المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : حمار الشيخ-51-


جميل السلحوت
31-08-2009, 10:00 PM
حمار الشيخ-51-
بداوة
الذين يعرفونني يعلمون أنني دائم الفخر ببداوتي كوني بدوي ابن بدوي ومن سلالة بدوية وولدت في بيئة بدوية عشائرية، تحكمها الأعراف العشائرية التي شعارها " انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً " وبالفهم الجاهلي لهذا الشعار، وكأننا لم نتأثر بالاسلام وبحضارته وبكل القوانين الحضارية التي صاحبته، وحاربت العصبية القبلية والعشائرية .
وعندما كان بعض المعارف والأصدقاء من المثقفين والمتعلمين والمتحضرين وأشباههم يعيبون على بداوتي وفخري بها ، كنت أزداد فخراً بذلك كون البدو يتحلون بالأصالة والنقاء والتمسك بالقيم الحميدة، والابتعاد عن الرذائل والرياء والنفاق والكذب والخديعة .
ومع كل ذلك كانت تراودني بعض الشكوك في صحة التمسك بالعشائرية وأعرافها خصوصاً وأننا في القرن الحادي والعشرين، ونسعى الى التحرر والاستقلال وبناء دولة سيادة القانون المبنية على أسس من العلم صحيحة ، لكن شكوكي تبددت عندما ركبت حماري، وقمت بجولة في بعض مؤسساتنا الرسمية والشعبية، فوجدت من كانوا ولا يزالون ينظرون ويحاربون العشائرية غارقين فيها حتى ما فوق الأذنين ، فغالبية الوظائف تشغلها زوجة المسؤول الكبير وأبناؤه وأبناء عمومته وأبناء عائلته أو حامولته أو قريته أو أصهاره أو أقاربهم بغض النظر عن الكفاءة أو عدمها، فكلا الأمرين سيان ، وبعضهم يتبادل المنافع الوظائفية مع زملائه في مؤسسات أخرى، حيث يوظفون أقارب المسؤول في مؤسسة أخرى، مقابل أن يوظف أقارب المسؤول الثاني في مؤسسته، وهكذا شعارهم " يا ويل الي ينتخي ورجاله ماله يموت وخاطر بكيد العدا " .
وبعد أن رأيت ما رأيت، أو سمعت ما سمعت ، تأكدت من صحة تربيتي العشائرية ومن اخلاصي لهذه التربية التي أُفاخر بها ، ولهذا فإنني لا أستغني عن صحبتي لأنيس وحدتي حماري الذي يثبت لي يوماً بعد يوم أنه خير جليس في هذا الزمان ، فركبتُ حماري وعدتُ الى بيتي راشداً ومتمسكاً وبفخرٍ بتربيتي العشائرية وأنا أُغني : يا مرحبا ويا هلا من وين الركب من وين وأقبلت علينا الضحا يا زينة اقباله .
ولما وصلت البيت غلت لي أم العيال فنجان قهوة سادة وهي تغني :
بالله تصبوا هالقهوة وزيدوها هيل
واسقوها للنشاما على ظهور الخيل
فغضبت منها وعاتبتها لأنها لم تقل على ظهور الحمير بعد أن استبدلنا دور الخيول الأصايل وحولناها الى السباقات والزينة وكمظهر من مظاهر الترف .