صبرى محمد خليل
10-11-2009, 11:22 AM
الموقف من المحكمة الجنائية الدولية و مستقبل السودان
اشكاليه العلاقه بين العداله والسلام والسياده الوطنيه
د.صبري محمد خليل / استاذ الفلسفة- جامعه الخرطوم
تمهيد: أدى إصدار المحكمة الجنائية الدولية لمذكره توقيف بحق الرئيس عمر البشير يوم 4/3/2009 إلى فرز القوى المحلية والاقليميه والعالمية إلى موقفين أساسيين: احدهما مؤيد والأخر معارض ، وقد تعددت الدوافع الكامنة وراء اتخاذ هذه القوى لهذا الموقف أو ذاك ، كما تعددت تصورات هذه القوى للعدالة، والمواقف القيميه التي تستند إليها هذه التصورات، والتي شكلت مبرراتها الفكرية لاتخاذ موقفها المؤيد أو الرافض. وسنحاول هنا تقديم تحليل منهجي لهذه التصورات المتعددة للعدالة، والمواقف القيميه التي تستند إليه هذه التصورات.
فهو تحليل ينظر إلى الوقائع المتصلة بهذا الحدث من زاوية كليه تجريديه اى فلسفيه،مع التركيز على فروعها ذات الصلة كنظريه القيم وفلسفه القانون والفلسفة السياسية...) وهذا التحليل على الوجه السابق ذكره يكمل ولا يلغى النظر إلى ذات الوقائع من زاوية جزئيه عينيه اى علميه، متمثله في العلوم ذات الصلة كعلوم السياسة والقانون والعلاقات الدولية والاستراتيجيه...).
[الموقف الأول ]
ا/ المبرر الفكري الاساسى : الموقف الأول هو الموقف المؤيد لإصدار المذكرة ، ورغم تعدد القوى المؤيدة لصدورها ، وتعدد دوافعها الحقيقية، إلا أنها جميعا استندت إلى تصور واحد للعدالة، وموقف قيمي واحد، شكلا مبررها الفكري الاساسى لاتخاذ هذا الموقف المؤيد.
تأكيد العدالة الدولية وإلغاء العدالة الوطنية : مضمون هذا التصور للعدالة انه في حال عدم تحقيق العدالة بواسطة القضاء الوطني، فانه يمكن تحقيقها بواسطة جهة قضائية عالميه مستقلة، وبالتعاون مع النظام العالمي للعلاقات الدولية ، وهو ما يقتضى إلغاء قاعدة حصانه روساء الدول في ظل قيامهم بمهامهم ، وان الالتزام بهذا التصور للعدالة سيؤدى إلى إيقاف الجرائم التي تمارسها بعض الحكومات ضد مواطنيها العزل(جرائم الحرب وجرائم ضد الانسانيه والاباده الجماعية). فهذا التصور للعدالة يستند إلى عده فرضيات سنتناولها هنا بالتحليل .
الفرضية الأولى أن المحكمة الجنائية الدولية هي جهة قضائية مستقلة ، وهذه الفرضية غير صحيحة لأنه طبقا للوائحها فانه يمكن لمجلس الأمن الدولي - بالاضافه إلى الدول المصادقة على المحكمة - أن يحيل إلى المدعي العام لهذه المحكمة قضايا تتعلق بالجرائم التي تختص المحكمة بالنظر فيها، وهو ما حدث في حاله قضيه دارفور حيث طلب مجلس الأمن من المحكمة الجنائية الدولية31 /3/2005 بدء التحقيق في القضية.
الفرضية الثانية مضمونها أن النظام العالمي الحالي للعلاقات الدولية هو نظام عادل وهى فرضيه غير صحيحة فالتنظيم العالمي الحالي للعلاقات الدولية والذي نشا بعد الحرب العالمية الثانية قائم على أن إرادة البشر في كل الأرض كما تمثلهم الهيئة العامة للأمم المتحدة ، وإرادة هيئتهم التنفيذية التي يمثلها مجلس الأمن ، غير نافذة ، إلا إذا وافقت عليها خمس دول مجتمعة (أمريكا وروسيا وبريطانيا وفرنسا والصين)، ولقد مضت فترة من الزمان كان تنافس الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة الأمريكية فيها على الاستبداد بالدول يتيح لها ثغرة لكسب قدر من العدالة في مقابل أن يكونوا تابعين لأحدهما ، إلى أن انسحب الاتحاد السوفييتي من حلبه المنافسة. لتنفرد الولايات المتحدة الأمريكية بالسيطرة على العالم، ولتكون هي السلطة العليا في النظام العالمي الحالي،و ليصبح هذا النظام تنظيم أمريكي للعلاقات الدولية طبقا للقواعد التي تضعها وتفرضها أمريكا .
الفرضية الثالثة مضمونها أن إلغاء حصانه روساء الدول كفيل بتحقيق العدالة. ولكن هذه الفرضية تمهد للإلغاء استقلال الدول الصغرى،وتفتح الباب أمام التبعية والاستعمار بحجه تحقيق العدالة في هذه الدول.
الفرضية الرابعة مضمونها أن الالتزام بهذا التصور للعدالة سيؤدى إلى إيقاف الجرائم التي تمارسها بعض الحكومات ضد مواطنيها العزل ، ووجه الخطأ في هذه الفرضية أن إيقاف هذه الجرائم لا يمكن أن يتحقق إلا بالتوصل إلى اتفاقيه سلام تنهى الحرب (والتي هي السبب المباشر لحدوث هذه الجرائم)، وليس بإعطاء الأولوية لمحاكمة عدد صغير من الأفراد .
وأخيرا فان هذا التصور للعدالة يقوم على تأكيد العدالة الدولية وإلغاء العدالة الوطنية.
نظره أحاديه للعدالة : كما أن هذا التصور للعدالة يستند إلى موقف قيمي يقوم على القول بالوحدة المطلقة على المستوى القيمى اى القول بالعدالة كقيمه مطلقه يلزم من الالتزام بها إلغاء الالتزام بكل القيم الأخرى كالسلام والاستقلال والسيادة الوطنية...
ب/تعدد الدوافع: وقد تعددت الدوافع الحقيقية التي تكمن وراء اتخاذ العديد من القوى موقف التأييد لإصدار هذه المذكرة ، والكشف عن هذه الدوافع الحقيقية لا يكون باقتحام ضمائر الناس لمعرفة نواياهم ، بل بمعرفه ما يلزم موضوعيا من موقف التأييد بصرف النظر عن حسن أو سوء النوايا الذاتية، فهناك العديد من الأفراد الذين قد يكون دافعهم إلى تأييد إصدار المذكرة الرغبة في تحقيق العدالة الدولية ، أو تعاطف انسانى مع ضحايا الحرب،كما أن هناك العديد من الأفراد قد يكون دافعهم إلى تأييدها الرغبة في الانتقام،أو فجور في الخصومة ، اوتطرف في العداء ، أو توقع تحقق مصلحه ذاتيه حقيقية أو متوهمة... ولكن حسن أو سوء نوايا هؤلاء الأفراد لا يلغى حقيقة أنهم جميعا يقفون موضوعيا في خندق واحد مع قوى محليه وإقليميه وعالميه تتجاوز دوافعها الحقيقية هذه النوايا الذاتية ، وسنحاول هنا تحليل بعض الدوافع الحقيقية لبعض هذه القوى .
الاستعمار الجديد : إذا كان الاستعمار ثابت من حيث المضمون ( استيلاء دوله على إمكانيات دوله أخرى وتسخيرها لخدمة مصالحها ) فانه متغير من الشكل، فقبل الحرب العالمية الثانية كان الاستعمار يأخذ شكلا قديما يتمثل في ممارسه الدول المستعمرة سيطرتها على الدول الخاضعة ممارسة ظاهرة وتنفذ إرادتها تحت حماية القوات العسكرية المرابطة في ارض الدول الخاضعة.
غير أن قيام الحرب العالمية الثانية وما ترتب عليها من خروج الدول الاستعمارية التقليدية منهكة ماليا واقتصاديا وبشريا، وخروج الولايات المتحدة الأمريكية أقوى عسكريا وماليا واقتصاديا ، بالاضافه إلى ظهور حركات التحرر القومي من الاستعمار في النصف الثاني من القرن العشرين ، أدى إلى تغيير في شكل الاستعمار إلى شكل جديد يتمثل في التبعية الاقتصادية والمالية والثقافية ، وهو استعمار في أشكال خفية اى الاستقلال الشكلي للدول المستعمرة مع بقائها خاضعة " موضوعيا" لمصالح الدول الاستعمارية ، وتولت الولايات المتحدة الأمريكية مسئوليه قياده هذا الشكل الجديد من أشكال الاستعمار والحفاظ عليه .
لم يقتصر موقف الولايات المتحدة الامريكيه (قائده الاستعمار الجديد) على مجرد تأييد إصدار مذكره توقيف الرئيس عمر البشير، بل تجاوزه إلى دور اساسى في إصدارها، وان كان بشكل غير مباشر( نسبه لأنها غير مصدقه على المحكمة الجنائية الدولية ، وهو احد أوجه التناقض في موقفها).
ويمكن تقسيم الدوافع الحقيقية للولايات المتحدة الامريكيه كقائده للاستعمار الجديد من تأييد إصدار هذه المذكرة والمساهمة في إصدارها إلى قسمين: القسم الأول يتضمن دافع يتعدى مداه السودان إلى اغلب دول العالم الثالث،وهو اتخاذ هذه المذكرة كخطوه تجريبية، تمهد لمرحله جديدة من مراحل الاستعمار الجديد ، قائمه على إلغاء السيادة الوطنية للدول الصغرى ، بما يسمح للاستعمار الجديد تغيير نظم هذه الدول (كليا أو جزئيا)، أو الضغط عليها، لتقديم تنازلات في اتجاه تحقيق دوافعه السياسية والاقتصادية والثقافية والاستراتيجيه .
أما القسم الثاني فيتضمن دوافعها السياسية والاقتصادية والثقافية والاستراتيجي المقصورة على السودان على الوجه الذي أشار له العديد من المحللين السياسيين والاستراتيجيين، والتي لا تخرج عن إطار ضمان تبعية السودان لها .
إسرائيل والمنظمة الصهيونية : لإسرائيل كدوله هدف استراتيجي ثابت هو إضعاف تماسك أو تفتيت دول الطوق العربي الاسلامى المحيط بها - حتى الدول ألموقعه معها على اتفاقيات سلام – على أساس طائفي شعوبي قبلي عشائري... لضمان سلامه وجودها المصطنع . وفى هذا السياق يمكن أن نفهم الدور الكبير الذي مارسته المنظمات الصهيونية في توجيه الراى العام الغربي تجاه تايييد اصدارهذه المذكرة بدافع إضعاف تماسك أو تفتيت السودان.
النخب المتغربة: وهناك النخب السياسية والاقتصادية والثقافية المتغربة التي لم تخرج دوافعها من تأييد إصدار هذه المذكرة عن إطار دعوتها لقبول الاستعمار الجديد ، احتجاجا بقوه البطش ، وتمسكا بما هو كائن، واتساقا مع ايديولجيتها القائمة على تكريس التبعية السياسية والاقتصادية والثقافية ...
الموقف الثاني
ا/ المبررات الفكرية : الموقف الثاني هو الموقف الرافض لإصدار هذه المذكرة ، وقد تعددت القوى المعارضة لصدورها ، وتعددت دوافعها الحقيقية، كما تعددت تصورات هذه القوى للعدالة والموقف القيمى الذي يشكل مبررها الفكري لاتخاذ هذا الموقف المعارض. وهناك العديد من هذه المبررات مرفوض، لأنها تستند إلى تصور خاص للعدالة يقوم على تأكيد العدالة الوطنية وإلغاء العدالة الدولية ، كما تستند إلى موقف قيمي قائم على اعتبار السيادة الوطنية والاستقلال قيمه مطلقه تلغى القيم الأخرى من عدالة وسلام وغيرها.
العدالة الدولية تكمل العدالة الوطنية : أما المبرر الفكري المقبول فهو الذي يستند إلى تصور للعدالة مضمونه تأكيد أن العلاقة بين العدالة الدولية والعدالة الوطنية هي علاقة الكل بالجزء يحده فيكمله ويغنيه ولكن لا يلغيه.
كما أن هذه التصور للعدالة ينبغي أن يستند إلى موقف قيمي ، يقوم على القول بالجمع بين الوحدة والتعدد على المستوى القيمى ، اى القول بان كل القيم- بما فيها العدالة والسلام والاستقلال والسيادة الوطنية- مقيده ، وبالتالي لا يلزم من الالتزام باى منها إلغاء الالتزام بالقيم الأخرى...
ب/تعدد الدوافع : كما تعددت الدوافع الحقيقية الكامنة وراء اتخاذ هذه القوى لموقف الرفض لصدور هذه المذكرة، وقد يكون الدافع الكامن وراء رفض بعض هذه القوى هو حماية مصالحها الذاتية، ولكن الدافع الكامن وراء رفض اغلب هذه القوى – وخصوصا القوى الشعبية- هو انتمائها الوطني (السوداني) أو القومي (العربي) أو الديني (الاسلامى) أو القاري (الافريقى) أو الانسانى (العالمي) المجرد من المصلحة الذاتية ، اى أن موقفها الرافض هذا جاء كتعبير عن علاقات انتمائها المتعددة.
المشكلة والحل :
وقد أدى صدور هذه المذكرة إلى تشكيل واقع محلى واقليمى ودولي جديد ، يمكن اعتباره مشكله ذات أبعاد محليه وإقليميه دوليه متفاعلة - باعتبار أن اى المشكلة هي تناقض بين واقع وغاية - هذه المشكلة تتطلب حلا صحيحا ، وهو ما يقتضى الالتزام بأسلوب تفكير علمي في مستواها الجزئي العيني، وأسلوب تفكير عقلاني في مستواها الكلى المجرد ، وهنا نحاول التوصل لهذا الحل ، طبقا للأبعاد والمستويات المتعددة للمشكلة ، واستندا إلى التصور السابق للعدالة والموقف القيمى الذي يستند إليه.
أولا: البعد الوطني :
ا/المستوى السياسي:
في أوقات الخطر الذي يتهدد فيها وجود المجتمع كله يجب تأجيل - لا إلغاء- الصراع الاجتماعي ، وتحالف كل قوي المجتمع لمواجهة العدو- لا إلغاء هذه القوي ، وهو ما يتحقق بتجاوز الخلط بين الدولة والنظام ، و بالحوار بين التيارات المختلفة من اجل الالتقاء على ما هو مشترك من ثوابت المجتمع، واهم هذه الثوابت هي الحفاظ على وحده السودان وسلامه أراضيه وسيادة شعبه على أرضه..
و لما كانت أراده الشعب هي الصخرة التي تتحطم عليها أهداف المستعمرين، ولما كان الشعب هو المصدر الاساسى لشرعيه اى نظام ،فان مقاومه الاستعمار الجديد ،وقطع الطريق أمام اعتباره لنفسه مصدرا للشرعية الدولية، يقتضى انجازا لتحول الديموقراطى، وهنا يجب التمييز بين الديمقراطية من حيث هي نظام فني لضمان تعبيرا لشعب عن إرادته ، والليبرالية كنظام شامل متكامل للحياة (علماني ، رأسمالي ، فردي....)، ويمكن طبقا لهذا التمييز تخليص الديمقراطية من الليبرالية وذلك بالديمقراطية ذاتها ، باعتبار أن الدعوة إلى القبول المطلق لليبراليه هي دعوه للت بعبه للاستعمار الجديد.
كما أن اى خطوه تجاه السلام هي في ذات الوقت خطوه تجاه حل المشكلة ، وسد لثغره ينفذ من خلالها للاستعمار الجديد .
ب/المستوى الاقتصادي: وحل المشكلة طبقا لهذا المستوى يقتضى تجاوز كل من موقفي القبول المطلق للخصخصة (لأنه تكريس للتبعية ألاقتصاديه للاستعمار الجديد )، والرفض المطلق لها (لأنه تكريس للانعزال عن الاقتصاد العالمي)، إلى موقف نقدي منها قائم على : التأكيد على دور الدولة في الاقتصاد، مع العمل على إصلاح القطاع العام ، وإيقاف خصخصة المؤسسات الإستراتيجية والسلع الضرورية،وضمان ديمقراطية خصخصة القطاعات والسلع الأخرى بالرجوع إلي الشعب ورقابه الدولة،وتفعيل مؤسسات الضمان الاجتماعي.
ج/المستوى الاجتماعي: كما أن حل المشكلة طبقا لهذا المستوى يقتضى الحفاظ على الاستقرار طبقا للمقياس القانوني،اى اتفاق علاقات الناس مع القانون ، ولما كان خرق القانون ظاهرة اجتماعية متكررة في كل مجتمع فأنها لن تؤثر في الاستقرار طالما كان اكتشافها وتحقيقها وتوقيع الجزاء عليها مستقرا هو أيضا على قواعد القانون الخاص بالإجراءات الجنائية والمرافعات المدنية ، أما وضع مقياس خاص للاستقرار غير المقياس القانوني فانه لن يؤدى إلا عدم الاستقرار ، إذ لا يستطيع أحد من الناس وهو يمارس حياته ويدخل في علاقات خاصة أو عامة مع غيره أن يعرف مقدما أن ما يقوم به يطابق أو لا يطابق مع هذا المقياس الخاص.
د/المستوى القانوني: كما أن حل المشكلة طبقا لهذا المستوى يقتضى الاستمرار في تطوير القضاء الوطني، ووضع المزيد من الضمانات لاستقلاله، وتقديم كل من توافرت ضده أدله على تورطه في جرائم حرب أو جرائم ضد الانسانيه للمحاكمة أمام القضاء الوطني وطبقا للقوانين الوطنية، وتعويض ضحايا الحرب وأسرهم، وإنشاء وتفعيل إدارات ومراكز قانونيه للنظر في شكاوى المواطنين.
ثانيا : البعد العربي: الموقف العربي الرسمي يتمثل في موقف موحد (نسبيا) هو موقف جامعه الدول العربية ،وهو موقف رافض للمذكرة ، كما يتمثل في مواقف متفرقة هي مواقف النظم العربية التي تتفاوت في درجه تعبيرها عن أراده شعوبها ودرجه خضوعها أو عدم خضوعها للضغوطات الخارجية، وهى أيضا مواقف رافضه –إجمالا- لهذه المذكرة. غير أن يجب التعويل على الموقف العربي الشعبي ممثلا في منظمات المجتمع المدني العربي لأنه تعبير عن الانتماء القومي المجرد من المصالح وغير الخاضع لاى ضعوظ خارجية، ولىنه الضامن لاستمرارية الموقف العربي الرسمي لأنه احد طرفي المعادلة التي يعمل بمقتضاها.
ثالثا: البعد الافريقى: كذلك فان الموقف الافريقى الرسمي الموحد متمثلا في الاتحاد الافريقى هو موقف رافض لهذه المذكرة ، ومن مبررات هذا الموقف أن إفريقيا أصبحت بمثابة حقل تجارب للمحكمة الجنائية الدولية مما بشي بموقف عنصري من هذه المحكمة تجاه إفريقيا، ذلك أن القضايا الأربعة التي تنظر فيها أو نظرت فيها المحكمة الجنائية الدولية تتعلق بدول إفريقيه ( أوغندة، والكونغو ، والسودان ، و أفريقيا الوسطى)، لذا يجب تفعيل الموقف الافريقى الشعبي بالتنسيق مع منظمات المجتمع المدني الافريقى تدعيما للموقف الرسمي.
رابعا : البعد العالمي : أن حل المشكلة طبقا لهذا البعد لا يكون بالدعوة إلى الدخول في صدام غير متكافئ مع دول الاستعمار الجديد ، أو الدعوة إلى الانعزال عن العالم ودوله ومصالحه ، بل بالتوحد مع قوى التحرر في العالم بهدف التحرر من هيمنة الاستعمار الجديد ، وتحقيق نظام عالمي قائم على تأكيد السيادة على الأرض لكل الدول على قدم المساواة .
خامسا : البعد الديني (الاسلامى) : كما اتخذت القوى الاسلاميه على المستوى المحلى والاقليمى والعالمي موقفا رافضا لصدور هذه المذكرة. وقد تعددت المفاهيم العقدية والمعايير القيمين والقواعد التشريعية الاسلاميه التي استندت إليها هذه القوى في موقفها المعارض هذا. العديد من هذه المفاهيم والمعايير والقواعد متفق عليها بين اغلب هذه القوى لان مصدرها الإسلام كدين نتناول هنا بعضها:
من هذه المفاهيم العقدية تحريم الإسلام للاستكبار والذي مضمونه عبودية الناس لغير الله تعالى، وبالتالي إلغاء المساواة بينهم ﴿ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ ﴾ (المؤمنين: 46). يلزم من هذا رفض الإسلام للاستعمار، لأنه شكل من أشكال الاستكبار الذي حرمه الإسلام ومضمونه عبودية دوله لدوله أخرى بالاستيلاء على إمكانياتها وتسخيرها لخدمة مصالحها ﴿ قالت إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها﴾...فالإسلام على هذا الوجه يتعارض مع الواقع الموضوعي، المتمثل في استغلال المحكمة الجنائية الدولية من قبل الاستعمار الجديد ، و كون أنها بإصدارها لهذه المذكرة تمهد لمرحله جديدة من مراحله.
ومن هذه المعايير القيميه تحريم الإسلام لازدواجية المعايير كما في قوله تعالى (اتامرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وانتم تتلون الكتاب)،وهو ما يتعارض مع ازدواجية المعايير الناتج من استغلال الاستعمار الجديد لهذه المحكمة.
ومن هذه القواعد التشريعية تقرير الإسلام للسيادة ، والتي عبرعنها الفقهاء بوجوب أن تكون بلاد المسلمين بأمان المسلمين وهوما يتعارض مع كون هذه المذكرة هي سابقه تؤسس لقاعدة جديدة في العلاقات الدولية قائمه على إلغاء السيادة الوطنية للدول الصغرى، بما فيها الدول الاسلاميه.
ومن هذه القواعد ما قرره الفقهاء من عدم جواز الاستعانة بالاجنبى لمحاربه الحاكم المسلم، فضلا عن إجماع علماء الإسلام على انه إذا نزل العدو بأرض المسلمين فالجهاد فرض عين على الجميع، هذه القواعد تتعارض مع محاوله تطبيق هذه المذكرة بواسطة دول أجنبيه.
غير أن بعض هذه المفاهيم والمعايير والقواعد مختلف فيها، لان مصدرها مذاهب اجتهادية تمثل فهم أصحابه للدين.
وهنا نشير إلى المذهب الذي يرى أن حل الإسلام لمشكله الوحدة والتعدد هو القول بالوحدة المطلقة، التي تلغى اى شكل من أشكال التعدد. ويترتب على هذا المذهب بعض المفاهيم والمعايير والقواعد ( أو فهم خاص لبعض المفاهيم والمعايير والقواعد) يستند إليها في موقفه.
فعلى المستوى السياسي، يستند هذا المذهب في موقفه الرافض هذا إلى فهم خاص لقاعدة عدم جواز الخروج على السلطان التي وضعها بعض الفقهاء في ظروف معينه ، إذ يعتبر أن هذه القاعدة هي تقرير لقاعدة صالحه لكل زمان ومكان ، بينما هي محصله تطبيق لقاعدة( الضرورات تبيح المحظورات). فمن قواعد الإسلام السياسية الثابتة أن البيعة في الإسلام عقد مرضاة واختيار يكون الخليفة بموجبها نائب عن الجماعة لها حق تعيينه ومحاسبته وعزله ، ويترتب على هذا أن تقرير الفقهاء لهذه القاعدة لم يكن إنكارا منهم لوجوب خلع الحاكم الظالم،ولكنه اجتهاد في كيفية خلعة وأين ومتى ، فقالوا بعدم جواز خلعه في ظروف الرمانية والمكانية معينه (أوقات الخطر الذي يتهدد الامه كلها). وبالتالي فان هذه القاعدة طبقا لهذا الفهم لا تتناقض مع التداول السلمي للسلطة.
وعلى مستوى العلاقات الدولية يستند هذا المذهب في موقفه الرافض هذا إلى فهم خاص لعلاقة الدولة الاسلاميه بغيرها من الدول استنادا إلى أراء بعض الفقهاء الذين قسموا العالم إلى دار إسلام ودار حرب، وقالوا أن الإسلام أوجب قتال غير المسلمين (إطلاقاً). دون مراعاة حقيقة أن هؤلاء الفقهاء بنوا اجتهادهم على واقعهم، وهو واقع الدولة غير ثابتة الحدود ، متعددة الشعوب والقبائل. وهو خلاف واقعنا اى واقع اكتمال تكوين الأمم ، وانتهاء طور القبيلة ، وما أفرزه من الدولة ثابتة الحدود والشعب الواحد. يقول محمد الغزالي (إن مبدأ المعاملة بالمثل كان وراء أحكام فقهية وصفت بأنها شرعية والواقع أنها لم تقم اعتماداً على نص، وإنما على القصاص مما ينزل بالمسلمين) (جهاد الدعوة بين عجز الداخل وكيد الخارج، القاهرة، دار نهضة مصر،2001، ص60)
كما يستند هذا المذهب إلى قول بعض العلماء بعدم جواز انضمام الدولة الإسلامية إلى منظمات دولية بحجة أن الإسلام لا يبيح الحلف مع الكفار، وهذا غير صحيح على إطلاقه بل مقيد بشروط. قال (ص) عن حلف الفضول "لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفاً ما أحب أن لي به من حمر النعم، ولو دعيت به قبل الإسلام لأجبت" (رواه أحمد رقم 1655 و 1676).
كما نشير إلى مذهب أخر يرى أن حل الإسلام لمشكله الوحدة والتعدد هو الجمع بين الوحدة والتعدد على جميع المستويات، ويترتب على هذا المذهب مفاهيم ومعايير وقواعد أخرى (أو فهم أخر لذات المفاهيم والمعايير والقواعد) يستند إليها في موقفه.
فعلى مستوى العلاقات الدولية يستند هذا المذهب في موقفه إلى فهم أخر للعلاقة بين الدولة الاسلاميه وغيرها من الدول ، قائم على علاقة الدولة الاسلاميه بغيرها من الدول في العصر الحديث هي:علاقة حرب ( دار حرب) في حالة الاعتداء على ديار المسلمين، أو فتنة المسلمين عن دينهم. وعلاقة سلم ( دار عهد) مادامت لم تعتدي على ديار المسلمين، أو فتنتهم عن دينهم. وأن الإسلام لا يعارض قيام أو انضمام الدول الاسلاميه إلى المنظمات العالمية المختلفة بشرط أن تكون هدفها هو التعاون الدولي لتحقيق القيم الانسانيه كالعدالة والسلام والأمن ، وان لا تجسد عبودية الأمم والشعوب لأمة معينه أو أمم معينه، إذ هي في حاله التزامها بهذه الشروط شكل جديد لدار العهد ، وان هذه الشروط غير المتوفرة في المحكمة الجنائية الدولية بصيغتها الحالية.
وأخيرا فإننا نستبعد صفه الاسلاميه عن بعض الآراء التي قيلت عن المحكمة الجنائية الدولية والمذكرة التي أصدرتها، لأنها لا تستند إلى الإسلام كدين ممثلا في أصوله الثابتة، ولا ترقى إلى أن تكون اجتهادا فقهيا مجردا من بواعث صاحبه الذاتية، وقائمه على انتقاء ما يتفق مع هذه البواعث ، وتجاهل ما يتعارض معها
اشكاليه العلاقه بين العداله والسلام والسياده الوطنيه
د.صبري محمد خليل / استاذ الفلسفة- جامعه الخرطوم
تمهيد: أدى إصدار المحكمة الجنائية الدولية لمذكره توقيف بحق الرئيس عمر البشير يوم 4/3/2009 إلى فرز القوى المحلية والاقليميه والعالمية إلى موقفين أساسيين: احدهما مؤيد والأخر معارض ، وقد تعددت الدوافع الكامنة وراء اتخاذ هذه القوى لهذا الموقف أو ذاك ، كما تعددت تصورات هذه القوى للعدالة، والمواقف القيميه التي تستند إليها هذه التصورات، والتي شكلت مبرراتها الفكرية لاتخاذ موقفها المؤيد أو الرافض. وسنحاول هنا تقديم تحليل منهجي لهذه التصورات المتعددة للعدالة، والمواقف القيميه التي تستند إليه هذه التصورات.
فهو تحليل ينظر إلى الوقائع المتصلة بهذا الحدث من زاوية كليه تجريديه اى فلسفيه،مع التركيز على فروعها ذات الصلة كنظريه القيم وفلسفه القانون والفلسفة السياسية...) وهذا التحليل على الوجه السابق ذكره يكمل ولا يلغى النظر إلى ذات الوقائع من زاوية جزئيه عينيه اى علميه، متمثله في العلوم ذات الصلة كعلوم السياسة والقانون والعلاقات الدولية والاستراتيجيه...).
[الموقف الأول ]
ا/ المبرر الفكري الاساسى : الموقف الأول هو الموقف المؤيد لإصدار المذكرة ، ورغم تعدد القوى المؤيدة لصدورها ، وتعدد دوافعها الحقيقية، إلا أنها جميعا استندت إلى تصور واحد للعدالة، وموقف قيمي واحد، شكلا مبررها الفكري الاساسى لاتخاذ هذا الموقف المؤيد.
تأكيد العدالة الدولية وإلغاء العدالة الوطنية : مضمون هذا التصور للعدالة انه في حال عدم تحقيق العدالة بواسطة القضاء الوطني، فانه يمكن تحقيقها بواسطة جهة قضائية عالميه مستقلة، وبالتعاون مع النظام العالمي للعلاقات الدولية ، وهو ما يقتضى إلغاء قاعدة حصانه روساء الدول في ظل قيامهم بمهامهم ، وان الالتزام بهذا التصور للعدالة سيؤدى إلى إيقاف الجرائم التي تمارسها بعض الحكومات ضد مواطنيها العزل(جرائم الحرب وجرائم ضد الانسانيه والاباده الجماعية). فهذا التصور للعدالة يستند إلى عده فرضيات سنتناولها هنا بالتحليل .
الفرضية الأولى أن المحكمة الجنائية الدولية هي جهة قضائية مستقلة ، وهذه الفرضية غير صحيحة لأنه طبقا للوائحها فانه يمكن لمجلس الأمن الدولي - بالاضافه إلى الدول المصادقة على المحكمة - أن يحيل إلى المدعي العام لهذه المحكمة قضايا تتعلق بالجرائم التي تختص المحكمة بالنظر فيها، وهو ما حدث في حاله قضيه دارفور حيث طلب مجلس الأمن من المحكمة الجنائية الدولية31 /3/2005 بدء التحقيق في القضية.
الفرضية الثانية مضمونها أن النظام العالمي الحالي للعلاقات الدولية هو نظام عادل وهى فرضيه غير صحيحة فالتنظيم العالمي الحالي للعلاقات الدولية والذي نشا بعد الحرب العالمية الثانية قائم على أن إرادة البشر في كل الأرض كما تمثلهم الهيئة العامة للأمم المتحدة ، وإرادة هيئتهم التنفيذية التي يمثلها مجلس الأمن ، غير نافذة ، إلا إذا وافقت عليها خمس دول مجتمعة (أمريكا وروسيا وبريطانيا وفرنسا والصين)، ولقد مضت فترة من الزمان كان تنافس الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة الأمريكية فيها على الاستبداد بالدول يتيح لها ثغرة لكسب قدر من العدالة في مقابل أن يكونوا تابعين لأحدهما ، إلى أن انسحب الاتحاد السوفييتي من حلبه المنافسة. لتنفرد الولايات المتحدة الأمريكية بالسيطرة على العالم، ولتكون هي السلطة العليا في النظام العالمي الحالي،و ليصبح هذا النظام تنظيم أمريكي للعلاقات الدولية طبقا للقواعد التي تضعها وتفرضها أمريكا .
الفرضية الثالثة مضمونها أن إلغاء حصانه روساء الدول كفيل بتحقيق العدالة. ولكن هذه الفرضية تمهد للإلغاء استقلال الدول الصغرى،وتفتح الباب أمام التبعية والاستعمار بحجه تحقيق العدالة في هذه الدول.
الفرضية الرابعة مضمونها أن الالتزام بهذا التصور للعدالة سيؤدى إلى إيقاف الجرائم التي تمارسها بعض الحكومات ضد مواطنيها العزل ، ووجه الخطأ في هذه الفرضية أن إيقاف هذه الجرائم لا يمكن أن يتحقق إلا بالتوصل إلى اتفاقيه سلام تنهى الحرب (والتي هي السبب المباشر لحدوث هذه الجرائم)، وليس بإعطاء الأولوية لمحاكمة عدد صغير من الأفراد .
وأخيرا فان هذا التصور للعدالة يقوم على تأكيد العدالة الدولية وإلغاء العدالة الوطنية.
نظره أحاديه للعدالة : كما أن هذا التصور للعدالة يستند إلى موقف قيمي يقوم على القول بالوحدة المطلقة على المستوى القيمى اى القول بالعدالة كقيمه مطلقه يلزم من الالتزام بها إلغاء الالتزام بكل القيم الأخرى كالسلام والاستقلال والسيادة الوطنية...
ب/تعدد الدوافع: وقد تعددت الدوافع الحقيقية التي تكمن وراء اتخاذ العديد من القوى موقف التأييد لإصدار هذه المذكرة ، والكشف عن هذه الدوافع الحقيقية لا يكون باقتحام ضمائر الناس لمعرفة نواياهم ، بل بمعرفه ما يلزم موضوعيا من موقف التأييد بصرف النظر عن حسن أو سوء النوايا الذاتية، فهناك العديد من الأفراد الذين قد يكون دافعهم إلى تأييد إصدار المذكرة الرغبة في تحقيق العدالة الدولية ، أو تعاطف انسانى مع ضحايا الحرب،كما أن هناك العديد من الأفراد قد يكون دافعهم إلى تأييدها الرغبة في الانتقام،أو فجور في الخصومة ، اوتطرف في العداء ، أو توقع تحقق مصلحه ذاتيه حقيقية أو متوهمة... ولكن حسن أو سوء نوايا هؤلاء الأفراد لا يلغى حقيقة أنهم جميعا يقفون موضوعيا في خندق واحد مع قوى محليه وإقليميه وعالميه تتجاوز دوافعها الحقيقية هذه النوايا الذاتية ، وسنحاول هنا تحليل بعض الدوافع الحقيقية لبعض هذه القوى .
الاستعمار الجديد : إذا كان الاستعمار ثابت من حيث المضمون ( استيلاء دوله على إمكانيات دوله أخرى وتسخيرها لخدمة مصالحها ) فانه متغير من الشكل، فقبل الحرب العالمية الثانية كان الاستعمار يأخذ شكلا قديما يتمثل في ممارسه الدول المستعمرة سيطرتها على الدول الخاضعة ممارسة ظاهرة وتنفذ إرادتها تحت حماية القوات العسكرية المرابطة في ارض الدول الخاضعة.
غير أن قيام الحرب العالمية الثانية وما ترتب عليها من خروج الدول الاستعمارية التقليدية منهكة ماليا واقتصاديا وبشريا، وخروج الولايات المتحدة الأمريكية أقوى عسكريا وماليا واقتصاديا ، بالاضافه إلى ظهور حركات التحرر القومي من الاستعمار في النصف الثاني من القرن العشرين ، أدى إلى تغيير في شكل الاستعمار إلى شكل جديد يتمثل في التبعية الاقتصادية والمالية والثقافية ، وهو استعمار في أشكال خفية اى الاستقلال الشكلي للدول المستعمرة مع بقائها خاضعة " موضوعيا" لمصالح الدول الاستعمارية ، وتولت الولايات المتحدة الأمريكية مسئوليه قياده هذا الشكل الجديد من أشكال الاستعمار والحفاظ عليه .
لم يقتصر موقف الولايات المتحدة الامريكيه (قائده الاستعمار الجديد) على مجرد تأييد إصدار مذكره توقيف الرئيس عمر البشير، بل تجاوزه إلى دور اساسى في إصدارها، وان كان بشكل غير مباشر( نسبه لأنها غير مصدقه على المحكمة الجنائية الدولية ، وهو احد أوجه التناقض في موقفها).
ويمكن تقسيم الدوافع الحقيقية للولايات المتحدة الامريكيه كقائده للاستعمار الجديد من تأييد إصدار هذه المذكرة والمساهمة في إصدارها إلى قسمين: القسم الأول يتضمن دافع يتعدى مداه السودان إلى اغلب دول العالم الثالث،وهو اتخاذ هذه المذكرة كخطوه تجريبية، تمهد لمرحله جديدة من مراحل الاستعمار الجديد ، قائمه على إلغاء السيادة الوطنية للدول الصغرى ، بما يسمح للاستعمار الجديد تغيير نظم هذه الدول (كليا أو جزئيا)، أو الضغط عليها، لتقديم تنازلات في اتجاه تحقيق دوافعه السياسية والاقتصادية والثقافية والاستراتيجيه .
أما القسم الثاني فيتضمن دوافعها السياسية والاقتصادية والثقافية والاستراتيجي المقصورة على السودان على الوجه الذي أشار له العديد من المحللين السياسيين والاستراتيجيين، والتي لا تخرج عن إطار ضمان تبعية السودان لها .
إسرائيل والمنظمة الصهيونية : لإسرائيل كدوله هدف استراتيجي ثابت هو إضعاف تماسك أو تفتيت دول الطوق العربي الاسلامى المحيط بها - حتى الدول ألموقعه معها على اتفاقيات سلام – على أساس طائفي شعوبي قبلي عشائري... لضمان سلامه وجودها المصطنع . وفى هذا السياق يمكن أن نفهم الدور الكبير الذي مارسته المنظمات الصهيونية في توجيه الراى العام الغربي تجاه تايييد اصدارهذه المذكرة بدافع إضعاف تماسك أو تفتيت السودان.
النخب المتغربة: وهناك النخب السياسية والاقتصادية والثقافية المتغربة التي لم تخرج دوافعها من تأييد إصدار هذه المذكرة عن إطار دعوتها لقبول الاستعمار الجديد ، احتجاجا بقوه البطش ، وتمسكا بما هو كائن، واتساقا مع ايديولجيتها القائمة على تكريس التبعية السياسية والاقتصادية والثقافية ...
الموقف الثاني
ا/ المبررات الفكرية : الموقف الثاني هو الموقف الرافض لإصدار هذه المذكرة ، وقد تعددت القوى المعارضة لصدورها ، وتعددت دوافعها الحقيقية، كما تعددت تصورات هذه القوى للعدالة والموقف القيمى الذي يشكل مبررها الفكري لاتخاذ هذا الموقف المعارض. وهناك العديد من هذه المبررات مرفوض، لأنها تستند إلى تصور خاص للعدالة يقوم على تأكيد العدالة الوطنية وإلغاء العدالة الدولية ، كما تستند إلى موقف قيمي قائم على اعتبار السيادة الوطنية والاستقلال قيمه مطلقه تلغى القيم الأخرى من عدالة وسلام وغيرها.
العدالة الدولية تكمل العدالة الوطنية : أما المبرر الفكري المقبول فهو الذي يستند إلى تصور للعدالة مضمونه تأكيد أن العلاقة بين العدالة الدولية والعدالة الوطنية هي علاقة الكل بالجزء يحده فيكمله ويغنيه ولكن لا يلغيه.
كما أن هذه التصور للعدالة ينبغي أن يستند إلى موقف قيمي ، يقوم على القول بالجمع بين الوحدة والتعدد على المستوى القيمى ، اى القول بان كل القيم- بما فيها العدالة والسلام والاستقلال والسيادة الوطنية- مقيده ، وبالتالي لا يلزم من الالتزام باى منها إلغاء الالتزام بالقيم الأخرى...
ب/تعدد الدوافع : كما تعددت الدوافع الحقيقية الكامنة وراء اتخاذ هذه القوى لموقف الرفض لصدور هذه المذكرة، وقد يكون الدافع الكامن وراء رفض بعض هذه القوى هو حماية مصالحها الذاتية، ولكن الدافع الكامن وراء رفض اغلب هذه القوى – وخصوصا القوى الشعبية- هو انتمائها الوطني (السوداني) أو القومي (العربي) أو الديني (الاسلامى) أو القاري (الافريقى) أو الانسانى (العالمي) المجرد من المصلحة الذاتية ، اى أن موقفها الرافض هذا جاء كتعبير عن علاقات انتمائها المتعددة.
المشكلة والحل :
وقد أدى صدور هذه المذكرة إلى تشكيل واقع محلى واقليمى ودولي جديد ، يمكن اعتباره مشكله ذات أبعاد محليه وإقليميه دوليه متفاعلة - باعتبار أن اى المشكلة هي تناقض بين واقع وغاية - هذه المشكلة تتطلب حلا صحيحا ، وهو ما يقتضى الالتزام بأسلوب تفكير علمي في مستواها الجزئي العيني، وأسلوب تفكير عقلاني في مستواها الكلى المجرد ، وهنا نحاول التوصل لهذا الحل ، طبقا للأبعاد والمستويات المتعددة للمشكلة ، واستندا إلى التصور السابق للعدالة والموقف القيمى الذي يستند إليه.
أولا: البعد الوطني :
ا/المستوى السياسي:
في أوقات الخطر الذي يتهدد فيها وجود المجتمع كله يجب تأجيل - لا إلغاء- الصراع الاجتماعي ، وتحالف كل قوي المجتمع لمواجهة العدو- لا إلغاء هذه القوي ، وهو ما يتحقق بتجاوز الخلط بين الدولة والنظام ، و بالحوار بين التيارات المختلفة من اجل الالتقاء على ما هو مشترك من ثوابت المجتمع، واهم هذه الثوابت هي الحفاظ على وحده السودان وسلامه أراضيه وسيادة شعبه على أرضه..
و لما كانت أراده الشعب هي الصخرة التي تتحطم عليها أهداف المستعمرين، ولما كان الشعب هو المصدر الاساسى لشرعيه اى نظام ،فان مقاومه الاستعمار الجديد ،وقطع الطريق أمام اعتباره لنفسه مصدرا للشرعية الدولية، يقتضى انجازا لتحول الديموقراطى، وهنا يجب التمييز بين الديمقراطية من حيث هي نظام فني لضمان تعبيرا لشعب عن إرادته ، والليبرالية كنظام شامل متكامل للحياة (علماني ، رأسمالي ، فردي....)، ويمكن طبقا لهذا التمييز تخليص الديمقراطية من الليبرالية وذلك بالديمقراطية ذاتها ، باعتبار أن الدعوة إلى القبول المطلق لليبراليه هي دعوه للت بعبه للاستعمار الجديد.
كما أن اى خطوه تجاه السلام هي في ذات الوقت خطوه تجاه حل المشكلة ، وسد لثغره ينفذ من خلالها للاستعمار الجديد .
ب/المستوى الاقتصادي: وحل المشكلة طبقا لهذا المستوى يقتضى تجاوز كل من موقفي القبول المطلق للخصخصة (لأنه تكريس للتبعية ألاقتصاديه للاستعمار الجديد )، والرفض المطلق لها (لأنه تكريس للانعزال عن الاقتصاد العالمي)، إلى موقف نقدي منها قائم على : التأكيد على دور الدولة في الاقتصاد، مع العمل على إصلاح القطاع العام ، وإيقاف خصخصة المؤسسات الإستراتيجية والسلع الضرورية،وضمان ديمقراطية خصخصة القطاعات والسلع الأخرى بالرجوع إلي الشعب ورقابه الدولة،وتفعيل مؤسسات الضمان الاجتماعي.
ج/المستوى الاجتماعي: كما أن حل المشكلة طبقا لهذا المستوى يقتضى الحفاظ على الاستقرار طبقا للمقياس القانوني،اى اتفاق علاقات الناس مع القانون ، ولما كان خرق القانون ظاهرة اجتماعية متكررة في كل مجتمع فأنها لن تؤثر في الاستقرار طالما كان اكتشافها وتحقيقها وتوقيع الجزاء عليها مستقرا هو أيضا على قواعد القانون الخاص بالإجراءات الجنائية والمرافعات المدنية ، أما وضع مقياس خاص للاستقرار غير المقياس القانوني فانه لن يؤدى إلا عدم الاستقرار ، إذ لا يستطيع أحد من الناس وهو يمارس حياته ويدخل في علاقات خاصة أو عامة مع غيره أن يعرف مقدما أن ما يقوم به يطابق أو لا يطابق مع هذا المقياس الخاص.
د/المستوى القانوني: كما أن حل المشكلة طبقا لهذا المستوى يقتضى الاستمرار في تطوير القضاء الوطني، ووضع المزيد من الضمانات لاستقلاله، وتقديم كل من توافرت ضده أدله على تورطه في جرائم حرب أو جرائم ضد الانسانيه للمحاكمة أمام القضاء الوطني وطبقا للقوانين الوطنية، وتعويض ضحايا الحرب وأسرهم، وإنشاء وتفعيل إدارات ومراكز قانونيه للنظر في شكاوى المواطنين.
ثانيا : البعد العربي: الموقف العربي الرسمي يتمثل في موقف موحد (نسبيا) هو موقف جامعه الدول العربية ،وهو موقف رافض للمذكرة ، كما يتمثل في مواقف متفرقة هي مواقف النظم العربية التي تتفاوت في درجه تعبيرها عن أراده شعوبها ودرجه خضوعها أو عدم خضوعها للضغوطات الخارجية، وهى أيضا مواقف رافضه –إجمالا- لهذه المذكرة. غير أن يجب التعويل على الموقف العربي الشعبي ممثلا في منظمات المجتمع المدني العربي لأنه تعبير عن الانتماء القومي المجرد من المصالح وغير الخاضع لاى ضعوظ خارجية، ولىنه الضامن لاستمرارية الموقف العربي الرسمي لأنه احد طرفي المعادلة التي يعمل بمقتضاها.
ثالثا: البعد الافريقى: كذلك فان الموقف الافريقى الرسمي الموحد متمثلا في الاتحاد الافريقى هو موقف رافض لهذه المذكرة ، ومن مبررات هذا الموقف أن إفريقيا أصبحت بمثابة حقل تجارب للمحكمة الجنائية الدولية مما بشي بموقف عنصري من هذه المحكمة تجاه إفريقيا، ذلك أن القضايا الأربعة التي تنظر فيها أو نظرت فيها المحكمة الجنائية الدولية تتعلق بدول إفريقيه ( أوغندة، والكونغو ، والسودان ، و أفريقيا الوسطى)، لذا يجب تفعيل الموقف الافريقى الشعبي بالتنسيق مع منظمات المجتمع المدني الافريقى تدعيما للموقف الرسمي.
رابعا : البعد العالمي : أن حل المشكلة طبقا لهذا البعد لا يكون بالدعوة إلى الدخول في صدام غير متكافئ مع دول الاستعمار الجديد ، أو الدعوة إلى الانعزال عن العالم ودوله ومصالحه ، بل بالتوحد مع قوى التحرر في العالم بهدف التحرر من هيمنة الاستعمار الجديد ، وتحقيق نظام عالمي قائم على تأكيد السيادة على الأرض لكل الدول على قدم المساواة .
خامسا : البعد الديني (الاسلامى) : كما اتخذت القوى الاسلاميه على المستوى المحلى والاقليمى والعالمي موقفا رافضا لصدور هذه المذكرة. وقد تعددت المفاهيم العقدية والمعايير القيمين والقواعد التشريعية الاسلاميه التي استندت إليها هذه القوى في موقفها المعارض هذا. العديد من هذه المفاهيم والمعايير والقواعد متفق عليها بين اغلب هذه القوى لان مصدرها الإسلام كدين نتناول هنا بعضها:
من هذه المفاهيم العقدية تحريم الإسلام للاستكبار والذي مضمونه عبودية الناس لغير الله تعالى، وبالتالي إلغاء المساواة بينهم ﴿ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ ﴾ (المؤمنين: 46). يلزم من هذا رفض الإسلام للاستعمار، لأنه شكل من أشكال الاستكبار الذي حرمه الإسلام ومضمونه عبودية دوله لدوله أخرى بالاستيلاء على إمكانياتها وتسخيرها لخدمة مصالحها ﴿ قالت إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها﴾...فالإسلام على هذا الوجه يتعارض مع الواقع الموضوعي، المتمثل في استغلال المحكمة الجنائية الدولية من قبل الاستعمار الجديد ، و كون أنها بإصدارها لهذه المذكرة تمهد لمرحله جديدة من مراحله.
ومن هذه المعايير القيميه تحريم الإسلام لازدواجية المعايير كما في قوله تعالى (اتامرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وانتم تتلون الكتاب)،وهو ما يتعارض مع ازدواجية المعايير الناتج من استغلال الاستعمار الجديد لهذه المحكمة.
ومن هذه القواعد التشريعية تقرير الإسلام للسيادة ، والتي عبرعنها الفقهاء بوجوب أن تكون بلاد المسلمين بأمان المسلمين وهوما يتعارض مع كون هذه المذكرة هي سابقه تؤسس لقاعدة جديدة في العلاقات الدولية قائمه على إلغاء السيادة الوطنية للدول الصغرى، بما فيها الدول الاسلاميه.
ومن هذه القواعد ما قرره الفقهاء من عدم جواز الاستعانة بالاجنبى لمحاربه الحاكم المسلم، فضلا عن إجماع علماء الإسلام على انه إذا نزل العدو بأرض المسلمين فالجهاد فرض عين على الجميع، هذه القواعد تتعارض مع محاوله تطبيق هذه المذكرة بواسطة دول أجنبيه.
غير أن بعض هذه المفاهيم والمعايير والقواعد مختلف فيها، لان مصدرها مذاهب اجتهادية تمثل فهم أصحابه للدين.
وهنا نشير إلى المذهب الذي يرى أن حل الإسلام لمشكله الوحدة والتعدد هو القول بالوحدة المطلقة، التي تلغى اى شكل من أشكال التعدد. ويترتب على هذا المذهب بعض المفاهيم والمعايير والقواعد ( أو فهم خاص لبعض المفاهيم والمعايير والقواعد) يستند إليها في موقفه.
فعلى المستوى السياسي، يستند هذا المذهب في موقفه الرافض هذا إلى فهم خاص لقاعدة عدم جواز الخروج على السلطان التي وضعها بعض الفقهاء في ظروف معينه ، إذ يعتبر أن هذه القاعدة هي تقرير لقاعدة صالحه لكل زمان ومكان ، بينما هي محصله تطبيق لقاعدة( الضرورات تبيح المحظورات). فمن قواعد الإسلام السياسية الثابتة أن البيعة في الإسلام عقد مرضاة واختيار يكون الخليفة بموجبها نائب عن الجماعة لها حق تعيينه ومحاسبته وعزله ، ويترتب على هذا أن تقرير الفقهاء لهذه القاعدة لم يكن إنكارا منهم لوجوب خلع الحاكم الظالم،ولكنه اجتهاد في كيفية خلعة وأين ومتى ، فقالوا بعدم جواز خلعه في ظروف الرمانية والمكانية معينه (أوقات الخطر الذي يتهدد الامه كلها). وبالتالي فان هذه القاعدة طبقا لهذا الفهم لا تتناقض مع التداول السلمي للسلطة.
وعلى مستوى العلاقات الدولية يستند هذا المذهب في موقفه الرافض هذا إلى فهم خاص لعلاقة الدولة الاسلاميه بغيرها من الدول استنادا إلى أراء بعض الفقهاء الذين قسموا العالم إلى دار إسلام ودار حرب، وقالوا أن الإسلام أوجب قتال غير المسلمين (إطلاقاً). دون مراعاة حقيقة أن هؤلاء الفقهاء بنوا اجتهادهم على واقعهم، وهو واقع الدولة غير ثابتة الحدود ، متعددة الشعوب والقبائل. وهو خلاف واقعنا اى واقع اكتمال تكوين الأمم ، وانتهاء طور القبيلة ، وما أفرزه من الدولة ثابتة الحدود والشعب الواحد. يقول محمد الغزالي (إن مبدأ المعاملة بالمثل كان وراء أحكام فقهية وصفت بأنها شرعية والواقع أنها لم تقم اعتماداً على نص، وإنما على القصاص مما ينزل بالمسلمين) (جهاد الدعوة بين عجز الداخل وكيد الخارج، القاهرة، دار نهضة مصر،2001، ص60)
كما يستند هذا المذهب إلى قول بعض العلماء بعدم جواز انضمام الدولة الإسلامية إلى منظمات دولية بحجة أن الإسلام لا يبيح الحلف مع الكفار، وهذا غير صحيح على إطلاقه بل مقيد بشروط. قال (ص) عن حلف الفضول "لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفاً ما أحب أن لي به من حمر النعم، ولو دعيت به قبل الإسلام لأجبت" (رواه أحمد رقم 1655 و 1676).
كما نشير إلى مذهب أخر يرى أن حل الإسلام لمشكله الوحدة والتعدد هو الجمع بين الوحدة والتعدد على جميع المستويات، ويترتب على هذا المذهب مفاهيم ومعايير وقواعد أخرى (أو فهم أخر لذات المفاهيم والمعايير والقواعد) يستند إليها في موقفه.
فعلى مستوى العلاقات الدولية يستند هذا المذهب في موقفه إلى فهم أخر للعلاقة بين الدولة الاسلاميه وغيرها من الدول ، قائم على علاقة الدولة الاسلاميه بغيرها من الدول في العصر الحديث هي:علاقة حرب ( دار حرب) في حالة الاعتداء على ديار المسلمين، أو فتنة المسلمين عن دينهم. وعلاقة سلم ( دار عهد) مادامت لم تعتدي على ديار المسلمين، أو فتنتهم عن دينهم. وأن الإسلام لا يعارض قيام أو انضمام الدول الاسلاميه إلى المنظمات العالمية المختلفة بشرط أن تكون هدفها هو التعاون الدولي لتحقيق القيم الانسانيه كالعدالة والسلام والأمن ، وان لا تجسد عبودية الأمم والشعوب لأمة معينه أو أمم معينه، إذ هي في حاله التزامها بهذه الشروط شكل جديد لدار العهد ، وان هذه الشروط غير المتوفرة في المحكمة الجنائية الدولية بصيغتها الحالية.
وأخيرا فإننا نستبعد صفه الاسلاميه عن بعض الآراء التي قيلت عن المحكمة الجنائية الدولية والمذكرة التي أصدرتها، لأنها لا تستند إلى الإسلام كدين ممثلا في أصوله الثابتة، ولا ترقى إلى أن تكون اجتهادا فقهيا مجردا من بواعث صاحبه الذاتية، وقائمه على انتقاء ما يتفق مع هذه البواعث ، وتجاهل ما يتعارض معها