المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : عن : العروبة والقومية


فائز البرازي
28-01-2008, 08:54 PM
الأساتذة الأفاضل .
تحية الحياة والمقاومة :
يسعدني ويشرفني تلبية طلب الأستاذ / فراس حديد / لكن بكوني مجرد إنسان كاتب عادي .
أدناه : جزء من بحث واسع كنت بدأت به ولا أزال مستمرآ .. إجتزءت لتلبية الطلب ، مايلي :


العروبة والقومية :
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
العروبة هي الإحساس لدى جموع العرب بالإنتماء . و " يتجسد " هذا الإحساس من خلال الفكرة القومية العربية بإنتماء هذه الأمة إلى كيان مشترك واحد . يجمعه الشعور وتحتضنه الأرض ، ويتكلم لغة واحدة كأداة : تواصل وتفكير وإنتاج ثقافي . وتحفزه مصالح معيشية وأمنية وتحررية مشتركة . ليكون هذا " الكيان الجمعي " الموحد في تعامله وتحاوره وصراعه مع الكيانات الأخرى التي تتميز عنه بذات المعطيات والإنتماء والمصالح . وهذا الإحساس المتجسد بواقع ، لابد له من ( هوية ) ..
والهوية .. كانت ولاتزال دائمة الوجود في البحوث والدراسات وتحليلات العلماء والمفكرين . ومع عدم إمكانية رفضها أو تجاوزها بأي شكل من الأشكال ، فلا يمكن أيضآ أن نجعلها " هدفآ " وتميزآ شوفينيآ . والهوية الخاصة بشعب أو أمة بأبسط معاني تداعياتها ، لم تأت إلا نتيجة وجود الآخر والآخر والآخر . ومن هنا كانت الهوية هي تميز شعب عن آخر ، وأمة عن أخرى . ولو كانت هناك أمة واحدة ، شعب واحد يسود العالم ، لما مان للهوية معناها .
والهوية القومية ظاهرة تتشكل تاريخيآ في عملية تاريخية . وبالتالي فإن الطريق إلى تحديدها وإكتشافها ، هو طريق تاريخي . كما أن الدليل العلمي المقبول حاليآ في العلوم الإجتماعية ، يشير بأن افختلافات التي نجدها بين الشعوب والقوميات المختلفة ، تعود إلى تنوع في تجاربها الثقافية والإجتماعية والتاريخية . ووفق هذا الفهم يمكن أن نستوعب أن " العروبة رابطة إجتماعية " تقوم على أساس الأرض المشتركة لمجموعة بشرية مارست الحياة بكل تنوعاتها الإيجابية والسلبية ، على أرض محددة تأريخيآ لها ماض ومصير مشترك تتميز ولاتمتاز عما جاورها من أمم وجماعات لها مستويات متباينة من مراحل النمو الإجتماعي والحضاري ، ومنظومة قيمية ونمط حضاري نسجته خلال الزمن ، معتمدة على لغة تعبير وتواصل . ويعرف الناس أنفسهم من خلال النسب والدين واللغة والتاريخ والقيم والعادات والمؤسسات الإجتماعية " كنمط حضاري " ، ويتعايشون مع الجماعات الإجتماعية والثقافية وأنماط الحضارة الأخرى على مستوى أكبر وأوسع .
فمن نحن .. ومن الآخر .. فلا يقبل ولا يستقيم بالنسبة لنا ، أن تقوم رؤيتنا على رؤية عدوانية تجاه الآخر . لأنه مامن صراع ثقافي بالمعنى الإبداعي والعميق للكلمة قد ظهر في العالم ، إلا كانت نقطة إرتكازه ، فكرة التفوق في تطبيق العنف المنظم . أي أن الحضارة والثقافة والهوية يجب أن تقوم على مبدأ .. نحن .. ونحن معهم .
وإذ نعود إلى خصوصية التكوين للأمة .. نستطيع القول : أن الأمة هي " جماعة من الناس " تكونت تاريخيآ على أرض محددة ، وذات " نمط حضاري " متميز – وليس متمايز – ممتد وعميق في المجالين المعنوي والمادي . ولايمكن أن نفهم الأصل المشترك والذي هو من مكونات الأمة ، بمعنى أن هذه الجماعة ذات أصول أثنية أو عرقية مشتركة ،إلا بإضعاف رابطة الدم أو إنتفائها في فهم الأصل المشترك . إذ ليس هناك بالمطلق ، أمة من أصل عرقي واحد . بل أن الأصل المشترك في قناعتنا ، يرمز إلى دلالة مركبة هي : ( الإستمرار والإستقرار ) .
فالإستقرار : يميز الأمة عن التجمعات القبلية ، والتجمعات العارضة .
والإستمرار: يعني الإستمرار التاريخي الطويل ، تمييزآ عن الجماعات قبل القومية ، حتى إذا كانت جماعات قروية فلاحية ، مستقرة على الأرض الزراعية ، أو جماعات مدنية أو حضرية مستقرة ، وليس لها صفة الإستمرار . أي : أنها جماعة يجب أن تحمل صفة " الإستمرار " .
إن الإستمرارية التاريخية ، مهمة جدآ .. فهي تعني ( الثبات والديمومة ) .. فإذا إنقطعت أو تقطعت هذه الإستمرارية بشكل " جوهري " وليس بشكل عرضي أو مؤقت ، فإن هذا يؤدي إلى قطع مسيرة تكوين الجماعة البشرية ، كأمة .
أما بكونها ذات ( نمط حضاري ) متميز وممتد وعميق في المجالين المعنوي والمادي . فهذا يعني أن تكون لها خصائص مشتركة حضارية ، ممتدة أفقيآ على رقعة المجتمع كله ، وعميقة رأسيآ متغلغلة في الحياة الإجتماعية النفسية . أي : السيكولوجيا الإجتماعية مما يسمى العادات والتقاليد والقيم المشتركة والأعراف والثقافة العامة والشعبية .
وفي المجال المعنوي : فإن مجرد وجود لغة مشتركة ، لايكوّن أمة ، على أهمية اللغة المشتركة كاساس . فكثير هي الجماعات ذات اللغات المشتركة ، ولكنها لم تكوّن أمة وقد تكون قد عاشت أحداث تاريخية مشتركة لفترات تطول أو تقصر .. ذلك أن اللغة لم تندرج في سياق " حضارة " . أي لم تنجب ثقافة مشتركة ذات حد أدنى من الإنتشار والعمق وفق ظروف العصر . كما أن هناك أممآ مختلفة تكوّن مجتمعات قومية متباينة ، مع أنها ذات لغة مشتركة . لأن من اللغة .. وبالتعامل مع الظروف الإجتماعية الخاصة لكل مجتمع ، إنبثقت ثقافات قومية مختلفة ومتباينة .
إن اللغة لاتعمل وحدها .. بل تعمل في الإطار الإجتماعي المركب . كذلك التاريخ : فلا معنى له إن كان مجرد " زمان " .. مجرد تتابع زمني .
ويكون للتاريخ : مدلول كعنصر من عناصر تعريف الأمة ، بإرتباطه بعامل " الإستقرار والإستمرار". وبكونه مشكّل " لنمط حضاري متميز وممتد وعميق " . وهو بذلك – التاريخ – يعني ( الحضارة ) أو التاريخ الحضاري .
من جهة أخرى .. فالعروبة بالوصف " جبرية " ، وليست إختيارية . لكن الإختيار فيها .. يتحول من: جبرية الولادة والجغرافيا والتاريخ واللغة والمشاعر ، إلى " إختيارية " العقل والعقيدة والمصلحة .
إن الجبرية مرتبطة في مرحلة منها : بالإختيار الإنساني .. فليس هناك جبرية حتى في القدرة الإلهية المطلقة ، منفصلة عن إختيار الإنسان . إن الجبرية الإلهية هي ( علم الله السابق على الوجود ) والمرتبط في ضمنياته بإختيارات الإنسان اللاحقة .
وعندما يختار البعض .. الإختيار بالإنفصال .. الإنفصال عن ظروف ولادته ، عن جغرافيته ، عن تاريخه ولغته وأحاسيسه ، عن مصلحة ما .. فإن إختياره ذلك لايتم بشكل " عشوائي " . وإنما يختار ذلك ( بعقله ومحاكاته ) . وهذا ليس بشيئ شاذ عن الطبيعة الإنسانية . فالأمر هنا متعلق أساسآ :
( بالهوية والإنتماء ) والتي لايؤاخذ عليها المختار كحالة إنسانية .
وأخيرآ فالعروبة أساسآ وبكل وضوح " لايجب أن تتحول إلى شكل من أشكال العقيدة " . وبالتالي يجب الإنتباه دائمآ إلى إخراج العلاقة بين العروبة والإسلام من تلك الثنائية المصطنعة .

القومية : -
ان القومية العربية بالنسبة للفرد العربي ، هي بمثابة " هويته الثقافية والحضارية " ، وهي صلة إجتماعية وجدانية تنشأ من الإشتراك في الوطن / الجغرافيا ، واللغة / الفكر ونمط الحضارة ، والتاريخ / الإستقرار والإستمرار ، و المنافع / المصالح المشتركة .
وإذا كانت العروبة : تمثل واقعة إجتماعية ونفسية ذات جذور تاريخية ، وبعيدة عن أن تمثل " عقيدة خاصة " أو " فلسفة محددة " ، فإن :
القومية العربية : هي واقع تاريخي ولغوي وثقافي وجغرافي للعرب / القوم .
والقومية العربية ككل نظرية سياسية أو ايديولوجية في العالم ، توضع أساسآ لخدمة شعب ما أو مجموعة بشرية ما ، من حيث كون النظرية عمومآ يجب أن تخدم وطن وشعب واضعيها ، عندها تكون الغاية من إعتناق النظرية أن تكون ذات فائدة للوطن والمواطن ، وخدمة مصالحه والحفاظ عليها ، وهو ماتحققه نظرية القومية العربية .
إن نظرية القومية العربية ليست بثابته متقوقعة ، أو شوفينية ، بل هي – ويجب أن تكون – متطورة كحصيلة نمو وإضافات تتحقق من خلال الحل الجدلي لمشكلات التطور الإجتماعي الذي سبق القوميات ، وتكون أكثر منه تقدمآ ، وتكون حصيلة تفاعل تاريخي بين الإنسان والإنسان ، وبين الإنسان والأرض . وصاعدة نحو تجديد جذري دائم للحياة العربية وبناء إنسان عربي جديد ضمن تطور الحالة الإنسانية عامة في أزمانها ومعطياتها . قائمة على تحقيق " وعي علمي " تتجنب الإنحرافات والإنجرافات والمآسي وخلق الإشكاليات التي تترتب على تحديد غير علمي ، وإعتباطي وعاطفي .
ان علينا أن نتجاوز المفهوم الميتافيزيقي القائم على منهج غير علمي لايعتمد على المفهوم التاريخي والثقافي . فمفاهيم سابقة ميتافيزيقية ، تفصل " الجوهر " عن الوقائع والتحولات الخارجية بدلآ من ربطه معها ، قامت عليها النظرية القومية العربية ، كرابطة الدم ، واللسان / اللغة المجردة عن الثقافة – المستمدة من المفهوم الألماني للقومية - ، لاتبني ولا تظهر سوى مفهوم عرقي للقومية العربية . وهذا ما تجاوزه وظهر تجاوزه بجلاء في التجليات الفكرية والسياسية لمدرسة القومية العربية ، مع صاحب التجربة العربية الناصرية : جمال عبد الناصر بعد 1952 .
وعلى عكس تلك المفاهيم الميتافيزيقية للقومية العربية ، فإن المفهوم " السوسيولوجي " التاريخي، يرى أن الهوية القومية تعني في أحسن الحالات ، " طرق التفكير " ، وشعور وسلوك متماثل ومهيمن بشكل نسبي ، وتتغير مع حركة التاريخ وتحولاتها الجذرية . مستندة على الفكر الإجتماعي الحديث الذي يقول بأن خصوصيات أي شعب هي : نتائج عوامل التاريخ الديناميكية . كالإحتكاك الثقافي ، والحروب ، والهجرة ، والأزمات ، والصراعات الإجتماعية والسياسية ، والتصورات الأيديولوجية .. الخ . هذه العوامل ، وليس عوامل أخرى لوحدها ثابته ، مثل : الجغرافيا والغريزة والطبيعة الإنسانية والعرق ، هي التي تحدد هوية الأمة . بل عوامل ديناميكية ، كالثقافة والحضارة ، متحولة عبر التاريخ ، تصنع الهوية القومية بالتغيير والتحول نحو واقع إحلالي وحلولي إنساني وإجتماعي متقدم .
وهذا المفهوم " السوسيولوجي " للقومية العربية ، يخرجنا من صعوبات وإشكاليات " التأصيل " و
" الإنسجام " ، التام .
ان القومية العربية " المتمايزة " – وليست المميزة – ليست أسطورة ، بل هي واقعة تاريخية . لكن الأسطورة هي في إرجاع هذا " التمايز " إلى أسباب بيولوجية أو نفسية أو عقلية ثابته .
والقوميون العرب ، كأمة وقوم لابد من أن يكون لهم ( هوية قومية ) . فالهوية القومية هي حالة تتخذ فيها الجماعة صورة واضحة . وهي كإفتراض علمي وواقع تظهر أن " الأمة " أهم جماعة يمكن للفرد الإنتماء إليها ويعطيها ولاءه . والتي تجب التضحية في سبيلها ، بالولاءات الأخرى .. أسرية ، عشائرية ، شعوبية ، حزبية .. الخ ، إن هي " تناقضت " مع الولاء لها . وهي لاشك حالة من ضمن مسألة أوسع وهي ( الهوية الجماعية ) التي تقترن بالجماعات المختلفة .
والهوية القومية : هي في حالة ( دائمة من التطور والتكون والتحول ) ، متماشية مع ( وظيفتها ) . إنها كينونة مستمرة ومتصاعدة شكلآ ومضمونآ من حيث علاقتها بذاتها ، وعلاقتها بالآخر . فالوعي بالذات ، معرضآ دائمآ لتيارات التحول الطوعي أو القسري ، فيعيد المجتمع الفاعل بالتاريخ ، والمنفعل به ، نحو تجديد هويته المتوارثة ، ويمنحها أبعادآ جديدة بما فيها ، وربما تلك التي لم يكن يقبلها سابقآ ، وتدخل في صلبها عناصر لم تكن موجودة أصلآ .
إن " الهوية العربية " هي مشروع تاريخي يكافح العرب لإنجازه ، وليست " حتمية " ذات نزوع إتكالي . ومن هنا نستطيع أن نطرح تعريفآ للهوية على أنها :
[ وعي بالذات وبالمصير التاريخي الواحد ، ومن موقع الحيز المادي والثقافي الذي نشغله في البنية الإجتماعية ، وبفعل السمات والمصالح المشتركة التي تحدد توجهات الناس وأهدافهم لأنفسهم ولغيرهم ، وتدفعهم للعمل معآ في تثبيت وجودهم ، والمحافظة على إنجازاتهم ، وتحسين وتطوير وضعهم في التاريخ والحضارة . إنها – الهوية – من حيث كونها أمرآ ذاتيآ وموضوعيآ معآ ، هي "وعي الإنسان " بإنتمائه إلى مجتمع أو أمة ، في إطار الإنتماء الإنساني العام ] ..
هذا التعريف ، يعتمد على فهم التاريخ وتحولاته ، كحركة علمية مفتوحة . إذ أن " المعرفة الإنسانية " هي في الواقع ، جهد فكري ناجح ومتواصل للكشف عن أسرار الطبيعة والعالم الإجتماعي التاريخي . وهذا مايحاول تحقيقه الفكر العلمي . وهو على تضاد مع الفكر الميتافيزيقي ، سواء في أشكاله الدينية أو العلمانية ، كتخطيط إلهي سابق ، أو قصد متأصل في طبيعة الأشياء . أي : بمعنى محاولة
" ضبط " أو " إدراك " ظاهرة ديناميكية ودياليكتيكية ، في إطار ثابت إستاتيكي ، وبالتالي يلتقي الفكر الديني مع الفكر العلماني فيما يمكن تسميته ( بالمغالطة الإستاتيكية ) .
ومن ذلك .. فإن " الهوية القومية " ظاهرة تتشكل تاريخيآ وفي عملية تاريخية . وان الطريق إلى تحديدها وإكتشافها هي بالتالي طريق تاريخية .
فالدليل العلمي المقبول حاليآ في العلوم الإجتماعية ، يشير بوضوح : بأن الإختلافات التي نجدها بين الشعوب والقوميات المختلفة ، تعود إلى تنوع في تجاربها : الثقافية والإجتماعية التاريخية . فكل شعب يقوم في وسطه الإجتماعي والثقافي التاريخي الخاص ، بأعمال ومنجزات مرتبطة بهذا الوسط ويتفاعل معه . وليس هناك أي سبب يدعو إلى تفضيل منجزات شعب على آخر من الناحية الإنسانية ، أو من ناحية القدرة على الخلق والإبداع والتطوير . فتاريخ الإنسانية يبرهن بأن تقدم الثقافة يرتبط بالفرص التي تتوفر لجماعة إجتماعية ، بأن تتعلم من تجربة جيرانها . حيث أن إكتشافات جماعة معينة تمتد وتنتشر إلى جماعات أخرى . وكلما زاد الإحتكاك زادت فرص التعلم والتعليم . فالإحتكاك بحضارات وعادات أخرى ، كانت عبر التاريخ العامل الذي يؤدي إلى إنهيار مجموعة متحجرة من الأنظمة والمفاهيم ، ويعطي الناس الآخرين نظرة أكثر تنورآ وإنفتاحآ إنسانيآ . وعلى الأرجح .. فليس هناك ثقافة موجودة حاليآ ، تدين بأكثر من 10 % من جميع عناصرها إلى إختراعات وتقدم في النمط الحضاري ، حققها ( أفراد مجتمعها الخاص ) ..
على أنه وإضافة لهذا العامل الأساسي .. هناك عامل آخر لايقل عنه أهمية ويجب الإشارة والتركيز عليه أيضآ . وهو : " الكيفية " التي يتأثر بها كل تحول وكل تغيير يطرأ على هذه الهويات القومية بالماضي الذي يقترن به . وبما أن التحول يحدث في ضوء خلفية ما ، وبالتناقض معها ، فإن مجراه – التحول – يتأثر بنوعية هذه الخلفية ، وهذا التناقض . فالعلاقة بين الإثنين هي علاقة دياليكتيكية محكمة . وفي إطار هذين العنصرين ، تحدث تقريبآ جميع التحولات العامة الأخرى . وخاصة التي تنقل " الهوية القومية " من مرحلة إلى أخرى ، ومن نموذج إلى آخر .
إن مخاطر المعتقدات " الأيديولوجية السياسية " التي تقدم نماذج سلوكية عامة تدعو إلى " تقليدها " ، هي عندما تتحول إلى : ( جزء من التركيب النفسي / العقلي ، عندها تمارس أثرآ يفوق أثر الحقيقة الموضوعية .
كما أن من المخاطر التي تحيق ( بالقومية ) ، هي رهنها وسجنها فقط في مفهوم " الوحدة السياسية " . فالقومية هي أساسآ ( وجود وهوية ) ، والعمل على تحقيق الوحدة السياسية من خلالها ، هي إحدى " وظائفها " وتطلعاتها المستندة على الوجود والهوية . فالوجود الموضوعي للأمة ، هو الخالق الدائم للوعي القومي ودافع حركته .
ومن المخاطر التي يجب أن نحذرها من خلال القيام بمراجعة فكرية نقدية للفكر القومي ، هي في عدم تحريره من جملة إلتباسات أحاطت به ، ومن شوائب علقت بممارسات سلطوية وسياسية محسوبة عليه . بل حتى لتحريره من نزعات أيديولوجية حولت الفكر القومي الذي ينبغي أن يكون جامعآ ، إلى متراس وخندق وعصبيات من متاريس الصراع الأهلي العربي وخنادقه وعصبياته .
ومن أسف .. – وهذا مايجب أن نتجاوزه - ، أن خطر هذا التناقض ينبع من أن النظرة العلمية الفاحصة لواقع الإنسان الحضاري أو سلوكه " السياسي الأيديولوجي " ، لاتدعو إلى التفاؤل بقدرة الإنسان ضمن عامل النسبية ، بقدرته على تجاوز هذا التناقض .
الحركة القومية : -
هي حالة إنسانية فاعلة تتعلق ( بفعل الإختيار ) . فإختيارنا العروبة كواقع إنساني إنتمائي يعيش في ظله ملايين البشر ، لايحتم بالضرورة إختيار ( الفعل القومي ) .
فحركة القومية العربية ، هي : " إختيار " بالإنتقال من واقع العروبة ، إلى واقع " الفعل " ، لتفعيل هذا الإنتماء وأدائه لوظيفته .
إن ( الحركة القومية ) هي المسار الفاعل " الإرادي " لنقل الإنتماء من الواقع " الميتافيزيقي " ، إلى الفعل الإنساني لتحقيق الآمال والمصالح لهذا الإختيار .. فهي قناعة بضرورة المشاركة بالفعل . وهي قناعة بضرورة تمثل " الإرادة " في التوجه نحو الهدف المنشود لهذا الإنتماء . وهي ترجمة لهذه الإرادة على أرض الواقع ، ببرامج وخطط عمل للتأثير في التاريخ وفي الواقع ، نحو المكان المتقدم والحضاري لهذه المجموعة البشرية المحكومة " بالعروبة " كإنتماء لها .
إنها – الحركة القومية – هي " الفاعل " ، وهي " الشرط الحاكم " في التاريخ وفي الوجود لتحقيق آمال وتطلعات ومصالح هذه الأمة العربية . وعلى العروبيين المساهمة في تفعيل الحركة القومية . إلا أن عدم مساهمتهم لاتعني إنتقاصآ لإنتمائهم العروبي . ويمكننا فهم أن " الحركة القومية " هي الطليعة القائدة لهذا الإنتماء العروبي وممثلة له .
فالحركة القومية : تخرج عن اللاوعي افنتمائي ، إلى مرحلة الوعي والإرادة والفعل الإنتمائي ، على طريق ممارسة " وظائفها " وصولآ إلى أهدافها ..
وكان الظلم الفادح الذي لحق بالحركة القومية العربية ، والذي أدى كأحد أسباب عدة لإضعافها والهجوم عليها ، هو ذاتي المنشأ يمكن التعبير عنه : بالسلطات القومية ، والأحزاب والقوى السياسية القومية بحد ذاتها . وكان من أهم أسباب تأخر وإنكفاء المشروع القومي العربي :
1- تم تكوّن وممارسة التفكير القومي العربي / العقل ، على أيدي " رومانسيين " تاريخيين إعتبــروا ( حكمآ ) أن البلاد العربية كتلة واحدة . وغاب عنهم عدم غستطاعتهم على أرض الواقع ، أن يتعاملوا مع كتل ودول عربية أصبح لها بنى وتكوينات إجتماعية وإقتصادية وسياسية مختلفة .
2- ويعزى فشل المشروع القومي العربي ، إلى عدم الربط بين الواقع والفكر والإرادة .. فيما البحث كان يعفي نفسه من إقامة الدليل على محسوسية غياب هذا الربط .
3- كان هناك غياب لإدراك العلاقة الوثيقة المتبادلة بين الأفراد والجماعات في البنية الإجتماعية الإقتصادية ، وبين الإختلاف في تحديد مفهوم الهوية القومية . فالجماعات التي تحتل " موقع القوة والجاه والثروة " ، وتهيمن على النظام السائد ، وتستفيد من العلاقات مع القوى الخارجية المهيمنة ، ( تختلف ) في فهمها للهوية القومية وممارساتها ، عن تلك الجماعات التي تشغل " مواقع تحتية " ، وتكون أكثر تضررآ من الأوضاع القائمة ، وعن تلك الجماعات التي تقع في الوسط " بين بين " . فيأتي الخوف لدى البعض من فكرة الفروق الطبقية ، تحسبآ من أن يأتي الصراع الطبقي ، على حساب الصراع القومي والقهر الطبقي .
4- الممارسات السياسية الإستبدادية التي إتبعها البعض بإسم القومية ، وإن كانت قد مارستها " القطرية " في أبشع مظاهرها . والتي كان ضحاياها كثيرون من العرب ، ومن غير العرب . هذه الممارسات من الأقلية الحاكمة والتي كانت أيضآ من العرب ر، ومن غير العرب ، كانت تعبيرآ عن أنظمة وسلطات غارقة في الإستبداد . ولم تكن تعبر عن " حركة سياسية قومية عربية جماهيرية " . إن ( القومية الحاكمة ) في الوطن العربي ، هي بمثابة إحتلال داخلي . إستعمار للشعوب من الداخل . وهيأت الظروف لخنوع الشعوب العربية عبر التحالف البغيض بين الإستعمار الداخلي ، وبين افستعمار الخارجي . بين سيطرة وإستبداد البرجوازية والرأسمالية ، وبين الدولة والطبقة الحاكمة من جهة .. وبين الإستعمار الخارجي العسكري والرأسمالي .
فكانت " القومية الحاكمة " معادية للحرية وللتنمية وللوحدة . أي أنها غير قومية " جوهريآ " ، وإن كانت تستخدم مصطلحات وخطابات قومية في جوهرها الأيديولوجي ، والمتناقضة كليآ مع ( القومية الكامنة للطبقات الشعبية ) التي تقوم على الإيمان بالحرية والتنمية والإشتراكية والوحدة .
ومن هنا .. فلا بد من إدانة كل الأخطاء والخطايا التي إرتكبتها دول وأنظمة وأفرادنسبوا أنفسهم للتيار القومي ، وتسببوا في حالة شديدة من الإحباط الشعبي ، أثرت سلبآ على فكرة القومية العربية والوحدة ، لصالح التجزئة .
إن الوجود الموضوعي للأمة العربية ، هو الخالق الدائم " للوعي القومي " . كما أن " الوحدة القومية " لم تعد بحاجة لإثبات ضرورتها ، لكن الحاجة تبقى بضرورة الإجابة عن : كيف ؟ .. ومتى ؟
وتبقى الحاجة إلى ضرورة تحقيق : الدولة / الأمة ، والتي هي ظاهرة تاريخية . فالدولة هي التي تنقل القوم إلى مستوى الأمة بدون الإستسلام إلى العامل الأيديولوجي لتحقيق الوحدة ، كشكل من أشكال " القدرية المستترة " .
ومن هنا يبرز سؤالآ آخر وجوديآ .. كيف يتحول العرب إلى : الأمة / الدولة ؟؟ .

-------------------------

عبد العزيز غوردو
29-01-2008, 11:39 PM
تحية الحياة والمقاومة...

أبادلها لك أخي فائز...

وتحية أخرى لمجهودك الكبير والمفيد هنا...

والذي لا تخفى أهميته وقيمته...

الموضوع طويل ومثير وشائك...

من هنا تتعدد المداخل إلى قراءته، لكن التأصيل ضروري عند كل مدخل وقراءة...

من هنا ضرورة السؤال:

ما هي الأصول "المنهجية التنظيرية" التي يتأسس عليها موضوع القومية؟

والأهم: ما هي مبرراته/المنهج المعتمد؟

أرجو الإفادة في هذه النقطة...

مع جزيل شكري وامتناني...

د. عبد الرحمن السليمان
30-01-2008, 12:16 AM
ألف شكر لحضرتك أستاذنا الكريم: فائز البرازي على هذه المقالة الطيبة.

وأتمنى أن يتسنى لي التعليق عليها قريبا إن شاء الله.

شكر جزيلا.

المدير العام
30-01-2008, 12:46 AM
الأستاذ الفاضل فائز البرازي
جاء في مقالك ما يلي:

"إن الوجود الموضوعي للأمة العربية ، هو الخالق الدائم " للوعي القومي " . كما أن " الوحدة القومية " لم تعد بحاجة لإثبات ضرورتها ، لكن الحاجة تبقى بضرورة الإجابة عن : كيف ؟ .. ومتى ؟"

الإجابة على هذين السؤالين هي المحور الرئيس لعملنا، وبدء الانطلاق في الطريق إلى وحدتنا.

أشكرك يا سيدي على هذا المقال العميق، وأشكر أيضا الإخوة المتداخلين لإثراءهم الحوار

فائز البرازي
30-01-2008, 11:40 AM
الأستاذ الفاضل / عبد العزيز غوردو
تحية الحياة والمقاومة :
أشكرك على التحايا التي شملتني بها ، ونحن في خندق واحد أخي الفاضل .

لاشك هذا " المجتزأ " ، موضوع طويل للإبتعاد عن الوجبات السريعة ..
لكنه كما أعتقد مع الإحترام : ليس بشائك ..
وأكاد أعتقد أن طوله قد إستوجبته الرغبة بأن لايكون شائكآ .

تعدد المداخل لقراءته : والأصح حسب وجهة نظري .. تعدد الآراء حول الموضوع .

التأصيل ضروري حتمآ .. لكن وعذرآ لم افهم مرادك هنا بالتأصيل عند كل مدخل وقراءة ؟

أما عن تساؤلك عن : [ الأصول المنهجية " التنظيرية " ] التي يتأسس عليها موضوع " القومية " .. وهنا تحديدآ حسب طلبك ( موضوع القومية العربية ) الذي نتكلم عنه ، وليس فقط : العروبة ، أو : الحركة القومية .. فبإختصار شديد - إلا إن رغبت حضرتك بالتوسع - قد أجاب عنه بالشكر السيد / المدير العام / بإختصار جدآ معبر ، في مداخلته التي أشكره عليها ، والتي وضع ( مابعد ) كمنطلق ومحور لابد لنا من تداوله وطرح الآراء حوله .

الأستاذ الفاضل / د. فراس جديد
بل الشكر ومن الأعماق موصول لك وللأخوة القراء والمتداخلين .
بإنتظار تعليقك الذي يهمني جدآ .
إحترامي وتقديري للجميع .

عبد العزيز غوردو
30-01-2008, 11:26 PM
أحييـــــك مرة أخرى أخي فائز...

وأكيد أخي المفضال نحن في خندق واحد...

وهذه هي روح القومية فعلا...

" "

موضوع الأمة والقومية تفضل بالكتابة عنه كثير من مثقفي العرب...

كل واحد منهم قدم له قراءة خاصة، من منظوره/مدخله الخاص...

كتب فيه عبد الله العروي وسمير أمين ومحمد أركون... وآخرين،

أنت تعرفهم أكثر مني ولا شك، بما أنك تشتغل على الموضوع...

قراءة العروي كانت تاريخانية، فيما مالت قراءة سمير أمين إلى الماركسية/الخراجية..

بينما استند أركون إلى البنيوية...

" "

أنت اخترت الاشتغال على الأساس التاريخي..

لكن شخصيا لم يبرز لي تأصيل هذا الأساس، ومن ثم لم أستوعب جيدا

محتوى التعريف المقترح هنا "للقومية العربية"...

بحيث تداخل مع مفهومي "الدولة القطرية" و"القبلية"...

أرجو منك، أخي الكريم، أن تتفضل بتقديم الشروط الموضوعية التي أفرزت المفهوم،

أي تقديم نبذة إيتيمولوجية عنه...

مع جزيل شكري وامتناني...

" "