المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : عندما يتحول المثقف إلى ثرثار


فائز البرازي
10-01-2008, 06:39 PM
عندما يتحول المثقف إلى ثرثار!
د.محـمد شعبان: ( كلنا شركاء ) 9/1/2008
يعاني الإنسان العربي، فيما يعاني، من مشاكل وأزمات عدة، السياسية منها، والاقتصادية، والاجتماعية والثقافية أيضاً.ويبدو، في كثير من الأوقات، أن هذا الإنسان قد فقد إيمانه وثقته بكل شيء،إذ فقد إيمانه بالأنظمة والأحزاب والجمعيات والمنظمات الحكومية والأهلية،وفقد ثقته بالمعارضة كما بالموالاة(بالاقتباس من الأزمة اللبنانية)،لا بل،وربما لبعض من الوقت، فقد أضاع أي وسيلة تسعفه، أو بوصلة ترشده في هذا الزمن الصعب، والرديء برجاله. كما أن المراهنة على الإنسان المثقف، في هذا العصر، للمساعدة على تجاوز هذا الواقع تبدو لي خاسرة.فلقد ضاعت المعالم وتاهت السبل،كما تبدلت الوجوه والأدوار أيضاً. فلقد احتجبت الشمس خلف ستار كثيف من الغبار، بدلا من الغيوم، وهذا الغبار غطى الأشياء كلها، وحتى المسالك والدروب أضحت من عير الممكن تلمسها.وبالمجمل أضحى الر هان على الثقافة والمثقفين كالرهان على الجواد المريض والأعرج في السباقات الطويلة والقصيرة على جدّ سواء. ويشهد التاريخ العربي على أن الكثير من المثقفين لم يكن دورهم إيجابياً، أو استرشادياً قيادياً في الكثير من مفاصل تاريخنا الهامة. منها مثلاً، إثناء غزو المغول لبلادنا، لم يستطع المثقف والعالم-مثلاً- "أبن خلدون" أن ينحاز "للمقاومة الشعبية"، أو أن يتبصر المستقبل، فسعى إلى الحاكم الجديد، الغازي، الذي كان يتربص بمدينة دمشق، طلباً للرضا والثواب. ولقد أشار إلى ذلك باقتدار الكاتب الكبير الراحل سعد الله ونوس في أحد مسرحياته الأخيرة والرائعة "منمنمات تاريخية" والتي قدمتها،باقتدار أيضا، الفنانة الكبيرة نضال الأشقر على مسرح المدينة في بيروت. وعالمياً، لعب المثقفون دوراُ سلبيا أيضا في أكثر من مناسبة، وأكثر من مكان.مثلا في عهد التحول الكبير"البيروسترويكا" أو "إعادة البناء" في الاتحاد السوفيتي السابق،عندما طالب هؤلاء "غورباتشوف" بالمزيد من الإصلاحات السياسية والثقافية، ولكن دونما استعداد وملائمة لها من قبل المجتمع،ولم يتمكنوا من قراءة الواقع، فكانت(هذه الإصلاحات) بمثابة قفزة في المجهول الذي آل إلى الانهيار.وبالمناسبة، لم يكن دورهم بأفضل من ذلك أثناء قيام سلطة البلاشفة....
واليوم، فإن الكثير من مثقفينا، أو ممن يدعوّن الثقافة،أضف إلى ذلك أنصاف المثقفين، تحولوا إلى مجرد ثرثارين بامتياز، كالضفادع في ليل مستنقعي طويل.ومما ساعدهم على ذلك،كثرة الطلب على الثرثرة، وسهولة الانتشار من خلال توفر الفضائيات،أكثر من 400 فضائية عربية،ما شاء الله، التي تبحث عن شيء ما يملئ ساعات البث الطويلة، هذا إضافة لمواقع الإنترنت وغيرها من وسائل الاتصال الحديثة.وهناك نماذج عدة لهؤلاء.فهذا المثقف كان من أتباع مدرسة أيدلوجية ماركسية(متطرفة جدا)،يحدثك اليوم وبإسهاب شديد عن الليبرالية، ومحاسنها، ومفاتنها للشعوب العربية،خاصة تلك القادمة على ظهور الدبابات وحاملات الطائرات الأمريكية. ومثقف آخر أطلق لحيته، وقصّر ثوبه، وتطاولت سبحته، يُطل عليك في البرامج وفي المحطات الدينية واعظاً وناهياً عن رجس العدالة والاشتراكية(كمان)والحرية والقومية، بعد أن خلع ثوبهما للتو ،فأنت تذكره تماما، وتذكر خطاباته القومجية السابقة. والأدهى من ذلك أنه يحدثك بورع "شديد" عن وجوب إطاعة الحاكم و" أولي الأمر فيكم"، ويحرضك على ذلك، وهو الذي كان يغرف من منجم القومية، وجيوب سلاطينها ولسنوات طويلة!. وثالث يحدثك بإعجاب،أيما إعجاب،عن النيو-ليبرالية،أو الليبرالية الجديدة،مع أنه لا يعلم ما هي الليبرالية نفسها،فكيف بالنيو!، ومع العلم أيضاً بأن رائحة الحزب الشمولي، الذي تخرّج منه، لا زالت في فمه، ولونه لازال مستوطن في جلده أيضاً.وليس ذلك بمستغرب، فهو لا زال طالباً مستجداً في مدرسة الشرق-أوسطية الأمريكية-الإسرائيلية،ولكن لا بأس أن يمارس دور الأستاذ على أبناء جلدته،ليلقي عليهم بعضاً مما حفظه قبل أن ينساه،أو لأن لديه موعداً آخر مع محطة فضائية توجهاتها مختلفة، وتمويلها مختلف أيضاً. ببساطة شديدة، إنه "بزنس"، وهكذا تتطلب شروطه. البعض منهم، للأسف الشديد، يغير جلبابه السابق، كما تغير الأفعى جلدها،دونما خجل أو وجل،وكأن الناس بدون ذاكرة.مثلهم، كمثل الراقصات وفنانات العُري الذي ،ولله الحمد، اهتدوا وتحجّبوا، بعد سنوات طويلة .....كل ما في الأمر أنهم وصلوا إلى أرذل العمر، أو أن "الجمهور عاوز كده"، فلا بأس من الضحك على الناس...على أي حال ليس هذا موضوعنا.
ولقد أصبح من المألوف جداً أن ترى الكثير من هؤلاء يُلعلِعُ في البرامج الحوارية على شاشات الفضائيات وبلا أدنى حرج.فمنذ فترة قريبة شاهدت على شاشة التلفزيون في محطة هامة ومشهورة ،وفي غيرها أيضا، في أحد البرامج الحوارية، نموذجا أو قل نماذج لهؤلاء، وكان يشتم ويسبّ الشيوعية والماركسية،والدولة الشمولية،والبوليسية،مع أنه متخرج من مدرستها، وهو من أتباعها المبشرين بجنتها ولفترة زمنية طويلة، وهو كذلك لم يخلع جلبابها إلا بعض سقوط الاتحاد السوفيتي. فهل يستطيع مثل هذا إقناعنا بما يتفوه أو قل بما يثرثر، اللهم إلا إذا سحب من الأرشيف كل مقالاته وأقواله وكتاباته السابقة،عن محاسن اليسار واليسارية، وحتمية الحل الثوري والاشتراكي (طبعاً، بعد مرحلة التحويل الاشتراكي)، إلى آخر هذه السمفونية(....). ولكن كيف سيتمكن من محوِها من ذاكرتنا نحن؟. وأخذ صاحبنا (هذا) يروِّج للنيو-ليبرالية أيضا،مع إنها تسجل الفشل في الغرب، ولكأنك تظنه أحد دهاقنة العصر الليبرالي الجديد وفلاسفتة، أولدرجة تخاله أنه قد سبق صاحب نظرية "نهاية التاريخ" وصراع الحضارات، الطيب الذكر المفكر الأمريكي "فرنسيس فوكوياما"، مع أن هذا ألأخير كان أول المغادرين لسفينة المحافظين الجدد في الولايات المتحدة بعد "الحرب على الإرهاب" على الطريقة "البوشية". كما أسهب وأطنب صاحبنا أيضاً بمديح النيوليبرالية، وقال فيها ،أكثر مما قال مالك بالخمر!.ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هو:لماذا يعلو صوت هؤلاء المثقفين ونعيقهم ونقيقهم الآن فقط ؟.و"مثقف"آخر كان يثرثر طوال أحد حلقات برنامج حواري آخر،وأخذ يكرر نفس المقولات التي كان قد طرحها أو بالأحرى ثرثر بها في حلقة سابقة من البرنامج نفسه،على الرغم من اختلاف موضوع الحلقة والحوار،وفشلت كل محاولات المُضيف لأن يُنطِق الضيف بأي شيء جديد،وفي كل مرّة كان يطلب منه مُقدِم الحلقة، أو الضيف المقابل أن يحصر أفكاره ويحددهما بموضوع الحلقة ، كان يكرر نفس المقولات الجامدة، التي كان قد قرأها في كتاب شبه مدرسي،أو ربما لقنه له شخص آخر متعمق أكثر في هذه النيو-ليبرالية ،التي ترى أن قمع الحرية الفكرية"في العالم العربي" يكمن في حجب قناة "فرنسية"تبث فيلم جنسي "بورنو"، بينما ترى في حجب قناة "المنار" ومنعها من البث على القمر الأوروبي، وأيضا نشر صور مسيئة للعقائد الدينية ورموزها عامة، والإسلامية منها خاصة هي مجرد حرية فكر واعتقاد،وممارسة لحرية الرأي المقدسة. فهنيئاً لنا بهكذا مثقفين!.
نقول لهؤلاء المثقفين ،وأنصاف المثقفين،كفاكم ثرثرة، ونقيقاً، وزعيقاً، وصخباً، فإننا لسنا بحاجة لكم، ولا تبهرنا ألوان جلودكم الجديدة، كما القديمة أيضاً، ولن نتمايل على صدى أنغامكم الحديثة،ولا تطربنا أناشيدكم الجديدة،كما لم نُطرب لأناشيدكم القديمة،التي لم تزل في الذاكرة. وعذراً منكم فأنتم، أمثال هؤلاء، لستم سوى ببغاء تردد بدون تفكير أو تبصّر. والرجاء، كل الرجاء دعونا وشأننا، نواجه مصيرنا، وكفاكم صراخاً ومواءً على شاشات الفضائيات، فنحن بغنى عنكم. وبدلا من ذلك ليتكم تحدثوننا، بكلمات محددة، عن منجزاتكم وأعمالكم بدلاً من الثرثرة دونما طائل. فالثرثرة ليست من شيم الرجال فكيف بالرجل المثقف أو المفكر!!.ولكن يبدو أن الرياح تجري في صالح سفنهم،فهذه المحطات المبتكرة والمتكاثرة كالطحالب،تحتاج إلى ملء ساعات البث الطويلة والرتيبة، كما أسلفنا،بما هو مفيد أو غير مفيد،لا يهم،و على الأغلب غير مفيد،خاصة بهكذا ثرثارين وهكذا ثرثرة!. لست هنا ضد من يغيّر أفكاره ويطورّها، أو أن يكّيفها مع تغير العصر والأوان، فالتغيير والتطور سِنة الكون، ولكن الرجاء،كل الرجاء، أن يكف هؤلاء عن أسلوب الخطابة المموج، والمتعالي، وليحتفظوا بما يعتقدون(عن جديد) لأنفسهم، فنحن، من جهتنا، لن نصدقهم بما يجودون به الآن. فلا زالت مقالاتهم، وكتبهم،وقصائدهم في أرشيفنا وذاكرتنا أيضا، ولازال صراخهم خلف الميكروفونات يصمُّ آذاننا، ولكن بطولاتهم الخارقة "على الورق" لم تعد تبهرنا. وعليه لا سيبل لهم، لإقناعنا من جديد، بما آلوا إليه الآن سوى إتباع طريقة ونهج "ستالين". ولا بأس من التذكير بها.إذ يذكر التاريخ الحادثة التالية عن ستالين،وهي قصة معروفة ومنتشرة في المراجع والكتب التاريخية. ففي أحد مؤتمرات الحزب الشيوعي السوفيتي(السابق)، في أواسط الثلاثينيات من القرن الماضي، كان من الضروري أن يقدم ستالين،وهو الأمين العام للحزب،تقريراً عن إنجازات المرحلة السابقة، ولكن لسوء الحظ وجد أن التنفيذ الفعلي أقل بكثير مما هو مخطط له، في الخطة الخمسية أو السنوية آنذاك. فما هو الحل برأيكم؟،وكيف له أن يقدم تقريراً عن هذه الإنجازات المتواضعة؟، التي من شأنها التقليل من هيبة الحزب، لا بل هيبته وسمعته أيضا.والحل الذي لجأ إليه ستالين هو سحب كل وثائق الخطة السابقة من أرشيف الدولة كلها، ومن الصحافة المنشورة سابقاً،وقام بتزوير أرقام الخطة وجعلها أقل مما هو منفذ فعلياً، وبذلك أنقذ سمعة الحزب العظيم وهيبته، وقدم تقريره منتشياً بالإنجازات العظيمة، ونسب الإنجاز التي فاقت الخطة والتوقعات!.وبذلك تم خداع الناس البسطاء. ولكن كيف السبيل إلى محو ذلك من ذاكرة الشعوب والتاريخ ؟. فمن الصعوبة بمكان خداع التاريخ والشعوب.أليست هذه وصمة عار في تاريخ هذا الرجل وحزبه وبلده أيضاً؟.وبالمناسبة فلقد تم استنساخ هذه الطريقة من قبل العديد من مؤسساتنا ومعاملنا ،ولكن بطريق مبتكرة، والسبيل إلى ذلك بوضع خطط متواضعة جداً بالأرقام نسبة للإمكانيات المُتاحة، ثم يأتي التنفيذ الفعلي أكثر من الخطة.....ولكن هذه الطريقة المبتكرة لا تَصحُ مع هؤلاء المثقفين، وليس أمامهم سوى سلوك طريقة ستالين "العظيم".وكل ثرثرة ومثقفينا بخير.