المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : نظرات في الأسس الفكرية للأزمة العربية- الديمقراطية


معتصم الحارث الضوّي
18-01-2008, 10:10 PM
نظرات في الأسس الفكرية للأزمة العربية

الديمقراطية
ما زال المجال يحفل بالكثير من المعوقات التي تحد من انطلاق أمتنا المجيدة نحو مستقبل زاهر بحول الله تعالى.
تكثُر الأطروحات والأحاديث في وقتنا الحاضر عن مسألة الديمقراطية، وتصخب الإذاعات وأجهزة الإعلام بنقاشها، ويتناولها المحللون السياسيون والصحفيون دون توقف؛ في تلك الأثناء تتصاعد ضغوط القطب الأوحد، وبين المطرقة الأمريكية والسندان الجماهيري تظل الحكومات العربية تمارس تخبّطها المزمِن.
رغم أحقية تلك الدعاوى -وذلك بالنظر إلى الوضع السياسي المزري في عالمنا العربي- إلا أن في ذلك استهدافاً للمظاهر الطافية على السطح فقط، دون معاجلة لجذور العلة وأسباب الأزمة في الأساس.
ظلت الديمقراطية طوال العقود الماضية كمًّا مهملاً في المبادئ الفكرية للمفكرين القوميين؛ فلم يتعرضوا لها إلا لماماً في سياقات التنظير والأدلجة ووضع الأطر العامة. انعكس ذلك الخلل الفكري والفقر الإيديولوجي المدقع على الأسس الداخلية لإدارة شؤون التنظيمات والحركات السياسية القومية؛ فاستشرت مبادئ هدامة من نوع "نفّذ ثم ناقش". واتسمت العلاقة بين قمة الهرم التنظيمي والقواعد العاملة بانقطاع التواصل الحميم؛ وبذلك تجذّر مفهوم الصفوة الحزبية الضيقة؛ والتي لا يلج مجالها الأعضاء العاديون إلا نادراً؛ ونتيجة ظروف خاصة تركلهم إلى أعلى، ولا يمكن الاستناد إليها لإطلاق التعميم.
خلقت الصفوة الحزبية بذلك سلماً كهنوتياً خاصاً بعد أن ارتقت سلالمها العاجية، ثم أغلقت أبوابها مستكينة إلى حكمتها وخلودها الديمومي.
ثم أدلت الأنظمة الثورية العربية (فلا صوت يعلو على صوت المعركة) بدلوها غير الحميد في تعميق وتأصيل الممارسة الدكتاتورية؛ وذلك رغم الدعاوي الطنّانة والمتكررة بأن الحكم للشعب والذي تمثّله طلائعه القومية التقدمية؛ لذا بقيت مقاليد الأمور بيد مجموعات محددة من المتنفذين الذين لا يتزحزحون عن مقاعدهم الوثيرة –رغم كل دعاوي الطهر والنقاء الثوري- عبر عشرات السنين: يُولد الشخص ثم يلج مدارك الشباب وما زالوا في مناصبهم الرسمية؛ وكأنما عقمت أرحام الأمهات أن يلدن مثلهم. الأمثلة على هؤلاء النفر من المتنفذين عديدة ومعروفة؛ وهذا هو الحال في جمهورياتٍ لا تؤمن بالتغيير، ولا بالتطوير، ولا بأحقية الشباب أن يمارس دوره المحتوم. وسيستمر هذا الوضع المغلوط ما بقِيَ مبدأُ الانتقاء الوظيفي هو الولاء وليس الدراية والخبرة. المضحك المبكي في الأمر أن هذا الهرم المقلوب مستشرٍ في عالمنا العربي (جمهورياتٍ وملكياتٍ على حد سواء). وإذا استمر الفساد والمحسوبية والاعتبارات الحزبية والجهوية والعشائرية -محدداتٍ ومعاييرَ رئيسةً؛ فعلينا وعلى الدنيا السلام.
إن إنشاء أنظمة تستلهم الديمقراطية ليس بالأمر المتعذر، أو مما يقتضي بحثاً نظرياً وفكرياً صعب المنال؛ فما أيسر الاستفادة من تجارب الشعوب! فتكفي نظرة إلى العالم الثالث (إذا لم نرغب في اللجوء إلى تجارب الدول الغربية)؛ لنجدَ تجارب ناجحة وجديرة بالدراسة والتمحيص، ثم الاستلهام، وانتقاء ما يناسب واقعنا منها. وليست تجارب الهند وماليزيا وسنغافورة عنّا ببعيدة.
إن إعادة النظر جذرياً -في الهياكل والمفاصل والعلاقات البينية بين السلطات الثلاث (التشريعية، والقضائية، والتنفيذية)، لتكوين أنظمة ثابتة الأسس نظرياً وعملياً -من الأهمية بمكان.
كذلك التغيير العقلاني لمؤسسات القطاع العام، ومراجعة أسسها الهيكلية والمبدئية والعملية والعملياتية.
كما تعدّ العناية بتأطير دور القطاع الخاص والشعبي، ومؤسسات المجتمع المديني -من أهم العوامل التي تؤدي دور صمام الأمان، وتضمن سير قطار الديمقراطية في طريقه المرسوم؛ فلا يحيد عنه، وإلا مارست دورها، بل حقها المكفول دستورياً لإعادته إليه.
أما حقوق المواطن والمواطنة؛ فلا بد من الإعلاء من شأنها دستورياً؛ فما زالت حكوماتنا العربية تعامل مواطنيها على أنهم رعايا تمنّ عليهم بما توفره من خدمات قليلة وحقوق أقل.
حقوق المواطن والمواطنة ليست منحة تتعطف بها الحكومات، أو تتكرم بها الأنظمة؛ تمنحها من تشاء، وتغتصبها ممن تشاء، أو إذا شاءت عدّلت الدساتير والقوانين لتنزعها بصورة فورية أو رجعية. بل هي حقوق أصيلة لا ينبغي إيرادها في صلب الدستور أو القوانين إلا بعد موافقة الجماهير عليها في استفتاءات عامة؛ التراتبية الطبيعية والنتيجة المنطقية لذلك: أنها تصبح غير قابلة للحذف، أو التعديل، أو الإضافة، إلا عبر استفتاءات شعبية يتم الإشراف عليها بروح من الحياد والموضوعية والتجرد؛ والأهم من ذلك، في ظل رقابة صارمة تضمن كونَها التعبيرَ الصادق عن رغبات الجمهور.