معتصم الحارث الضوّي
19-01-2008, 07:16 PM
تراجع أوهام السيطرة الأمريكية الشاملة
د. بشير موسي نافع
القدس العربي اللندنية- 17 يناير 2008
سجل لماركس قوله ان التاريخ يعيد نفسه بالفعل، فإن كان الحدث يتجلي مأساوياً في المرة الأولي، فإنه يأتي هزلياً في المرة الثانية. وربما لا تصدق هذه الرؤية الاستطلاعية للتاريخ كما تصدق علي السياسة الأمريكية في المشرق العربي خلال السنوات القليلة الماضية. الصحيح، بالطبع، أن إدارة الرئيس بوش الابن لم تظهر اهتماماً خاصاً بالمنطقة العربية في الشهور الأولي من ولايتها الأولي. ليس ثمة شك في أن مجموعة المحافظين الجدد (الصغيرة، ولكن النافذة) كانت تعمل منذ ما قبل ارتباطها بإدارة بوش علي توظيف القوة الأمريكية لإخضاع عدد من الدول العربية وإضعافها. ولكن المحافظين الجدد مثلوا مركز قوة واحد، أو وجهة نظر واحدة، داخل الإدارة، ولم تكن لديهم خلال شهورها الأولي القدرة أو المسوغ علي دفع السياسة الخارجية الأمريكية باتجاه قناعاتهم. ما صنع التحول في السياسة الخارجية الأمريكية كان اجتماع عاملين رئيسيين: الأول، هجمات الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) 2001، التي وقعت بعد أقل من تسعة شهور علي تولي إدارة بوش الحكم؛ والثاني، العقيدة السياسية لعدد من أركان الإدارة، محافظين جدد وغير جدد، مثل نائب الرئيس تشيني ووزير الدفاع رامسفيلد. فقد آمن هذان المحاربان القديمان من محاربي الحرب الباردة أن الولايات المتحدة لم تستثمر انتصارها علي الاتحاد السوفييتي كما ينبغي، وأن إدارة الرئيس كلينتون قد أضاعت عقداً كاملاً من الفرصة التاريخية التي وفرها انتصار الغرب، بقيادة الولايات المتحدة، علي الكتلة الشيوعية. وقد أصبح هدف رامسفيلد وتشيني، منذ اللحظة الأولي لتشكيل إدارة الرئيس بوش الابن، تحقيق السيطرة الأمريكية الشاملة علي الشأن العالمي، والسيطرة بكل الوسائل الممكنة وبغض النظر عن موقف ومصالح وحساسيات الأصدقاء في أنحاء العالم والحلفاء الاستراتيجيين في الغرب الأوروبي. هجمات الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) عززت من دور الأداة العسكرية السافرة لتحقيق هدف السيطرة الشاملة، وأقامت تحالفاً وثيقاً بين المحافظين الجدد وعدد من أبرز قادة إدارة بوش من مخضرمي الحرب الباردة. الحرب علي أفغانستان وإسقاط نظام طالبان ومطاردة القاعدة كانت مجرد ردود فعل ضرورية أملتها الهجمات علي نيويورك وواشنطن. وربما نظر إليها البعض في إدارة بوش، علي أية حال، باعتبارها خطوة مساعدة، وإن كانت غير مخططة مسبقاً، لبسط النفوذ المباشر في مناطق لم يكن لواشنطن من نفوذ فيها. ففي لحظة التعاطف العالمي واسع النطاق مع الولايات المتحدة، والخشية من الغضب الامريكي، وجد عدد من دول آسيا الوسطي أن من المصلحة الارتباط بالتحالف ضد الإرهاب، لاسيما أن هذه الدول كانت تري في نظام طالبان مصدر تهديد لأمنها، وأن موقع الحليف الروسي السابق ودوره العالمي قد تراجعا إلي حد كبير. في سياق الحلقات المبكرة من الحرب علي الإرهاب، أقامت واشنطن للمرة الأولي قواعد عسكرية لها، أو حصلت علي تسهيلات لوجستية هامة، في الجوار الآسيوي لروسيا وعلي مشارف الصين الشرقية. ولكن البداية الحقيقية لمشروع السيطرة لم تكن أفغانستان، بل العراق. في غزو العراق، ظهرت استراتيجية السيطرة الشاملة كما لم تظهر من قبل. كان غزو العراق، أولاً، عملاً غير مبرر ولا مسوغ، ولم يحظ بأدني درجة من الغطاء الشرعي الدولي؛ وقد نفذ في مواجهة معارضة عالمية واسعة النطاق، حتي من شعوب ودول جمعها تحالف وثيق بالولايات المتحدة؛ وكما في أفغانستان، سرعان ما انتهي مشروع الاحتلال وإعادة بناء العراق علي الصورة الأمريكية إلي مأساة لا حدود لها وإلي فشل ذريع. تقويض الحكم القائم في كابول وبغداد، بكل سيئاته، كان بداية السياسة الكارثية؛ ولكن الأسوأ كان العبث الأهوج في البنية العرقية والطائفية للبلدين. سياسة الانتقام من البشتون في أفغانستان والانتقام من السنة العرب في العراق دفعت البلدين إلي حافة الهاوية، وتركتهما هناك. خلال السنة الأخيرة، أدركت قيادة الاحتلال استحالة المحافظة علي سياسة الانتقام الطائفي والعرقي وادعاء النجاح في وقت واحد؛ وفي محاولة لتدارك الجحيم من الانتشار في الجوار العربي والإسلامي كله، أجريت تعديلات جزئية علي النهج السابق للاحتلال، مرة باسم قوات الصحوة ، ومرة باسم المصالحة الداخلية ، وأخري باسم استيعاب العناصر المعتدلة . ولكن الخرق كان قد اتسع علي الراتق، كما يقول العرب. ولذا، وبالرغم من ادعاءات النجاح المتصاعدة في أفغانستان والعراق، فمن السذاجة توقع خروج البلدين من الوضع المأساوي الذي دفعتا إليه. الزيادات المتلاحقة في تعداد قوات الاحتلال في أفغانستان (بعد ست سنوات من إسقاط طالبان) وفي العراق (بعد أربع سنوات من إعلان النصر)، وتسليح عشرات الألوف من المجموعات المحلية خارج نطاق الدولة القائمة، لا يمكن أن يكون مؤشر نجاح. ولكن ما هو أكبر دلالة علي الإخفاق أنه حتي تلك العناصر والقوي المتحالفة مع الاحتلال، أركان الدولة الجديدة في أفغانستان والعراق، لا يمكن الادعاء بأن ولاءها الحقيقي يصب في اتجاه واشنطن. منذ المأساة التي صنعتها سياسة التغيير بقوة الاحتلال وفرض السيطرة الشاملة بطوابير المدرعات والطائرات القاذفة، انقلبت السياسة الأمريكية في المجال العربي ـ الإسلامي إلي ملهاة. لم يأت الانقلاب في السياسة الأمريكية وليد قناعات جديدة لدي أركان الإدارة، المسؤولين عن التاريخ في صورته المأساوية، بل نتاج المواجهة الصريحة بين الطبقة السياسية الأمريكية، ممثلة في تقرير بيكر ـ هاملتون، وإدارة الرئيس بوش. رأت الطبقة السياسية الأمريكية أن السياسات المؤدلجة لإدارة بوش والوسائل التي وظفتها جاءت بنتائج مخالفة تماماً لأهداف السيطرة الشاملة التي تبنتها الإدارة، وأن تصحيحاً في السياسات والوسائل معاً بات ضرورياً للحفاظ علي موقع الولايات المتحدة ودورها. وسرعان ما بدأت إدارة بوش في التطبع بتوصيات بيكر ـ هاملتون. كانت سورية الهدف الرئيسي التالي بعد احتلال العراق؛ ولأن التغيير الكلي للحكم السوري لم يكن مستحباً، فقد عملت الإدارة الأمريكية علي تغيير سياسات دمشق. ولكن دمشق لم تستجب للضغوط الأمريكية؛ ولذا، ومنذ اغتيال الرئيس الحريري علي الأقل، أخبرت واشنطن حلفاءها في المنطقة أن الهدف بات إسقاط النظام السوري. والمدهش، أن عدداً لا يستهان به من القوي السياسية السورية وغير السورية، إضافة إلي عدد من الأنظمة العربية بالطبع، بني سياسته تجاه دمشق علي أساس الانتظار الذي لن يطول لسقوط الحكم السوري، كما سقط الحكم العراقي من قبل. سياسيون لبنانيون كانوا يأتمرون لسنوات طوال بأمر ضباط سوريين من الصف الثاني أخذوا يتطاولون علي أعلي موقع في سورية؛ عبد الحليم خدام، رجل النظام السوري العتيق، سارع إلي القفز من السفينة؛ وأغلقت القاهرة والرياض أبوابهما أمام المسؤولين السوريين. لم تسر الأمور بالسرعة التي أرادتها واشنطن، ولا حتي سياسة البتر الجراحي أثبتت جدواها. الحرب الإسرائيلية الهوجاء علي لبنان، التي لم تجد حتي من يشجبها بين الدول العربية والأوروبية الرئيسية، انتهت بهزيمة إسرائيلية فادحة. وحتي الضغوط الأمريكية الهائلة في مجلس الأمن، التي حاولت إنقاذ الكبرياء والمصالح الإسرائيلية بإصدار قرار دولي موات لمتطلبات أمن الدولة العبرية، لم تستطع منع إعادة بناء القدرات التسليحية لحزب الله، أو عزله عن حاضنته الشعبية في الجنوب اللبناني. أما التصاعد الهائل في الاستفزاز المسلح الذي تعهدته الأجهزة الفلسطينية الأمنية في غزة ضد حكومة حماس، والذي استهدف بلا مواربة إسقاط الحكومة والتخلص من الاستحقاق الذي فرضته نتائج الانتخابات الفلسطينية التشريعية، فقد انتهي بهزيمة بالغة للأجهزة الأمنية التي رعتها واشنطن لسنوات طوال، وبسيطرة حماس علي قطاع غزة. وحتي بعد شهور طوال من الضغوط والحصار والقصف الإسرائيلي المتواصل، لا يزال أهالي غزة واقفين علي أقدامهم. ولن يكون من المستغرب أن يشهد الوضع الفلسطيني انقلاباً آخر في السياسة الأمريكية، من عزل حماس وهزيمتها إلي تشجيع محمود عباس علي الحوار معها، علي الأقل من أجل قطع الطريق علي النفوذ الإيراني المتزايد بين الفلسطينيين. لا النظام السوري انهار، ولا نجحت سياسة إضعاف وعزل القوي الفلسطينية واللبنانية المقاومة، ولا استطاعت السياسة الأمريكية فرض تصورها لمستقبل لبنان ورئاسته. وعلي الجبهة الإيرانية، التي احتلت رأس الأولويات الأمريكية خلال العامين الماضيين، ما تزال واشنطن تراوح بين الحرب والإحجام، فيما حلفاء واشنطن في المنطقة حائرون بين الخوف من الحرب وعواقبها والخوف من القوة الإيرانية المتصاعدة وتجلياتها. فإن كان هذا هو سجل الإدارة الأمريكية، فكيف يمكن تصور تحقق تنبؤات الرئيس بوش بالتوصل إلي اتفاق سلام فلسطيني ـ إسرائيلي قبل نهاية العام الحالي؟ الحقيقة، أن رفض الانصياع للإرادة الأمريكية لم يعد مقصوراً علي نظامي الحكم في سورية وإيران، أو قطاعات من اللبنانيين والفلسطينيين والعراقيين والأفغان، بل أن الدولة العبرية أيضاً، الدولة التي يرتبط مجرد وجودها بالولايات المتحدة الأمريكية، تنحو كما يبدو إلي تجاهل رغبات الرئيس الامريكي. مهما كانت مصداقية النوايا والدوافع خلف سعي الرئيس إلي تحقيق السلام، فإن حقائق الواقع لا توحي بنجاح هذا السعي. التغيير في سياسات إدارة بوش ووسائلها جاء متأخراً بلا شك، ولكن هذا ليس هو السبب الرئيسي وراء الانكفاء الهزلي في توجهات السيطرة الشاملة ونشر الجيوش وحاملات الطائرات والصواريخ. السبب الأهم علي الأرجح هو ما يعرفه دارسو التاريخ والسياسة منذ ولدت تقاليد دراسة التاريخ والسياسة: حدود القوة. عالم ما بعد الحرب الباردة، وحتي بعد الصعود النسبي لروسيا والصين، لا يعرف قوة كبري بحجم وإمكانيات الولايات المتحدة. هذه هي الدولة الأكثر ثراء ورفاهاً في العالم، الدولة التي تحتفظ بأضخم قوة عسكرية وأكثرها تقدماً، الدولة التي يتمتع أبناؤها بأفضل تعليم عالٍ، وبأفضل مراكز وفرص بحث علمي، والدولة التي تمتلك قدرة غير مسبوقة علي التأثير في ثقافة وعادات وأنماط استهلاك شعوب العالم أجمع. ولكن عالم ما بعد الحرب الباردة هو أيضاً عالم يزداد تعقيداً واستعصاء علي التحكم والسيطرة، عالم صعود الهويات القومية والدينية، وعالم الآمال الكبري للشعوب. في هذا العالم، ليس ثمة قوة بلا حدود، ولا حتي القوة الأمريكية، وفي هذا العالم بالتالي لم يكن لسياسة السيطرة الشاملة أن تحقق أهدافها.
د. بشير موسي نافع
القدس العربي اللندنية- 17 يناير 2008
سجل لماركس قوله ان التاريخ يعيد نفسه بالفعل، فإن كان الحدث يتجلي مأساوياً في المرة الأولي، فإنه يأتي هزلياً في المرة الثانية. وربما لا تصدق هذه الرؤية الاستطلاعية للتاريخ كما تصدق علي السياسة الأمريكية في المشرق العربي خلال السنوات القليلة الماضية. الصحيح، بالطبع، أن إدارة الرئيس بوش الابن لم تظهر اهتماماً خاصاً بالمنطقة العربية في الشهور الأولي من ولايتها الأولي. ليس ثمة شك في أن مجموعة المحافظين الجدد (الصغيرة، ولكن النافذة) كانت تعمل منذ ما قبل ارتباطها بإدارة بوش علي توظيف القوة الأمريكية لإخضاع عدد من الدول العربية وإضعافها. ولكن المحافظين الجدد مثلوا مركز قوة واحد، أو وجهة نظر واحدة، داخل الإدارة، ولم تكن لديهم خلال شهورها الأولي القدرة أو المسوغ علي دفع السياسة الخارجية الأمريكية باتجاه قناعاتهم. ما صنع التحول في السياسة الخارجية الأمريكية كان اجتماع عاملين رئيسيين: الأول، هجمات الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) 2001، التي وقعت بعد أقل من تسعة شهور علي تولي إدارة بوش الحكم؛ والثاني، العقيدة السياسية لعدد من أركان الإدارة، محافظين جدد وغير جدد، مثل نائب الرئيس تشيني ووزير الدفاع رامسفيلد. فقد آمن هذان المحاربان القديمان من محاربي الحرب الباردة أن الولايات المتحدة لم تستثمر انتصارها علي الاتحاد السوفييتي كما ينبغي، وأن إدارة الرئيس كلينتون قد أضاعت عقداً كاملاً من الفرصة التاريخية التي وفرها انتصار الغرب، بقيادة الولايات المتحدة، علي الكتلة الشيوعية. وقد أصبح هدف رامسفيلد وتشيني، منذ اللحظة الأولي لتشكيل إدارة الرئيس بوش الابن، تحقيق السيطرة الأمريكية الشاملة علي الشأن العالمي، والسيطرة بكل الوسائل الممكنة وبغض النظر عن موقف ومصالح وحساسيات الأصدقاء في أنحاء العالم والحلفاء الاستراتيجيين في الغرب الأوروبي. هجمات الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) عززت من دور الأداة العسكرية السافرة لتحقيق هدف السيطرة الشاملة، وأقامت تحالفاً وثيقاً بين المحافظين الجدد وعدد من أبرز قادة إدارة بوش من مخضرمي الحرب الباردة. الحرب علي أفغانستان وإسقاط نظام طالبان ومطاردة القاعدة كانت مجرد ردود فعل ضرورية أملتها الهجمات علي نيويورك وواشنطن. وربما نظر إليها البعض في إدارة بوش، علي أية حال، باعتبارها خطوة مساعدة، وإن كانت غير مخططة مسبقاً، لبسط النفوذ المباشر في مناطق لم يكن لواشنطن من نفوذ فيها. ففي لحظة التعاطف العالمي واسع النطاق مع الولايات المتحدة، والخشية من الغضب الامريكي، وجد عدد من دول آسيا الوسطي أن من المصلحة الارتباط بالتحالف ضد الإرهاب، لاسيما أن هذه الدول كانت تري في نظام طالبان مصدر تهديد لأمنها، وأن موقع الحليف الروسي السابق ودوره العالمي قد تراجعا إلي حد كبير. في سياق الحلقات المبكرة من الحرب علي الإرهاب، أقامت واشنطن للمرة الأولي قواعد عسكرية لها، أو حصلت علي تسهيلات لوجستية هامة، في الجوار الآسيوي لروسيا وعلي مشارف الصين الشرقية. ولكن البداية الحقيقية لمشروع السيطرة لم تكن أفغانستان، بل العراق. في غزو العراق، ظهرت استراتيجية السيطرة الشاملة كما لم تظهر من قبل. كان غزو العراق، أولاً، عملاً غير مبرر ولا مسوغ، ولم يحظ بأدني درجة من الغطاء الشرعي الدولي؛ وقد نفذ في مواجهة معارضة عالمية واسعة النطاق، حتي من شعوب ودول جمعها تحالف وثيق بالولايات المتحدة؛ وكما في أفغانستان، سرعان ما انتهي مشروع الاحتلال وإعادة بناء العراق علي الصورة الأمريكية إلي مأساة لا حدود لها وإلي فشل ذريع. تقويض الحكم القائم في كابول وبغداد، بكل سيئاته، كان بداية السياسة الكارثية؛ ولكن الأسوأ كان العبث الأهوج في البنية العرقية والطائفية للبلدين. سياسة الانتقام من البشتون في أفغانستان والانتقام من السنة العرب في العراق دفعت البلدين إلي حافة الهاوية، وتركتهما هناك. خلال السنة الأخيرة، أدركت قيادة الاحتلال استحالة المحافظة علي سياسة الانتقام الطائفي والعرقي وادعاء النجاح في وقت واحد؛ وفي محاولة لتدارك الجحيم من الانتشار في الجوار العربي والإسلامي كله، أجريت تعديلات جزئية علي النهج السابق للاحتلال، مرة باسم قوات الصحوة ، ومرة باسم المصالحة الداخلية ، وأخري باسم استيعاب العناصر المعتدلة . ولكن الخرق كان قد اتسع علي الراتق، كما يقول العرب. ولذا، وبالرغم من ادعاءات النجاح المتصاعدة في أفغانستان والعراق، فمن السذاجة توقع خروج البلدين من الوضع المأساوي الذي دفعتا إليه. الزيادات المتلاحقة في تعداد قوات الاحتلال في أفغانستان (بعد ست سنوات من إسقاط طالبان) وفي العراق (بعد أربع سنوات من إعلان النصر)، وتسليح عشرات الألوف من المجموعات المحلية خارج نطاق الدولة القائمة، لا يمكن أن يكون مؤشر نجاح. ولكن ما هو أكبر دلالة علي الإخفاق أنه حتي تلك العناصر والقوي المتحالفة مع الاحتلال، أركان الدولة الجديدة في أفغانستان والعراق، لا يمكن الادعاء بأن ولاءها الحقيقي يصب في اتجاه واشنطن. منذ المأساة التي صنعتها سياسة التغيير بقوة الاحتلال وفرض السيطرة الشاملة بطوابير المدرعات والطائرات القاذفة، انقلبت السياسة الأمريكية في المجال العربي ـ الإسلامي إلي ملهاة. لم يأت الانقلاب في السياسة الأمريكية وليد قناعات جديدة لدي أركان الإدارة، المسؤولين عن التاريخ في صورته المأساوية، بل نتاج المواجهة الصريحة بين الطبقة السياسية الأمريكية، ممثلة في تقرير بيكر ـ هاملتون، وإدارة الرئيس بوش. رأت الطبقة السياسية الأمريكية أن السياسات المؤدلجة لإدارة بوش والوسائل التي وظفتها جاءت بنتائج مخالفة تماماً لأهداف السيطرة الشاملة التي تبنتها الإدارة، وأن تصحيحاً في السياسات والوسائل معاً بات ضرورياً للحفاظ علي موقع الولايات المتحدة ودورها. وسرعان ما بدأت إدارة بوش في التطبع بتوصيات بيكر ـ هاملتون. كانت سورية الهدف الرئيسي التالي بعد احتلال العراق؛ ولأن التغيير الكلي للحكم السوري لم يكن مستحباً، فقد عملت الإدارة الأمريكية علي تغيير سياسات دمشق. ولكن دمشق لم تستجب للضغوط الأمريكية؛ ولذا، ومنذ اغتيال الرئيس الحريري علي الأقل، أخبرت واشنطن حلفاءها في المنطقة أن الهدف بات إسقاط النظام السوري. والمدهش، أن عدداً لا يستهان به من القوي السياسية السورية وغير السورية، إضافة إلي عدد من الأنظمة العربية بالطبع، بني سياسته تجاه دمشق علي أساس الانتظار الذي لن يطول لسقوط الحكم السوري، كما سقط الحكم العراقي من قبل. سياسيون لبنانيون كانوا يأتمرون لسنوات طوال بأمر ضباط سوريين من الصف الثاني أخذوا يتطاولون علي أعلي موقع في سورية؛ عبد الحليم خدام، رجل النظام السوري العتيق، سارع إلي القفز من السفينة؛ وأغلقت القاهرة والرياض أبوابهما أمام المسؤولين السوريين. لم تسر الأمور بالسرعة التي أرادتها واشنطن، ولا حتي سياسة البتر الجراحي أثبتت جدواها. الحرب الإسرائيلية الهوجاء علي لبنان، التي لم تجد حتي من يشجبها بين الدول العربية والأوروبية الرئيسية، انتهت بهزيمة إسرائيلية فادحة. وحتي الضغوط الأمريكية الهائلة في مجلس الأمن، التي حاولت إنقاذ الكبرياء والمصالح الإسرائيلية بإصدار قرار دولي موات لمتطلبات أمن الدولة العبرية، لم تستطع منع إعادة بناء القدرات التسليحية لحزب الله، أو عزله عن حاضنته الشعبية في الجنوب اللبناني. أما التصاعد الهائل في الاستفزاز المسلح الذي تعهدته الأجهزة الفلسطينية الأمنية في غزة ضد حكومة حماس، والذي استهدف بلا مواربة إسقاط الحكومة والتخلص من الاستحقاق الذي فرضته نتائج الانتخابات الفلسطينية التشريعية، فقد انتهي بهزيمة بالغة للأجهزة الأمنية التي رعتها واشنطن لسنوات طوال، وبسيطرة حماس علي قطاع غزة. وحتي بعد شهور طوال من الضغوط والحصار والقصف الإسرائيلي المتواصل، لا يزال أهالي غزة واقفين علي أقدامهم. ولن يكون من المستغرب أن يشهد الوضع الفلسطيني انقلاباً آخر في السياسة الأمريكية، من عزل حماس وهزيمتها إلي تشجيع محمود عباس علي الحوار معها، علي الأقل من أجل قطع الطريق علي النفوذ الإيراني المتزايد بين الفلسطينيين. لا النظام السوري انهار، ولا نجحت سياسة إضعاف وعزل القوي الفلسطينية واللبنانية المقاومة، ولا استطاعت السياسة الأمريكية فرض تصورها لمستقبل لبنان ورئاسته. وعلي الجبهة الإيرانية، التي احتلت رأس الأولويات الأمريكية خلال العامين الماضيين، ما تزال واشنطن تراوح بين الحرب والإحجام، فيما حلفاء واشنطن في المنطقة حائرون بين الخوف من الحرب وعواقبها والخوف من القوة الإيرانية المتصاعدة وتجلياتها. فإن كان هذا هو سجل الإدارة الأمريكية، فكيف يمكن تصور تحقق تنبؤات الرئيس بوش بالتوصل إلي اتفاق سلام فلسطيني ـ إسرائيلي قبل نهاية العام الحالي؟ الحقيقة، أن رفض الانصياع للإرادة الأمريكية لم يعد مقصوراً علي نظامي الحكم في سورية وإيران، أو قطاعات من اللبنانيين والفلسطينيين والعراقيين والأفغان، بل أن الدولة العبرية أيضاً، الدولة التي يرتبط مجرد وجودها بالولايات المتحدة الأمريكية، تنحو كما يبدو إلي تجاهل رغبات الرئيس الامريكي. مهما كانت مصداقية النوايا والدوافع خلف سعي الرئيس إلي تحقيق السلام، فإن حقائق الواقع لا توحي بنجاح هذا السعي. التغيير في سياسات إدارة بوش ووسائلها جاء متأخراً بلا شك، ولكن هذا ليس هو السبب الرئيسي وراء الانكفاء الهزلي في توجهات السيطرة الشاملة ونشر الجيوش وحاملات الطائرات والصواريخ. السبب الأهم علي الأرجح هو ما يعرفه دارسو التاريخ والسياسة منذ ولدت تقاليد دراسة التاريخ والسياسة: حدود القوة. عالم ما بعد الحرب الباردة، وحتي بعد الصعود النسبي لروسيا والصين، لا يعرف قوة كبري بحجم وإمكانيات الولايات المتحدة. هذه هي الدولة الأكثر ثراء ورفاهاً في العالم، الدولة التي تحتفظ بأضخم قوة عسكرية وأكثرها تقدماً، الدولة التي يتمتع أبناؤها بأفضل تعليم عالٍ، وبأفضل مراكز وفرص بحث علمي، والدولة التي تمتلك قدرة غير مسبوقة علي التأثير في ثقافة وعادات وأنماط استهلاك شعوب العالم أجمع. ولكن عالم ما بعد الحرب الباردة هو أيضاً عالم يزداد تعقيداً واستعصاء علي التحكم والسيطرة، عالم صعود الهويات القومية والدينية، وعالم الآمال الكبري للشعوب. في هذا العالم، ليس ثمة قوة بلا حدود، ولا حتي القوة الأمريكية، وفي هذا العالم بالتالي لم يكن لسياسة السيطرة الشاملة أن تحقق أهدافها.