عبر العودة للكتب والاوراق، والمفكرات القديمة. وفي عمل ايكو الاهم، اسم الوردة اهتمام بالكتاب، كمصدر للشقاء والسعادة وعلاقته بالاجواء التي لا ترغب في انتشار الفرح. كتاب مانغويل ممتع، ومثير، وفيه لمحة خاصة من الفرادة، انه احتفال بزمن الكتب والقراءة. البرتو مانغويل كاتب ارجنتيني/ كندي ولد عام 1948، مترجم يتقن العديد من اللغات درس في الارجنتين ولندن، وحاز علي جوائز دولية في الترجمة، واعد عشر مجموعات ادبية مختارة انثولوجي ، وعاش في انكلترا وايطاليا، وتاهيتي وكندا ويعيش الان في فرنسا، حيث منحته فرنسا وسام الادب والفن الرفيع. من كتبه تاريخ للقراءة ، ستيفنسون تحت شجر النخيل ، اخبار وصلت من بلد اجنبي ، قراءة صور و نيران اخري . * كاتب من اسرة القدس العربي Alberto Manquel A Reading Diary Canon Gate Edinburgh/ New York - 2005