د. يحي الشاعر
20-06-2009, 02:14 PM
العقد النفسية التى تحكم الشرق الأوسط مقالات بصراحة
الأهرام- بتاريخ ٢٠/٠١/١٩٥٨
جــزء 7 من 7
(7) العقد النفسية التى تحكم الشرق الأوسط
وعقدة روسيا.!؟
خطاب من رئيس حكومة عربي
مظروف أنيق، وخطاب فى داخله يعلوه شعار عريق.
ورسالة شيقة ممتعة.
والإمضاء، لرئيس عربى، رئيس لإحدى الحكومات العربية.
والخطاب تسلمته أمس، موضوع الخطاب هو: "هذه المقالات التى أكتبها عن الموقف فى الشرق الأوسط اليوم".
وفى الخطاب عبارات تقول، يقول فيها الرئيس العربى، مرسل الخطاب:
"لقد تابعت باهتمام هذه السلسلة التى تنشرها عن العقد النفسية التى تحكم الشرق الأوسط.. قرأت ما كتبته عن "عقدة الذنب" عند حكام لبنان، وعن عقد الذنب عند حكام بلاد عربية أخرى غير لبنان، حكام بدأوا الآن يفيقون ويحسون بالحرج الذى تورطوا فيه، وراء خطط أو رغبات أو أمانى السياسة الأمريكية- سمها كما تشاء!
وقرأت ما كتبته عن العقد النفسية عند دالاس، والمسلك الوعر الذى تدحرجت السياسة الأمريكية إليه على عهده.
وكذلك قرأت "عقدة أوديب" الذى خرج من الأسطورة الإغريقية قبل الميلاد، ليتقمص روح بريطانيا بعد عشرين قرناً من الميلاد.
وهذا كله طيب، وحسن.
ولقد أكون معك -إن لم يكن فى كل ما قلت- ففى كثير منه على الأقل. ويدخل فى ذلك - لكى أؤكد لك إنصافي - هذا الذى تعرضت فيه لبلادى فيما ورد فى مقالاتك!
ولكن يتبقى شىء، إذا كنت أيضاً تريد أن تؤكد إنصافك - وإذا كنت فيما تقول، تصدر عن ميزان محايد، لا يميل مع الهوى ولا ينحاز!
هذا الشىء هو: هل سيجيء دور روسيا فى "عقدك النفسية" التى تحكم الشرق الأوسط، أم أن روسيا أصبحت فى هذا الشرق الأوسط "تابو" - أى قداسة لا تمس؟!
لا أريد أن أورطك فيما قد يحرجك.
ولكن - وكما وافقتك على كثير مما قلته أنت حتى الآن، لعلك توافقنى على هذا القليل الذى سأقوله لك الآن:
"إن روسيا تلعب دوراً بارزاً فى الشرق الأوسط، ولا أظنك سوف تقول لى إن روسيا مبرأة من "العقد" مشفية سلفاً من جميع مسبباتها".
إذا صدق ذلك، أفلا يحق لى ولغيرى. أن يتصور أن روسيا أصبحت "تابو" قداسة لا تمس؟
وإذا صدق ذلك، أفلا يحق لى ولغيرى، أن يتصور أن ميزان الحياد فى تقديرك قد مال، وبالتالى أن "عدم الانحياز" الذى طالما تردد ذكره فى مقالاتك ليس فى حقيقته وواقع أمره إلا "انحيازاً".. انحيازاً لروسيا؟!".
انتهى خطاب الرئيس العربى!
فى وقته تماماً جاءنى هذا الخطاب.
لقد كان حسابى أن يكون هذا المقال - السابع فى السلسلة - عن دور روسيا فى الشرق الأوسط اليوم.
ولكنى كنت فى حيرة من النقطة التى أبدأ منها الحديث، والطريق الذى أسلكه بعد البداية، والنتيجة التى أصل إليها قبل أن ألقى القلم من يدى وأطوى الصفحات.
وعندما وصلت إلى السطر الأخير فى خطاب الرئيس العربى، كان السطر الأول فى مقالى - على طرف لسانى.
لقد كتب لى خطاباً.. وسأرد عليه.
وهما عصفوران بحجر.
يقرأ هو ما سوف أكتبه: رداً على خطابه، ويقرأه الناس معه: مقالاً فى السلسلة.
وهذا هو الخطاب... الخطاب المقال!
القاهرة فى 21 يناير سنة 1958.
عزيزى الرئيس:
لعلك ستغفر لى هذه الحفنة من الأخطاء.
خطأ أننى سمحت لنفسى أن أنشر رسالتك، وخطأ أننى سمحت لنفسى أن أبعث إليك الرد عليها، لا داخل مظروف مختوم كما كان البروتوكول يحتم، وإنما على صفحات جريدة يطالعها فى نفس الوقت مئات الألوف.
ولعل من أعذارى فى طلب الغفران، أننى لم أنشر اسمك، وأعدك أننى لن أنشره إلا إذا أذنت لى صراحة فى ذلك النشر، ويا ليتك تفعل.
ولعل دافعى إلى النشر -هو أيضاً من أعذارى فى طلب الغفران - ذلك أن الذى تقوله أنت، يقوله غيرك، فهى إذن قضية عامة تستحق أن تناقش لا بالهمس، ولا بالوشوشة، ولكن بصوت واضح مسموع، وإلا كنا نحن أيضا، أنت وأنا، ضحايا عقدة نفسية، يخبئها الخوف، فى قلوب الضعفاء!
والآن إذا كنت قد غفرت فاسمح لى أن ادخل فى موضوع ردى على خطابك، وإذا لم تكن قد غفرت، فلا تعتبر هذا رداً، واعتبره مجرد مقال.
إن سياسة روسيا فى الشرق الأوسط يا عزيزى الرئيس - ليست "تابو" أى ليست قداسة لا ينبغى أن تمس.
ولو أننا تخيلنا ذلك لحظة، لكنا بذلك نتخلى عن أنبل حق يضمنه لنا عدم الانحياز..
هذا الحق النبيل هو الحرية فى المجال الدولى.
إن المعنى العملى لعدم الانحياز هو أننا لا نربط أنفسنا بكتلة من الكتل المتصارعة، وإنما نقرر بأنفسنا فى كل مشكلة تعرض أمامنا، أين هو الحق كما نراه، وأين هو الباطل كما نراه، ولقد نخطئ فى قرارنا، ولسنا ندعى العصمة فى كل قرار، ولكن المؤكد أن ما يصدر عنا هو استجابة طبيعية لضمائرنا، وليس استجابة طيعة لأمر أو وحى من خارج نفوسنا.
فلو تخيلنا أن روسيا قداسة لا تمس إذن لكان ذلك تخليا عن رأينا، عن ضميرنا، عن حريتنا.
ولو أن ذلك كان يجوز، فما الذى كان أضنى قلوبنا على كل هذا الذى تحملنا -و نتحمله- لنتمرد ونثور على "القداسة" التى كانت لدول الاستعمار الغربى فى بلادنا.
إن الذى يخضع مرة... يخضع كل مرة والذى يرضى أن يكون ذيلاً، لا يهمه أن يكون ذيلاً لأسد - الأسد البريطانى - أو ذيلاً لدب - الدب الروسى.
هذا كلام واضح ومنطقى، وأظنك -يا عزيزى الرئيس- لا تخالفنى فيه؟!
إذا وصلنا إلى هذه النقطة -يا عزيزى الرئيس- فدعنى أتساءل.
- ما الذى جعلك تتصور أن سياسة روسيا فى الشرق الأوسط "تابو" أى قداسة لا تمس؟
الرد على التساؤل هو:
- لأننا لا نقاوم إلا سياسة الغرب، ولا نهاجم إلا سياسة الغرب، ولا نفضح إلا سياسة الغرب!
أليس كذلك؟ أليس ذلك ما كان يمكن أن تقوله؟ أنا أقوله معك، وهو صحيح: نحن لا نقاوم إلا سياسة الغرب. ولا نهاجم إلا سياسة الغرب، ولا نفضح إلا سياسة الغرب!
ولكن دعنى أسألك.
- لماذا نفعل ذلك؟
دعنى أرد، لا أظن أننا سنختلف على هذا الرد.
كان الاستعمار الغربى -و ليس روسيا- هو الذى يحتل بلادنا، وكان واجبنا أن نقاوم ونهاجم ونفضح، لنجلى المحتل الغاضب عن بلادنا.
وكان الاستعمار الغربى -و ليس روسيا- هو الذى علق المشانق وفتح السجون لأبطالنا، وكان واجبنا أن نقاوم ونهاجم ونفضح لنحقق الأهداف التى حارب من أجلها الأبطال.
وكان الاستعمار الغربى وليس روسيا -هو الذى استولى على خيرات بلادنا- يستوى فى ذلك معابرها المائية كقناة السويس أو كنوزها الدفينة فى باطن الأرض كمنابع البترول وكان واجبنا أن نقاوم ونهاجم ونفضح، على الأقل لكى نحصل على بعض حقنا إذا عز علينا أن نحصل على كل ما هو من حقنا.
وكان الاستعمار الغربى -و ليس روسيا- هو الذى فرض علينا عروش الطغيان تستبد بنا وتتحكم فى مصائرنا، وكان واجبنا أن نقاوم ونهاجم ونفضح - لكى تندك العروش الطاغية، أو ليستقيم أمرها فتدرك أن لا حياة لها إذا لم تسند قوائمها الشعوب.
وكان الاستعمار الغربى - وليس روسيا- هو الذى حاول أن يفرض علينا الضعف حين حبس عنا السلاح، وكان واجبنا أن نقاوم ونهاجم ونفضح - لكى نوفر لأنفسنا ما نستطيع به أن ندافع عن بلادنا.
وكان الاستعمار الغربى -و ليس روسيا- هو الذى سير إلينا الأساطيل، وألقى القنابل على مدننا، وأسقط جنود الباراشوت طليعة تمهد لاحتلال مجرم سفاك دماء، وكان واجبنا أن نقاوم ونهاجم ونفضح كى لا تعود السلاسل والأغلال فتربطنا سبعين سنة جديدة.. كالسنين السبعين الأخرى!
ثم كان الاستعمار الغربى -و ليس روسيا- هو الذى حاول تجويعنا، وكان واجبنا أن نقاوم ونفضح - حتى نجد الطعام.. نجد الخبز.. نجد حبات القمح.
ثم كان الاستعمار الغربى -و ليس روسيا- هو الذى تآمر علينا وبذل قصارى جهده لتمزيق وحدتنا، وكان واجبنا أن نقاوم ونهاجم ونفضح حتى تحبط المؤامرة، وحتى تبقى وحدتنا سنداً لنا وذخراً.
فهل كان يمكن -يا عزيزى الرئيس- أن نقاوم ونهاجم ونفضح غير الاستعمار الغربى؟!
لقد كنا فى كل ما قمنا به ندافع عن أنفسنا، لم يكن كل ما قمنا به "فعل"، وإنما كان رد فعل..
إن زمام المبادأة لم يكن فى أيدينا، إن زمام المبادأة دائماً فى يد الأقوى، ولسنا "الأقوى" فى صراعنا مع الاستعمار، ولكن ليس معنى أننا لسنا "الأقوى" أن التسليم محتوم علينا.
ولقد أثبتت التجارب أن النصر ليس دائماً "للأقوى" فإن للنصر عوامل أخرى غير مجرد القوة المادية، وذلك بحث آخر على كل حال، ودعنا نعد إلى موضوعنا الأصيل!
ولقد تسألنى -يا عزيزى الرئيس- إذا كان ذلك هو موقف الاستعمار الغربى منا، فهل أصبحت روسيا ملاكاً يبشر بالسلام والخير للبشر جميعا؟
وأقول لك على الفور:
- إن البشر بشر، ولن يصبح البشر ملائكة، هذا رأيى!
ولقد تقول لى بعدها:
إذن حدثنا، عن مطامع البشر، عن شهوات البشر فى سياسة روسيا فى الشرق الأوسط.
إذا قلت لى ذلك فسوف يكون لى عندك -يا عزيزى الرئيس- سوف أطلب منك- يا عزيزى الرئيس - أن تترك مقعدك العالى الكبير، وتجيء لتجلس على هذا المعقد البسيط الصغير الذى أجلس عليه أنا.
تعال هنا مكانى، على مكتبى وأمامك ورقى، وامسك قلمى، واكتب عن مطامع روسيا وشهواتها فى الشرق الأوسط لا تحدثنا عن النوايا، فإن النوايا كلها فى مكنون الغيب.
ولسوف يبدو الأمر مضحكاً حقاً، إذا ذهبنا نتقصى النوايا، فى أعماق روسيا، هذا بينما الأفعال، القائمة فعلاً، تمسك بتلابيب الاستعمار الغربى.. وتدينه.
سوف يبدو الأمر مضحكاً، أن ننسى جرائم القتل، الواقعة عملاً، فى الجزائر، وفى المحميات، وفى العراق وفى الأردن، جرائم قتل الأفراد وجرائم قتل الشعوب لكى نصيح.
- آه... الحقوا واضبطوا... إن روسيا تفكر فى حادثة نشل؟!
وكذلك لا تحدثنا عما يجرى خارج أوطاننا، فإن الرأى فيه يختلف، والنقاش يطول.
وكذلك سوف يبدو الأمر مضحكاً حقا، إذا نسينا الذى حدث منذ أكثر قليلاً من عام فى بورسعيد، لكى نذكر الذى حدث منذ أكثر قليلاً من عام فى بودابست عاصمة المجر.
ومع ذلك فإن الرأى يختلف والحديث يطول فى هذا الذى حدث فى المجر.
ولقد مررت بنفسى فى بودابست منذ شهرين، وبضميرى أحسست أنه إذا كان فى بودابست غضبة من روسيا، فإن الغضبة من أمريكا أشد وأمر.
لقد تصادمت أمريكا مع روسيا فى المجر وقضت الصدفة وسوء الحظ أن يكون شعب المجر الوديع فى منطقة الصدام، وكاد التصادم بين الكتلتين أن يعصره ويسحقه.
لقد قامت فى بودابست حركة تطالب بمزيد من الحرية، تماماً كما حدث فى بولندا تحت قيادة "جومولكا".
فلماذا نجحت حركة المطالبة بمزيد من الحرية فى وارسو، وانتهت الحركة المماثلة لها فى بوادبست إلى المأساة المحزنة التى انتهت إليها.
كانت روسيا جرياً على سياستها الجديدة على استعداد لأن تعطى.
أعطت فى بولندا:
نقلت الماريشال الروسى روكوسفسكى الذى كان يحكم بولندا فعلاً من منصب وزير الدفاع، سحبت القوات الروسية من وارسو.
فتحت باب السجن ليخرج منه "جومولكا" ليجلس على مقعد رئيس الوزراء وكانت الحركة فى بولندا عاقلة.
كانت "تشد" من يد روسيا بقدر ما كانت روسيا تستطيع أن تعطى.
وهكذا حققت معركة الحرية فى بولندا أهدافها.
أما فى المجر فاختلف الأمر.
حاولت أمريكا أن تستغل حركة الحرية فى الحرب الباردة بينها وبين روسيا.
وبدأ راديو "أوروبا الحرة" الذى توجهه أمريكا على شرق أوروبا، يثير ويهيج، وبدأت المخابرات الأمريكية تصرف وتنفق.
ولم يكن "ناجى" الذى تصدى لقيادة حركة الحرية فى المجر فى مثل اتزان "جومولكا" وتقديره للموقف.
وهكذا حاول أن "يشد" من يد روسيا بأكثر مما كانت روسيا تستطيع أن تعطى وكانت الكارثة.
قامت المذابح فى الشوارع.
وراديو أوروبا الحرة يصور الأمر كما لو كان جنود الباراشوت الأمريكان سينزلون بعد عشر دقائق من السماء لمساعدة الثوار.
وفقد" ناجى" أعصابه وجرى إلى محطة الإذاعة يصرخ باللغة الإنجليزية:
- النجدة.. النجدة!
وانتهزت بريطانيا الفرصة وبدأت عملياتها العسكرية فى السويس.. بل فى هذه الفرصة عرضت بريطانيا على الاتحاد السوفيتى رسمياً:
"أن تحترم مصالحه فى المجر، إذا احترم مصالحها فى السويس"!! وهكذا..
وكان لروسيا رأى آخر فى الموقف فى الشرق الأوسط.
وهكذا وجه الماريشال زوكوف دباباته لقمع الثورة فى بودابست.
وكانت الأوامر لديه أن يفرغ من ذلك فى 24 ساعة، حتى تستعيد روسيا قدرتها على الحركة فى الشرق الأوسط.
وكُتب على شعب المجر الوديع أن يدفع ثمن الحرب الباردة كاملاً.. وأن يشارك فى جزء من ثمن العدوان على مصر.
ذلك ما حدث فى المجر... كما رأيته بعينى فى بودابست.
والرأى فيه يختلف والحديث يطول.
ومع ذلك فلنجعل حديثنا داخل حدودنا وإذن -فخذ مكانى، يا عزيزى الرئيس- واكتب عن مطامع روسيا فى الشرق الأوسط وعن شهواتها، على أساس ما اتفقنا عليه.
- أن يكون حديثك عن الواقع فعلاً.. لا عن الغيب.
- أن يكون حديثك داخل حدود الشرق الأوسط... حتى يكون عن التجربة، وليس نقلاً عن الحواديت والحكايات!
أبدأ -يا عزيزى الرئيس- واكتب أن أول تجربة لنا مع روسيا بدأت فى رانجون عاصمة بورما.
وآخر تجربة لنا مع روسيا لا تزال دائرة حتى الآن فى موسكو.
أول تجربة هى: السلاح.
وآخر تجربة هى: اتفاق التعاون الصناعى.
أنت طبعاً -يا عزيزى الرئيس- بحكم اطلاعك تعرف أن الفصل الأول فى صفقة الأسلحة التى اشترتها مصر من روسيا- بدأ فى قصر الحاكم العام فى رانجون ليلة 15 إبريل سنة 1955.
فى تلك الليلة لم يكن القصر الكبير العتيق يدرك أنه يشهد حدثاً ضخماً فى سياسة الشرق الأوسط، وإنما كانت الحياة فى القصر تدور وكأن كل شىء كما تعود أن يكون.
كانت الليلة ليلة عيد الماء فى بورما.
وحضر الاحتفال بالعيد فى القصر تلك الليلة ثلاثة ضيوف، جمال عبد الناصر من مصر ونهرو من الهند وشوين لاى من الصين وكانت أول مرة يلتقى فيها عبد الناصر وشوين لاى.
تقابلا فى نفس اليوم فى المطار، نزل عبد الناصر من الطائرة، فوجد شوين لاى يستقبله على غير معرفة شخصية بينهما.
كان كلاهما يعرف الآخر سماعاً.
ومد شوين لاى يده إلى المصرى يقول له.
- إننا نتابع بإعجاب كفاحك.
وأمسك جمال عبد الناصر بيد الصينى الممدودة له وقال:
- إننا نتابع الجهود العظيمة التى تبذلونها فى بلادكم.
واتفقا على موعد للقاء فى مساء نفس اليوم، فى صالون فى الدور الثانى من قصر الحاكم العام فى بورما.
فى هذا الصالون، فى الدور الثانى فى القصر العتيق فى رانجون، بدأت صفقة الأسلحة.
تقابل الرجلان، تحدثا فى الموقف العالمى، فى الشرق الأقصى، والشرق الأوسط، وكان الشرق الأوسط يعج بالأحداث يومها: حلف بغداد، الغارة على غزة، محاولات مصر لتسليح نفسها لتستطيع مقاومة العدوان بالعدوان.
وقال جمال عبد الناصر أنه يحاول أن يشترى السلاح من أى مكان.
ثم توجه بسؤال مباشر إلى شوين لاى.
- هل يبيعنى الروس سلاحاً... لو طلبت منهم.
وقال شوين لاى:
- إذا أذنت لى فإننى أجس لك النبض: وأظنهم لا يمانعون.
وحين جاء "سولود" سفير روسيا فى القاهرة وقتها يبلغ أن روسيا مستعدة لأن تبيع لمصر ما تطلبه من سلاح قال:
"بناء على الحديث الذى دار بين الرئيس جمال عبد الناصر وبين الرئيس شوين لاى تبدى الحكومة الروسية استعدادها و... الخ".
هكذا أول تجربة.
وآخر تجربة حين أبدت روسيا استعدادها أن تتعاون مع مصر تعاوناً اقتصادياً فتقدم لها آلات ومصانع فى حدود ما قيمته 62 مليون جنيه.
وما زال وزير الصناعة المصرى فى موسكو يدفع التجربة إلى نهايتها العملية ويعود بالمصانع وراءه على السفن!
وبين أول تجربة وآخر تجربة عبرت مياه كثيرة فى نهر العلاقات بين مصر وبين روسيا نفذت روسيا ما تعهدت به.
جاء إلى مصر خبراء روس أدوا مهمتهم ورحلوا، لم يحاول أحدهم أن يتجاوز حده.
وجهت روسيا إنذارها المشهور وقت عدوان بورسعيد.
باعت روسيا لمصر القمح حين نفد احتياطيها ورفضت أمريكا أن تبيع لها ما يسد رمقها.
وجهت روسيا إنذارها المشهور وقت التربص التركى بسوريا.
وإذن -يا عزيزى الرئيس- ما الذى سوف تكتبه:
على ضوء الواقع فعلاً - كما اتفقنا.
على ضوء تجربتنا نحن - كما اتفقنا أيضاً.
ولقد توجه لى -يا عزيزى الرئيس- سؤالاً يبدو معقولاً... ومنطقياً فى نفس الوقت.
- ولماذا تفعل روسيا هذا كله... هل تفعله لسواد عيوننا نحن العرب؟
لقد اتفقنا أنه ليس فى السياسة ملائكة؟
ومسألة "سواد العيون" لا تجوز ولا تنطلى على أحد.
وإذن فلا بد أن يكون للروس قصد ولا بد لهم من غرض.
أو بمعنى أدق:
ما هو الثمن الذى تريد روسيا أن تحصل عليه فى مقابل كل هذا الذى تقدمه لنا؟
هذا -يا عزيزى الرئيس- سؤال ذكى أنا معك فى مقدمات السؤال.
ليس فى السياسة ملائكة، وليس للسياسة عواطف، بل أنا أمضى إلى أكثر من ذلك فأقول إنه ليست فى السياسة مبادئ.
إن المبادئ فى السياسة تشبه الأعلام الملونة، المزركشة بالذهب والفضة التى ترفعها الجيوش المتحاربة فوق رؤوسها لتزيد من قابليتها لسفك الدم.
وإنما السياسة مصالح... هذه هى الحقيقة.
إن الحلفاء لم يقاتلوا هتلر، دفاعاً عن الديمقراطية.
كانت الديمقراطية هى العلم المزركش.. وأما المصالح فقد كانت هدف الحرب الحقيقى... المصالح فى المستعمرات!!
وحين تفعل روسيا هذا الذى تفعله لدول الشرق الأوسط العربية فإنها تستوحى نفس الاعتبار: المصالح.
إن ماركس لم يوص الشيوعيين بالعرب خيراً، ولا لينين ترك لهم حقاً على روسيا فى وصيته!
وإنما كان الأمر.... مصالح.
هى إذن -يا عزيزى الرئيس- مصلحة تعطى لتأخذ، وتقبض وتدفع!
ولقد يكون سؤالك بعدها:
- عال... اتفقنا أو قاربنا الاتفاق... إن روسيا تعطى فما الذى تتوقع أن تأخذه، وهى تدفع، فما الذى تنتظر أن تقبضه؟
ولسوف أرد عليك -يا عزيزى الرئيس- فأقول:
إن روسيا أخذت مقدماً، وقبضت فعلاً لقد كانت سياسة الغرب، هى محاصرة روسيا بالأحلاف العسكرية، وبالقواعد التى تستطيع تدمير كل بقعة من أرضها.
وأنشئ حلف جنوب شرقى آسيا s.e.a.t.o.
وأنشئ حلف الأطلنطى n.a.t.o.
ولم يعد باقياً إلا حلف فى الشرق الأوسط بين الحلف الآسيوى، والحلف الأوربى لتتم حلقات الحصار.
ورفضت مصر...
رفضت لنفسها، وللمنطقة، واستجابت شعوب كثيرة، وتجاوبت مع الموقف الذى وقفته مصر.
ولم يكن رفض مصر ولم يكن موقفها خدمة لروسيا، فلم يكن بين مصر وروسيا وقتها تقارب أو اتفاق.
بل أن مصر رفضت، واتخذت موقفها مستوحية مصالحها، ومصالح المنطقة.
وأولها أن لا تعرض نفسها لحرب لا تملك أسلحتها، ولمطامع لا تطلبها لنفسها!
ولكن ذلك لا يمنع أن روسيا استفادت من هذا الرفض ومن هذا الموقف.
وفى اللجنة المركزية للحزب الشيوعى فى روسيا نفسها، قال خروشتشيف هذا الأمر صراحة فى نزاعه مع مولوتوف... قال:
- لا نستطيع أن نقف سلبيين من حركات التحرير فى الشرق الأوسط.
إذا لم نتقدم لمساعدتها، وإذا لم تستطع هذه الحركات أن تصمد، فسوف تتحول بلاد الشرق الأوسط كلها إلى قواعد، وتصبح شعوبها جيوشاً يتعين علينا أن نحسب حسابها فى صفوف أعدائنا.
وأنا أرى أن نتحرك فى الشرق الأوسط دفاعاً عن أنفسنا.
بذلك نقلل عدد القواعد التى ستعمل ضدنا فى وقت الحرب.
وبذلك نقلل عدد الجيوش التى ستساق لقتالنا فى يوم الخطر.
وإذن فقد كانت لروسيا -يا عزيزى الرئيس- مصلحة.
ولم تخط روسيا خطواتها الجديدة فى الشرق الأوسط إلا عن إدراك لهذه المصلحة...
كانت لها مصلحة.
وكانت لنا مصلحة.
هكذا التقينا، فى مرحلة معينة، من طريقهم إلى ما يريدون، ومن طريقنا نحن إلى ما نريد.
وإذن فلا ملائكة، لا نحن ولا هم ولا سواد عيون، لا نحن ولا هم.
ولقد يتبقى لديك - يا عزيزى الرئيس سؤال آخر... وأخير!
قد تقول لى:
- ماذا عن الشيوعيين المحليين... هؤلاء الذين ينادون بالولاء لموسكو.
ومن غير تردد سوف يكون ردى عليك.
إن الذين ينادون بالولاء لسلطة من خارج أوطانهم.. خونة لهذه الأوطان، مهما كان لون السلطة الأجنبية التى ينادون بالولاء لها.
وهكذا فإن الذى يرى أن الكرملين -فى موسكو- هو مصدر الوحى، لا يقل فى رأيى جرماً عن الذين يتلقون هذا الوحى، من البيت الأبيض فى واشنطن، ومن البيت رقم 10 داوننج ستريت - فى لندن كلهم فى الخيانة سواء.
وابحث فى قانون العقوبات فى بلادك -يا عزيزى الرئيس- وضع إصبعك على المادة التى تعاقب خيانة الأوطان ثم طبقها -يا عزيزى الرئيس- كما ترى أن مصالح بلادك تقتضيك.
لم يبق يا عزيزى الرئيس إلا أن أشكرك على خطابك لى، وعلى صحبتك خلال هذا الحديث الطويل ولعلك تكون غفرت ولك التحية والاحترام.
http://nasser.bibalex.org/data/media/signture.gif
إنتهي نقل سلسلة هذه المقالات عن العقد النفسية التى تحكم الشرق الأوسط مقالات بصراحة - الأهرام- بتاريخ ٢٠ من جــزء 7 حتي 7 وسيتم نشر سلسلة أخري من مقالات محمد حسنين هيكل ... حتي نساهم في زيادة التوعية القومية والوطنية والعربية ونوسع أفق المعرفة السياسية العامة
د. يحي الشاعر
الأهرام- بتاريخ ٢٠/٠١/١٩٥٨
جــزء 7 من 7
(7) العقد النفسية التى تحكم الشرق الأوسط
وعقدة روسيا.!؟
خطاب من رئيس حكومة عربي
مظروف أنيق، وخطاب فى داخله يعلوه شعار عريق.
ورسالة شيقة ممتعة.
والإمضاء، لرئيس عربى، رئيس لإحدى الحكومات العربية.
والخطاب تسلمته أمس، موضوع الخطاب هو: "هذه المقالات التى أكتبها عن الموقف فى الشرق الأوسط اليوم".
وفى الخطاب عبارات تقول، يقول فيها الرئيس العربى، مرسل الخطاب:
"لقد تابعت باهتمام هذه السلسلة التى تنشرها عن العقد النفسية التى تحكم الشرق الأوسط.. قرأت ما كتبته عن "عقدة الذنب" عند حكام لبنان، وعن عقد الذنب عند حكام بلاد عربية أخرى غير لبنان، حكام بدأوا الآن يفيقون ويحسون بالحرج الذى تورطوا فيه، وراء خطط أو رغبات أو أمانى السياسة الأمريكية- سمها كما تشاء!
وقرأت ما كتبته عن العقد النفسية عند دالاس، والمسلك الوعر الذى تدحرجت السياسة الأمريكية إليه على عهده.
وكذلك قرأت "عقدة أوديب" الذى خرج من الأسطورة الإغريقية قبل الميلاد، ليتقمص روح بريطانيا بعد عشرين قرناً من الميلاد.
وهذا كله طيب، وحسن.
ولقد أكون معك -إن لم يكن فى كل ما قلت- ففى كثير منه على الأقل. ويدخل فى ذلك - لكى أؤكد لك إنصافي - هذا الذى تعرضت فيه لبلادى فيما ورد فى مقالاتك!
ولكن يتبقى شىء، إذا كنت أيضاً تريد أن تؤكد إنصافك - وإذا كنت فيما تقول، تصدر عن ميزان محايد، لا يميل مع الهوى ولا ينحاز!
هذا الشىء هو: هل سيجيء دور روسيا فى "عقدك النفسية" التى تحكم الشرق الأوسط، أم أن روسيا أصبحت فى هذا الشرق الأوسط "تابو" - أى قداسة لا تمس؟!
لا أريد أن أورطك فيما قد يحرجك.
ولكن - وكما وافقتك على كثير مما قلته أنت حتى الآن، لعلك توافقنى على هذا القليل الذى سأقوله لك الآن:
"إن روسيا تلعب دوراً بارزاً فى الشرق الأوسط، ولا أظنك سوف تقول لى إن روسيا مبرأة من "العقد" مشفية سلفاً من جميع مسبباتها".
إذا صدق ذلك، أفلا يحق لى ولغيرى. أن يتصور أن روسيا أصبحت "تابو" قداسة لا تمس؟
وإذا صدق ذلك، أفلا يحق لى ولغيرى، أن يتصور أن ميزان الحياد فى تقديرك قد مال، وبالتالى أن "عدم الانحياز" الذى طالما تردد ذكره فى مقالاتك ليس فى حقيقته وواقع أمره إلا "انحيازاً".. انحيازاً لروسيا؟!".
انتهى خطاب الرئيس العربى!
فى وقته تماماً جاءنى هذا الخطاب.
لقد كان حسابى أن يكون هذا المقال - السابع فى السلسلة - عن دور روسيا فى الشرق الأوسط اليوم.
ولكنى كنت فى حيرة من النقطة التى أبدأ منها الحديث، والطريق الذى أسلكه بعد البداية، والنتيجة التى أصل إليها قبل أن ألقى القلم من يدى وأطوى الصفحات.
وعندما وصلت إلى السطر الأخير فى خطاب الرئيس العربى، كان السطر الأول فى مقالى - على طرف لسانى.
لقد كتب لى خطاباً.. وسأرد عليه.
وهما عصفوران بحجر.
يقرأ هو ما سوف أكتبه: رداً على خطابه، ويقرأه الناس معه: مقالاً فى السلسلة.
وهذا هو الخطاب... الخطاب المقال!
القاهرة فى 21 يناير سنة 1958.
عزيزى الرئيس:
لعلك ستغفر لى هذه الحفنة من الأخطاء.
خطأ أننى سمحت لنفسى أن أنشر رسالتك، وخطأ أننى سمحت لنفسى أن أبعث إليك الرد عليها، لا داخل مظروف مختوم كما كان البروتوكول يحتم، وإنما على صفحات جريدة يطالعها فى نفس الوقت مئات الألوف.
ولعل من أعذارى فى طلب الغفران، أننى لم أنشر اسمك، وأعدك أننى لن أنشره إلا إذا أذنت لى صراحة فى ذلك النشر، ويا ليتك تفعل.
ولعل دافعى إلى النشر -هو أيضاً من أعذارى فى طلب الغفران - ذلك أن الذى تقوله أنت، يقوله غيرك، فهى إذن قضية عامة تستحق أن تناقش لا بالهمس، ولا بالوشوشة، ولكن بصوت واضح مسموع، وإلا كنا نحن أيضا، أنت وأنا، ضحايا عقدة نفسية، يخبئها الخوف، فى قلوب الضعفاء!
والآن إذا كنت قد غفرت فاسمح لى أن ادخل فى موضوع ردى على خطابك، وإذا لم تكن قد غفرت، فلا تعتبر هذا رداً، واعتبره مجرد مقال.
إن سياسة روسيا فى الشرق الأوسط يا عزيزى الرئيس - ليست "تابو" أى ليست قداسة لا ينبغى أن تمس.
ولو أننا تخيلنا ذلك لحظة، لكنا بذلك نتخلى عن أنبل حق يضمنه لنا عدم الانحياز..
هذا الحق النبيل هو الحرية فى المجال الدولى.
إن المعنى العملى لعدم الانحياز هو أننا لا نربط أنفسنا بكتلة من الكتل المتصارعة، وإنما نقرر بأنفسنا فى كل مشكلة تعرض أمامنا، أين هو الحق كما نراه، وأين هو الباطل كما نراه، ولقد نخطئ فى قرارنا، ولسنا ندعى العصمة فى كل قرار، ولكن المؤكد أن ما يصدر عنا هو استجابة طبيعية لضمائرنا، وليس استجابة طيعة لأمر أو وحى من خارج نفوسنا.
فلو تخيلنا أن روسيا قداسة لا تمس إذن لكان ذلك تخليا عن رأينا، عن ضميرنا، عن حريتنا.
ولو أن ذلك كان يجوز، فما الذى كان أضنى قلوبنا على كل هذا الذى تحملنا -و نتحمله- لنتمرد ونثور على "القداسة" التى كانت لدول الاستعمار الغربى فى بلادنا.
إن الذى يخضع مرة... يخضع كل مرة والذى يرضى أن يكون ذيلاً، لا يهمه أن يكون ذيلاً لأسد - الأسد البريطانى - أو ذيلاً لدب - الدب الروسى.
هذا كلام واضح ومنطقى، وأظنك -يا عزيزى الرئيس- لا تخالفنى فيه؟!
إذا وصلنا إلى هذه النقطة -يا عزيزى الرئيس- فدعنى أتساءل.
- ما الذى جعلك تتصور أن سياسة روسيا فى الشرق الأوسط "تابو" أى قداسة لا تمس؟
الرد على التساؤل هو:
- لأننا لا نقاوم إلا سياسة الغرب، ولا نهاجم إلا سياسة الغرب، ولا نفضح إلا سياسة الغرب!
أليس كذلك؟ أليس ذلك ما كان يمكن أن تقوله؟ أنا أقوله معك، وهو صحيح: نحن لا نقاوم إلا سياسة الغرب. ولا نهاجم إلا سياسة الغرب، ولا نفضح إلا سياسة الغرب!
ولكن دعنى أسألك.
- لماذا نفعل ذلك؟
دعنى أرد، لا أظن أننا سنختلف على هذا الرد.
كان الاستعمار الغربى -و ليس روسيا- هو الذى يحتل بلادنا، وكان واجبنا أن نقاوم ونهاجم ونفضح، لنجلى المحتل الغاضب عن بلادنا.
وكان الاستعمار الغربى -و ليس روسيا- هو الذى علق المشانق وفتح السجون لأبطالنا، وكان واجبنا أن نقاوم ونهاجم ونفضح لنحقق الأهداف التى حارب من أجلها الأبطال.
وكان الاستعمار الغربى وليس روسيا -هو الذى استولى على خيرات بلادنا- يستوى فى ذلك معابرها المائية كقناة السويس أو كنوزها الدفينة فى باطن الأرض كمنابع البترول وكان واجبنا أن نقاوم ونهاجم ونفضح، على الأقل لكى نحصل على بعض حقنا إذا عز علينا أن نحصل على كل ما هو من حقنا.
وكان الاستعمار الغربى -و ليس روسيا- هو الذى فرض علينا عروش الطغيان تستبد بنا وتتحكم فى مصائرنا، وكان واجبنا أن نقاوم ونهاجم ونفضح - لكى تندك العروش الطاغية، أو ليستقيم أمرها فتدرك أن لا حياة لها إذا لم تسند قوائمها الشعوب.
وكان الاستعمار الغربى - وليس روسيا- هو الذى حاول أن يفرض علينا الضعف حين حبس عنا السلاح، وكان واجبنا أن نقاوم ونهاجم ونفضح - لكى نوفر لأنفسنا ما نستطيع به أن ندافع عن بلادنا.
وكان الاستعمار الغربى -و ليس روسيا- هو الذى سير إلينا الأساطيل، وألقى القنابل على مدننا، وأسقط جنود الباراشوت طليعة تمهد لاحتلال مجرم سفاك دماء، وكان واجبنا أن نقاوم ونهاجم ونفضح كى لا تعود السلاسل والأغلال فتربطنا سبعين سنة جديدة.. كالسنين السبعين الأخرى!
ثم كان الاستعمار الغربى -و ليس روسيا- هو الذى حاول تجويعنا، وكان واجبنا أن نقاوم ونفضح - حتى نجد الطعام.. نجد الخبز.. نجد حبات القمح.
ثم كان الاستعمار الغربى -و ليس روسيا- هو الذى تآمر علينا وبذل قصارى جهده لتمزيق وحدتنا، وكان واجبنا أن نقاوم ونهاجم ونفضح حتى تحبط المؤامرة، وحتى تبقى وحدتنا سنداً لنا وذخراً.
فهل كان يمكن -يا عزيزى الرئيس- أن نقاوم ونهاجم ونفضح غير الاستعمار الغربى؟!
لقد كنا فى كل ما قمنا به ندافع عن أنفسنا، لم يكن كل ما قمنا به "فعل"، وإنما كان رد فعل..
إن زمام المبادأة لم يكن فى أيدينا، إن زمام المبادأة دائماً فى يد الأقوى، ولسنا "الأقوى" فى صراعنا مع الاستعمار، ولكن ليس معنى أننا لسنا "الأقوى" أن التسليم محتوم علينا.
ولقد أثبتت التجارب أن النصر ليس دائماً "للأقوى" فإن للنصر عوامل أخرى غير مجرد القوة المادية، وذلك بحث آخر على كل حال، ودعنا نعد إلى موضوعنا الأصيل!
ولقد تسألنى -يا عزيزى الرئيس- إذا كان ذلك هو موقف الاستعمار الغربى منا، فهل أصبحت روسيا ملاكاً يبشر بالسلام والخير للبشر جميعا؟
وأقول لك على الفور:
- إن البشر بشر، ولن يصبح البشر ملائكة، هذا رأيى!
ولقد تقول لى بعدها:
إذن حدثنا، عن مطامع البشر، عن شهوات البشر فى سياسة روسيا فى الشرق الأوسط.
إذا قلت لى ذلك فسوف يكون لى عندك -يا عزيزى الرئيس- سوف أطلب منك- يا عزيزى الرئيس - أن تترك مقعدك العالى الكبير، وتجيء لتجلس على هذا المعقد البسيط الصغير الذى أجلس عليه أنا.
تعال هنا مكانى، على مكتبى وأمامك ورقى، وامسك قلمى، واكتب عن مطامع روسيا وشهواتها فى الشرق الأوسط لا تحدثنا عن النوايا، فإن النوايا كلها فى مكنون الغيب.
ولسوف يبدو الأمر مضحكاً حقاً، إذا ذهبنا نتقصى النوايا، فى أعماق روسيا، هذا بينما الأفعال، القائمة فعلاً، تمسك بتلابيب الاستعمار الغربى.. وتدينه.
سوف يبدو الأمر مضحكاً، أن ننسى جرائم القتل، الواقعة عملاً، فى الجزائر، وفى المحميات، وفى العراق وفى الأردن، جرائم قتل الأفراد وجرائم قتل الشعوب لكى نصيح.
- آه... الحقوا واضبطوا... إن روسيا تفكر فى حادثة نشل؟!
وكذلك لا تحدثنا عما يجرى خارج أوطاننا، فإن الرأى فيه يختلف، والنقاش يطول.
وكذلك سوف يبدو الأمر مضحكاً حقا، إذا نسينا الذى حدث منذ أكثر قليلاً من عام فى بورسعيد، لكى نذكر الذى حدث منذ أكثر قليلاً من عام فى بودابست عاصمة المجر.
ومع ذلك فإن الرأى يختلف والحديث يطول فى هذا الذى حدث فى المجر.
ولقد مررت بنفسى فى بودابست منذ شهرين، وبضميرى أحسست أنه إذا كان فى بودابست غضبة من روسيا، فإن الغضبة من أمريكا أشد وأمر.
لقد تصادمت أمريكا مع روسيا فى المجر وقضت الصدفة وسوء الحظ أن يكون شعب المجر الوديع فى منطقة الصدام، وكاد التصادم بين الكتلتين أن يعصره ويسحقه.
لقد قامت فى بودابست حركة تطالب بمزيد من الحرية، تماماً كما حدث فى بولندا تحت قيادة "جومولكا".
فلماذا نجحت حركة المطالبة بمزيد من الحرية فى وارسو، وانتهت الحركة المماثلة لها فى بوادبست إلى المأساة المحزنة التى انتهت إليها.
كانت روسيا جرياً على سياستها الجديدة على استعداد لأن تعطى.
أعطت فى بولندا:
نقلت الماريشال الروسى روكوسفسكى الذى كان يحكم بولندا فعلاً من منصب وزير الدفاع، سحبت القوات الروسية من وارسو.
فتحت باب السجن ليخرج منه "جومولكا" ليجلس على مقعد رئيس الوزراء وكانت الحركة فى بولندا عاقلة.
كانت "تشد" من يد روسيا بقدر ما كانت روسيا تستطيع أن تعطى.
وهكذا حققت معركة الحرية فى بولندا أهدافها.
أما فى المجر فاختلف الأمر.
حاولت أمريكا أن تستغل حركة الحرية فى الحرب الباردة بينها وبين روسيا.
وبدأ راديو "أوروبا الحرة" الذى توجهه أمريكا على شرق أوروبا، يثير ويهيج، وبدأت المخابرات الأمريكية تصرف وتنفق.
ولم يكن "ناجى" الذى تصدى لقيادة حركة الحرية فى المجر فى مثل اتزان "جومولكا" وتقديره للموقف.
وهكذا حاول أن "يشد" من يد روسيا بأكثر مما كانت روسيا تستطيع أن تعطى وكانت الكارثة.
قامت المذابح فى الشوارع.
وراديو أوروبا الحرة يصور الأمر كما لو كان جنود الباراشوت الأمريكان سينزلون بعد عشر دقائق من السماء لمساعدة الثوار.
وفقد" ناجى" أعصابه وجرى إلى محطة الإذاعة يصرخ باللغة الإنجليزية:
- النجدة.. النجدة!
وانتهزت بريطانيا الفرصة وبدأت عملياتها العسكرية فى السويس.. بل فى هذه الفرصة عرضت بريطانيا على الاتحاد السوفيتى رسمياً:
"أن تحترم مصالحه فى المجر، إذا احترم مصالحها فى السويس"!! وهكذا..
وكان لروسيا رأى آخر فى الموقف فى الشرق الأوسط.
وهكذا وجه الماريشال زوكوف دباباته لقمع الثورة فى بودابست.
وكانت الأوامر لديه أن يفرغ من ذلك فى 24 ساعة، حتى تستعيد روسيا قدرتها على الحركة فى الشرق الأوسط.
وكُتب على شعب المجر الوديع أن يدفع ثمن الحرب الباردة كاملاً.. وأن يشارك فى جزء من ثمن العدوان على مصر.
ذلك ما حدث فى المجر... كما رأيته بعينى فى بودابست.
والرأى فيه يختلف والحديث يطول.
ومع ذلك فلنجعل حديثنا داخل حدودنا وإذن -فخذ مكانى، يا عزيزى الرئيس- واكتب عن مطامع روسيا فى الشرق الأوسط وعن شهواتها، على أساس ما اتفقنا عليه.
- أن يكون حديثك عن الواقع فعلاً.. لا عن الغيب.
- أن يكون حديثك داخل حدود الشرق الأوسط... حتى يكون عن التجربة، وليس نقلاً عن الحواديت والحكايات!
أبدأ -يا عزيزى الرئيس- واكتب أن أول تجربة لنا مع روسيا بدأت فى رانجون عاصمة بورما.
وآخر تجربة لنا مع روسيا لا تزال دائرة حتى الآن فى موسكو.
أول تجربة هى: السلاح.
وآخر تجربة هى: اتفاق التعاون الصناعى.
أنت طبعاً -يا عزيزى الرئيس- بحكم اطلاعك تعرف أن الفصل الأول فى صفقة الأسلحة التى اشترتها مصر من روسيا- بدأ فى قصر الحاكم العام فى رانجون ليلة 15 إبريل سنة 1955.
فى تلك الليلة لم يكن القصر الكبير العتيق يدرك أنه يشهد حدثاً ضخماً فى سياسة الشرق الأوسط، وإنما كانت الحياة فى القصر تدور وكأن كل شىء كما تعود أن يكون.
كانت الليلة ليلة عيد الماء فى بورما.
وحضر الاحتفال بالعيد فى القصر تلك الليلة ثلاثة ضيوف، جمال عبد الناصر من مصر ونهرو من الهند وشوين لاى من الصين وكانت أول مرة يلتقى فيها عبد الناصر وشوين لاى.
تقابلا فى نفس اليوم فى المطار، نزل عبد الناصر من الطائرة، فوجد شوين لاى يستقبله على غير معرفة شخصية بينهما.
كان كلاهما يعرف الآخر سماعاً.
ومد شوين لاى يده إلى المصرى يقول له.
- إننا نتابع بإعجاب كفاحك.
وأمسك جمال عبد الناصر بيد الصينى الممدودة له وقال:
- إننا نتابع الجهود العظيمة التى تبذلونها فى بلادكم.
واتفقا على موعد للقاء فى مساء نفس اليوم، فى صالون فى الدور الثانى من قصر الحاكم العام فى بورما.
فى هذا الصالون، فى الدور الثانى فى القصر العتيق فى رانجون، بدأت صفقة الأسلحة.
تقابل الرجلان، تحدثا فى الموقف العالمى، فى الشرق الأقصى، والشرق الأوسط، وكان الشرق الأوسط يعج بالأحداث يومها: حلف بغداد، الغارة على غزة، محاولات مصر لتسليح نفسها لتستطيع مقاومة العدوان بالعدوان.
وقال جمال عبد الناصر أنه يحاول أن يشترى السلاح من أى مكان.
ثم توجه بسؤال مباشر إلى شوين لاى.
- هل يبيعنى الروس سلاحاً... لو طلبت منهم.
وقال شوين لاى:
- إذا أذنت لى فإننى أجس لك النبض: وأظنهم لا يمانعون.
وحين جاء "سولود" سفير روسيا فى القاهرة وقتها يبلغ أن روسيا مستعدة لأن تبيع لمصر ما تطلبه من سلاح قال:
"بناء على الحديث الذى دار بين الرئيس جمال عبد الناصر وبين الرئيس شوين لاى تبدى الحكومة الروسية استعدادها و... الخ".
هكذا أول تجربة.
وآخر تجربة حين أبدت روسيا استعدادها أن تتعاون مع مصر تعاوناً اقتصادياً فتقدم لها آلات ومصانع فى حدود ما قيمته 62 مليون جنيه.
وما زال وزير الصناعة المصرى فى موسكو يدفع التجربة إلى نهايتها العملية ويعود بالمصانع وراءه على السفن!
وبين أول تجربة وآخر تجربة عبرت مياه كثيرة فى نهر العلاقات بين مصر وبين روسيا نفذت روسيا ما تعهدت به.
جاء إلى مصر خبراء روس أدوا مهمتهم ورحلوا، لم يحاول أحدهم أن يتجاوز حده.
وجهت روسيا إنذارها المشهور وقت عدوان بورسعيد.
باعت روسيا لمصر القمح حين نفد احتياطيها ورفضت أمريكا أن تبيع لها ما يسد رمقها.
وجهت روسيا إنذارها المشهور وقت التربص التركى بسوريا.
وإذن -يا عزيزى الرئيس- ما الذى سوف تكتبه:
على ضوء الواقع فعلاً - كما اتفقنا.
على ضوء تجربتنا نحن - كما اتفقنا أيضاً.
ولقد توجه لى -يا عزيزى الرئيس- سؤالاً يبدو معقولاً... ومنطقياً فى نفس الوقت.
- ولماذا تفعل روسيا هذا كله... هل تفعله لسواد عيوننا نحن العرب؟
لقد اتفقنا أنه ليس فى السياسة ملائكة؟
ومسألة "سواد العيون" لا تجوز ولا تنطلى على أحد.
وإذن فلا بد أن يكون للروس قصد ولا بد لهم من غرض.
أو بمعنى أدق:
ما هو الثمن الذى تريد روسيا أن تحصل عليه فى مقابل كل هذا الذى تقدمه لنا؟
هذا -يا عزيزى الرئيس- سؤال ذكى أنا معك فى مقدمات السؤال.
ليس فى السياسة ملائكة، وليس للسياسة عواطف، بل أنا أمضى إلى أكثر من ذلك فأقول إنه ليست فى السياسة مبادئ.
إن المبادئ فى السياسة تشبه الأعلام الملونة، المزركشة بالذهب والفضة التى ترفعها الجيوش المتحاربة فوق رؤوسها لتزيد من قابليتها لسفك الدم.
وإنما السياسة مصالح... هذه هى الحقيقة.
إن الحلفاء لم يقاتلوا هتلر، دفاعاً عن الديمقراطية.
كانت الديمقراطية هى العلم المزركش.. وأما المصالح فقد كانت هدف الحرب الحقيقى... المصالح فى المستعمرات!!
وحين تفعل روسيا هذا الذى تفعله لدول الشرق الأوسط العربية فإنها تستوحى نفس الاعتبار: المصالح.
إن ماركس لم يوص الشيوعيين بالعرب خيراً، ولا لينين ترك لهم حقاً على روسيا فى وصيته!
وإنما كان الأمر.... مصالح.
هى إذن -يا عزيزى الرئيس- مصلحة تعطى لتأخذ، وتقبض وتدفع!
ولقد يكون سؤالك بعدها:
- عال... اتفقنا أو قاربنا الاتفاق... إن روسيا تعطى فما الذى تتوقع أن تأخذه، وهى تدفع، فما الذى تنتظر أن تقبضه؟
ولسوف أرد عليك -يا عزيزى الرئيس- فأقول:
إن روسيا أخذت مقدماً، وقبضت فعلاً لقد كانت سياسة الغرب، هى محاصرة روسيا بالأحلاف العسكرية، وبالقواعد التى تستطيع تدمير كل بقعة من أرضها.
وأنشئ حلف جنوب شرقى آسيا s.e.a.t.o.
وأنشئ حلف الأطلنطى n.a.t.o.
ولم يعد باقياً إلا حلف فى الشرق الأوسط بين الحلف الآسيوى، والحلف الأوربى لتتم حلقات الحصار.
ورفضت مصر...
رفضت لنفسها، وللمنطقة، واستجابت شعوب كثيرة، وتجاوبت مع الموقف الذى وقفته مصر.
ولم يكن رفض مصر ولم يكن موقفها خدمة لروسيا، فلم يكن بين مصر وروسيا وقتها تقارب أو اتفاق.
بل أن مصر رفضت، واتخذت موقفها مستوحية مصالحها، ومصالح المنطقة.
وأولها أن لا تعرض نفسها لحرب لا تملك أسلحتها، ولمطامع لا تطلبها لنفسها!
ولكن ذلك لا يمنع أن روسيا استفادت من هذا الرفض ومن هذا الموقف.
وفى اللجنة المركزية للحزب الشيوعى فى روسيا نفسها، قال خروشتشيف هذا الأمر صراحة فى نزاعه مع مولوتوف... قال:
- لا نستطيع أن نقف سلبيين من حركات التحرير فى الشرق الأوسط.
إذا لم نتقدم لمساعدتها، وإذا لم تستطع هذه الحركات أن تصمد، فسوف تتحول بلاد الشرق الأوسط كلها إلى قواعد، وتصبح شعوبها جيوشاً يتعين علينا أن نحسب حسابها فى صفوف أعدائنا.
وأنا أرى أن نتحرك فى الشرق الأوسط دفاعاً عن أنفسنا.
بذلك نقلل عدد القواعد التى ستعمل ضدنا فى وقت الحرب.
وبذلك نقلل عدد الجيوش التى ستساق لقتالنا فى يوم الخطر.
وإذن فقد كانت لروسيا -يا عزيزى الرئيس- مصلحة.
ولم تخط روسيا خطواتها الجديدة فى الشرق الأوسط إلا عن إدراك لهذه المصلحة...
كانت لها مصلحة.
وكانت لنا مصلحة.
هكذا التقينا، فى مرحلة معينة، من طريقهم إلى ما يريدون، ومن طريقنا نحن إلى ما نريد.
وإذن فلا ملائكة، لا نحن ولا هم ولا سواد عيون، لا نحن ولا هم.
ولقد يتبقى لديك - يا عزيزى الرئيس سؤال آخر... وأخير!
قد تقول لى:
- ماذا عن الشيوعيين المحليين... هؤلاء الذين ينادون بالولاء لموسكو.
ومن غير تردد سوف يكون ردى عليك.
إن الذين ينادون بالولاء لسلطة من خارج أوطانهم.. خونة لهذه الأوطان، مهما كان لون السلطة الأجنبية التى ينادون بالولاء لها.
وهكذا فإن الذى يرى أن الكرملين -فى موسكو- هو مصدر الوحى، لا يقل فى رأيى جرماً عن الذين يتلقون هذا الوحى، من البيت الأبيض فى واشنطن، ومن البيت رقم 10 داوننج ستريت - فى لندن كلهم فى الخيانة سواء.
وابحث فى قانون العقوبات فى بلادك -يا عزيزى الرئيس- وضع إصبعك على المادة التى تعاقب خيانة الأوطان ثم طبقها -يا عزيزى الرئيس- كما ترى أن مصالح بلادك تقتضيك.
لم يبق يا عزيزى الرئيس إلا أن أشكرك على خطابك لى، وعلى صحبتك خلال هذا الحديث الطويل ولعلك تكون غفرت ولك التحية والاحترام.
http://nasser.bibalex.org/data/media/signture.gif
إنتهي نقل سلسلة هذه المقالات عن العقد النفسية التى تحكم الشرق الأوسط مقالات بصراحة - الأهرام- بتاريخ ٢٠ من جــزء 7 حتي 7 وسيتم نشر سلسلة أخري من مقالات محمد حسنين هيكل ... حتي نساهم في زيادة التوعية القومية والوطنية والعربية ونوسع أفق المعرفة السياسية العامة
د. يحي الشاعر