معتصم الحارث الضوّي
31-12-2007, 06:45 PM
قد يكون من المبالغة القول ان سنة 2007 الثقافية العربية كانت سنة الشعر بامتياز، الا ان نظرة بانورامية للوقائع والاصدارات التي شهدتها السنة المنصرمة تُظهر كيف كانت المناسبات والظروف المختلفة تحلّ في كل مرة كذريعة لاعادة طرح سؤال الحداثة الشعرية وما حققته قصيدة النثر بين التنظير والممارسة، فضلاً عن التطور الذي لحق بمفهوم الشعر نفسه، وذلك في ما يشبه الامتداد "غير المنظَّم" للمؤتمر الاول لقصيدة النثر الذي عُقد في 2006 في الجامعة الاميركية في بيروت. أهم هذه المناسبات كانت بلا شك مرور خمسين سنة على تأسيس مجلة "شعر"، ثم كان غياب رائدة من رواد الشعر الحر الشاعرة العراقية نازك الملائكة عن عمر ناهز الرابعة والثمانين، قبل ان تأتي وفاة الشاعر العراقي سركون بولص أخيراً وصدور ديوانه "عظمة أخرى لكلب القبيلة" لدى "منشورات الجمل" بعد وفاته، لتذكّر مرة إضافية بأن قصيدة النثر العربية ليست قصيدة واحدة وكذلك هي منابعها ومرجعياتها. في الاطار نفسه قرأنا رامبو كاملاً في العربية للمرة الاولى (ترجمة كاظم جهاد) في طبعة سعت الى تصويب الصورة التي قدّمت فيها الحداثة العربية الشاعر الرائي، فكانت مناسبة اضافية لوقفة نقدية وتقويمية رصينة لحداثتنا والحداثيين.
في الرواية، هدأت طفرة الروايات الوافدة من الخليج والمكتوبة بأقلام نسائية تحت عنوان الفضح والانتهاك، لمصلحة تجارب أكثر نضجاً نسبياً على صعيد اللغة والخطاب العام، ولو حملت العنوان نفسه احياناً.
حفلت 2007 اذاً بالاصدارات الشعرية والنثرية والترجمية. في ما يأتي نكتفي بالتسجيل والملاحظة ونترك التقويم لوقفات أكثر تأنياً، مع ادراكي التام أن نظرتي مهما تحاول ان تكون جامعة ستظل تدور في فلك ذاتيتين ومركزيتين: الاصدارات التي تمّت في بيروت وما تسنّت لي قراءته من هذه الاصدارات تحديداً.
في الشعر
كان الاحتفال بمرور خمسين سنة على صدور مجلة "شعر" - وتسعين على ولادة مؤسس المجلة يوسف الخال وعشرين على وفاته - مناسبة لإعادة طرح سؤال الحداثة بعامة والحداثة الشعرية على وجه الخصوص، اذ خصّت معظم الملاحق والصفحات الثقافية هذه المناسبة بوقفات راوحت بين الاحتفاء التقديسي المفرط واعادة النظر النقدية الجادة. على ضوء تلك الاسئلة والقراءات استقبلت اكثر من عاصمة عربية الاعمال الكاملة لأكثر من شاعر مكرَّس. هكذا صدرت في بيروت "الاعمال الشعرية" لعباس بيضون لدى "االمؤسسة العربية للدراسات والنشر"، فكانت فرصة استثنائية لاستعادة هذا المسار الشعري المغاير الممتد على ما يفوق 25 سنة، واعادة قراءة هذا الشعر الذي يقارب العالم في تحلّله البطيء بلغة عرفت كيف تُفرغ العبارة من ذاكرتها البلاغية الموروثة لتعيد بناءها على بلاغة خاصة ومختلفة.
اما القاهرة فاستقبلت "الاعمال الكاملة" لأنسي الحاج التي صدرت في ثلاثة مجلدات عن الهيئة العامة لقصور الثقافة، في ما يشبه الاعتراف بما لشاعر "لن" من فضل على قصيدة النثر.
دمشق من ناحيتها كانت على موعد مع "الاعمال الكاملة" لسنية صالح التي ضمت كل ما كتبته الشاعرة من شعر وقصة ومقالات نقدية وحوارات وذلك لدى "منشورات وزارة الثقافة" السورية. نعود الى بيروت، حيث قرأنا "الاعمال الشعرية" لرشيد الضعيف لدى "دار الساقي" ("حين حل السيف على الصيف" 1979، و"لا شيء يفوق الوصف" 1980، و"اي ثلج يهبط بسلام" 1993)، فأعدنا اكتشافها بعد اكثر من 25 سنة على صدورها لنتبيّن كم انها لا تزال راهنة بلغتها وجمالياتها والاسئلة التي تستدعيها. ايضاً، صدرت "الاعمال الشعرية" لفاضل العزاوي و"معمار البراءة" لكاظم جهاد لدى "منشورات الجمل"، كما اعادت "دار النهضة العربية" من جهتها اصدار "أكياس الفقراء" (1958) يليه "خطوات الملك" (1960) لشوقي ابي شقرا في طبعة ثانية. كذلك اصدرت المؤسسة العربية للدراسات والنشر "الأعمال الشعرية" لسليم بركات.
في المقابل، كانت الدار نفسها التي انطلقت في مشروعها الشعري الجريء السنة الفائتة تستكمل ما بدأته منذ عام مقدّمةً فيضاً من الاصدارات الشعرية للشباب فيها حصة كبيرة. ورغم التفاوت الكبير في مستوى هذه الاعمال الا انها كشفت عن اصوات شديدة الخصوصية لا تبدو آبهة الا بقول ما لديها بعيداً من المشاريع والبيانات والشعارات، في تجارب على درجة هائلة من التنوع والاختلاف وحتى التعارض. تجارب قد لا يجمعها الا تأكيدها لتلك المسافة التي قد تصل الى حد القطيعة بينها وبين السابقين. وضمن هذا التوجه أتى مشروع مجلة "نقد" على هِناته الكثيرة، ليصبّ في الاطار نفسه عاكساً رغبة لدى الشباب في طرح بدائل لصيغ ولغات لم تعد تشبههم.
أكثر من صوت شبابي بدا لافتاً هذه السنة، من زكي بيضون في "ملعب من الوقت النائم" وهو كتابه الثاني بعد "جندي عائد من حرب البكالوريا" رسّخ فيه صوته المتمايز والفريد، الى رامي الأمين الذي نجح في مجموعته الاولى "انا شاعر كبير" في ارساء هوية خاصة جريئة ونزقة ولعبية، فزينب عساف التي قدّمت بعد تجربتها الاولى في "صلاة الغائب" مجموعتها الثانية التي حملت عنوان "بوّاب الذاكرة الفظ" وضمّت قصائد تقول بخفوت هادر وبنبرة لا تخلو من سخرية سوداء رفضاً وتمرداً غير اعتياديين، والمجموعات الثلاث لدى "دار النهضة العربية". من جهته، واصل ناظم السيد في "ارض معزولة بالنوم" الصادر لدى "دار رياض الريس" في سلسلة "الكوكب" مسيرة من الاكثر نضجاً، مقدّماً قصائد مصقولة بتأنٍّ ذهني وشعوري كبير.
بعيداً من صراع الاجيال الشعري هذا، انتحلت جمانة حداد في "مرايا العابرات في المنام" الصادر لدى "دار النهار" و"الدار العربية للعلوم ناشرون"، أصوات 12 شاعرة منتحرات من حول العالم وصادرت شخصياتهن في لعبة نزقة مع الموت رغبة بتدجينه والانتصار عليه، في قصائد سعت الى شعريتها بالكلمة والصورة والكولاج والتجهيز.
من ناحيته، تابع يحيى جابر في "كأنني امرأة مطلقة" الصادر لدى "دار النهضة العربية" مسيرته الشعرية الشديدة الخصوصية، ممارساً على اللغة ما يشبه اعادة التدوير ونازعاً عنها لحمها الميت ليرمي خارجها ما ألصقته بها دواع جمالية بدأت ظرفية قبل ان تتجذر كخلايا سرطانية خبيثة، مقدّماً ما يشبه الاعلان العنيف لخروج القصيدة عن بداوتها ومنحها تالياً مسوّغاتها المدينية المعاصرة.
قرأنا هذه السنة ايضاً "القديس X" لجوزف عيساوي لدى "دار النهضة العربية"، في قصائد تعيد صوغ العلاقة بين الزمنين الالهي والبشري، من خلال صور رقيقة على شفير الانثوية تقول ألم النفس وحزنها ووحدتها وكآبتها، طارحةً الموت كسؤال فلسفي ووجودي. قرأنا ايضاً "عنكبة"، المجموعة الاولى لشادي علاء الدين لدى "دار الانتشار العربي"، و"تتبرّج لأجلي" لزاهي وهبي لدى "الدار العربية للعلوم"، و"العروس" لماهر شرف الدين لدى "منشورات الجمل"، و"من الصعب ان ابتكر صيفاً" لمنذر مصري لدى "دار رياض الريس"، و"يأتي الليل ويأخذني" لأحمد راشد ثاني لدى "دار النهضة العربية"، و"اهدأ هاملت، تنشق جنون أوفيليا" و"وراق يبيع كتب النجوم" لأدونيس.
وصلنا كذلك: "نبيذها أزرق ويؤنس الزجاج" لآمال نوار، و"حمامة على بنت جبيل" لحلمي سالم، و"كم يبعد دون كيشوت" لمحمود عبد الغني، و"سألقي التحية على قراصنة ينتظرون الاعصار" لسيف الرحبي، و"على انفراد" لحسن نجمي، و"الغيوم التي في الضواحي" لمحمد علي شمس الدين، و"هيكل الزهر" لفاطمة ناعوت، و"تاريخ قصير" للمصرية رنا التونسي وكلها لدى "دار النهضة العربية". أيضا: "في محاولة مني" لصباح زوين لدى "دار نلسن"، و"صراخ الاشجار" و"لا شيء من كل هذا" لشوقي بزيع لدى "دار الآداب". صدر كذلك: "كما يخسر الانبياء" لحسين جلعاد لدى "المؤسسة العربية للدراسات والنشر"، و"انا واشيائي" لهنري فريد صعب لدى "دار نلسن" حيث الشاعر في مواجهة مع اشياء عالمه الصغير وهي مواجهة منطوية على بُعد عدائي وعدواني كبير.
في الرواية
بعيداً من التصنيفات والتيارات والاتجاهات، روايتان قد تكونان من أجمل ما قرأت هذه السنة: الاولى هي "جوع" للمصري محمد البساطي الصادرة لدى "دار الآداب". في 134 صفحة يروي البساطي الجوع في واقعية قارصة وشديدة البلاغة، كيف يصير الجوع محور الحياة ومحرّكها الوحيد والتابو الأكبر بحيث يعزل كل ما عداه ويهمّشه. تتحوّل الحياة الى لحظات متقطعة لا مكان فيها للاحلام والخطط والمشاريع الا ما هو لحظويّ وموجَّه لاسكات قرقرة معدة تطالب بأن تمضغ غير نفسها. الرواية الثانية هي "في بلاد الرجال" للكاتب الليبي هشام مطر سأذكرها هنا مع انها كُتبت اصلاً بالانكليزية (وصلت الى نهائيات جائزة "بوكر" في 2006) واعادت "دار المدى" اصدارها في ترجمة لسكينة ابراهيم. يعيد الكاتب فيها صوغ مفاهيم البطولة والقومية والهوية والانتماء بلغة أصيلة لا مكان فيها للايديولوجيا.
أما من أكثر الروايات التي اثارت جدالاً هذه السنة فهي "برهان العسل" لسلوى النعيمي الصادرة لدى دار "رياض الريس". بين الطرح الجريء والمعالجة المفتقرة الى البعد الابتكاري الكافي، حاولت الكاتبة توجيه اصبع الاتهام الى مجتمع منافق في علاقته مع الجنس مستعينة بكتب التراث العربي التي تناولت هذا الموضوع، الا انها - اي الكاتبة - سقطت في نبرة خطابية جعلت النص أشبه بالمرافعة التبريرية الطويلة وحوّلت الجنس من تجربة شخصية حميمة الى مفهوم عام يفتش عن مسوّغاته خارجاً. وهذا هو تحديداً الفرق بين هذه الرواية وما يُكتب في الفترة الاخيرة ويكون الجنس محوره. وقد يكون افضل نموذج صدر هذه السنة لتقديمه كمثال على ما نقوله هو رواية "حب في السعودية" لابراهيم بادي. لا تملك هذه الرواية الجرأة اللفظية الموجودة في "برهان العسل" ونراها تكتب الجنس بوعي أقل، الا انها لا تسقط في فخ التبرير الذي سقطت فيه الرواية الأخرى. يكتب بادي الحياة الجنسية لبطله في لغة من صلب الزمن الراهن، لغة تربطها لحمة حميمة مع نزوع عام الى واقعية سلبية ومستلبة، نسخية وتسجيلية من نوع "تلفزيون الواقع" تكتفي فيها يد الكاتب - المخرج بتأمين اطار مبتكر لحوادث خام. الا ان هذه اللغة ستظل عاجزة عن ان تقول الا نفسها في انتظار ان تتمكن ذات يوم من قول ما هو اكثر.
هذا الـ"أكثر" يقترب منه بحياء محمد حسن علوان في "طوق الطهارة" الصادرة لدى "دار الساقي"، محاولاً فهم سيكولوجيا الحب وارتباطها بالاطار المديني الذي تنمو فيه من خلال قصة حب تجري حوادثها في السعودية. تبقى المعالجة الاكثر عمقاً ووعياً للاشكاليات التي تطرحها مسألة الجنس بوصفه مدخلاً الى قضايا اخرى بينها غربة اللغة والمدن والاوطان، هو ما قدّمته العراقية عالية ممدوح تحت عنوان "التشهي"، الرواية الصادرة لدى "دار الآداب". من خلال بطلها سرمد برهان الدين المصاب بعجز جنسي، قدّمت الكاتبة الجنس كأحد التجليات الحسية الاعنف لتقهقر نفسي وعاطفي لكن وجودي خصوصاً، يتخذ من الجسد الهارب الى الامام ومن شهواته مسرحاً. بعيداً من تيمة الجنس لكن بالنبرة الاتهامية نفسها التي اعتمدتها ممدوح، قدّم علي بدر في "الركض وراء الذئاب" الصادرة لدى "المؤسسة العربية للدرات والنشر"، محاولة راديكالية لنسف الفكر الثوري الذي استبد في منتصف القرن الفائت بأجيال كاملة تركت كل شيء وسارت خلف الحلم بتغيير العالم، قبل ان تنتهي بها الحال في المقاهي تجترّ مصطلحات بائدة. وكانت الدار نفسها اعادت في وقت سابق من هذه السنة اصدار الطبعة الثانية من رواية "شتاء العائلة" لبدر بعد طبعة اولى في 2002 لدى "دار الشؤون الثقافية" في بغداد.
وصلتنا هذه السنة ايضاً رواية "كأنها نائمة" للكاتب الياس خوري، وهي معالجة روائية تتخذ من الحلم مرجعاً وركيزة، في حكاية تأخذ شكل منامات ليس بعدها من استفاقة. قرأنا ايضا "التلصص" لصنع الله ابراهيم لدى "دار المستقبل العربي"، التي يروي فيها الكاتب المصري تلصص صبي صغير على عالم الكبار وتلصص رجل من جيل الستينات على طفولته البعيدة، على ما كتبت فاطمة ناعوت في "النهار". اما ابراهيم فرغلي فتحدث عما تكشفه مشاهدات الصبي في الرواية من "ازمة الطبقة الوسطى، وكيف ان معاناتها في الوقت المعاصر ليست سوى امتدادات لأزمات عاشتها حتى في تلك الفترة التاريخية المختلفة".
من جهة اخرى، وللمرة الاولى بعد 58 عاماً على صدورها في بيروت لدى "دار الآداب"، صدرت "اولاد حارتنا" لنجيب محفوظ لدى "دار الشروق"في طبعة مصرية "رسمية". كما صدرت "الاعمال الكاملة" للقاص الاردني خليل قنديل عن "المؤسسة العربية للدراسات والنشر". وتحت عنوان "كنتُ شيوعياً" اعادت "منشورات الجمل" اصدار الاعترافات التي نشرها بدر شاكر السياب في 1959 في جريدة "الحرية" البغدادية (اعداد خالد احمد حسن). في دمشق، صدرت "دلعون" للروائي السوري نبيل سليمان لدى "دار الحوار"، وفيها يستكمل الروائي السوري ما بدأه منذ روايته الاولى "مجاز العشق" في 1998 في نفض ارث جيله من روائيي الستينات عن كاهل لغته الروائية، على ما كتبت روزا ياسين حسن، وذلك من خلال قصة دريد الكاتب الروائي الذي يعود من الشارقة بعد ان يلقي محاضرة عن تمظهرات فكرة الديكتاتور في الرواية العربية ليعتقل لدى وصوله الى المطار.
نعود الى بيروت، حيث قدّم سامر أبو هواش في "السعادة او سلسلة انفجارات هزّت العاصمة" لدى "منشورات الجمل" ما يشبه البحث الروائي بوسائل غير تقليدية عن مفهوم السعادة، في تجربته الروائية الثانية بعد "عيد العشاق".
وصلتنا ايضاً الروايات: "قابيل اين اخوك هابيل" لابراهيم الكوني، و"الخلعاء" لخليل النعيمي وكلتاهما لدى "المؤسسة العربية للدراسات والنشر". "ما حدث في جزر تامايا" لإملي نصرالله لدى "دار نوفل"، و"الصفحة الثانية" لإلهام منصور لدى "دار رياض الريس" وهي سيرتها الروائية الرابعة بعد "الى هبى" و"هبى في رحلة الجسد" و"حين كنتُ رجلاً".
ايضاً: "الانطاكي" لشكيب خوري لدى منشورات "بيسان"، "نون في المحراب" لأمينة غصن الصادر لدى "دار الفارابي" وهو كتاب تقول عنه كاتبته انه "ضد تسليع الجسد او المرأة، حتى لو كان العاشق رباً للارباب او كاهناً نذر العفة". كذلك: "هذا الأندلسي" للمغربي سالم حمّيش الصادرة لدى "دار الآداب" حيث يستعيد حياة المتصوف الغامض ابن سبعين. "شيكاغو" لعلاء الاسواني بعد "عمارة يعقوبيان"، "غسان والعاهرات" لماهر السعدي لدى "دار الجديد"، "سوق النساء" للمغربي جمال بوطيب، "شارون وحماتي، مذكرات رام الله" لسعاد العامري لدى "دار الآداب" (ترجمة سعيد الايوبي).
في ما يتعلّق بالجوائز المخصصة للرواية تحديداً شهدت هذه السنة تأسيس "الجائزة العالمية للرواية العربية" بالشراكة مع "بوكر" و"مؤسسة الامارات"، وهي النسخة العربية لجائزة "بوكر" الانغلوفونية، قيمتها خمسون الف دولار اميركي كما ان الرواية التي تفوز بها ستترجم الى الانكليزية والفرنسية والايطالية والالمانية والاسبانية. أثار اعلان الجائزة وشروط الترشّح لها ضجة كبيرة، ومنازعات علنية وفي الكواليس بين الكتّاب ودور النشر بسبب اشتراطها ان يصدر الترشيح عن دار النشر وليس عن المؤلف نفسه، علماً ان كل دار نشر لا يمكنها ان ترشح الا ثلاث روايات. في كانون الثاني ستُعلن الاسماء الستة التي وصلت الى التصفية النهائية على ان يُعلن اسم الفائز في شباط.
في الاعمال النثرية
بعد اربع وثلاثين سنة من صدوره الاول اعادت "دار رياض الريس" اصدار "يوميات الحزن العادي" لمحمود درويش في طبعة رابعة جديدة ومنقحة. كانت قراءة الكتاب مرة جديدة في السياق السياسي والفكري والايديولوجي الراهن دعوة لنتساءل عند بعض محطاته عما اذا كان لا يزال في الامكان اليوم ان نغنّي لغزة انها "برتقال ملغوم، واطفال بدون طفولة، وشيوخ بلا شيخوخة، ونساء بلا رغبات" بالبراءة القديمة نفسها، وعما اذا كان في وسعنا القول "انا انتحر اذاً انا اعيش" ونكون نتحدث عن الانتحار والعيش اياهما.
في أدب السيرة وصلنا "هذه ليست سيرة" لحازم صاغية لدى "دار الساقي". اما في اليوميات فقرأنا "لا شيء لا احد، يوميات في الشمال الاوروبي" لفاروق يوسف الصادر لدى "المؤسسة العربية للدراسات والنشر" والفائز بجائزة ابن بطوطة لكتابة اليوميات. من جهتها، قدمت ايتل عدنان في "رحلة الى جبل تملباييس" الصادر لدى منشورات "أمار" باللغتين العربية والانكليزية (ترجمة أمل ديبو)، اكثر من نص، اختباراً شعرياً ووجودياً وصوفياً تحوّل فيه "المكان الجغرافي الى مفهوم روحي". وقبله كنا قرأنا لها "باريس عندما تتعرى" الذي صدر هذه السنة بالعربية لدى دار الساقي (ترجمة مي مظفر) بعد صدوره الاول بالانكليزية في 1993.
في الترجمة
كانت السنة حافلة بالاصدرات الترجمية، وقد يكون الاصدار الابرز لسنة 2007، والأبرز منذ سنين ربما، هو "آرتور رامبو، الآثار الشعرية" لكاظم جهاد الصادر لدى "منشورات الجمل" و"آفاق للنشر والتوزيع". في العمل الذي استحق صفة "الحدث" لشمولية نظرته واحترافيتها، قدّم الشاعر والناقد العراقي أكثر من ترجمة في معناها الأوّلي، مجرياً بحثاً "شعرياً ونقدياً وتاريخياً" على رامبو الشاعر والانسان، ومقارباً عمله وحياته كوحدة واحدة. ضم العمل مقدمات لكل من ألان جوفروا وألان بورير وعباس بيضون فضلاً عن المقدمة - الدراسة للمترجم. كان الاصدار مناسبة لمساءلة النظرة التي قدّم فيها رواد الحداثة رامبو تحت لوائها واعادة تصويبها لما شاب هذه النظرة من اختزال وسوء فهم، وهو الامر الذي قام به عباس بيضون في مقدمته التي حملت عنوان "استئناف رامبو" وما عمل الكتاب بكامله على ترسيخه.
للمترجم نفسه قرأنا ايضاً في النصف الاول من السنة "الاشعار الفرنسية الكاملة" لراينر ماريا ريلكه التي صدرت كذلك لدى "منشورات الجمل". وفي العملين يبرز البعد النقدي المرافق لعملية الترجمة والوعي الحاد للاشكاليات التي تطرحها اللغة في المنطقة التي يتقاطع عندها المعنى والايقاع. في جهد منهجي دقيق افتقدته الترجمة العربية حتى وقت طويل، شكّل العملان ما يشبه المرافعة ضد ما يسمّيه جهاد "الاذن الطهرانية" و"التلقي العقلاني والتطهري للغة".
من الاعمال الترجمية المهمة التي تلقفتها لغة الضاد هذه السنة ايضاً نذكر "على الطريق" لجاك كرواك التي ترجمها سامر ابو هواش لدى "منشورات الجمل". لم يكتفِ هواش بدوره بمجرّد ترجمة الرواية التي شكلت عنوان جيل بكامله، بل سعى كذلك الى الاضاءة على المسوغات الثقافية والسوسيولوجية التي تجعل قراءتها اليوم بالعربية شأنا ملحاً وضرورياً. من ترجمة أبو هواش ايضاً ولدى "منشورات الجمل" كذلك، صدرت هذه السنة رواية "بوذا الضواحي" للباكستاني البريطاني حنيف قريشي، وهي الرواية التي نال عنها كاتبها في 1990 جائزة افضل رواية اولى. قرأنا ايضاً بمتعة بالغة "الوقت لا ينقضي" لدى "المركز الثقافي العربي" وهي انطولوجيا من ترجمة بسام حجار واعداده ضمت ست عشرة قصة من حول العالم لاثني عشر كاتباً هم: تنيسي وليامز، خورخي لويس بورخيس، بوهوميل أرابال، ريموند كارفر، دانيلّو كيش، ج. م. غوستاف لوكليزيو، بيو سونغ-لنغ، خوان خوسيه ساير، آرفو فالتون، فاتسلاف هافل، سلافومير مروجِك، ليوناردو شاشا.
أنطولوجيا أخرى لكن شعرية هذه المرة، قدّمتها جمانة حداد تحت عنوان "سيجيء الموت وستكون له عيناك"، وهو عمل ذو بُعد موسوعي صدر لدى "دار النهار" و"الدار العربية للعلوم ناشرون"، وضم قصائد لمئة وخمسين شاعراً انتحروا في القرن العشرين. في 656 صفحة من القطع الكبير أنجزت الشاعرة والمترجمة حصيلة أربع سنوات من الاجتهاد البحثي والترجمي والشعري على السواء.
وصلَنا هذه السنة ايضاً عمل الباحث والمترجم المغربي محمد آيت لعميم تحت عنوان "خورخي لويس بورخيس، أسطورة الأدب" الذي يضم اعمالاً لبورخيس (محاضرات حول مفاهيم ادبية وفلسفية) واعمالاً اخرى عنه كتبها كل من جورج أروين وامبرتو ايكو وليلى بيرون موازي وعبد الفتاح كليطو وخوان غويتيسولو وآرون كيبيدي فارغا وبيار ماشري وانطونيو تابوكي، اضافة الى مكاشفات بورخيس واعترافاته من خلال الحوارات التي اجريت معه، فضلاً عن حوار اجراه المؤلف مع ماريا قداما، زوجة بورخيس.
قرأنا أيضاً "رباعيات" فرناندو بسوا في ترجمة لاسكندر حبش لدى "منشورات الجمل"، و"الصوت والحجر" وهي انطولوجيا لايف بونفوا لدى "منشورات الجمل" و"آفاق للنشر والتوزيع" للمترجم والشاعر التونسي محمد بن صالح. وفي اول ترجمة عربية لها منذ صدورها في 1897، قدّم محمد بنيس قصيدة "رمية نرد" لمالارميه لدى "دار توبقال" في الدار البيضاء. وصلنا كذلك: "الاعمال الشعرية الكاملة" للشاعر الايطالي جوزيبي أونغاريتي ترجمة عادل السيوي لدى "دار ميريت" في القاهرة. "سأم باريس" لشارل بودلير ترجمة بشير السباعي لدى "منشورات الجمل" و"آفاق للنشر والتوزيع". "مئة سوناتة حب" لبابلو نيرودا لدى "دار كنعان" في دمشق ترجمة الشاعر الاردني طاهر رياض وتقديم الكاتب والروائي اللبناني الياس خوري. "حاشية على اسم الوردة، آليات الكتابة" لامبرتو ايكو وهو ملحق نقدي اصدره الكاتب الايطالي بعد ثلاث سنوات من صدور عمله الاشهر "اسم الوردة" في 1980، وقد صدر هذه السنة في ترجمة للناقد والسيميائي المغربي سعيد بنكراد في منشورات "علامات".
غيابات
الى نازك الملائكة وسركون بولص، خسر المشهد الثقافي العربي إحدى أهم "منشّطيه" الناشرة والكاتبة والفنانة وصاحبة "دار الساقي" مي غصوب التي رحلت عن خمسة وخمسين عاماً اثر حادث صحي طارئ. كما خسرنا ايضاً أسعد رزوق الذي كان احد الوجوه الفكرية والنقدية في حركة الشعر الحديث والفلسفة والتاريخ وأحد اركان مجلة "شعر".
احتفالات
150 عاماً على ولادة خليل سعادة. 100 عام على وفاة مؤسس باكورة الصحف اللبنانية، خليل الخوري. 80 على ولادة الشاعر والمسرحي الفلسطيني معين بسيسو. 60 على رحيل الكاتبة لبيبة ماضي هاشم. 40 على رحيل رئيف خوري. 50 على رحيل ايليا ابو ماضي.
منقول عن موقع "اليسار الديمقراطي"
في الرواية، هدأت طفرة الروايات الوافدة من الخليج والمكتوبة بأقلام نسائية تحت عنوان الفضح والانتهاك، لمصلحة تجارب أكثر نضجاً نسبياً على صعيد اللغة والخطاب العام، ولو حملت العنوان نفسه احياناً.
حفلت 2007 اذاً بالاصدارات الشعرية والنثرية والترجمية. في ما يأتي نكتفي بالتسجيل والملاحظة ونترك التقويم لوقفات أكثر تأنياً، مع ادراكي التام أن نظرتي مهما تحاول ان تكون جامعة ستظل تدور في فلك ذاتيتين ومركزيتين: الاصدارات التي تمّت في بيروت وما تسنّت لي قراءته من هذه الاصدارات تحديداً.
في الشعر
كان الاحتفال بمرور خمسين سنة على صدور مجلة "شعر" - وتسعين على ولادة مؤسس المجلة يوسف الخال وعشرين على وفاته - مناسبة لإعادة طرح سؤال الحداثة بعامة والحداثة الشعرية على وجه الخصوص، اذ خصّت معظم الملاحق والصفحات الثقافية هذه المناسبة بوقفات راوحت بين الاحتفاء التقديسي المفرط واعادة النظر النقدية الجادة. على ضوء تلك الاسئلة والقراءات استقبلت اكثر من عاصمة عربية الاعمال الكاملة لأكثر من شاعر مكرَّس. هكذا صدرت في بيروت "الاعمال الشعرية" لعباس بيضون لدى "االمؤسسة العربية للدراسات والنشر"، فكانت فرصة استثنائية لاستعادة هذا المسار الشعري المغاير الممتد على ما يفوق 25 سنة، واعادة قراءة هذا الشعر الذي يقارب العالم في تحلّله البطيء بلغة عرفت كيف تُفرغ العبارة من ذاكرتها البلاغية الموروثة لتعيد بناءها على بلاغة خاصة ومختلفة.
اما القاهرة فاستقبلت "الاعمال الكاملة" لأنسي الحاج التي صدرت في ثلاثة مجلدات عن الهيئة العامة لقصور الثقافة، في ما يشبه الاعتراف بما لشاعر "لن" من فضل على قصيدة النثر.
دمشق من ناحيتها كانت على موعد مع "الاعمال الكاملة" لسنية صالح التي ضمت كل ما كتبته الشاعرة من شعر وقصة ومقالات نقدية وحوارات وذلك لدى "منشورات وزارة الثقافة" السورية. نعود الى بيروت، حيث قرأنا "الاعمال الشعرية" لرشيد الضعيف لدى "دار الساقي" ("حين حل السيف على الصيف" 1979، و"لا شيء يفوق الوصف" 1980، و"اي ثلج يهبط بسلام" 1993)، فأعدنا اكتشافها بعد اكثر من 25 سنة على صدورها لنتبيّن كم انها لا تزال راهنة بلغتها وجمالياتها والاسئلة التي تستدعيها. ايضاً، صدرت "الاعمال الشعرية" لفاضل العزاوي و"معمار البراءة" لكاظم جهاد لدى "منشورات الجمل"، كما اعادت "دار النهضة العربية" من جهتها اصدار "أكياس الفقراء" (1958) يليه "خطوات الملك" (1960) لشوقي ابي شقرا في طبعة ثانية. كذلك اصدرت المؤسسة العربية للدراسات والنشر "الأعمال الشعرية" لسليم بركات.
في المقابل، كانت الدار نفسها التي انطلقت في مشروعها الشعري الجريء السنة الفائتة تستكمل ما بدأته منذ عام مقدّمةً فيضاً من الاصدارات الشعرية للشباب فيها حصة كبيرة. ورغم التفاوت الكبير في مستوى هذه الاعمال الا انها كشفت عن اصوات شديدة الخصوصية لا تبدو آبهة الا بقول ما لديها بعيداً من المشاريع والبيانات والشعارات، في تجارب على درجة هائلة من التنوع والاختلاف وحتى التعارض. تجارب قد لا يجمعها الا تأكيدها لتلك المسافة التي قد تصل الى حد القطيعة بينها وبين السابقين. وضمن هذا التوجه أتى مشروع مجلة "نقد" على هِناته الكثيرة، ليصبّ في الاطار نفسه عاكساً رغبة لدى الشباب في طرح بدائل لصيغ ولغات لم تعد تشبههم.
أكثر من صوت شبابي بدا لافتاً هذه السنة، من زكي بيضون في "ملعب من الوقت النائم" وهو كتابه الثاني بعد "جندي عائد من حرب البكالوريا" رسّخ فيه صوته المتمايز والفريد، الى رامي الأمين الذي نجح في مجموعته الاولى "انا شاعر كبير" في ارساء هوية خاصة جريئة ونزقة ولعبية، فزينب عساف التي قدّمت بعد تجربتها الاولى في "صلاة الغائب" مجموعتها الثانية التي حملت عنوان "بوّاب الذاكرة الفظ" وضمّت قصائد تقول بخفوت هادر وبنبرة لا تخلو من سخرية سوداء رفضاً وتمرداً غير اعتياديين، والمجموعات الثلاث لدى "دار النهضة العربية". من جهته، واصل ناظم السيد في "ارض معزولة بالنوم" الصادر لدى "دار رياض الريس" في سلسلة "الكوكب" مسيرة من الاكثر نضجاً، مقدّماً قصائد مصقولة بتأنٍّ ذهني وشعوري كبير.
بعيداً من صراع الاجيال الشعري هذا، انتحلت جمانة حداد في "مرايا العابرات في المنام" الصادر لدى "دار النهار" و"الدار العربية للعلوم ناشرون"، أصوات 12 شاعرة منتحرات من حول العالم وصادرت شخصياتهن في لعبة نزقة مع الموت رغبة بتدجينه والانتصار عليه، في قصائد سعت الى شعريتها بالكلمة والصورة والكولاج والتجهيز.
من ناحيته، تابع يحيى جابر في "كأنني امرأة مطلقة" الصادر لدى "دار النهضة العربية" مسيرته الشعرية الشديدة الخصوصية، ممارساً على اللغة ما يشبه اعادة التدوير ونازعاً عنها لحمها الميت ليرمي خارجها ما ألصقته بها دواع جمالية بدأت ظرفية قبل ان تتجذر كخلايا سرطانية خبيثة، مقدّماً ما يشبه الاعلان العنيف لخروج القصيدة عن بداوتها ومنحها تالياً مسوّغاتها المدينية المعاصرة.
قرأنا هذه السنة ايضاً "القديس X" لجوزف عيساوي لدى "دار النهضة العربية"، في قصائد تعيد صوغ العلاقة بين الزمنين الالهي والبشري، من خلال صور رقيقة على شفير الانثوية تقول ألم النفس وحزنها ووحدتها وكآبتها، طارحةً الموت كسؤال فلسفي ووجودي. قرأنا ايضاً "عنكبة"، المجموعة الاولى لشادي علاء الدين لدى "دار الانتشار العربي"، و"تتبرّج لأجلي" لزاهي وهبي لدى "الدار العربية للعلوم"، و"العروس" لماهر شرف الدين لدى "منشورات الجمل"، و"من الصعب ان ابتكر صيفاً" لمنذر مصري لدى "دار رياض الريس"، و"يأتي الليل ويأخذني" لأحمد راشد ثاني لدى "دار النهضة العربية"، و"اهدأ هاملت، تنشق جنون أوفيليا" و"وراق يبيع كتب النجوم" لأدونيس.
وصلنا كذلك: "نبيذها أزرق ويؤنس الزجاج" لآمال نوار، و"حمامة على بنت جبيل" لحلمي سالم، و"كم يبعد دون كيشوت" لمحمود عبد الغني، و"سألقي التحية على قراصنة ينتظرون الاعصار" لسيف الرحبي، و"على انفراد" لحسن نجمي، و"الغيوم التي في الضواحي" لمحمد علي شمس الدين، و"هيكل الزهر" لفاطمة ناعوت، و"تاريخ قصير" للمصرية رنا التونسي وكلها لدى "دار النهضة العربية". أيضا: "في محاولة مني" لصباح زوين لدى "دار نلسن"، و"صراخ الاشجار" و"لا شيء من كل هذا" لشوقي بزيع لدى "دار الآداب". صدر كذلك: "كما يخسر الانبياء" لحسين جلعاد لدى "المؤسسة العربية للدراسات والنشر"، و"انا واشيائي" لهنري فريد صعب لدى "دار نلسن" حيث الشاعر في مواجهة مع اشياء عالمه الصغير وهي مواجهة منطوية على بُعد عدائي وعدواني كبير.
في الرواية
بعيداً من التصنيفات والتيارات والاتجاهات، روايتان قد تكونان من أجمل ما قرأت هذه السنة: الاولى هي "جوع" للمصري محمد البساطي الصادرة لدى "دار الآداب". في 134 صفحة يروي البساطي الجوع في واقعية قارصة وشديدة البلاغة، كيف يصير الجوع محور الحياة ومحرّكها الوحيد والتابو الأكبر بحيث يعزل كل ما عداه ويهمّشه. تتحوّل الحياة الى لحظات متقطعة لا مكان فيها للاحلام والخطط والمشاريع الا ما هو لحظويّ وموجَّه لاسكات قرقرة معدة تطالب بأن تمضغ غير نفسها. الرواية الثانية هي "في بلاد الرجال" للكاتب الليبي هشام مطر سأذكرها هنا مع انها كُتبت اصلاً بالانكليزية (وصلت الى نهائيات جائزة "بوكر" في 2006) واعادت "دار المدى" اصدارها في ترجمة لسكينة ابراهيم. يعيد الكاتب فيها صوغ مفاهيم البطولة والقومية والهوية والانتماء بلغة أصيلة لا مكان فيها للايديولوجيا.
أما من أكثر الروايات التي اثارت جدالاً هذه السنة فهي "برهان العسل" لسلوى النعيمي الصادرة لدى دار "رياض الريس". بين الطرح الجريء والمعالجة المفتقرة الى البعد الابتكاري الكافي، حاولت الكاتبة توجيه اصبع الاتهام الى مجتمع منافق في علاقته مع الجنس مستعينة بكتب التراث العربي التي تناولت هذا الموضوع، الا انها - اي الكاتبة - سقطت في نبرة خطابية جعلت النص أشبه بالمرافعة التبريرية الطويلة وحوّلت الجنس من تجربة شخصية حميمة الى مفهوم عام يفتش عن مسوّغاته خارجاً. وهذا هو تحديداً الفرق بين هذه الرواية وما يُكتب في الفترة الاخيرة ويكون الجنس محوره. وقد يكون افضل نموذج صدر هذه السنة لتقديمه كمثال على ما نقوله هو رواية "حب في السعودية" لابراهيم بادي. لا تملك هذه الرواية الجرأة اللفظية الموجودة في "برهان العسل" ونراها تكتب الجنس بوعي أقل، الا انها لا تسقط في فخ التبرير الذي سقطت فيه الرواية الأخرى. يكتب بادي الحياة الجنسية لبطله في لغة من صلب الزمن الراهن، لغة تربطها لحمة حميمة مع نزوع عام الى واقعية سلبية ومستلبة، نسخية وتسجيلية من نوع "تلفزيون الواقع" تكتفي فيها يد الكاتب - المخرج بتأمين اطار مبتكر لحوادث خام. الا ان هذه اللغة ستظل عاجزة عن ان تقول الا نفسها في انتظار ان تتمكن ذات يوم من قول ما هو اكثر.
هذا الـ"أكثر" يقترب منه بحياء محمد حسن علوان في "طوق الطهارة" الصادرة لدى "دار الساقي"، محاولاً فهم سيكولوجيا الحب وارتباطها بالاطار المديني الذي تنمو فيه من خلال قصة حب تجري حوادثها في السعودية. تبقى المعالجة الاكثر عمقاً ووعياً للاشكاليات التي تطرحها مسألة الجنس بوصفه مدخلاً الى قضايا اخرى بينها غربة اللغة والمدن والاوطان، هو ما قدّمته العراقية عالية ممدوح تحت عنوان "التشهي"، الرواية الصادرة لدى "دار الآداب". من خلال بطلها سرمد برهان الدين المصاب بعجز جنسي، قدّمت الكاتبة الجنس كأحد التجليات الحسية الاعنف لتقهقر نفسي وعاطفي لكن وجودي خصوصاً، يتخذ من الجسد الهارب الى الامام ومن شهواته مسرحاً. بعيداً من تيمة الجنس لكن بالنبرة الاتهامية نفسها التي اعتمدتها ممدوح، قدّم علي بدر في "الركض وراء الذئاب" الصادرة لدى "المؤسسة العربية للدرات والنشر"، محاولة راديكالية لنسف الفكر الثوري الذي استبد في منتصف القرن الفائت بأجيال كاملة تركت كل شيء وسارت خلف الحلم بتغيير العالم، قبل ان تنتهي بها الحال في المقاهي تجترّ مصطلحات بائدة. وكانت الدار نفسها اعادت في وقت سابق من هذه السنة اصدار الطبعة الثانية من رواية "شتاء العائلة" لبدر بعد طبعة اولى في 2002 لدى "دار الشؤون الثقافية" في بغداد.
وصلتنا هذه السنة ايضاً رواية "كأنها نائمة" للكاتب الياس خوري، وهي معالجة روائية تتخذ من الحلم مرجعاً وركيزة، في حكاية تأخذ شكل منامات ليس بعدها من استفاقة. قرأنا ايضا "التلصص" لصنع الله ابراهيم لدى "دار المستقبل العربي"، التي يروي فيها الكاتب المصري تلصص صبي صغير على عالم الكبار وتلصص رجل من جيل الستينات على طفولته البعيدة، على ما كتبت فاطمة ناعوت في "النهار". اما ابراهيم فرغلي فتحدث عما تكشفه مشاهدات الصبي في الرواية من "ازمة الطبقة الوسطى، وكيف ان معاناتها في الوقت المعاصر ليست سوى امتدادات لأزمات عاشتها حتى في تلك الفترة التاريخية المختلفة".
من جهة اخرى، وللمرة الاولى بعد 58 عاماً على صدورها في بيروت لدى "دار الآداب"، صدرت "اولاد حارتنا" لنجيب محفوظ لدى "دار الشروق"في طبعة مصرية "رسمية". كما صدرت "الاعمال الكاملة" للقاص الاردني خليل قنديل عن "المؤسسة العربية للدراسات والنشر". وتحت عنوان "كنتُ شيوعياً" اعادت "منشورات الجمل" اصدار الاعترافات التي نشرها بدر شاكر السياب في 1959 في جريدة "الحرية" البغدادية (اعداد خالد احمد حسن). في دمشق، صدرت "دلعون" للروائي السوري نبيل سليمان لدى "دار الحوار"، وفيها يستكمل الروائي السوري ما بدأه منذ روايته الاولى "مجاز العشق" في 1998 في نفض ارث جيله من روائيي الستينات عن كاهل لغته الروائية، على ما كتبت روزا ياسين حسن، وذلك من خلال قصة دريد الكاتب الروائي الذي يعود من الشارقة بعد ان يلقي محاضرة عن تمظهرات فكرة الديكتاتور في الرواية العربية ليعتقل لدى وصوله الى المطار.
نعود الى بيروت، حيث قدّم سامر أبو هواش في "السعادة او سلسلة انفجارات هزّت العاصمة" لدى "منشورات الجمل" ما يشبه البحث الروائي بوسائل غير تقليدية عن مفهوم السعادة، في تجربته الروائية الثانية بعد "عيد العشاق".
وصلتنا ايضاً الروايات: "قابيل اين اخوك هابيل" لابراهيم الكوني، و"الخلعاء" لخليل النعيمي وكلتاهما لدى "المؤسسة العربية للدراسات والنشر". "ما حدث في جزر تامايا" لإملي نصرالله لدى "دار نوفل"، و"الصفحة الثانية" لإلهام منصور لدى "دار رياض الريس" وهي سيرتها الروائية الرابعة بعد "الى هبى" و"هبى في رحلة الجسد" و"حين كنتُ رجلاً".
ايضاً: "الانطاكي" لشكيب خوري لدى منشورات "بيسان"، "نون في المحراب" لأمينة غصن الصادر لدى "دار الفارابي" وهو كتاب تقول عنه كاتبته انه "ضد تسليع الجسد او المرأة، حتى لو كان العاشق رباً للارباب او كاهناً نذر العفة". كذلك: "هذا الأندلسي" للمغربي سالم حمّيش الصادرة لدى "دار الآداب" حيث يستعيد حياة المتصوف الغامض ابن سبعين. "شيكاغو" لعلاء الاسواني بعد "عمارة يعقوبيان"، "غسان والعاهرات" لماهر السعدي لدى "دار الجديد"، "سوق النساء" للمغربي جمال بوطيب، "شارون وحماتي، مذكرات رام الله" لسعاد العامري لدى "دار الآداب" (ترجمة سعيد الايوبي).
في ما يتعلّق بالجوائز المخصصة للرواية تحديداً شهدت هذه السنة تأسيس "الجائزة العالمية للرواية العربية" بالشراكة مع "بوكر" و"مؤسسة الامارات"، وهي النسخة العربية لجائزة "بوكر" الانغلوفونية، قيمتها خمسون الف دولار اميركي كما ان الرواية التي تفوز بها ستترجم الى الانكليزية والفرنسية والايطالية والالمانية والاسبانية. أثار اعلان الجائزة وشروط الترشّح لها ضجة كبيرة، ومنازعات علنية وفي الكواليس بين الكتّاب ودور النشر بسبب اشتراطها ان يصدر الترشيح عن دار النشر وليس عن المؤلف نفسه، علماً ان كل دار نشر لا يمكنها ان ترشح الا ثلاث روايات. في كانون الثاني ستُعلن الاسماء الستة التي وصلت الى التصفية النهائية على ان يُعلن اسم الفائز في شباط.
في الاعمال النثرية
بعد اربع وثلاثين سنة من صدوره الاول اعادت "دار رياض الريس" اصدار "يوميات الحزن العادي" لمحمود درويش في طبعة رابعة جديدة ومنقحة. كانت قراءة الكتاب مرة جديدة في السياق السياسي والفكري والايديولوجي الراهن دعوة لنتساءل عند بعض محطاته عما اذا كان لا يزال في الامكان اليوم ان نغنّي لغزة انها "برتقال ملغوم، واطفال بدون طفولة، وشيوخ بلا شيخوخة، ونساء بلا رغبات" بالبراءة القديمة نفسها، وعما اذا كان في وسعنا القول "انا انتحر اذاً انا اعيش" ونكون نتحدث عن الانتحار والعيش اياهما.
في أدب السيرة وصلنا "هذه ليست سيرة" لحازم صاغية لدى "دار الساقي". اما في اليوميات فقرأنا "لا شيء لا احد، يوميات في الشمال الاوروبي" لفاروق يوسف الصادر لدى "المؤسسة العربية للدراسات والنشر" والفائز بجائزة ابن بطوطة لكتابة اليوميات. من جهتها، قدمت ايتل عدنان في "رحلة الى جبل تملباييس" الصادر لدى منشورات "أمار" باللغتين العربية والانكليزية (ترجمة أمل ديبو)، اكثر من نص، اختباراً شعرياً ووجودياً وصوفياً تحوّل فيه "المكان الجغرافي الى مفهوم روحي". وقبله كنا قرأنا لها "باريس عندما تتعرى" الذي صدر هذه السنة بالعربية لدى دار الساقي (ترجمة مي مظفر) بعد صدوره الاول بالانكليزية في 1993.
في الترجمة
كانت السنة حافلة بالاصدرات الترجمية، وقد يكون الاصدار الابرز لسنة 2007، والأبرز منذ سنين ربما، هو "آرتور رامبو، الآثار الشعرية" لكاظم جهاد الصادر لدى "منشورات الجمل" و"آفاق للنشر والتوزيع". في العمل الذي استحق صفة "الحدث" لشمولية نظرته واحترافيتها، قدّم الشاعر والناقد العراقي أكثر من ترجمة في معناها الأوّلي، مجرياً بحثاً "شعرياً ونقدياً وتاريخياً" على رامبو الشاعر والانسان، ومقارباً عمله وحياته كوحدة واحدة. ضم العمل مقدمات لكل من ألان جوفروا وألان بورير وعباس بيضون فضلاً عن المقدمة - الدراسة للمترجم. كان الاصدار مناسبة لمساءلة النظرة التي قدّم فيها رواد الحداثة رامبو تحت لوائها واعادة تصويبها لما شاب هذه النظرة من اختزال وسوء فهم، وهو الامر الذي قام به عباس بيضون في مقدمته التي حملت عنوان "استئناف رامبو" وما عمل الكتاب بكامله على ترسيخه.
للمترجم نفسه قرأنا ايضاً في النصف الاول من السنة "الاشعار الفرنسية الكاملة" لراينر ماريا ريلكه التي صدرت كذلك لدى "منشورات الجمل". وفي العملين يبرز البعد النقدي المرافق لعملية الترجمة والوعي الحاد للاشكاليات التي تطرحها اللغة في المنطقة التي يتقاطع عندها المعنى والايقاع. في جهد منهجي دقيق افتقدته الترجمة العربية حتى وقت طويل، شكّل العملان ما يشبه المرافعة ضد ما يسمّيه جهاد "الاذن الطهرانية" و"التلقي العقلاني والتطهري للغة".
من الاعمال الترجمية المهمة التي تلقفتها لغة الضاد هذه السنة ايضاً نذكر "على الطريق" لجاك كرواك التي ترجمها سامر ابو هواش لدى "منشورات الجمل". لم يكتفِ هواش بدوره بمجرّد ترجمة الرواية التي شكلت عنوان جيل بكامله، بل سعى كذلك الى الاضاءة على المسوغات الثقافية والسوسيولوجية التي تجعل قراءتها اليوم بالعربية شأنا ملحاً وضرورياً. من ترجمة أبو هواش ايضاً ولدى "منشورات الجمل" كذلك، صدرت هذه السنة رواية "بوذا الضواحي" للباكستاني البريطاني حنيف قريشي، وهي الرواية التي نال عنها كاتبها في 1990 جائزة افضل رواية اولى. قرأنا ايضاً بمتعة بالغة "الوقت لا ينقضي" لدى "المركز الثقافي العربي" وهي انطولوجيا من ترجمة بسام حجار واعداده ضمت ست عشرة قصة من حول العالم لاثني عشر كاتباً هم: تنيسي وليامز، خورخي لويس بورخيس، بوهوميل أرابال، ريموند كارفر، دانيلّو كيش، ج. م. غوستاف لوكليزيو، بيو سونغ-لنغ، خوان خوسيه ساير، آرفو فالتون، فاتسلاف هافل، سلافومير مروجِك، ليوناردو شاشا.
أنطولوجيا أخرى لكن شعرية هذه المرة، قدّمتها جمانة حداد تحت عنوان "سيجيء الموت وستكون له عيناك"، وهو عمل ذو بُعد موسوعي صدر لدى "دار النهار" و"الدار العربية للعلوم ناشرون"، وضم قصائد لمئة وخمسين شاعراً انتحروا في القرن العشرين. في 656 صفحة من القطع الكبير أنجزت الشاعرة والمترجمة حصيلة أربع سنوات من الاجتهاد البحثي والترجمي والشعري على السواء.
وصلَنا هذه السنة ايضاً عمل الباحث والمترجم المغربي محمد آيت لعميم تحت عنوان "خورخي لويس بورخيس، أسطورة الأدب" الذي يضم اعمالاً لبورخيس (محاضرات حول مفاهيم ادبية وفلسفية) واعمالاً اخرى عنه كتبها كل من جورج أروين وامبرتو ايكو وليلى بيرون موازي وعبد الفتاح كليطو وخوان غويتيسولو وآرون كيبيدي فارغا وبيار ماشري وانطونيو تابوكي، اضافة الى مكاشفات بورخيس واعترافاته من خلال الحوارات التي اجريت معه، فضلاً عن حوار اجراه المؤلف مع ماريا قداما، زوجة بورخيس.
قرأنا أيضاً "رباعيات" فرناندو بسوا في ترجمة لاسكندر حبش لدى "منشورات الجمل"، و"الصوت والحجر" وهي انطولوجيا لايف بونفوا لدى "منشورات الجمل" و"آفاق للنشر والتوزيع" للمترجم والشاعر التونسي محمد بن صالح. وفي اول ترجمة عربية لها منذ صدورها في 1897، قدّم محمد بنيس قصيدة "رمية نرد" لمالارميه لدى "دار توبقال" في الدار البيضاء. وصلنا كذلك: "الاعمال الشعرية الكاملة" للشاعر الايطالي جوزيبي أونغاريتي ترجمة عادل السيوي لدى "دار ميريت" في القاهرة. "سأم باريس" لشارل بودلير ترجمة بشير السباعي لدى "منشورات الجمل" و"آفاق للنشر والتوزيع". "مئة سوناتة حب" لبابلو نيرودا لدى "دار كنعان" في دمشق ترجمة الشاعر الاردني طاهر رياض وتقديم الكاتب والروائي اللبناني الياس خوري. "حاشية على اسم الوردة، آليات الكتابة" لامبرتو ايكو وهو ملحق نقدي اصدره الكاتب الايطالي بعد ثلاث سنوات من صدور عمله الاشهر "اسم الوردة" في 1980، وقد صدر هذه السنة في ترجمة للناقد والسيميائي المغربي سعيد بنكراد في منشورات "علامات".
غيابات
الى نازك الملائكة وسركون بولص، خسر المشهد الثقافي العربي إحدى أهم "منشّطيه" الناشرة والكاتبة والفنانة وصاحبة "دار الساقي" مي غصوب التي رحلت عن خمسة وخمسين عاماً اثر حادث صحي طارئ. كما خسرنا ايضاً أسعد رزوق الذي كان احد الوجوه الفكرية والنقدية في حركة الشعر الحديث والفلسفة والتاريخ وأحد اركان مجلة "شعر".
احتفالات
150 عاماً على ولادة خليل سعادة. 100 عام على وفاة مؤسس باكورة الصحف اللبنانية، خليل الخوري. 80 على ولادة الشاعر والمسرحي الفلسطيني معين بسيسو. 60 على رحيل الكاتبة لبيبة ماضي هاشم. 40 على رحيل رئيف خوري. 50 على رحيل ايليا ابو ماضي.
منقول عن موقع "اليسار الديمقراطي"