المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الجذور التاريخية للقومية العربية - منيف الرزاز


معتصم الحارث الضوّي
03-07-2007, 02:29 PM
لا بد لي أولا من أن اعتذر لأحد رفاقكم المؤرخين لاستعارتي هذا العنوان لمحاضرتي اليوم. ولعلكم قرأتم كتابا صغيرا اسمه "الجذور التاريخية للقوية العربية" للدكتور عبد العزيز الدوري. وأنا أبيح لنفسي هذه الاستعارة لا سيما وأنني قد ناقشته في كتيبه هذا وعارضت كثيرا مما جاء فيه لأنه يمثل في رأيي النظرة التاريخية الكلاسيكية التي لم تتغير خلال الخمسين عاما الماضية إن لم يكن المائة عام الماضية.

وأنا غير معتد عليه. وإنما سأستعمل هذا العنوان لوضع نظرة جديدة للجذور التاريخية للقومية العربية مستمدة من نظرة تستند إلى مفهومنا البعثي للتاريخ. وفي الواقع إذا كان البعث موقفا من الإنسان والتاريخ فلا بد أن يكون له موقف واضح يختلف به عن المواقف التقليدية الكلاسيكية المعروفة.

في ذلك الكتيب "الجذور التاريخية للقومية العربية" يتحدث الدكتور عبد العزيز الدوري عن موضوعين مختلفين تماما:

الموضوع الأول:

هو الجذور التاريخية للقومية العربية كما فهمها هو وفهمها معظم المؤرخين التقليديين.

الموضوع الثاني:

هو الجذور التاريخية للوعي القومي العربي الحديث . وهذا موضوع مختلف تماما عن جذور القومية العربية. وهذا الخلط بين الموضوعين ناتج عن الخلط بين القومية من حيث هي انتماء وبين القومية من حيث هي حركة تحرر. وأنا أريد أن حصر حديثي اليوم في الموضوع الأول وأريد أن أبدأ بطرح بضعة أسئلة وأحاول أن أجيب عنها.

السؤال الأول الذي يفرض نفسه علينا في أول الحديث هو " متى يبدأ التاريخ العربي؟".

وللإجابة عن هذا السؤال لا بد أن نطرح أسئلة فرعية أخرى قبل ذلك السؤال الأول الذي لا بد لنا من طرحه وأولها هو " ما هو التاريخ العربي؟".

هل تاريخ العرب أو التاريخ العربي هو تاريخ العرق العربي؟

نحن لا يمكن في الواقع أن نتحدث في القرن العشرين عن عروق نقيه في أي مكان في العالم. لعلنا يمكن أن نتحدث في بعض الأحيان عن بعض العروق شبه النقية في بعض الجزر المنعزلة تمام الانعزال عن التطور الحضاري أو في بعض رؤوس الجبال المنعزلة عن العالم تمام الانعزال. ولكننا لا يمكن أن نتحدث بالفعل عن العروق في الشعوب التي تعيش على وجه الكرة الأرضية بشكل عام. هناك أبحاث في ذوي الرؤوس المستديرة وذوي الرؤوس المستطيلة وذوي الأنف الاقني وذوي الأنف الدقيق والشعر المجعد واللون الأبيض واللون الأسود واللون الأحمر. على أننا نبالغ كثيرا في الواقع إذا اعتقدنا أن هناك مجموعات كبيرة من هذا النوع نقية موجودة على سطح الكرة الأرضية.

ذلك أن التنقلات السكانية في الأزمة السحيقة كانت في الواقع تنقلات واسعة جدا تكاد تزيد على التنقلات القائمة حاليا. لا سيما أنهم كانوا يعيشون في أزمنة ليس فيها جوازات سفر ولا مخابرات ولا تصريح بالخروج. فبمجرد أن تجوع القبيلة كانت تنتقل من مكانها إلى مكان آخر. وإذا رجعنا إلى الأزمنة السحيقة فيجب أن نذكر على الأقل فيما يتعلق بوطننا العربي أن هذا الأخدود الممتد من أنطاكيا إلى باب المندب والذي يضم فيما يضم غور الأردن والبحر الميت والبحر الأحمر ، هو تغيير جيولوجي حديث فصل بين قارتي آسيا وأفريقيا ، اللتين كانتا قبل ذلك متصلتين. فالتنقلات السكانية في الواقع كانت واسعة.

كما أننا نحن ، لا علماء الانثروبولوجيا ، نخطئ اليوم خطأ كبيرا حين نعتاد على حكاية النسب والأنساب. نحن نعلم في علم الأجنة اليوم وفي علم الوراثة أن الخصائص الحقيقية في الإنسان لا يمكن أن تأتي عن أبيه فقط حتى ننسبه إلى أبيه ، وإنما تأتي من أمه أيضا بنفس القدر على الأقل. من هنا فإن نقاء الأب وتاريخ الأب كلام لا يستند إلى أي حقيقة علمية على الإطلاق. كذلك ، ففيما يتعلق بالعرق العربي بالذات فإن علماء الانثروبولوجيا منقسمون إلى قسمين: قسم يقول بأن العرب عرق واحد وقسم يقول بأن العرب عرقان عرق الجنوب وعرق الوسط والشمال. على أي حال فإن مسألة العرق وتاريخ العرق لا تخصنا في هذا الحديث إطلاقا. وبالتأكيد فإن العرب اليوم على الأقل لا يمكن أن ينتسبوا عرقيا إلى عرق واحد بعد ما امتدت بهم الأرض.

فإذا لم يكن تاريخ العرب هو تاريخ العرق العربي فهل هو تاريخ عهد الكلام بلهجة قريش؟ الشائع الآن هو أن تاريخ العرب هو ذلك التاريخ الذي يبدأ بالفترة التي انتشرت فيها لهجة قريش أو بعض اللهجات المقاربة للهجة قريب وعمت الجزيرة. فبعضهم يرجعها إلى القرن الأول قبل الهجرة وبعضهم يرجعها إلى ما قبل ذلك بقرون.

لماذا تنشأ هذه الأسطورة ؟ لماذا يبدأ تاريخ العرب من حيث تبدأ لغتهم الحاضرة؟ هذه الأسطورة تنشأ من حقيقة أن الحضارة العربية التي عمت الوطن العربي بعد الإسلام هي حضارة قامت على نواة أساسية واحدة هي القرآن الكريم لغة ودينا وفلسفة وعقيدة وفقها وتاريخا وما شاكل ذلك. فالجذر الأساسي أو النواة الأساسية لهذه الحضارة كان دائما أنها حضارة لغة وحضارة قرآن بالذات.

فلقد اشتغل العربي بالعلم والرياضيات وبالطب وبالفلسفة وبالفلك وما شاكل ذلك. ولكن الطابع العام لكل الحضارة العربية لم يكن طابع الفلك ولا طابع الكيمياء ولا طابع الفلسفة بل كان طابع اللغة وطابع العقيدة. فإذا ربطنا اليوم بين حضارة اللغة وبين أن تاريخ العرب هو تاريخ لغتهم فنحن لا نبعد كثيرا عن الحقيقة ولكننا أيضا لا نأخذ إلا جزءا من الحقيقة. إذ لا يجوز لنا أن نخلط بين اللغة السائدة وبين مجموع الحضارة وتطورها على مدى التاريخ.

فإذا لم يكن تاريخ العرب هو تاريخ العرق العربي وإذا لم يكن أيضا تاريخ الكلام لهجة قريش أو ما يقرب من لهجة قريش فما هو تاريخ العرب؟ هل هو استعمال كلمة العرب؟ إن العرب كما لا بد لنا أن نعرف هم فرع واحد من فروع التطور الحضاري الكبير النابع من وسط الجزيرة العربية المتوزع والمنتشر في أطرافها. ولا يمكن بسهولة أن نقول أن جميع من هاجر م الجزيرة العربية وأنشأ حضارات حول الجزيرة العربية هم عرب وأن نسكت على ذلك. كثيرون لا بد أن يتهمونا ، إذا فعلنا، بالتعصب وبافتعال التاريخ. فالآشوريون والكنعانيون والكلدانيون لهم صلة بتاريخ العرب. ولكننا لا نسمح لأنفسنا بأن نقول أنهم عرب لهم صلة بتاريخ العرب. ولكننا لا نسمح لأنفسنا بأن نقول أنهم عرب ونكتفي بهذا القول. فالعرب هم فرع من فروع التطور الحضاري الكبير الذي نشأ من الجزيرة العربية وانتشر في الأقطار المجاورة. هذا الفرع تمكن بعد الإسلام وبعد القرآن من امتصاص جميع الفروع التي كانت قد انبثقت من الجزيرة العربية من قبل. تمكن من امتصاص هذه الفروع ومن صهرها في ذاته ، بحيث صبت الروافد العديدة التي صدرت من الجزيرة العربية في حضن التيار الكبير الذي هو التيار العربي المتمثل بشكل خاص بحضارة عربية مستندة إلى القرآن وإلى الإسلام. إذن فمن منبع الجزيرة العربية انبثقت روافد حضارية عديدة ، اكديون وكنعانيون وأغاريتون وسبأيون ، ثم عاشت مع بعض هذه الحضارات الحضارة العربية التي نطلق عليها الحضارة الجاهلية. وحين نزلت الرسالة أصبحت نقطة انطلاق ما لبثت أن تمكنت من جمع هذه الروافد وصهرها جميعا في رافد الحضارة العربية الجديدة الناشئة عن القرآن والإسلام ثم انتشرت بعد ذلك ، لا بشكل خطوط كما فعلت قبل الإسلام ، ولكن بشكل إشعاع مستمر على الوطن العربي جميعا. فإذا سألنا أنفسنا هل ما قبل العرب جزء من التاريخ العربي لقلنا نعم لأن المنبع واحد ولأن المصب واحد. وروافد عديدة صبت جميعها في مصب واحد . إذن هي عربية في المصب هي إذن جزء من التاريخ العربي.

فنحن حين نسأل أنفسنا السؤال الأول الذي أطلقناه في أول الحديث وهو ما هو التاريخ العربي ، متى يبدأ التاريخ العربي؟ لقلنا أن التاريخ العربي يبدأ منذ القدم منذ بدء الحضارة الإنسانية. لأن التاريخ العربي هو جماع كل ما ألقي في هذا الرافد الكبير من حضارات أفرزتها الجزيرة العربية قبل ذلك.

على أن الوطن العربي كما نعرفه اليوم ليس هو الجزيرة العربية وليس هو حوافي الجزيرة العربية المتمثلة بالدرجة الأولى ببلاد العراق والشام. إنما الوطن العربي اليوم يمتد من شمال أفريقيا حتى يصل إلى المحيط الأطلسي. من هنا فلا بد أن يطرح سؤال نفسه علينا طرحا عنيفا. هل التاريخ الفرعوني وتاريخ بربر شمال أفريقيا جزء من التاريخ العربي؟ أم أن العروبة ليست لها صلة بهذا الشمال الأفريقي إلا من بعد الإسلام؟

في كثير مما يكتب المؤلفون يبدو أنهم يحاولون أن يهربوا من التاريخ الفرعوني ومن اعتباره تاريخا للعرب. وأنا واثق بأن كثيرا من مؤرخينا ومؤرخي العرب بالذات لا يبدون أي اهتمام بتاريخ شمال أفريقيا وتاريخ البربر باعتباره أيضا ليس جزءا من تاريخهم. أنا أخالفهم في هذا وأصل إلى النتيجة قبل الأسباب ، أنا أخالفهم في هذا وأقول أن هذا التاريخ الفرعوني وتاريخ بربر شمالي أفريقيا جزء من التاريخ العربي. وحتى نتمكن من البرهنة على ذلك بشكل علمي ، لا بد أن نسأل سؤالا آخر. فهناك ظاهرة بعد انتشار الإسلام تحتاج إلى تفسير بالفعل. انتشر الإسلام من الجزيرة العربية حتى وصل إلى أقاصي الأرض. وصل إلى الفلبين من جهة ووصل إلى المحيط الأطلسي من جهة أخرى وصعد شمالا حتى وصل إلى أواسط أفريقيا. وانتشرت مع الإسلام العروبة. ولكن العروبة وقفت شرقا عند حد لا تتجاوزه هو الحد الإيراني وشمالا عند الحدود التركية اليوم وجنوبا في الصحراء الأفريقية عند نهاية الصحراء.

لماذا انتشر الإسلام حتى وصل إلى الفلبين ، وانتشرت العروبة في الحيز الذي نسميه اليوم الوطن العربي فقط؟ لو نظرن إلى خارطة الوطن الطبيعية لوجدنا فيها ظاهرة فريدة تتميز به عن كل منطقة من مناطق العالم الأخرى. هذه الظاهرة هي سيطرة الصحراء على الوطن من أقصاه إلى أقصاه ، بحيث تشكل مساحته الكبرى.

هذه الصحراء محاطة ومخترقة بحافات زراعية بضعها في منتهى الخصوبة ، وبأنهار كنهر النيل ودجلة ، ودجلة والفرات ، والعاصي الأردن كلهم تنتقض أثر الصحراء ولكنها لا تنقض الأثر الصحراوي العام في المنطقة كلها.

يتبع ...

معتصم الحارث الضوّي
03-07-2007, 02:32 PM
إذ ليست هناك أي مدينة عربية مهمة في كل هذا الوطن العربي تبعد عن الصحراء مائة كيلومتر أما شرقا أو شمالا أو جنوبا أو غربا. جميع المدن العربية المتحضرة بعيدة بعدا ضئيلا جدا عن الصحراء. إذن هناك تشابه في الطبيعة في أنحاء الوطن كله. ونحن نعرف حتى اليوم ، وبعد كل هذا التقدم الحضاري ، أن بدويا في الجزيرة العربية هو أقرب إلى بدوي في ليبيا وإلى بدوي في الجزائر منه إلى أهل بغداد أو أهل دمشق أو أهل القاهرة سواء في لهجته أو في طباعه أو في عادته. الواقع أن هذه الصحراء طبعت الحضارة والسكان بطابع أساسي خاص جعلت للحضارات القائمة في هذا الوطن حضارات متميزة بالعلاقة الجدلية المستمرة بينها وبين الصحراء. الحضارة تنشأ بمغايرة الصحراء والصحراء في نفس الوقت تطبع هذه الحضارة بطابعها. شاءت تلك الحضارة أو لم تشأ هي جزء من العلاقة الجدلية القائمة بين الحضارات وبين الطبيعة الجغرافية التي تقوم فيها هذه الحضارة. جميعكم مثلا تعرفون أن التجار في بغداد أو في دمشق أو في مراكش أو في فاس إنما تقوم تجارتهم على التبادل القائم بين منتجات الحضارة ومنتجات البداوة . والصراع الدائم في التاريخ بين البداوة والحضارة صبغ هذه الحضارة صبغة مستمرة.

العامل الثاني الذي لا بد أن يعرفه علماء اللغات علماء الفيلولوجيا هو عامل وحدة اللغة. وهنا يجب أن نعترف أن علماء الفيلولوجيا العرب مقصرون تقصيرا شديدا في بيان وحدة اللغة في هذا الوطن العربي الكبير قبل قدوم العرب وقبل قدوم الإسلام. نحن جميعا نسمع بما يسمى باللغات السامية. ولكن التقسيم العلمي في علم الفيلولوجيا يعرف أن اللغات السامية جزء من أصل أكب رمنها اسمه اللغات الحامية السامية وتمتد في أصولها عند علماء الفيلولوجيا إلى أصل واحد تفرع إلى فروع عديدة. هذه اللغة تتميز بميزات لا تتميز بها أية مجموعة من اللغات الأخرى. علماء الفيلولوجيا يعرفون هذه الميزات أكثر مني ولكني أمر على بعضها فقط من قبيل التمثيل. في جميع هذه اللغات ترجع أصول الكلمات إلى جذر من ثلاثة أحرف وأحيانا من حرفين ولكن الأكثرية ترجع إلى جذر من ثلاثة أحرف. ضرب ، قتل ، فعل ، صعد. ومن هذا الجذر تمتد المشتقات. الميزة الثانية هي اختلاف الاشتقاق. في جميع اللغات الهندية والأوروبية الاشتقاق غير موجود بالمعنى الذي نعرفه في اللغة العربية أو في اللغات الحامية والسامية. اللغة الأوروبية الكلمة فيها ثابتة. نضيف إليها حرفا أو حرفين في أولها أو نضيف إليها بضعة أحرف في آخرها فيصبح لها معنى آخر (تراكت ، تراكت ، اتراكش ، اتراكتور) ولكن (تراكت) ظلت قائمة كما هي. في اللغات الحامية والسامية كملة (فعل) تصبح يفعل ونفعل وفاعل ومفعول ومستفعل واستفعال وفاعلون وهكذا ، بحيث تحطم هذا الجذر تحطيما وتدخل أحرف مد أو أحرف ثانية في خلال الكلمة بين أحرف الجذر نفسه. هذا النوع من الاشتقاق موجود فقط في اللغات الحامية والسامية ، ثم هناك تشابه كبير في تصريف الأفعال (أفعل بالدلالة على المفرد المتكلم. نفعل بالنون بالدلالة على الجمع يفعل بالياء بالدلالة على الغائب تفعل بالدلالة على المفرد المتكلم. نفعل بالنون بالدلالة على الجمع ، يفعل بالياء بالدلالة على الغائب ، تفعل بالدلالة على المخاطب ، هذه الأحرف الأربعة الألف والنون والياء والتاء تكاد تكون موجودة في جميع اللغات الحامية والسامية بهذا الشكل وبهذا التعريف وبدلالة على نفس المعنى. بعض الأحرف تتميز بها أيضا اللغات الحامية والسامية وغيرها غير موجودة في أي لغات أخرى وهي حرف العين وحرف الخاء وحرف الحاء. لقد اشتهر العرب بأنهم الناطقون بالضاد يجب تسميتهم الناطقون بالعين لأن العين غير موجودة إلا في الحامية والسامية. إلى جانب ذلك فثمة تشابه في كثير من الكلمات في رجوعها إلى أصل واحد وإلى جذر واحد بالدلالة على نفس المعنى. كثير من الكلمات الأساسية التي يصادفها الإنسان هي كلمات مشتركة في معظم هذه اللغات.

إذن هناك وحدة في الطبيعة الجغرافية وهناك وحدة في أصول اللغات. وأنا متأكد بأن بينكم كثيرا من علماء اللغات السامية والتاريخ يدركون معنى أن الفروق بين اللغات الآشورية والآرامية القديمة والآرامية الحديثة أو بين أي لغتين ساميتين أو حاميتين أيضا لا يمكن أن تختلف عن ذلك القدر من الاختلاف الذي تختلف به لهجة أهل الموصل الآن عن لهجة أهل الدار البيضاء في المغرب على رغم القرآن والدين واللغة العربية الفصيحة التي تربط بينهما باستمرار. مهما اختلفت اللهجات القائمة حاليا هناك رابط قائم مستمر يتمثل بالقرآن وباللغة العربية السليمة. ومع ذلك تبعد اللهجات لدرجة أن استغرب إذا قال لي أحد العراقيين أنه فهم اللهجة العامية لمغربي مراكشي يتكلم باللهجة العامية واستغرب إذا قال لي أحد سكان فاس بأنه فهم لهجة يمني. هذا الاختلاف ليس أكبر من الاختلاف الذي كان قائما بين اللغات السامية الحامية في ذلك الوقت. هذه الفصيلة أو هذه العائلة من اللغات تصبح في المنطقة الشرقية من الوطن العربي اللغات السامية. وتصبح في المنطقة الغربية اللغات الحامية فاللغات السامية فيها اللغات الأكدية وتفرعاتها والكنعانية وتفرعاتها ثم اللغات اليمانية السبئية والمعينية وتفرعاتها واللغة العربية وتفرعاتها. كذلك اللغة الحامية تتفرع عنها اللغة البربرية في الشمال واللغة الفرعونية القديمة في مصر واللغة التشادية التي يتحدث بها أهل تشاد وأهل الهوسة وقبائل شمال نيجيريا واللغات الكوشية التي يتحدث بتفرعاتها القائمة حاليا التجريتيون في الحبشة والأمهريون والتوبيون في شمال السودان وجنوب مصر كلها تفرعات من عائلة واحدة.

والرأي الغالب في علم اللغات أن هذه اللغات ، أو اللهجات ، ترجع إلى أصل واحد تفرعت جميعا عنه أي أنه كان هناك أناس يتكلمون هذا الجذر الواحد. ولكن ثمة رأيا آخر يقول بأن اللغة تنشأ من أصول بدائية مختلفة ، ثم يجمع بينها الاتصال السكان المستديم يوحد قواعدها حتى تبدو وكأنها تفرعات من أصل واحد.

فإذا تركنا عامل اللغة انتقلنا إلى العامل الثالث الذي هو النزوع المستمر في هذه الحضارات إلى التوحيد. منذ فجر التاريخ وحتى الإسلام ثمة نزوع مستمر إلى التوحيد. هذا النزوع إلى التوحيد خاص بأمم المنطقة التي هي الوطن العربي اليوم. أديان هذه المنطقة تطلعت باستمرار إلى إله واحد وإلى بشر. هناك ثنائية إسلامية فيها إله وفيها بشر. هذا هو الأساس حتى عندما كانت الآلهة في الحضارات الأولى متعددة كان دائما هناك إله ، إله يسيطر على بقية الآلهة ليكون كما يسميه فلاسفة العرب علة العلل. فإذا كان هناك جملة علل فلا بد أن هناك علة العلل. هذا النزوع ، هذه النظرة في الدين ، وكأن هناك إلها في السماء وهناك بشرا على الأرض ، هذا النزوع ، ترجم نفسه أن نزوع التوحيد مستمر وقائم وممتد على مدى التاريخ. اخناتون في مصر كان أول من طرح التوحيد. وحين كانت الآلهة متعددة في شرق الوطن العربي ، وأيضا في الجزء الأفريقي ممثلا بالفينيقيين كان هناك دائما إله الآلهة الذي كان يسمى أما بعل أو أيل . وأيل تطورت لتصبح إله، وأيل ، الله. والله لم يذكر اسمه عند العرب لأول مرة بعد الإسلام. كثيرون منا ينسون أن الرسول (ص) اسمه محمد بن عبدالله أي أن كلمة الله كانت موجودة في الجزيرة قبل ولادة الرسول (ص).

أهل اليمن كانوا يعبدون القمر والشمس ويعبدون بعض النجوم ، ولكنهم كانوا يؤمنون بأن هؤلاء هم وسائط لدى الله. أما الله فكانوا يسمونه رب السماوات والأرض ألف سنة قبل الإسلام. كان دائما هناك نزوع نحو التوحيد. من هذا النزوع ولد بعد ذلك الدين اليهودي ثم ولد الدين المسيحي. وكثيرا ما ننسى لمجرد كون المسيحية منتشرة في أوروبا وفي أمريكا أن المسيحية عطاء شرقي وأنها ولدت في القدس ولم تولد في روما. هذه المسيحية منذ أن نشأت انقسمت إلى فرعين أساسيين. فرع عم منطقة الشام والعراق ومصر وشمال أفريقيا وفرع نقله بولس وبطرس عن طريق أثينا إلى روما وانتشر في أوروبا. أما زعماء المسيحية في هذه المنطقة الشرقية فقد كانوا يوحنا ومرقص واخا السيد المسيح يعقوب. قاد يعقوب المسيحية بعد المسيح في منطقة الأردن وفلسطين وكان هو لهذه المسيحية بمثابة بطرس وبولس لمسيحية روما. هذه المسيحية الشرقية كانت دائما تختلف مع المسيحية الأوروبية فيما يتعلق بالتوحيد وبالتثليث. المسيحية الشرقية كانت تسمى مذهب روما وبيزنطة المذهب الملكاني أي مذهب الملك ، مذهب الحكومة المعادية للشعب. أما المسيحيون الشرقيون فكانوا نساطرة ويعاقبة ودوناتيين. الدوناتيون في شمال أفريقيا واليعاقبة في سوريا ومصر والنساطرة في شمال العراق. وشمال إيران ومنطقة أرمينيا.

ما هو الخلاف العقائدي بين المذهبين؟ إن هذا الخلاف يتمثل في النزوع إلى التوحيد في كنسية الشرق ، يقابله نزوع إلى التعدد حسب الفلسفة اليونانية الأفلاطونية فالأفلوطنية في كنيسة الغرب. كما يتمثل في بساطة كنيسة الشرق ، وهرمية النظام الإداري الروماني في كنيسة الغرب. وكذلك كان الاختلاف بين الكنسيتين يعبر عن الثورة ضد السلطة الرومانية الحاكمة لشعوب هذه المنطقة. يجب أن نذكر أن الدولة الرومانية امتدت من طنجة إلى العراق. فكان انتشار المسيحية في هذه المنطقة تعبيرا عن ثورة هذه الشعوب ضد السلطة الرومانية. ولذلك فانتشار المسيحية في القرون الثلاثة الأولى كان بين شعوب الوطن العربي وبين العبيد في روما نوعا من الثورة ضد السلطة الرومية اليونانية القائمة. ولم تصبح الدولة بطبيعة الحال مسيحية إلا على زمن قسطنطين في أوائل القرن الرابع الميلادي. أروع من يمثل الفرق بين العقيدتين بطريك الإسكندرية أريوس المولود سنة 250م والمتوفي سنة 336م. القديس الأسقف أريوس أسقف الإسكندرية مولود في ليبيا وأصبح بعد ذلك أسقفا في الإسكندرية. طرح رأيا ضد رأي الكنسية الغربية الذي كان سائدا وقال أن الله لا يلد ولا يولد وأن المسيح ليس ابنا لله وإنه بشر ولكنه أكمل البشر. ولأنه أكمل البشر فقد اصطفاه الله. ولذلك فالمسيح هو بتعبير آريوس روح من الله وكلمة منه. ولقد استدعي آريوس إلى القسطنطينية وعقد له أول مجمع كنسي لبحث المواضيع العقائدية بأمر الإمبراطور قسطنطين وحوكم بالهرطقة ونفي ومات في المنفى في القسطنطينية. الفندال الذين احتلوا شمال أفريقيا بعد ذلك بمدة قصيرة جدا كانوا كلهم آريين أي تابعين لآريوس. النساطرة اختلفوا أيضا مع المذهب الكنسي الغربي. المذهب الكنسي الغربي يقول أن المسيح له طبيعتان طبيعة إلهية وطبيعة إنسانية في آن معا وأن هاتين الطبيعتين مختلطتان اختلاط النبذ بالماء يعني لا تميز بينهما. قال النساطرة حرام أن تقول عن مريم العذراء أم الله. نحن نكفر حين نقول أنها أم الله. لأن الله ليس له أم. لا يمكن أن يكون له أم. المسيح عند النساطرة له طبيعتان. ولكنهما طبيعتان منفصلتان. أي هو إله تجسد في فترة معينة فأصبح إنسانا. ثم عندما توفي رجع إلها. ولذلك له طبيعتان ولكنهما مثل الزيت والماء أي لا يختلطان. هذه عقيدة النساطرة في ذلك التاريخ. واليعاقبة الذين هم مسيحية الشام ومصر قالوا بأن المسيح له طبيعة واحدة فقط ولذلك سموا في الأدب المسيحي (مونو فيزايت) أي المؤمنين بالطبيعة الواحدة للمسيح. بينما سمي المسيحيون الغربيون (ديو فيزايتس) أي المؤمنين بالطبيعتين. إذن هذا لنزوع إلى التوحيد كان دائما موجوا وتراه في المسيحية حتى القرن الرابع والخامس والسادس الميلادي. ولقد تعرض مسيحيو هذه المنطقة لاضطهاد شديد جدا من الدولة الرومانية وكان اضطهاد المسحية عنيفا في الشام وفي مصر وشمال أفريقيا بحيث لجأ معظم المسيحيين الشرقيين إلى الصحاري يقيمون فيها الصوامع والأديرة بعيدا عن شرطة الدولة الرومانية.

يتبع ...

معتصم الحارث الضوّي
03-07-2007, 02:32 PM
ولعلنا نذكر أن سيدنا الرسول حين ذهب إلى الشام ، ذهب إلى بصرى حيث التقى بالراهب بحيرى في زمن كان فيه رئيس أساقفة هذه المنطقة رجلا اسمه بوردانة عينه بطريرك الأسكندرية يعقوب وكان مطلوبا رأسه للدولة حيا أو ميتا لأنه كان ينشر المذهب التوحيدي للمسيحية وكان يعارض الدولة الرومانية. تميزت المسيحية الشرقية بالتوحيد وتميزت أيضا بالزهد الكامل، جميع أساقفة المسيحية الشرقية كانوا مؤمنين بالزهد وبالفقر مما يميزهم عن أساقفة روما. أما الدوناتيون بشمال أفريقيا فقد قاموا بثورة فلاحية اجتماعية ضد الدولة الرومانية وضد سلطة البابا في نفس الوقت . وعندما نقرأ بعض ما كتب عن هؤلاء الدوناتيين لا نستغرب لماذا جاء بعد ذلك بثلاثمائة عام الخوارج ثم وجدوا لهم قاعدة في تونس . ذلك الصلة بين الدوناتية وبين المذهب الخارجي المنادي بالحرية وبانتخاب الرئيس وبعدم وراثة الملكية من المساواة تعد صلة قوية.
وفي الجاهلية لم يكن العرب يعبدون الأصنام وإنما كانوا يتخذونها إلى الله زلفى. واللات والعزى ومناة هم في زعم العرب بنات الله وليسوا آلهة وهبل هو (هابعل). وهاء في كثير من اللغات السامية (الـ التعريف) والبعل هو الإله الله. والحنيفية ، دين إبراهيم الموحد كانت منتشرة كذلك. ولكن حين تفاقم اضطهاد المسيحيين الشرقيين من قبل الدولة الرومانية التي كانت تعذبهم وتصلبهم وتقتلهم وتنفيهم من الأرض لأنهم يوحدون في المسيحية ، كان الرد الطبيعي لهم بعد ذلك أن يولد الإسلام وأن يولد الإسلام مخلصا لكل هذه الحقبة السابقة من التاريخ ، من الجذور التاريخية للقومية العربية ، وأن يطرح التوحيد بكلمات بسيطة عندما قال " قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد" فرد على جميع الهرطقات التي كانت قائمة من قبل ذلك وعلى الأديان التي نزعت إلى التوحيد ولكنها لم تبلغ هذا الحد الرائع من التوحيد. لخص الإسلام هذا النزوع إلى التوحيد في سورة الإخلاص ووضعها في هذه الكلمات وقل "اليوم أكملت لكم دينكم".

إذن ، من هذه العوامل الثلاثة ، العامل الجغرافي والعامل اللغوي والعامل الديني النازع إلى التوحيد ، تبدو لنا صلات القربى العميقة بين مشرق الوطن العربي ومغربه ، وتبدو لنا أسباب انتشار العروبة مع الإسلام وتلقفها في الشمال الأفريقي ، ويبدو لنا أن التاريخ الفرعوني وتاريخ بربر شمال أفريقيا جزءان من التاريخ العربي ، مثلهما في ذلك مثل التاريخ الآشوري والفينيقي والكنعاني ، متصلان مع التاريخ العربي في المنبع وفي المصب . وشكرا لكم.


1978م

(*) المصدر: الأعمال الفكرية والسياسية - الجزء الثالث - ص229-ص239