المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : في ذكرى ميلاد عبد الناصر


فائز البرازي
11-01-2008, 08:16 PM
التاريخ و الأمة و عبد الناصر
=================

كان حدثآ ولادته من تزاوج التاريخ مع الأمة في لحظة قدرية ..
ولد على جذع نخلة في بني مر العامرة بعبق التاريخ المحمل بكل الإنجازات وخيبات الأمل البشرية .
في لحظة قدرية تم التزاوج وتمت الولادة لإنسان كباقي البشر ، عدا كونه " إنسان الضرورة " .
المسار التاريخي / الأب : لايمكن لوحده أن يعطي ولا أن يثمر مع أهميته الثنائية .
الأمة / الأم : لايمكن لوحدها أن تعطي ولا أن تثمر مع أهميتها الثنائية .
بتزاوج التاريخ مع الأمة .. في لحظة قدرية كونية متكررة عبر مسار الإنسانية ، ولد هذا الإنسان لضرورة أن يلعب الدور الموجود والذي كان يبحث عمن يتنكبه ويحمله ويقوم به ، ليصبح دورآ مؤثرآ في تاريخ الإنسانية .
وأتى / جمال عبد الناصر / ليلعب الدور المقدر له ، وليحمل على عاتقه معاناة وصعوبة التنفيذ بإرادة لاتلين ولا تستجدى .
دفعه هذا الدور / القدر ، ليؤهل نفسه بدون وعي لما سيكون مطلوبآ منه ، فسار في درب التأهل معتزآ بالذات وراصدآ لأحداث وطن .
ومع المسار التاريخي الإنساني المتراكم ، كان لدى / عبد الناصر / كرامة الذات وإستشراقة المستقبل ، برغبة تجاوز واقع السوء الذي يتلمسه والذي يعيش به وطنه وأمته .
ومن خلال معايشته منذ شبابه على الأرض لتجارب تشي بواقع مختل يجب أن يتغير ، وعي وعمل لحرية الوطن والأرض ، لكرامة الإنسان والعدل الذي يجب أن يسود ، وإعادة تلك الأمة / الأم إلى واقعها الطبيعي بكونها واحدة لامصلحة لها بالتجزيئ .
من هنا .. من ( ضرورة الدور ) خرج / جمال عبد الناصر / ليمثل ضرورة إنجاز هذا الدور ، بوعي وبلزوم مايلزم . وسار على الدروب الشائكة ..
لكن الأعمار .. أكبر من الأدوار .. فقتلته المعاناة ، وخنقه الألم ، وذهبت روحه مع الدم العربي المسفوك بايدي أبناء الأمة / الأم .
خرجت الأم / الأمة تبكي وتندب إبنها الذي مات قبل أن يكمل المشوار ، تبكي ذاتها والتي بالكاد بدأت تبتسم رضا للمستقبل .
وبعد هدوء الجيشان ، وكمد العواطف ، أتى التاريخ / الأب ، ليحكم على مساره ..
دخل محكمة [ زعامات أمام العرش ] .. – من محكمة نجيب محفوظ / بتلخيص- .
فإنعقدت المحكمة بكامل هيئتها في قاعة العدل ..
" أوزوريس " في الصدر على عرشه الذهبي . إلى يمينه " إيزيس " على عرشها . وإلى يساره " حورس " على عرشه . وعلى مبعدة يسيرة من قدميه ، تربع " تحوت " كاتب الالهة مسندآ إلى ساقيه المشتبكتين الكتاب الجامع ..
وهتف حورس مستدعيآ : جمال عبد الناصر .
فدخل رجل طويل القامة ، واضح الملامح ، عظيم الشخصية ، ومضى في سيره حتى وقف أمام العرش .
ودعاه أوزوريس إلى الكلام فقال :
أنتمي إلى قرية بني مر من أعمال أسيوط ، ونشأت في أسرة فقيرة من أبناء الشعب فكابدت مرارة العيش وشظفه ، وتخرجت من الكلية الحربية عام 1938 ، وإشتركت في حرب فلسطين ، وحوصرت مع من حوصر في الفالوجا ، وقد هالتني الهزيمة ، وهالني أكثر جذورها الممتدة في أعماق الوطن ، فخطر لي أن أنقل المعركة إلى الداخل حيث يكمن أعداء البلاد الحقيقيون ، وأنشأت في حذر وسرية تنظيم الضباط الأحرار ، ورصدت الأحداث إنتظارآ للحظة المناسبة للإنقضاض على النظام القائم ، وقد حققت هدفي في 23/يوليو/ 1952 ، ثم تتابعت إنجازات الثورة مثل إلغاء النظام الملكي ، وإستكمال إستقلال البلاد بالجلاء التام ، والقضاء على الإقطاع بإصدار قانون الإصلاح الزراعي ، وتمصير الإقتصاد ، والتخطيط لإصلاح شامل في الزراعة والصناعة يستهدف خير الشعب وتذويب الفروق الطبقية ، وبنينا السد العالي ، وأنشأنا القطاع العام متجهين نحو الإشتراكية ، وكونّا جيشآ حديثآ قويآ ، ونشرنا الدعوة للوحدة العربية ، وساندنا كل ثورة عربية أو إفريقية ، وأممنا قناة السويس فكنا منارة وقدوة للعالم الثالث كله في نضاله ضد الإستعمار الخارجي والإستغلال الداخلي ، وحظى الشعب الكادح في عهدي بعزة وقوة لم يعرفهما من قبل ، ولأول مرة يشق طريقه إلى المجالس التشريعية والجامعات ويشعر بأن الأرض أرضه والوطن وطنه ، وقد تربصت بي قوى الإستعمار حتى أنزلت بي هزيمة منكرة في 5/يونيو/1967 فزلزلت العمل العظيم من جذوره وقضت علي بما يشبه الموت قبل موافاة الأجل بثلاثة أعوام ، وعشت مصريآ عربيآ مخلصآ ، ومت مصريآ عربيآ شهيدآ .
وتكلم الملك رمسيس الثاني :
دعني أعرب لك عن عظيم حبي وإعجابي ، وما حبي لك إلا إمتداد لحبي لذاتي فما أكثر أوجه الشبه التي تجمع بيننا ، كلانا يشع عظمة تملأ الوطن وتتجاوز حدوده ، وكلانا لم يقنع بأعماله المجيدة الخالدة فقد ساندني الحظ بأن توليت عرش مصر وهي سيدة الأمم ، أما أنت فحكمتها وهي أمة صغيرة وسط عمالقة ، وقد وهبتني الآلهة طولآ في العمر وقوة في الجسد وضنت عليك إلا بالقليل فعاجلك الأجل قبل الأوان ...
وتكلم الملك مينا :
ولكن إهتمامك بالوحدة العربية فاق إهتمامك بالوحدة المصرية فحتى إسم مصر الخالد شطبته بجرة قلم ، وإضطررت العديد من أبناء مصر إلى الهجرة التي لم يمارسوها إلا في فترات قهر عابرة ..
فقال جمال عبد الناصر :
ليس الذنب ذنبي إذا توهم بعض المصريين أن الوحدة العربية تعني الضياع لهم ، وليس ذنبي إذا تحققت أعمال مجيدة على يدي بعد أن عجز السابقون عن تحقيقها ، فالحق أن تاريخ مصر الحقيقي بدأ مع 23/يوليو/1952 ..
وسرت همهمة بين الجالسين مضت تشتد حتى هتف / أوزوريس / : النظام والهدوء أيها السادة ، أفسحوا صدوركم لأي قول يقال ...
قال أبنوم :
اسمح لي أن احييك بوصفي أول ثائر من فقراء مصر ، وإنّي لأشهد لك بأن الفقراء لم ينعموا بالأمان والأمل في عهد – بعد عهدي – كما نعموا في عهدكم . ولا مأخذ لي عليك إلا إصرارك على أن تكون ثورتك بيضاء ، على حين كان يجب أن تجري الدماء فيها أنهارآ ...
قال سعد زغلول :
لقد حاولت أن تمحو إسمي من الوجود كما محوت إسم مصر ، وقلت عني أنني إعتليت الموجة الثورية عام 1919 ، بيد أنني رغم ذلك لم اضمر لك الرفض ، وإعتبرت تجنيك علي نزوة شباب يمكن التسامح معها نظير ماقدمت من خدمات جليلة . لقد قامت الثورة العرابية فناضلت نضالآ كريمآ وأُحبطت إحباطآ أليمآ ، وقامت ثورة 1919 فحََققت من المآثر ماشهد به التاريخ ، ولكن تكاثر أعداؤها حتى إجتاحها حريق القاهرة ، ثم جاءت ثورتك فتخلصت من الأعداء ، وأتممت رسالة الثورتين السابقتين ، وبالرغم من أنها بدأت كإنقلاب عسكري ، إلا أن الشعب باركها ومنحها تأييده ، وكان بوسعك أن تجعل من الشعب قاعدتها وأن تقيم حكمآ ديمقراطيآ رشيدآ ، ولكن إندفاعك في الطريق الإستبدادي هو المسؤول عن جميع ماحل بحكمك من سلبيات ...
فقال جمال عبد الناصر :
كان يلزمنا فترة إنتقال لتحقيق الأسس الثورية .. الديمقراطية الحقيقية كانت تعني عندي تحرير المصري من الإستعمار والإستغلال والفقر .. لقد نقلت وطني من حال إلى حال ، كما نقلت العرب وسائر الأمم المغلوبة على أمرها ، وسوف تعالج السلبيات حتى تزول وينساها الزمن ويبقى ماينفع الناس ، وعند ذاك يقر الناس بعظمتي الحقيقية ...
قالت إيزيس :
إن فرحتي برجوع العرش إلى احد أبنائي لاتقدر ، وإن اعماله الجليلة لتحتاج إلى جميع جدران المعابد لتسجيلها ، أما الأخطاء فلا أدري كيف أدافع عنها ...
ختم أوزوريس فقال :
لو كانت محكمتنا هي صاحبة الكلمة ألأخيرة في الحكم عليك ، لإقتضانا العدل تأملآ وعناء طويلين ، فقليلون من قدموا لبلادهم مثلما قدمت من خدمات ، وقليلون من أنزلوا بها من أخطاء وسلبيات ، ولكن لأنك أول من يجلس على عرشها من أبنائها ، وأول من يخص الكادحين برعايته ، فإننا نسمح لك بالجلوس بين الخالدين لحين إنتهاء المحاكمة ، وستذهب بعد ذلك إلى محكمتك مؤيدآ بتزكية مناسبة ...

رحمك الله ياجمال عبد الناصر .. فماعسى أن يقال الآن إذا أحيل الزمن منذ رحيلك حتى الآن للمحاكمة ؟؟
=================

فائز البرازي : 10/1/2008

إبراهيم إسماعيل
11-01-2008, 09:34 PM
[align=center] كانت محكمتنا هي صاحبة الكلمة ألأخيرة في الحكم عليك ، لإقتضانا العدل تأملآ وعناء طويلين ، فقليلون من قدموا لبلادهم مثلما قدمت من خدمات ، وقليلون من أنزلوا بها من أخطاء وسلبيات ، ولكن لأنك أول من يجلس على عرشها من أبنائها ، وأول من يخص الكادحين برعايته ، فإننا نسمح لك بالجلوس بين الخالدين لحين إنتهاء المحاكمة ، وستذهب بعد ذلك إلى محكمتك مؤيدآ بتزكية مناسبة ...




هذا هو جمال عبد الناصر، قد اختارته مراكز البحوث الغربية كأحد أهم الشخصيات المائة التي أثرت في القرن العشرين (لم تختر من العالم العربي إلا جمال عبد الناصر، والإمام حسن البنا مؤسس جماعة الإخوان المسلمين).
ولكي نضع خاتمة لهذه الشخصية، فقد نقلت بعض الصحف الغربية أن سفنًا من الأسطول الأمريكي كانت في طريقها إلى شرق البحر المتوسط للقيام ببعض المناورات العسكرية في 28 سبتمبر 1970، وما أن أعلن نبأ وفاة جمال عبد الناصر حتى صدرت التعليمات لها بالعودة، والسبب "أن الرجل الذي كنا نريد أن نُسمعه أصوات مدافعنا .. قد مات".


لك عظيم الشُكر استاذ فائز على التذكير بهذه الذكرى العظيمة

معتصم الحارث الضوّي
12-01-2008, 01:15 AM
الحديث عن أبي خالد رحمه الله طويل وشاق ومحفوف بالمنعطفات الحادة. ولا يمكن في رأيي اختزال هذه الشخصية التاريخية في سطور قلائل، فالمحاولة في هذه الحالة محكوم عليها مسبّقاً بالفشل الذريع.
جاء ميلاد الزعيم الراحل عبد الناصر في منعطف تاريخي خطير للغاية في تاريخ أمتنا المجيدة، وطلائع الاستعمار والإمبريالية تغرز أنيابها في ظهور الشعب العربي. وما يُسمى بالأنظمة الوطنية تصرّح أو تخفي -بغير نجاح- ولائها، بل عمالتها للاستعمار.
أما طلائع التغيير الاجتماعي والسياسي فكانت مضطهدة تعاني الكثير جرّاء ما تلاقيه من ظلم واضطهاد.
في هذه الظروف نشأ الشاب جمال عبد الناصر، فدّله حسه الوطني الرفيع وشعوره الغريزي بالكرامة والعزة إلى الالتزام الخلقي والفكري والسياسي. وقد لازمه ذلك الحس المتوقد بالعدل والكرامة طيله حياته القصيرة.
أما عن جمال عبد الناصر الرجل الناضج والزعيم المفكر والحر الثائر دائماً، فقد تعرّضت تجربته في الحكم لمحطات شتى، اتسمت في معظمها بالتوتر العالي على الجبهة العربية والعالمية. وتمكّن من تحقيق نجاحات يُشار إليها بالبنان سواء على الصعيد الداخلي المصري، أو على الجبهة العربية والإفريقية والعالمية. كما اكتنفت التجربة الناصرية أيضا إخفاقات ليس المقام مواتيا للتطرّق إليها.

رحمه الله رحمة واسعة بقدر ما كان يحب أمته ويسعى من أجل عزتها ورفعتها