معتصم الحارث الضوّي
03-07-2007, 02:27 PM
جاء التنزيل القرآني بلسان عربي مبين فثبّت للعربية مكانتها الخاصة بين صفوف المسلمين ، و جعلها أساس العروبة فكان لذلك أبعد الأثر في تكوين الأمة العربية .
وحّد الإسلام العرب لأول مرة في التاريخ في إطار دولة واحدة جمعت بين البدو و الحضر .. و القحطاني و العدناني منهياً بذلك قروناً من الصراعات القبلية الدامية .
تأطرت - من منظور تاريخي – أطروحات الفكر القومي العربي إبان الثورة العربية الكبرى و التي اتسمت بصبغة إسلامية واضحة .. لا غرو ذلك فقد استندت إلى الكتابات المستنيرة لمفكري الجيل السابق مثال جمال الدين الأفغاني و الإمام محمد عبده . و لذا لم تشتعل الخصومة بين الفريقين .. القوميين و الإسلاميين .. و لم يكن هناك أي تناقض أو تضارب مفتعل بين دعوة الحركة العربية للاستقلال من الدولة العثمانية الناشئة على القومية .. و بين كون توجه تلك الحركة إسلامياً في مجمله مما حدا بالمناضلين المسيحيين و المنتمين إلى الأقليات الدينية في سوريا الكبرى لتنسيق جهودهم بل الانضمام لصفوف الثورة العربية الكبرى محاربين في خندقها تحت ذات الشعارات المطروحة .
تتنوع شروط وتعاريف الأسس التي تحدد القومية . و ينطبق معظمها على القومية العربية :
- اللغة : وهي الأوضح نموذجاً و الأيسر إحاطة بين جميع الأسس .
- الدين الإسلامي الذي يشترك فيه معظم العرب . و في هذه النقطة بالذات يؤكد القرآن الكريم بذكر عروبة القرآن والإسلام في أكثر من ستة آيات ، بل جعل عبادة الصلاة وقراءة القرآن مشروطة بأدائها باللغة العربية .
- التاريخ المشترك .
- وحدة الأرض الجغرافية .
- الشعور الانتمائي للأغلبية الساحقة للمواطنين العرب في جميع الدول العربية ( باستثناء فئات أخرى تتحدث العربية و لكنها ترفض الانتماء إلى الأمة العربية مثال طوائف من المارونيين في لبنان ) .
- وحدة المصالح السياسية والاقتصادية.
- التكامل الاقتصادي الهائل لمجموع أراضي الوطن العربي ، إضافة إلى الموقع الاستراتيجي الذي يتوسط العالم .
نشأ الصراع المختلق بين القومية و الإسلام نتيجة لبعض المقاربات الفكرية و الأطروحات التي قدمها مفكرون قوميون عن قضية العلاقة بين القومية و الإسلام من منظورات فكرية و ثقافية متباينة . و على سبيل المثال فإن المفكر عبد الله العلايلي يدعو للتركيز على أهمية اللغة باعتبارها وعاء ثقافياً جامعاً للأمة العربية . و من ناحية أخرى نجد بعض المؤدلجين القوميين مثل الأستاذ زكي الأرسوزي يدعو إلى التركيز على الفترة التي سبقت الإسلام داعياً للتواصل مع عبقرية اللغة و الثقافة الأصيلة التي ميّزت ذلك العصر و بالتالي مهمشاً نوعاً ما من الدور الحضاري و الفكري للإسلام .
أما ساطع الحصري أكبر دعاة القومية العربية في القرن العشرين فيعّرف الأمة مع إبراز العامل الثقافي أكثر من السياسي، فهو لا يرى قيام الدولة شرطا ضروريا أو كافيا لتكوين الأمة . و يؤكد في أطروحاته بأن الإسلام كان عاملاً رئيساً في بناء الأمة العربية ، و يشاركه الرأي الأستاذ أحمد ميشيل عفلق .
إجمالاً ، فإن جميع منظري القومية العربية يتفقون على أن اللغة تمثل العنصر الرئيس في تحديد الهوية ، أو بعبارة أخرى أنه ليس بالإمكان حصر الهوية بكونها شأناً عنصرياً أو إقليمياً أو دينياً فحسب بل هي انتماء لغوي و ثقافي في المقام الأول و تتبع له كافة العناصر الأخرى المكونة لنسيج الأمة كما أشرنا إليها أعلاه .
أدى هذا الشطط و النزعة الإقصائية التي لا تعترف للإسلام بأولويته الكبرى في تعريف الأمة العربية و دورها الحضاري إلى بث بذور الريبة و خلق تيار غاضب من العداء لها من قبل المفكرين الإسلاميين .
أما العامل الثاني الذي أدّى إلى إذكاء الصراع بين الفريقين فهو إصرار المفكرين القوميين على اتخاذ المذهب الاشتراكي نبراساً و منهلاً تستند إليه النواحي الفلسفية و الاقتصادية من أطروحاتهم و نبذ المفاهيم الإسلامية جملة و تفصيلاً . و بالتالي فقدت الحركة القومية العربية رصيداً جماهيرياً لا يستهان به .
العامل الثالث هو الأطروحات الإيديولوجية الغارقة في الغموض التي دعا إليها المفكرون القوميون الكلاسيكيون ، و التي جعلت مفهوم الوحدة العربية و هي أساس و لب القومية يتحول إلى طقس كهنوتي مريب ، و يبدو ذلك واضحاً على سبيل المثال في مقاربات ميشيل عفلق لمسألة دور الدين الإسلامي في صياغة حاضر و مستقبل الأمة العربية ، و التي تميزت بالإبهام و الغموض و الابتعاد عن إبداء آراء صريحة ، فرؤيته الفكرية تتفق في مجملها مع آراء مع من سبقوه و خاصة إسهامات زكي الأرسوزي و قسطنطين زريق ، و لكنه غلفّها في قوالب لغوية منمقة و مراوغة .
يمكننا - بصورة عامة - تقسيم المواقف الفكرية من القومية العربية إلى الفئات التالية حسب ترتيب ظهورها الزمني على الساحة الفكرية و المعترك الثقافي :
- الفئة السلفية الإسلامية التي ترفض الحركة القومية الوحدوية رفضاً باتاً .. و تدمغها بأنها محاولة عقيمة لإحلال العنصر العربي بديلاً للجامعة الإسلامية . و تبدو أدبيات تلك الفئة و آرائها الحاسمة بخصوص القومية العربية في كتابات الفقهاء السلفيين و خاصة من مدرسة الحركة الوهابية . و بعضهم يشتط في العداء فيصف القومية العربية بأنها : " دعوة جاهلية إلحادية تهدف إلى محاربة الإسلام والتخلص من أحكامه وتعاليمه " .
- فئة الإسلام الراديكالي التي تمثلت في كتابات أبو الأعلى المودودي و سيد قطب و التي اتخذت موقفاً عدائياً مماثلاً من الحركة القومية العربية .
- الفئة التوفيقية التي حاولت جاهدة تضييق هوة الفرقة بين الفريقين .. و تمثلت في كتابة مفكرين من أمثال عبد العزيز الدوري و محمد عمارة في مرحلته القومية – الإسلامية قبل أن ينتقل إلى مدرسة التيار الإسلامي في السنوات الأخيرة .
- مدرسة مراجعة الفكر القومي و التي نشطت في السنوات الأخيرة من القرن المنصرم و استمرت إلى وقتنا الحاضر - و تدعو لمحو حالة العداء بين الفكر القومي و الإسلامي باعتبارهما متكاملين دون تناقض ، كما تسعى جاهدة لردم الفجوة و إزالة الجفوة بين الطرفين .. و من أبرز مفكريها عصمت سيف الدولة و الدكتور محمد عبد الشفيع عيسى و الدكتور عبد الإله بلقزيز .
- مدرسة الليبراليين الجدد و التي ترفض الحركة القومية و ترى فيها دعوة رجعية طوباوية لا تقوم على أي أسس واقعية .. و من أبرز كتابها الدكتور شاكر النابلسي و سيّار الجميل .
يشتعل الصراع حالياً بين التيارات القطرية التي تسعى للحفاظ على الهويات القطرية الضيقة وتعمل على تطويرها وتعزيزها ، و التيار القومي الذي لا يزال يدور – للأسف - في فلك الأنظمة العسكرية السلطوية ، و التي يغلب على ممارساتها ازدواج الشخصية بين الشعارات العقائدية المطروحة و غياب الممارسة الديمقراطية على أرض الواقع الاجتماعي والاقتصادي المعاش من جهة أخرى ، و التيار الإسلامي الذي يعبّر عن نفسه من خلال حركات الإسلام السياسي التي تحاول تجاوز الوطنية والقومية إلى أممية إسلامية .
يعاني كل من التيارات المذكورة من أزمة بنيوية داخلية و صراعات بين الأجنحة الفكرية المتضاربة ، إضافة إلى أزمة انعدام الثقة مع التيارات الأخرى المتصارعة لنيل قصب السبق السياسي و الهيمنة و تعبئة الجماهير لصالحها .
إن الوحدة العربية قد أصبحت ضرورة استراتيجية للشعوب العربية ، وهي الحل الوحيد للمشاكل السياسية والاقتصادية و الاجتماعية و الدفاعية التي تعانيها حالياً الدول العربية ، كما أنها تتيح الاستقلالية الكاملة عن الولاءات المشبوهة مع القوى الغربية ، و خاصة في زمن القطب الواحد المتعسف و بداية الانهيار الملحوظ لسلطة الدول في إطار ما يسمى بالعولمة و على يد الشركات متعددة الجنسيات .
وحّد الإسلام العرب لأول مرة في التاريخ في إطار دولة واحدة جمعت بين البدو و الحضر .. و القحطاني و العدناني منهياً بذلك قروناً من الصراعات القبلية الدامية .
تأطرت - من منظور تاريخي – أطروحات الفكر القومي العربي إبان الثورة العربية الكبرى و التي اتسمت بصبغة إسلامية واضحة .. لا غرو ذلك فقد استندت إلى الكتابات المستنيرة لمفكري الجيل السابق مثال جمال الدين الأفغاني و الإمام محمد عبده . و لذا لم تشتعل الخصومة بين الفريقين .. القوميين و الإسلاميين .. و لم يكن هناك أي تناقض أو تضارب مفتعل بين دعوة الحركة العربية للاستقلال من الدولة العثمانية الناشئة على القومية .. و بين كون توجه تلك الحركة إسلامياً في مجمله مما حدا بالمناضلين المسيحيين و المنتمين إلى الأقليات الدينية في سوريا الكبرى لتنسيق جهودهم بل الانضمام لصفوف الثورة العربية الكبرى محاربين في خندقها تحت ذات الشعارات المطروحة .
تتنوع شروط وتعاريف الأسس التي تحدد القومية . و ينطبق معظمها على القومية العربية :
- اللغة : وهي الأوضح نموذجاً و الأيسر إحاطة بين جميع الأسس .
- الدين الإسلامي الذي يشترك فيه معظم العرب . و في هذه النقطة بالذات يؤكد القرآن الكريم بذكر عروبة القرآن والإسلام في أكثر من ستة آيات ، بل جعل عبادة الصلاة وقراءة القرآن مشروطة بأدائها باللغة العربية .
- التاريخ المشترك .
- وحدة الأرض الجغرافية .
- الشعور الانتمائي للأغلبية الساحقة للمواطنين العرب في جميع الدول العربية ( باستثناء فئات أخرى تتحدث العربية و لكنها ترفض الانتماء إلى الأمة العربية مثال طوائف من المارونيين في لبنان ) .
- وحدة المصالح السياسية والاقتصادية.
- التكامل الاقتصادي الهائل لمجموع أراضي الوطن العربي ، إضافة إلى الموقع الاستراتيجي الذي يتوسط العالم .
نشأ الصراع المختلق بين القومية و الإسلام نتيجة لبعض المقاربات الفكرية و الأطروحات التي قدمها مفكرون قوميون عن قضية العلاقة بين القومية و الإسلام من منظورات فكرية و ثقافية متباينة . و على سبيل المثال فإن المفكر عبد الله العلايلي يدعو للتركيز على أهمية اللغة باعتبارها وعاء ثقافياً جامعاً للأمة العربية . و من ناحية أخرى نجد بعض المؤدلجين القوميين مثل الأستاذ زكي الأرسوزي يدعو إلى التركيز على الفترة التي سبقت الإسلام داعياً للتواصل مع عبقرية اللغة و الثقافة الأصيلة التي ميّزت ذلك العصر و بالتالي مهمشاً نوعاً ما من الدور الحضاري و الفكري للإسلام .
أما ساطع الحصري أكبر دعاة القومية العربية في القرن العشرين فيعّرف الأمة مع إبراز العامل الثقافي أكثر من السياسي، فهو لا يرى قيام الدولة شرطا ضروريا أو كافيا لتكوين الأمة . و يؤكد في أطروحاته بأن الإسلام كان عاملاً رئيساً في بناء الأمة العربية ، و يشاركه الرأي الأستاذ أحمد ميشيل عفلق .
إجمالاً ، فإن جميع منظري القومية العربية يتفقون على أن اللغة تمثل العنصر الرئيس في تحديد الهوية ، أو بعبارة أخرى أنه ليس بالإمكان حصر الهوية بكونها شأناً عنصرياً أو إقليمياً أو دينياً فحسب بل هي انتماء لغوي و ثقافي في المقام الأول و تتبع له كافة العناصر الأخرى المكونة لنسيج الأمة كما أشرنا إليها أعلاه .
أدى هذا الشطط و النزعة الإقصائية التي لا تعترف للإسلام بأولويته الكبرى في تعريف الأمة العربية و دورها الحضاري إلى بث بذور الريبة و خلق تيار غاضب من العداء لها من قبل المفكرين الإسلاميين .
أما العامل الثاني الذي أدّى إلى إذكاء الصراع بين الفريقين فهو إصرار المفكرين القوميين على اتخاذ المذهب الاشتراكي نبراساً و منهلاً تستند إليه النواحي الفلسفية و الاقتصادية من أطروحاتهم و نبذ المفاهيم الإسلامية جملة و تفصيلاً . و بالتالي فقدت الحركة القومية العربية رصيداً جماهيرياً لا يستهان به .
العامل الثالث هو الأطروحات الإيديولوجية الغارقة في الغموض التي دعا إليها المفكرون القوميون الكلاسيكيون ، و التي جعلت مفهوم الوحدة العربية و هي أساس و لب القومية يتحول إلى طقس كهنوتي مريب ، و يبدو ذلك واضحاً على سبيل المثال في مقاربات ميشيل عفلق لمسألة دور الدين الإسلامي في صياغة حاضر و مستقبل الأمة العربية ، و التي تميزت بالإبهام و الغموض و الابتعاد عن إبداء آراء صريحة ، فرؤيته الفكرية تتفق في مجملها مع آراء مع من سبقوه و خاصة إسهامات زكي الأرسوزي و قسطنطين زريق ، و لكنه غلفّها في قوالب لغوية منمقة و مراوغة .
يمكننا - بصورة عامة - تقسيم المواقف الفكرية من القومية العربية إلى الفئات التالية حسب ترتيب ظهورها الزمني على الساحة الفكرية و المعترك الثقافي :
- الفئة السلفية الإسلامية التي ترفض الحركة القومية الوحدوية رفضاً باتاً .. و تدمغها بأنها محاولة عقيمة لإحلال العنصر العربي بديلاً للجامعة الإسلامية . و تبدو أدبيات تلك الفئة و آرائها الحاسمة بخصوص القومية العربية في كتابات الفقهاء السلفيين و خاصة من مدرسة الحركة الوهابية . و بعضهم يشتط في العداء فيصف القومية العربية بأنها : " دعوة جاهلية إلحادية تهدف إلى محاربة الإسلام والتخلص من أحكامه وتعاليمه " .
- فئة الإسلام الراديكالي التي تمثلت في كتابات أبو الأعلى المودودي و سيد قطب و التي اتخذت موقفاً عدائياً مماثلاً من الحركة القومية العربية .
- الفئة التوفيقية التي حاولت جاهدة تضييق هوة الفرقة بين الفريقين .. و تمثلت في كتابة مفكرين من أمثال عبد العزيز الدوري و محمد عمارة في مرحلته القومية – الإسلامية قبل أن ينتقل إلى مدرسة التيار الإسلامي في السنوات الأخيرة .
- مدرسة مراجعة الفكر القومي و التي نشطت في السنوات الأخيرة من القرن المنصرم و استمرت إلى وقتنا الحاضر - و تدعو لمحو حالة العداء بين الفكر القومي و الإسلامي باعتبارهما متكاملين دون تناقض ، كما تسعى جاهدة لردم الفجوة و إزالة الجفوة بين الطرفين .. و من أبرز مفكريها عصمت سيف الدولة و الدكتور محمد عبد الشفيع عيسى و الدكتور عبد الإله بلقزيز .
- مدرسة الليبراليين الجدد و التي ترفض الحركة القومية و ترى فيها دعوة رجعية طوباوية لا تقوم على أي أسس واقعية .. و من أبرز كتابها الدكتور شاكر النابلسي و سيّار الجميل .
يشتعل الصراع حالياً بين التيارات القطرية التي تسعى للحفاظ على الهويات القطرية الضيقة وتعمل على تطويرها وتعزيزها ، و التيار القومي الذي لا يزال يدور – للأسف - في فلك الأنظمة العسكرية السلطوية ، و التي يغلب على ممارساتها ازدواج الشخصية بين الشعارات العقائدية المطروحة و غياب الممارسة الديمقراطية على أرض الواقع الاجتماعي والاقتصادي المعاش من جهة أخرى ، و التيار الإسلامي الذي يعبّر عن نفسه من خلال حركات الإسلام السياسي التي تحاول تجاوز الوطنية والقومية إلى أممية إسلامية .
يعاني كل من التيارات المذكورة من أزمة بنيوية داخلية و صراعات بين الأجنحة الفكرية المتضاربة ، إضافة إلى أزمة انعدام الثقة مع التيارات الأخرى المتصارعة لنيل قصب السبق السياسي و الهيمنة و تعبئة الجماهير لصالحها .
إن الوحدة العربية قد أصبحت ضرورة استراتيجية للشعوب العربية ، وهي الحل الوحيد للمشاكل السياسية والاقتصادية و الاجتماعية و الدفاعية التي تعانيها حالياً الدول العربية ، كما أنها تتيح الاستقلالية الكاملة عن الولاءات المشبوهة مع القوى الغربية ، و خاصة في زمن القطب الواحد المتعسف و بداية الانهيار الملحوظ لسلطة الدول في إطار ما يسمى بالعولمة و على يد الشركات متعددة الجنسيات .