فائز البرازي
19-01-2008, 07:16 PM
الوثيقة الفكرية الناصرية من أجل وحدة مستقبل الحركة الناصرية العربية الليبرالية والاشتراكية في تطور الفكر الناصري الوثيقة الفكرية الناصرية قائمة المنتديات -> أوراق للمناقشة رسالة د. خالد الناصر موضوع الرسالة: الليبرالية والاشتراكية في تطور الفكر الناصري ________________________________________ الإخوة الأعزاء هذه دراسة قيمة للأستاذ فائز البرازي وهو باحث نشيط في الشؤون القومية والدراسات الاستراتيجية , وهو يقدمها للمساهمة في إغناء بحوث الوثيقة الفكرية الناصرية . خالد الليبرالية والإشتراكية في تطور الفكر الناصري لم تقدم الناصرية نفسها كنظرية أو ايديولوجية ثابتة تلوي وقائع المجتمع العربي لتتلبسه كحل لمشاكله الكبيرة والكثيرة . بل إن الناصرية ( كفكر ) سياسي وإجتماعي وإقتصادي ، نبعت من رؤية واضحة لمشاكل المجتمع العربي ، توصيفآ وحلولآ مقترحة تطبق حسب الواقع الزماني والمكاني ، بعيدآ عن الجمود أو الإصطفاء . بدأت الناصرية من اللبنة الأولى والتطلع الأول والهدف الأساسي .. ( الهدف هو : الإنسان ) . ورأت في تحليلها وتوصيفها ومسارها ، أن جميع الأديان والنظريات والأيديولوجيات ، إنما وجدت لتحسين وضع الإنسان ، بعيدآ عن كل تحيز أو تعصب لهذه أو تلك ، إلا بما يمكن أن تحققه للإنسان ولو حتى بقسم منها ، من حرية ورفاهية وتقدم . وإستطاعت الناصرية أن تطور فكرها وتجدد ممارستها في الواقع تجاوزآ لأخطاء ، أو تجاوزآ لقصور رؤية في مرحلة ما ، أو تلاؤمآ مع واقع جديد محلي أو عالمي ضمانآ لإستمرارية الإصلاح المطلوب والدائم ، بعيدآ عن الجمود أو المراوحة في المكان . ومن هنا كانت المبادئ الستة ، ثم فلسفة الثورة , ثم الميثاق ، ثم بيان 30 مارس ، وبكل ما كان بينهم من أقوال وممارسات للقائد عبد الناصر الذي وضع أمامه وفي ضميره بوصلة تهديه في المسار السياسي والإجتماعي والإقتصادي المتشابك والشائك في الوطن العربي ، وتفاعلآ مع محيطه الإقليمي والعالمي . كانت تلك البوصلة التي تحمي من التشتت أو الضياع أو إلتباسات الفكر والمواقف تتلخص فيما يلي : 1 – حرية الوطن والمواطن . 2 – تحقيق معدلات عالية من التنمية الإقتصادية والإنسانية . 3 – عدالة توزيع الناتج القومي بين الحاضر وبين المستقبل ، وبين منتجي الوطن بعدالة تمنع الإستغلال ، وتحقق الإكتفاء الذاتي للمواطن والوطن ، وتسير بهما على طريق التقدم والرفاه والكرامة الإنسانية ، بعيدآ عن الارتهان للمساعدات والقروض الخارجية المكبلة للوطن وجماهيره ، والمقيدة لتنميته وقراره الحر . 4 – إن واقع التجزئة الذي لايمكن القفز من فوقه يفرض البدء بذلك ضمن جزئيات قطرية ، إلا أن ( الوحدة ) والتكتل القومي العربي بكل أشكاله الممكن توفرها وإنماءها ، هي التي ستسرع وتقوي وتدعم التحرر السياسي والإجتماعي والإقتصادي ، وتخلق معدلات تنمية عالية ، وتكافؤ وتكامل للفرص المتاحة ، بما تقوي الجماهير العربية في مواجهة الإستبداد والإستغلال الخارجي والداخلي في كل مناحيه . وفي زمن مسار التجربة الناصرية في الحكم ، كان العالم يعيش ضمن فلسفتين رئيسيتين في : الإقتصاد والسياسة والإجتماع . كانت المجتمعات تعيش خيارات بين : 1 – الليبرالية كفلسفة وكقوانين وآليات متناغمة في أهدافها هبوطآ وصعودآ . 2 – الإشتراكية أيضآ كفلسفة وكقوانين وآليات متناغمة في أهدافها هبوطآ وصعودآ ، ومتشتتة بين أقصى التعصب والتشدد ، وبين التبسط والرؤى الواقعية لكل مجتمع من المجتمعات . وكان لكل من الليبرالية والإشتراكية ، إيجابيات تقدم ونجاح على عدة مناحي في الحياة ، كما كان لهما سلبيات كبيرة وسقوط في عدة مناحي أخرى . وفي المجمل والرؤية العامة ، يجب أن تكون الكلمة- المصطلح ، معبرة عن المعاني والمضامين ، لا أن تكون الكلمة هي المـُشَـكـّـلة للمعاني والمضامين ومحددة لها . ومن هنا ، نستطيع القول : أن الليبرالية والإشتراكية تبدءان من " وضع فلسفي " للحياة وأهدافها، ثم ينعكس ذلك الوضع الفلسفي إلى مفاهيم وآليات وقوانين لتحقيق هذه الرؤية أو تلك ، ومن هنا يبدأ الإفتراق . فالليبرالية : - تعكس فلسفتها على المجتمع وعلى الإقتصاد وعلى السياسة ، بأدوات منها تأسيسآ : أن الفرد هو " الأصل " ، ثم يتكامل مع المجتمع ، وبالتالي لا بد من التركيز المبدئي على " الفرد " الذي سيعكس في جمعه على المجتمع ، وتعطي الأولوية للفرد حتى على حساب المجتمع ، مهما كانت نتائج إنعكاسات أعمال الفرد على المجتمع . والإشتراكية : - تستمد فلسفتها من أن "المجتمع" هو الأصل ، ثم يتفرع بحيث يكون لتطوره وإعتباراته الأولوية التي ستنعكس على الفرد ، حتى لو إنعكست تلك الأولوية للمجتمع سلبآ على الفرد . والليبرالية بشكل عام : - هي منهج ونمط حياتي من المفروض أن يكون متكاملآ من حيث ( الحرية والعدالة والمساواة ) في كل مناحي الحياة . وبما أنها منهج ونمط حياتي فإنه لا يمكن أن تكون ذات مفهوم شمولي تطبيقي واحد لكل المجتمعات ، ولا جامدة في قوالب زمنية وتاريخية ، وإنما متوائمة ومتطورة مع الزمان والمكان كأي منهج حياتي إنساني . والليبرالية , في الأصل ، تركز الإهتمام على الفرد وعلى الحياة السياسية , وتذهب إلى أن السياسة فن وضعه الإنسان ، وأن الحكومة ليست أمرآ طبيعيآ وإن كانت أمرآ ضروريآ ، وتتميز بمقولتها : " أن العقل البشري قادر وحده " على تحديد الحياة الأفضل للإنسان ، مع التأكيد على التسامح الديني والأخلاقي ورحابة الصدر في تقبل الآخر . وفي الإقتصاد فإنها ترتبط بالمدرسة الطبيعية " الفيزوقراط " التي تؤكد أن النظام الطبيعي هو الذي يتحقق بمبادرات الفرد ، التي تحدث التوازن بين الأسعار والإنتاج من خلال العرض والطلب ضمن اقتصاد السوق . ولقد ارتبط نشوء الليبرالية بصعود الطبقة البورجوازية في مواجهة تحالف الإقطاع والكنيسة الملوك الحاكمين بموجب التفويض الإلهي , ومثلت بذلك ثورة إنسانية كبرى حملت ( الوعد ) – من خلال كتابات مفكري عصر التنوير ومبادئ الثورة الفرنسية - بتحرير الإنسان من عبوديته ومن عهود الظلم والطغيان ومن أنظمة الحكم المطلق وعهود الإقطاع ومن سطوة الكنيسة على الدولة والمجتمع ، وتحويل الناس من رعايا إلى مواطنين ، وقالت بسيادة الشعب فوق كل سلطة ، وبحكم الأكثرية والتصويت العام الحر ، وبضمان الحريات السياسية كلها ، وحرية الفكر والمعتقد ، وبإطلاق مبادرات الفرد والجماعة ، وإقامة المساواة وتكافؤ الفرص ، ليكون ذلك مدخلها إلى تحقيق الحرية الفعلية للإنسان . وبذلك أعطت قواعد ومفاهيم ترسخت وما زالت تشكل ركائز أساسية لمضامين الحرية السياسية وفهم القانون الذي وضعه البشر كناظم لحياتهم اليومية وعلاقاتهم ومنافعهم المتبادلة . ولكن تطور النظام الرأسمالي ما لبث أن حول هذه القيم العظيمة إلى ستار ايديولوجي استأثرت تحته الطبقة البرجوازية لنفسها بمعظم الخيرات المادية ، وبأهم القرارات التي تتعلق بحياة الفرد والمجتمع . وعلى عكس الشق السياسي أوغل الشق الاقتصادي لليبرالية الذي ارتكز على نظريات هوبز وجون ستيوارث ميل في سيادة مبدأ المنفعة والحرية الفردية , في استلاب الإنسان واستغلاله مع تحول الرأسمالية إلى امبريالية تغولت فيها الاحتكارات والشركات عابرة القوميات والدول العظمى التي ترعاها وانطلقت معها ماكيناتها الإعلامية تقلب الحقائق أباطيل والأباطيل حقائق لنصل في النهاية إلى عصر العولمة والسيطرة الأمريكية التي تريد قسر المجتمعات تحت مسميات الليبرالية الجديدة على تبني نظاماً اجتماعياً وسياسياً لايحمل من الليبرالية إلا قشورها إن لم يكن نقيضها . الماركسية والليبرالية : ------------------------ من قلب الفكر الليبرالي ، خرجت " الماركسية " بإعتبارها ايديولوجية الطبقة العاملة من أجل أن تعطي " للتحرر الليبرالي " مضمونآ فعليآ وشموليآ كليآ يطال الجميع ، وتقدم الفكر الماركسي في تياره العام على إعتباره ايديولوجية البروليتاريا العمالية المتنامية بسرعة في ( المجتمعات الصناعية المتقدمة ) ، ليكون التعبير عن نضج وعيها الطبقي بمصالحها ودورها التاريخي ، ولتفجر ثورتها العا, لمية ، وتنهي الرأسمالية والملكية الفردية وتقيم دكتاتورية البروليتاريا الأوسع إمتدادآ من غيرها في ذلك المجتمع ، ولتنهي كذلك الدولة ، كدولة طبقية ، ولتزيل كل أنواع الإستغلال والإستبداد ، ولتحقق الديمقراطية الشاملة والمباشرة ، وتقيم مجتمع الحرية والرفاه ، أي المجتمع الشيوعي . غير أن ) الثورة الإشتراكية البلشفية ) وميراثها التروتسكي والستاليني ، بكل ما تشير إليه من قمع وإستبداد ومركزية وإنكار لحق الفرد والجماعة في الفكر والتفكير ، لم تبق من حيث ( الجوهر ) للثورة الإشتراكية غير " طموحها " الإجتماعي الإقتصادي الذي نجحت في تحقيقه إلى حد لا بأس به ، وعلى حساب الحريات الفردية ، وجمدت " الفكر الماركسي " كفكر جدلي نقدي يفترض فيه التجدد بإستمرار وإستيعاب الواقع المتغير ، وأقامت نظام " الشمولية " ؛ نظام الهيمنة الجماعية للبيروقراطية . ولقد سارت الماركسية تاريخيآ من خلال نمطين من التطور هما : " الماركسية في البلدان الأوروبية" المتقدمة ، حيث كانت مساراتها منسجمة مع مقدماتها ، وساهمت في نضالها من أجل تحقيق الإشتراكية ، في إجراء تحولات مؤثرة في البنية الإقتصادية ( إقتصاديات الدولة ) والقطاع العام حماية للفقراء والمستغلين ، وحققت إنجازات سياسية وإقتصادية وإجتماعية كبيرة . بينما في النمط الثاني الذي تعرضنا له سابقآ : " الماركسية اللينينية " ، فكان توجهها ومسارها ، متناقضآ مع مقدمات " الماركسية " فكان تحقيق الأهداف المرجوة ، يشوبها التناقضات السياسية والإجتماعية والإقتصادية ، ثم لقد نقصها ( الإستمرارية ) نتيجة طبيعة الجوانب الغير متوائمة مع بيئتها ومع معطياتها . الناصرية .. والعروبة .. والاشتراكية : ==================== عندما بدأت الناصرية بخوض معاركها ، معارك الأمة العربية ، كانت مقتنعة بأهمية فكرة " العروبة" وقد نص عليها دستور 1956 بإنتماء مصر إلى الأمة العربية . وكان تبني العروبة وإدراج الإنتماء إليها تأكيد على ( الهوية القومية العربية ) ، ورفعت شعار " المجتمع الإشتراكي الديمقراطي التعاوني " فكان إقتران الإشتراكية بالديمقراطية والتعاون كإطار للمجتمع ، تأكيد على ضرورة العمل لتحرير الفرد من الإستغلال الإقتصادي والإجتماعي ، ليتوفر له الوعي السياسي لممارسة حقوقه الديمقراطية . وأكدت الناصرية على " الإشتراكية العلمية " كصيغة لإيجاد المنهج الصحيح للتقدم ، وإعتبرت أن الحل الإشتراكي هو المخرج إلى التقدم الإقتصادي والإجتماعي ، وذلك بسيطرة الشعب على " أدوات الإنتاج " مع عدم المساس " بالملكية الخاصة وحق الإرث " ، بما يعني ذلك من بقاء المبادرة الفردية في العمل والإنتاج ، لكن مع توسيع إطار المنفعة . وهي بذلك تؤكد على العدل الإجتماعي وليس على الربح الفردي . وعلى التخطيط وليس على قوى السوق . وحرصت الناصرية على التمييز بين ( الإشتراكية ) وبين ( الماركسية ) بنصها على حرية العقيدة وقداستها ، وبأن الأديان ورسالات السماء إستهدفت شرف الإنسان وكرامته وسعادته ، وعن إحترام الإشتراكية لمبدأ الملكية الفردية وإيمانها بمشاركة القطاع الخاص . وهي بذلك تقول أن " الإشتراكية " في مفهومها : ليست إلتزامآ بنظريات " جامدة " لم تخرج من صميم الممارسة والتجربة الوطنية . وبالتالي فالإشتراكية " العلمية " في المفهوم الناصري ، هو المرتبط بالمنهج العلمي للتقدم والممارسة ، وليست " الإشتراكية العلمية الماركسية " . إن الناصرية كانت ولا تزال منحازة لمصالح الجماهير الشعبية صاحبة المصلحة الحقيقية في الوطن، وقد أكدت أن الطبقات الإجتماعية ووظيفتها ودورها في المجتمع ليست شيئآ جامدآ ، وإنما يمكن أن يكون متغيرآ ومتطورآ مع حالة المجتمع وتقدمه ونموه . ولكن محاولتها لم تكتمل في وضع أسس لنظام ديمقراطي سياسي يكفل مشاركة الجماهير في إدارة الدولة ، ويكفل الرقابة الشعبية على أجهزة الدولة ، ويطلق المبادرات الجماهيرية للمساهمة الفعلية في بناء الوطن وتحقيق تقدمه . وكانت الناصرية مدركة بأن التحرر الحقيقي بكل أشكاله ، وتحقيق التنمية المستقلة ، لا يتحققان إلا في إطار عربي ، لكنها كانت تدرك أيضآ أن " القومية " لا تعني إلغاء " الخصوصية المحلية " أي إدراك أهمية العلاقة بين ( الخاص والعام ) في المسألة القومية . إن الناصرية قدمت لنا تجربة غنية في التنمية المستقلة كوسيلة لبناء الدولة العصرية وتوسيع ودعم قاعدة الإقتصاد الوطني ، وكانت " الصناعة " قاطرة التنمية وخاصة للصناعات الإستراتيجية . وفي عالم اليوم , وفي ظل التحولات الكبرى التي طرأت عليه , وفي ظل تجربتنا بما لها وما عليها .. كيف نفهم ونمارس حياتنا في مسار الفكر الناصري المتطور دائمآ ؟؟ . بداية .. طرح / د. جمال الأتاسي / أحد أهم مجددي الفكر القومي العربي الناصري ، أفكارآ هامة حول تجديد وتطوير الفكر الناصري . حيث يبين إيمانه بالمضمون الإجتماعي للحرية والديمقراطية ، لكن دون التضحية بالديمقراطية من حيث هي فاعلية إنسانية تضمن تفتح الشخصية الإنسانية تفتحآ حرآ في كل الإتجاهات ، من خلال " الديمقراطية السياسية " ، وبالتالي لا يكون المضمون الإجتماعي للثورة إلا تجليآ من تجليات الحرية . إن الديمقراطية نزعة إنسانية تجمع بين جميع بني البشر ، وأن الناس قادرين على ممارستها ، لافرق فيها بين بلدان متقدمة وبلدان متخلفة ، أو بين من هم في السلطة ومن هم خارجها . وهذا البعد الإنساني للديمقراطية إنما يتعين في ( الفعل القومي ) وفي إنتاج ( الوجود القومي ) للأمة العربية ، ولا سبيل إلى إنتاج القومية العربية إلا على أسس ديمقراطية تستمد قيمتها وأهميتها من البعد الإنساني الطبيعي للديمقراطية . وهي التي ترسي قواعد الإندماج الوطني للفئات الإجتماعية المختلفة . فالحياة قد أثبتت أن بعض قواعد ( الديمقراطية الليبرالية ) قد أصبحت جزءآ لا يتجزأ من حياة أي شعب متحضر . فالفصل بين السلطات ، وحرية القضاء وإستقلاله ، وحق الفرد في التعبير الحر عن ذاته بما لا يتعارض مع حرية الآخرين ، قد أضحت أمورآ مسلمآ بها . على أن ( الديمقراطية السياسية ) لا تتأكد وتصان إلا بتعزيزها ( بالديمقراطية الإجتماعية ) وبخلق شروط العدالة وتكافؤ الفرص بين المواطنين ، وخلق ظروف من " التقدم الإقتصادي والإجتماعي " لتمكين المواطنين من ممارستهم لهويتهم السياسية والفكرية ، وتمكنهم من إطلاق قدراتهم الإبداعية ، وتحرير الإنسان من كل عوامل القهر والضياع . وحتى لا تتحول ( الديمقراطية السياسية) إلى ديمقراطية شكلية خاوية من المضمون ، لذا لابد من إغنائها ، بمضمون إجتماعي يضمن للمرء ، لا حرية التعبير والتفكير والتنظيم فحسب ، بل يضمن للغالبية التحرر من العوز والفاقة والفقر التي تؤدي جميعها إلى إفراغ الحياة الديمقراطية من مضمونها الإنساني والقومي . من هنا لابد من النظر للأمور من هذه الزاوية بالذات ، لتحقيق الإرتقاء بالناصرية لتصبح متطورة ومتلائمة مع مقتضيات العصر ، وتتطور أبدآ مع تطور كل عصر . وبالتالي فإن ضرورة الإبداع والإجتهاد تفرض الإسترشاد بنهج عبد الناصر ، وليس بالضرورة بما طبقه أو حققه . إن إعادة صياغة الناصرية صياغة ديمقراطية جديدة هي واقعة مستجدة فرضتها الممارسة السياسية ، ولابد من دفع الناصرية خطوة في الإتجاه ، حتى تستعيد حقها في أن تعرض نفسها على الجماهير ، بوصفها إتجاهآ سياسيآ يتمتع بالحداثة والعصرية ، ويملك رؤى جديدة تتلائم مع الواقع والمستجدات في هذا العصر . وهنا يجب أن تؤكد الناصرية في تجدد فكرها ، أن ( تحالف قوى الشعب العامل ) هو مبدأ إستراتيجي وليس تكتيكي ، وهو القاعدة الثابته في بناء النظام السياسي ؛ ولكن هذه القاعدة تتغير وتتجدد صيغتها وفق تغير الخريطة الإجتماعية للواقع ، أو وفق تغير وتطور الخريطة السياسية للمجتمع العربي في مساره نحو تحقيق مهامه الديمقراطية والقومية والإشتراكية . ولا بد من أن تستعيد الناصرية علاقتها بالمقولات الأساسية لليبرالية السياسية بمعناها ( التاريخي الأصلي للكلمة ) . فالناصرية تلتقي مع الليبرالية في مقولات الديمقراطية العامة حول النظام السياسي ، وسيادة الشعب ، وضرورة الدولة كممثل لحكم الأغلبية والإرادة الوطنية العامة للشعب ، وسيادة القانون بالنسبة للجميع على حد سواء ، وتقديم السلطات التشريعية المنتخبة على السلطة التنفيذية ، والقول بالتعددية وحرية التنظيم والأحزاب . إن الناصرية تريد الوصول إلى المجتمع الإشتراكي المتطور ، في مسار ديمقراطي ووفق منهج متعدد المراحل والأطوار ، ولكنه في الوقت ذاته ، لا يستهدف الوصول إلى مجتمع الطبقة الواحدة ، أو الفئة الإجتماعية الواحدة ، ومن ثم لا وجود للحزب الواحد أو القائد ، وبهذا يبقى المجتمع منفتحآ من الناحية السياسية ومن الناحية الإجتماعية على حد سواء . من تلك الطروحات السابقة : نرى أننا يجب أن نخضع أفكارنا في طرح تطور الفكر الناصرى إلى عدة أمور نلخصها فيما يلي : 1 – هل الإختيار والإنتماء لهذه الفلسفة أو تلك ، أم للوطن والمواطن ؟ إن كلآ منهما يقوم بالأساس على فلسفة ، وما يهمنا هو : تحقيق الأنجع لوطننا ومواطنينا . 2 – إن جميع القوانين والتفرعات عن كل فلسفة ، لا تعبر عن هذه الفلسفة بحد ذاتها ، وإنما يمكن أن تطوعها لغايات واضعي هذه " القوانين " والآليات بما يخدم رؤيتهم أو مصالحهم . وهذا حدث حتى في الأديان السماوية . 3 – إن الليبرالية يجب أن لا تتحمل وزر ترك ( الحرية ) على الغارب لأصحاب مصالح الإستغلال والتحكم . كما أن الإشتراكية يجب أن لا تتحمل وزر ترك ( الحرية ) على الغارب لأصحاب الإستبداد والقهر والفساد . 4 – انه ليس هناك تلاحم بين ( النظام الشمولي ) وبين مفهوم الإشتراكية . ففي أحيان كثيرة وفي العالم وخصوصآ في الوطن العربي نجد ( أنظمة شمولية ) ملكية ، جمهورية ، إقطاعية ، رأسمالية ، تمثل أساسآ مفهوم الأنظمة الشمولية . 5 – ليس هناك نظام ليبرالي بمعنى الحرية السياسية والإقتصادية والإجتماعية الواسعة والمفتوحة لكل فرد وما يهوى وما يعمل ، بل أحيانآ كثيرة نرى تدخل الدولة / السلطة ، في وضع قوانين وآليات وإجراءات للحد من " حرية الفرد الليبرالية " ، كقوانين الحماية الزراعية ، حماية قطاعات الحديد والصلب ، حماية المسؤولين عن تلوث البيئة ، حماية الأمن القومي الأمريكي .. الخ . كما نجد أيضآ تدخلآ للدولة / السلطة وبما ينوب عنها من مراكز قوى في التصنيع العسكري وإنعكاسه على سياسة الحروب والقلاقل ، وفي سياسات الضرائب وفي أسعار الفائدة ، وفي قوانين الضرائب ، وفي قوانين المعاشات وصناديقها ، وفي إنتاجيات الخدمات العامة والأمن .. الخ . 6 – وليس هناك نظام إشتراكي بمعنى " العدالة الإجتماعية " وعدالة توزيع الناتج القومي ، وعملية التنمية الإجتماعية والسياسية والإقتصادية التي تخدم ( المجتمع ككل ) حتى على حساب الفرد فيه ، مثمرآ بالكامل ؛ إذ نجد أحيانآ البيروقراطية المدمرة ، والمحسوبيات المبالغ فيها ، والفساد المستشري للفرد أو المسؤول أو الحزب أو الطبقة ، على حساب المجتمع ، وسرقات ونهب ثروة الوطن والمواطن بدون أي رقابة أو محاسبة ، لمجرد أن هذا الشخص أو ذاك ، يعمل " لمصلحة الوطن والمواطن !!! " . وقد نجد إقطاعيات زراعية أو صناعية ( خاصة ) ضمن هيكل النظام الإشتراكي تتسبب في تبذير المال العام وفي التحكم والإستغلال والإستبداد " للمجتمع " المفروض أنها حامية وبانية له , لا بل قد تفرض عليه وصاية كاملة سياسية وإقتصادية وإجتماعية وتقسر المجتمع بكل فئاته وقواه السياسية والإجتماعية والإقتصادية على التسليم بأن تلك الوصاية لا يأتيها الباطل من أمامها أو خلفها ، وأنها هي المؤهلة وحدها لقيادة المجتمع والدولة . 7 – إن الفلسفة الأساسية ، لليبرالية والإشتراكية ، تقوم على أساس : الإيمان بالفرد والمجتمع وتطوره ورفاهيته وتقدمه . إذآ .. الهدف واحد والرؤية للنتائج واحدة ، والإختلاف هو لمن تكون السيادة في القوانين الموضوعة : للفرد على حساب المجتمع ، أم للمجتمع على حساب الفرد ، وعلى الإفرازات السيئة والمختلفة لآليات كل نظام التي يعمل من خلالها وتنعكس سلبآ على الفرد والمجتمع. إن ذلك ( الهدف ) يجب أن يكون محققآ ضمن إطار أساسي وهام لجميع الشعوب وهو ( المعيار الأخلاقي ), بينما نرى من خلال تطبيق هاتين الفلسفتين , وتحولهما من فلسفة إلى ممارسة بالقوانين والآليات ، أن كلتا الفلسفتان تتجاوزان ( المعيار الأخلاقي ) بنسب مختلفة هنا أو هناك . 8 – اننا نلاحظ أن معظم الباحثين والسياسيين والمفكرين ، منحازون إلى هذا الخيار أو ذاك . متناسين أن أي خيار منهما إنما الهدف منه هو مصلحة الوطن والمواطن ، وكأن كل خيار منهما ، أصبح " هدفآ " بحد ذاته ، ويمارسون تعصبآ لهذا الخيار أو ذاك حتى على حساب مصلحة الوطن والمواطن . إنهم كمن يحاول وضع نظرية أساسية ، ثم يعمل على تشكيل المجتمع والوطن والمواطن بحسب هذه النظرية أو تلك ، لا العكس . إنهم لم ينطلقوا من الواقع المختلف لكل دولة ولكل مجتمع ولكل كيان سياسي ، ليعالجوا مشاكله بغض النظر عن القوانين المقولبة التي ستسن ، وإنتماؤها لهذه الفلسفة أو تلك ، حتى أنهم ليسوا على إستعداد لأخذ الأفضل والأصلح من هذه أو تلك لتطبيقها بشكل منسجم ومتناغم لخدمة المجتمع . إننا بالطبع لا نقصد القول ( بالدمج المجرد ) , بل ان هذه مهمة الباحثين والمختصين الحياديين كعلماء معرفة كل في إختصاصه ؛ مهمتهم في البحث في المجالات المدمجة معآ ( سياسية وإقتصادية وإجتماعية ) وإنعكاساتها على بعضها البعض ، للوصول إلى نتائج أقرب للصحة حول تأثير بعض الدمج ، وتناسب هذا مع ذاك . ولكننا نستطيع القول : بأن علينا كلنا في العالم ، أن نبحث ونحدد " طريقآ ثالثآ " غير مرهون لإيديولوجيا معينة . وأن يكون البحث والسعي أساسه تحقيق ( الهدف ) بغض النظر عن القوانين والآليات التي يمكن أن تنشأ لخدمة هذا الهدف . وفي الفكر الناصري : هناك أساسيات تبقى أسلم من غيرها وعلى طريق المستقبل ، حتى تتغير الظروف وأوضاع المجتمعات العربية ، فعندها يمكن لهذه الأساسيات أن تتعدل وتتطور . إن الأساسيات التي أخذناها من المطبق الأول لأهداف الأمة العربية " جمال عبد الناصر " هي : - حرية الوطن والمواطن من الإستعمار ومن كافة أشكال الهيمنة الداخلية والخارجية وضغوطهما . - حرية الوطن والمواطن من أي شكل للإستغلال الخارجي أو الداخلي مهما كان شكله أو أسبابه . - تنمية الناتج القومي العام ، وتوزيعه " توزيعآ عادلآ " على جميع أبناء الوطن ؛ كل حسب جهده وبراعته وإنتاجيته وإنسانيته . - وحدة متكاملة للأمة مهما كان شكلها أو تدرجاتها ، سياسية وإقتصادية وإجتماعية . فالتكتل السياسي والإقتصادي والإجتماعي هو سمة العصر منذ رؤى عبد الناصر لذلك وما قبله ، وحتى الآن ، ويتعزز مع كل تقدم في المستقبل . ولتوفر تحقيق هذه الثوابت والأهداف للأمة العربية ، ومع كل إمكانيات التكتيكات والإستراتيجيات المرحلية ضمن تلك الثوابت ، لا بد من توفر ( أداة ) صالحة تستخدم في تلك النضالات . وهذه الأداة في إدارة الدول والمجتمعات هي ( الديمقراطية ) : بشقيها السياسي أولآ .. والإجتماعي ثانيآ . إن مشاركة جميع أبناء الشعب بالذات أو بواسطة قواه السياسية والإجتماعية والإقتصادية ، ومن خلال منظمات المجتمع الأهلي / المدني ، مع شفافية وأخلاقية الممارسة بعيدآ عن الأنانية أو المصالح الذاتية ، ومع وجود قوانين عادلة يتساوى أمامها جميع أبناء الأمة ، ومع وجود مبدأ الثواب والعقاب العادل بدون تمييز لأي سبب كان ، ومن مبدأ إحترام " مواطنية " الجميع بدون إلغاء ، أو هيمنة ، أو وصاية ، أو تخوين – إلا ماهو ظاهر وجلي ومجمع عليه – هو السبيل والأداة الحقيقية على طريق التقدم والمناعة . إن الحرية ليست مطلقة .. ان الحرية للجميع من مبدأ حدود حرية الفرد داخل المجتمع – تنتهي حريتي عندما تبدأ حرية الآخرين - . وإن الإعتراف بالآخر .. بكل ثقافته وأفكاره وقيمه ، ليست مطلقة ؛ فمع كل حقوقه إلا أن رضوخه لرأي الأكثرية هو معيار الديمقراطية . وأن " العدالة الإجتماعية " لا تعني الكسل والخمول وإنتظار الدولة للإنفاق ، وإنما تعني أولآ : المساهمة الجادة في تنمية الناتج القومي بغض النظر عن أي موقع طبقي ، كما أن قوانين الدعم الإقتصادي للطبقة المسحوقة والعاطلة عن العمل " بسبب وجيه " ، يجب أن تتحدد بكل شفافية وحقوقية وإنسانية وأخلاقية . فالفقير لا يمكن تمييزه عن الغني إلا وفقآ للظروف التي وضعته في موضع المحتاج والعاجز عن الإنتاج . وهو على كل حال لا يجب أن يكون عالة على الدولة نتيجة كسله أو إهماله أو خموله ، أي نتيجة أي ظروف يكون هو مساهمآ بها . إن الفكر الإنساني .. قادر دائمآ على إيجاد فلسفات وقوانين وآليات تخدم المجتمع وتطوره بدون تحجر ، وعلى مسار الزمن والمكان والظروف ، لا العكس . فائز البرازي