فائز البرازي
28-01-2008, 08:54 PM
الأساتذة الأفاضل .
تحية الحياة والمقاومة :
يسعدني ويشرفني تلبية طلب الأستاذ / فراس حديد / لكن بكوني مجرد إنسان كاتب عادي .
أدناه : جزء من بحث واسع كنت بدأت به ولا أزال مستمرآ .. إجتزءت لتلبية الطلب ، مايلي :
العروبة والقومية :
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
العروبة هي الإحساس لدى جموع العرب بالإنتماء . و " يتجسد " هذا الإحساس من خلال الفكرة القومية العربية بإنتماء هذه الأمة إلى كيان مشترك واحد . يجمعه الشعور وتحتضنه الأرض ، ويتكلم لغة واحدة كأداة : تواصل وتفكير وإنتاج ثقافي . وتحفزه مصالح معيشية وأمنية وتحررية مشتركة . ليكون هذا " الكيان الجمعي " الموحد في تعامله وتحاوره وصراعه مع الكيانات الأخرى التي تتميز عنه بذات المعطيات والإنتماء والمصالح . وهذا الإحساس المتجسد بواقع ، لابد له من ( هوية ) ..
والهوية .. كانت ولاتزال دائمة الوجود في البحوث والدراسات وتحليلات العلماء والمفكرين . ومع عدم إمكانية رفضها أو تجاوزها بأي شكل من الأشكال ، فلا يمكن أيضآ أن نجعلها " هدفآ " وتميزآ شوفينيآ . والهوية الخاصة بشعب أو أمة بأبسط معاني تداعياتها ، لم تأت إلا نتيجة وجود الآخر والآخر والآخر . ومن هنا كانت الهوية هي تميز شعب عن آخر ، وأمة عن أخرى . ولو كانت هناك أمة واحدة ، شعب واحد يسود العالم ، لما مان للهوية معناها .
والهوية القومية ظاهرة تتشكل تاريخيآ في عملية تاريخية . وبالتالي فإن الطريق إلى تحديدها وإكتشافها ، هو طريق تاريخي . كما أن الدليل العلمي المقبول حاليآ في العلوم الإجتماعية ، يشير بأن افختلافات التي نجدها بين الشعوب والقوميات المختلفة ، تعود إلى تنوع في تجاربها الثقافية والإجتماعية والتاريخية . ووفق هذا الفهم يمكن أن نستوعب أن " العروبة رابطة إجتماعية " تقوم على أساس الأرض المشتركة لمجموعة بشرية مارست الحياة بكل تنوعاتها الإيجابية والسلبية ، على أرض محددة تأريخيآ لها ماض ومصير مشترك تتميز ولاتمتاز عما جاورها من أمم وجماعات لها مستويات متباينة من مراحل النمو الإجتماعي والحضاري ، ومنظومة قيمية ونمط حضاري نسجته خلال الزمن ، معتمدة على لغة تعبير وتواصل . ويعرف الناس أنفسهم من خلال النسب والدين واللغة والتاريخ والقيم والعادات والمؤسسات الإجتماعية " كنمط حضاري " ، ويتعايشون مع الجماعات الإجتماعية والثقافية وأنماط الحضارة الأخرى على مستوى أكبر وأوسع .
فمن نحن .. ومن الآخر .. فلا يقبل ولا يستقيم بالنسبة لنا ، أن تقوم رؤيتنا على رؤية عدوانية تجاه الآخر . لأنه مامن صراع ثقافي بالمعنى الإبداعي والعميق للكلمة قد ظهر في العالم ، إلا كانت نقطة إرتكازه ، فكرة التفوق في تطبيق العنف المنظم . أي أن الحضارة والثقافة والهوية يجب أن تقوم على مبدأ .. نحن .. ونحن معهم .
وإذ نعود إلى خصوصية التكوين للأمة .. نستطيع القول : أن الأمة هي " جماعة من الناس " تكونت تاريخيآ على أرض محددة ، وذات " نمط حضاري " متميز – وليس متمايز – ممتد وعميق في المجالين المعنوي والمادي . ولايمكن أن نفهم الأصل المشترك والذي هو من مكونات الأمة ، بمعنى أن هذه الجماعة ذات أصول أثنية أو عرقية مشتركة ،إلا بإضعاف رابطة الدم أو إنتفائها في فهم الأصل المشترك . إذ ليس هناك بالمطلق ، أمة من أصل عرقي واحد . بل أن الأصل المشترك في قناعتنا ، يرمز إلى دلالة مركبة هي : ( الإستمرار والإستقرار ) .
فالإستقرار : يميز الأمة عن التجمعات القبلية ، والتجمعات العارضة .
والإستمرار: يعني الإستمرار التاريخي الطويل ، تمييزآ عن الجماعات قبل القومية ، حتى إذا كانت جماعات قروية فلاحية ، مستقرة على الأرض الزراعية ، أو جماعات مدنية أو حضرية مستقرة ، وليس لها صفة الإستمرار . أي : أنها جماعة يجب أن تحمل صفة " الإستمرار " .
إن الإستمرارية التاريخية ، مهمة جدآ .. فهي تعني ( الثبات والديمومة ) .. فإذا إنقطعت أو تقطعت هذه الإستمرارية بشكل " جوهري " وليس بشكل عرضي أو مؤقت ، فإن هذا يؤدي إلى قطع مسيرة تكوين الجماعة البشرية ، كأمة .
أما بكونها ذات ( نمط حضاري ) متميز وممتد وعميق في المجالين المعنوي والمادي . فهذا يعني أن تكون لها خصائص مشتركة حضارية ، ممتدة أفقيآ على رقعة المجتمع كله ، وعميقة رأسيآ متغلغلة في الحياة الإجتماعية النفسية . أي : السيكولوجيا الإجتماعية مما يسمى العادات والتقاليد والقيم المشتركة والأعراف والثقافة العامة والشعبية .
وفي المجال المعنوي : فإن مجرد وجود لغة مشتركة ، لايكوّن أمة ، على أهمية اللغة المشتركة كاساس . فكثير هي الجماعات ذات اللغات المشتركة ، ولكنها لم تكوّن أمة وقد تكون قد عاشت أحداث تاريخية مشتركة لفترات تطول أو تقصر .. ذلك أن اللغة لم تندرج في سياق " حضارة " . أي لم تنجب ثقافة مشتركة ذات حد أدنى من الإنتشار والعمق وفق ظروف العصر . كما أن هناك أممآ مختلفة تكوّن مجتمعات قومية متباينة ، مع أنها ذات لغة مشتركة . لأن من اللغة .. وبالتعامل مع الظروف الإجتماعية الخاصة لكل مجتمع ، إنبثقت ثقافات قومية مختلفة ومتباينة .
إن اللغة لاتعمل وحدها .. بل تعمل في الإطار الإجتماعي المركب . كذلك التاريخ : فلا معنى له إن كان مجرد " زمان " .. مجرد تتابع زمني .
ويكون للتاريخ : مدلول كعنصر من عناصر تعريف الأمة ، بإرتباطه بعامل " الإستقرار والإستمرار". وبكونه مشكّل " لنمط حضاري متميز وممتد وعميق " . وهو بذلك – التاريخ – يعني ( الحضارة ) أو التاريخ الحضاري .
من جهة أخرى .. فالعروبة بالوصف " جبرية " ، وليست إختيارية . لكن الإختيار فيها .. يتحول من: جبرية الولادة والجغرافيا والتاريخ واللغة والمشاعر ، إلى " إختيارية " العقل والعقيدة والمصلحة .
إن الجبرية مرتبطة في مرحلة منها : بالإختيار الإنساني .. فليس هناك جبرية حتى في القدرة الإلهية المطلقة ، منفصلة عن إختيار الإنسان . إن الجبرية الإلهية هي ( علم الله السابق على الوجود ) والمرتبط في ضمنياته بإختيارات الإنسان اللاحقة .
وعندما يختار البعض .. الإختيار بالإنفصال .. الإنفصال عن ظروف ولادته ، عن جغرافيته ، عن تاريخه ولغته وأحاسيسه ، عن مصلحة ما .. فإن إختياره ذلك لايتم بشكل " عشوائي " . وإنما يختار ذلك ( بعقله ومحاكاته ) . وهذا ليس بشيئ شاذ عن الطبيعة الإنسانية . فالأمر هنا متعلق أساسآ :
( بالهوية والإنتماء ) والتي لايؤاخذ عليها المختار كحالة إنسانية .
وأخيرآ فالعروبة أساسآ وبكل وضوح " لايجب أن تتحول إلى شكل من أشكال العقيدة " . وبالتالي يجب الإنتباه دائمآ إلى إخراج العلاقة بين العروبة والإسلام من تلك الثنائية المصطنعة .
القومية : -
ان القومية العربية بالنسبة للفرد العربي ، هي بمثابة " هويته الثقافية والحضارية " ، وهي صلة إجتماعية وجدانية تنشأ من الإشتراك في الوطن / الجغرافيا ، واللغة / الفكر ونمط الحضارة ، والتاريخ / الإستقرار والإستمرار ، و المنافع / المصالح المشتركة .
وإذا كانت العروبة : تمثل واقعة إجتماعية ونفسية ذات جذور تاريخية ، وبعيدة عن أن تمثل " عقيدة خاصة " أو " فلسفة محددة " ، فإن :
القومية العربية : هي واقع تاريخي ولغوي وثقافي وجغرافي للعرب / القوم .
والقومية العربية ككل نظرية سياسية أو ايديولوجية في العالم ، توضع أساسآ لخدمة شعب ما أو مجموعة بشرية ما ، من حيث كون النظرية عمومآ يجب أن تخدم وطن وشعب واضعيها ، عندها تكون الغاية من إعتناق النظرية أن تكون ذات فائدة للوطن والمواطن ، وخدمة مصالحه والحفاظ عليها ، وهو ماتحققه نظرية القومية العربية .
إن نظرية القومية العربية ليست بثابته متقوقعة ، أو شوفينية ، بل هي – ويجب أن تكون – متطورة كحصيلة نمو وإضافات تتحقق من خلال الحل الجدلي لمشكلات التطور الإجتماعي الذي سبق القوميات ، وتكون أكثر منه تقدمآ ، وتكون حصيلة تفاعل تاريخي بين الإنسان والإنسان ، وبين الإنسان والأرض . وصاعدة نحو تجديد جذري دائم للحياة العربية وبناء إنسان عربي جديد ضمن تطور الحالة الإنسانية عامة في أزمانها ومعطياتها . قائمة على تحقيق " وعي علمي " تتجنب الإنحرافات والإنجرافات والمآسي وخلق الإشكاليات التي تترتب على تحديد غير علمي ، وإعتباطي وعاطفي .
ان علينا أن نتجاوز المفهوم الميتافيزيقي القائم على منهج غير علمي لايعتمد على المفهوم التاريخي والثقافي . فمفاهيم سابقة ميتافيزيقية ، تفصل " الجوهر " عن الوقائع والتحولات الخارجية بدلآ من ربطه معها ، قامت عليها النظرية القومية العربية ، كرابطة الدم ، واللسان / اللغة المجردة عن الثقافة – المستمدة من المفهوم الألماني للقومية - ، لاتبني ولا تظهر سوى مفهوم عرقي للقومية العربية . وهذا ما تجاوزه وظهر تجاوزه بجلاء في التجليات الفكرية والسياسية لمدرسة القومية العربية ، مع صاحب التجربة العربية الناصرية : جمال عبد الناصر بعد 1952 .
وعلى عكس تلك المفاهيم الميتافيزيقية للقومية العربية ، فإن المفهوم " السوسيولوجي " التاريخي، يرى أن الهوية القومية تعني في أحسن الحالات ، " طرق التفكير " ، وشعور وسلوك متماثل ومهيمن بشكل نسبي ، وتتغير مع حركة التاريخ وتحولاتها الجذرية . مستندة على الفكر الإجتماعي الحديث الذي يقول بأن خصوصيات أي شعب هي : نتائج عوامل التاريخ الديناميكية . كالإحتكاك الثقافي ، والحروب ، والهجرة ، والأزمات ، والصراعات الإجتماعية والسياسية ، والتصورات الأيديولوجية .. الخ . هذه العوامل ، وليس عوامل أخرى لوحدها ثابته ، مثل : الجغرافيا والغريزة والطبيعة الإنسانية والعرق ، هي التي تحدد هوية الأمة . بل عوامل ديناميكية ، كالثقافة والحضارة ، متحولة عبر التاريخ ، تصنع الهوية القومية بالتغيير والتحول نحو واقع إحلالي وحلولي إنساني وإجتماعي متقدم .
وهذا المفهوم " السوسيولوجي " للقومية العربية ، يخرجنا من صعوبات وإشكاليات " التأصيل " و
" الإنسجام " ، التام .
ان القومية العربية " المتمايزة " – وليست المميزة – ليست أسطورة ، بل هي واقعة تاريخية . لكن الأسطورة هي في إرجاع هذا " التمايز " إلى أسباب بيولوجية أو نفسية أو عقلية ثابته .
والقوميون العرب ، كأمة وقوم لابد من أن يكون لهم ( هوية قومية ) . فالهوية القومية هي حالة تتخذ فيها الجماعة صورة واضحة . وهي كإفتراض علمي وواقع تظهر أن " الأمة " أهم جماعة يمكن للفرد الإنتماء إليها ويعطيها ولاءه . والتي تجب التضحية في سبيلها ، بالولاءات الأخرى .. أسرية ، عشائرية ، شعوبية ، حزبية .. الخ ، إن هي " تناقضت " مع الولاء لها . وهي لاشك حالة من ضمن مسألة أوسع وهي ( الهوية الجماعية ) التي تقترن بالجماعات المختلفة .
والهوية القومية : هي في حالة ( دائمة من التطور والتكون والتحول ) ، متماشية مع ( وظيفتها ) . إنها كينونة مستمرة ومتصاعدة شكلآ ومضمونآ من حيث علاقتها بذاتها ، وعلاقتها بالآخر . فالوعي بالذات ، معرضآ دائمآ لتيارات التحول الطوعي أو القسري ، فيعيد المجتمع الفاعل بالتاريخ ، والمنفعل به ، نحو تجديد هويته المتوارثة ، ويمنحها أبعادآ جديدة بما فيها ، وربما تلك التي لم يكن يقبلها سابقآ ، وتدخل في صلبها عناصر لم تكن موجودة أصلآ .
إن " الهوية العربية " هي مشروع تاريخي يكافح العرب لإنجازه ، وليست " حتمية " ذات نزوع إتكالي . ومن هنا نستطيع أن نطرح تعريفآ للهوية على أنها :
[ وعي بالذات وبالمصير التاريخي الواحد ، ومن موقع الحيز المادي والثقافي الذي نشغله في البنية الإجتماعية ، وبفعل السمات والمصالح المشتركة التي تحدد توجهات الناس وأهدافهم لأنفسهم ولغيرهم ، وتدفعهم للعمل معآ في تثبيت وجودهم ، والمحافظة على إنجازاتهم ، وتحسين وتطوير وضعهم في التاريخ والحضارة . إنها – الهوية – من حيث كونها أمرآ ذاتيآ وموضوعيآ معآ ، هي "وعي الإنسان " بإنتمائه إلى مجتمع أو أمة ، في إطار الإنتماء الإنساني العام ] ..
هذا التعريف ، يعتمد على فهم التاريخ وتحولاته ، كحركة علمية مفتوحة . إذ أن " المعرفة الإنسانية " هي في الواقع ، جهد فكري ناجح ومتواصل للكشف عن أسرار الطبيعة والعالم الإجتماعي التاريخي . وهذا مايحاول تحقيقه الفكر العلمي . وهو على تضاد مع الفكر الميتافيزيقي ، سواء في أشكاله الدينية أو العلمانية ، كتخطيط إلهي سابق ، أو قصد متأصل في طبيعة الأشياء . أي : بمعنى محاولة
" ضبط " أو " إدراك " ظاهرة ديناميكية ودياليكتيكية ، في إطار ثابت إستاتيكي ، وبالتالي يلتقي الفكر الديني مع الفكر العلماني فيما يمكن تسميته ( بالمغالطة الإستاتيكية ) .
ومن ذلك .. فإن " الهوية القومية " ظاهرة تتشكل تاريخيآ وفي عملية تاريخية . وان الطريق إلى تحديدها وإكتشافها هي بالتالي طريق تاريخية .
فالدليل العلمي المقبول حاليآ في العلوم الإجتماعية ، يشير بوضوح : بأن الإختلافات التي نجدها بين الشعوب والقوميات المختلفة ، تعود إلى تنوع في تجاربها : الثقافية والإجتماعية التاريخية . فكل شعب يقوم في وسطه الإجتماعي والثقافي التاريخي الخاص ، بأعمال ومنجزات مرتبطة بهذا الوسط ويتفاعل معه . وليس هناك أي سبب يدعو إلى تفضيل منجزات شعب على آخر من الناحية الإنسانية ، أو من ناحية القدرة على الخلق والإبداع والتطوير . فتاريخ الإنسانية يبرهن بأن تقدم الثقافة يرتبط بالفرص التي تتوفر لجماعة إجتماعية ، بأن تتعلم من تجربة جيرانها . حيث أن إكتشافات جماعة معينة تمتد وتنتشر إلى جماعات أخرى . وكلما زاد الإحتكاك زادت فرص التعلم والتعليم . فالإحتكاك بحضارات وعادات أخرى ، كانت عبر التاريخ العامل الذي يؤدي إلى إنهيار مجموعة متحجرة من الأنظمة والمفاهيم ، ويعطي الناس الآخرين نظرة أكثر تنورآ وإنفتاحآ إنسانيآ . وعلى الأرجح .. فليس هناك ثقافة موجودة حاليآ ، تدين بأكثر من 10 % من جميع عناصرها إلى إختراعات وتقدم في النمط الحضاري ، حققها ( أفراد مجتمعها الخاص ) ..
على أنه وإضافة لهذا العامل الأساسي .. هناك عامل آخر لايقل عنه أهمية ويجب الإشارة والتركيز عليه أيضآ . وهو : " الكيفية " التي يتأثر بها كل تحول وكل تغيير يطرأ على هذه الهويات القومية بالماضي الذي يقترن به . وبما أن التحول يحدث في ضوء خلفية ما ، وبالتناقض معها ، فإن مجراه – التحول – يتأثر بنوعية هذه الخلفية ، وهذا التناقض . فالعلاقة بين الإثنين هي علاقة دياليكتيكية محكمة . وفي إطار هذين العنصرين ، تحدث تقريبآ جميع التحولات العامة الأخرى . وخاصة التي تنقل " الهوية القومية " من مرحلة إلى أخرى ، ومن نموذج إلى آخر .
إن مخاطر المعتقدات " الأيديولوجية السياسية " التي تقدم نماذج سلوكية عامة تدعو إلى " تقليدها " ، هي عندما تتحول إلى : ( جزء من التركيب النفسي / العقلي ، عندها تمارس أثرآ يفوق أثر الحقيقة الموضوعية .
كما أن من المخاطر التي تحيق ( بالقومية ) ، هي رهنها وسجنها فقط في مفهوم " الوحدة السياسية " . فالقومية هي أساسآ ( وجود وهوية ) ، والعمل على تحقيق الوحدة السياسية من خلالها ، هي إحدى " وظائفها " وتطلعاتها المستندة على الوجود والهوية . فالوجود الموضوعي للأمة ، هو الخالق الدائم للوعي القومي ودافع حركته .
ومن المخاطر التي يجب أن نحذرها من خلال القيام بمراجعة فكرية نقدية للفكر القومي ، هي في عدم تحريره من جملة إلتباسات أحاطت به ، ومن شوائب علقت بممارسات سلطوية وسياسية محسوبة عليه . بل حتى لتحريره من نزعات أيديولوجية حولت الفكر القومي الذي ينبغي أن يكون جامعآ ، إلى متراس وخندق وعصبيات من متاريس الصراع الأهلي العربي وخنادقه وعصبياته .
ومن أسف .. – وهذا مايجب أن نتجاوزه - ، أن خطر هذا التناقض ينبع من أن النظرة العلمية الفاحصة لواقع الإنسان الحضاري أو سلوكه " السياسي الأيديولوجي " ، لاتدعو إلى التفاؤل بقدرة الإنسان ضمن عامل النسبية ، بقدرته على تجاوز هذا التناقض .
الحركة القومية : -
هي حالة إنسانية فاعلة تتعلق ( بفعل الإختيار ) . فإختيارنا العروبة كواقع إنساني إنتمائي يعيش في ظله ملايين البشر ، لايحتم بالضرورة إختيار ( الفعل القومي ) .
فحركة القومية العربية ، هي : " إختيار " بالإنتقال من واقع العروبة ، إلى واقع " الفعل " ، لتفعيل هذا الإنتماء وأدائه لوظيفته .
إن ( الحركة القومية ) هي المسار الفاعل " الإرادي " لنقل الإنتماء من الواقع " الميتافيزيقي " ، إلى الفعل الإنساني لتحقيق الآمال والمصالح لهذا الإختيار .. فهي قناعة بضرورة المشاركة بالفعل . وهي قناعة بضرورة تمثل " الإرادة " في التوجه نحو الهدف المنشود لهذا الإنتماء . وهي ترجمة لهذه الإرادة على أرض الواقع ، ببرامج وخطط عمل للتأثير في التاريخ وفي الواقع ، نحو المكان المتقدم والحضاري لهذه المجموعة البشرية المحكومة " بالعروبة " كإنتماء لها .
إنها – الحركة القومية – هي " الفاعل " ، وهي " الشرط الحاكم " في التاريخ وفي الوجود لتحقيق آمال وتطلعات ومصالح هذه الأمة العربية . وعلى العروبيين المساهمة في تفعيل الحركة القومية . إلا أن عدم مساهمتهم لاتعني إنتقاصآ لإنتمائهم العروبي . ويمكننا فهم أن " الحركة القومية " هي الطليعة القائدة لهذا الإنتماء العروبي وممثلة له .
فالحركة القومية : تخرج عن اللاوعي افنتمائي ، إلى مرحلة الوعي والإرادة والفعل الإنتمائي ، على طريق ممارسة " وظائفها " وصولآ إلى أهدافها ..
وكان الظلم الفادح الذي لحق بالحركة القومية العربية ، والذي أدى كأحد أسباب عدة لإضعافها والهجوم عليها ، هو ذاتي المنشأ يمكن التعبير عنه : بالسلطات القومية ، والأحزاب والقوى السياسية القومية بحد ذاتها . وكان من أهم أسباب تأخر وإنكفاء المشروع القومي العربي :
1- تم تكوّن وممارسة التفكير القومي العربي / العقل ، على أيدي " رومانسيين " تاريخيين إعتبــروا ( حكمآ ) أن البلاد العربية كتلة واحدة . وغاب عنهم عدم غستطاعتهم على أرض الواقع ، أن يتعاملوا مع كتل ودول عربية أصبح لها بنى وتكوينات إجتماعية وإقتصادية وسياسية مختلفة .
2- ويعزى فشل المشروع القومي العربي ، إلى عدم الربط بين الواقع والفكر والإرادة .. فيما البحث كان يعفي نفسه من إقامة الدليل على محسوسية غياب هذا الربط .
3- كان هناك غياب لإدراك العلاقة الوثيقة المتبادلة بين الأفراد والجماعات في البنية الإجتماعية الإقتصادية ، وبين الإختلاف في تحديد مفهوم الهوية القومية . فالجماعات التي تحتل " موقع القوة والجاه والثروة " ، وتهيمن على النظام السائد ، وتستفيد من العلاقات مع القوى الخارجية المهيمنة ، ( تختلف ) في فهمها للهوية القومية وممارساتها ، عن تلك الجماعات التي تشغل " مواقع تحتية " ، وتكون أكثر تضررآ من الأوضاع القائمة ، وعن تلك الجماعات التي تقع في الوسط " بين بين " . فيأتي الخوف لدى البعض من فكرة الفروق الطبقية ، تحسبآ من أن يأتي الصراع الطبقي ، على حساب الصراع القومي والقهر الطبقي .
4- الممارسات السياسية الإستبدادية التي إتبعها البعض بإسم القومية ، وإن كانت قد مارستها " القطرية " في أبشع مظاهرها . والتي كان ضحاياها كثيرون من العرب ، ومن غير العرب . هذه الممارسات من الأقلية الحاكمة والتي كانت أيضآ من العرب ر، ومن غير العرب ، كانت تعبيرآ عن أنظمة وسلطات غارقة في الإستبداد . ولم تكن تعبر عن " حركة سياسية قومية عربية جماهيرية " . إن ( القومية الحاكمة ) في الوطن العربي ، هي بمثابة إحتلال داخلي . إستعمار للشعوب من الداخل . وهيأت الظروف لخنوع الشعوب العربية عبر التحالف البغيض بين الإستعمار الداخلي ، وبين افستعمار الخارجي . بين سيطرة وإستبداد البرجوازية والرأسمالية ، وبين الدولة والطبقة الحاكمة من جهة .. وبين الإستعمار الخارجي العسكري والرأسمالي .
فكانت " القومية الحاكمة " معادية للحرية وللتنمية وللوحدة . أي أنها غير قومية " جوهريآ " ، وإن كانت تستخدم مصطلحات وخطابات قومية في جوهرها الأيديولوجي ، والمتناقضة كليآ مع ( القومية الكامنة للطبقات الشعبية ) التي تقوم على الإيمان بالحرية والتنمية والإشتراكية والوحدة .
ومن هنا .. فلا بد من إدانة كل الأخطاء والخطايا التي إرتكبتها دول وأنظمة وأفرادنسبوا أنفسهم للتيار القومي ، وتسببوا في حالة شديدة من الإحباط الشعبي ، أثرت سلبآ على فكرة القومية العربية والوحدة ، لصالح التجزئة .
إن الوجود الموضوعي للأمة العربية ، هو الخالق الدائم " للوعي القومي " . كما أن " الوحدة القومية " لم تعد بحاجة لإثبات ضرورتها ، لكن الحاجة تبقى بضرورة الإجابة عن : كيف ؟ .. ومتى ؟
وتبقى الحاجة إلى ضرورة تحقيق : الدولة / الأمة ، والتي هي ظاهرة تاريخية . فالدولة هي التي تنقل القوم إلى مستوى الأمة بدون الإستسلام إلى العامل الأيديولوجي لتحقيق الوحدة ، كشكل من أشكال " القدرية المستترة " .
ومن هنا يبرز سؤالآ آخر وجوديآ .. كيف يتحول العرب إلى : الأمة / الدولة ؟؟ .
-------------------------
تحية الحياة والمقاومة :
يسعدني ويشرفني تلبية طلب الأستاذ / فراس حديد / لكن بكوني مجرد إنسان كاتب عادي .
أدناه : جزء من بحث واسع كنت بدأت به ولا أزال مستمرآ .. إجتزءت لتلبية الطلب ، مايلي :
العروبة والقومية :
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
العروبة هي الإحساس لدى جموع العرب بالإنتماء . و " يتجسد " هذا الإحساس من خلال الفكرة القومية العربية بإنتماء هذه الأمة إلى كيان مشترك واحد . يجمعه الشعور وتحتضنه الأرض ، ويتكلم لغة واحدة كأداة : تواصل وتفكير وإنتاج ثقافي . وتحفزه مصالح معيشية وأمنية وتحررية مشتركة . ليكون هذا " الكيان الجمعي " الموحد في تعامله وتحاوره وصراعه مع الكيانات الأخرى التي تتميز عنه بذات المعطيات والإنتماء والمصالح . وهذا الإحساس المتجسد بواقع ، لابد له من ( هوية ) ..
والهوية .. كانت ولاتزال دائمة الوجود في البحوث والدراسات وتحليلات العلماء والمفكرين . ومع عدم إمكانية رفضها أو تجاوزها بأي شكل من الأشكال ، فلا يمكن أيضآ أن نجعلها " هدفآ " وتميزآ شوفينيآ . والهوية الخاصة بشعب أو أمة بأبسط معاني تداعياتها ، لم تأت إلا نتيجة وجود الآخر والآخر والآخر . ومن هنا كانت الهوية هي تميز شعب عن آخر ، وأمة عن أخرى . ولو كانت هناك أمة واحدة ، شعب واحد يسود العالم ، لما مان للهوية معناها .
والهوية القومية ظاهرة تتشكل تاريخيآ في عملية تاريخية . وبالتالي فإن الطريق إلى تحديدها وإكتشافها ، هو طريق تاريخي . كما أن الدليل العلمي المقبول حاليآ في العلوم الإجتماعية ، يشير بأن افختلافات التي نجدها بين الشعوب والقوميات المختلفة ، تعود إلى تنوع في تجاربها الثقافية والإجتماعية والتاريخية . ووفق هذا الفهم يمكن أن نستوعب أن " العروبة رابطة إجتماعية " تقوم على أساس الأرض المشتركة لمجموعة بشرية مارست الحياة بكل تنوعاتها الإيجابية والسلبية ، على أرض محددة تأريخيآ لها ماض ومصير مشترك تتميز ولاتمتاز عما جاورها من أمم وجماعات لها مستويات متباينة من مراحل النمو الإجتماعي والحضاري ، ومنظومة قيمية ونمط حضاري نسجته خلال الزمن ، معتمدة على لغة تعبير وتواصل . ويعرف الناس أنفسهم من خلال النسب والدين واللغة والتاريخ والقيم والعادات والمؤسسات الإجتماعية " كنمط حضاري " ، ويتعايشون مع الجماعات الإجتماعية والثقافية وأنماط الحضارة الأخرى على مستوى أكبر وأوسع .
فمن نحن .. ومن الآخر .. فلا يقبل ولا يستقيم بالنسبة لنا ، أن تقوم رؤيتنا على رؤية عدوانية تجاه الآخر . لأنه مامن صراع ثقافي بالمعنى الإبداعي والعميق للكلمة قد ظهر في العالم ، إلا كانت نقطة إرتكازه ، فكرة التفوق في تطبيق العنف المنظم . أي أن الحضارة والثقافة والهوية يجب أن تقوم على مبدأ .. نحن .. ونحن معهم .
وإذ نعود إلى خصوصية التكوين للأمة .. نستطيع القول : أن الأمة هي " جماعة من الناس " تكونت تاريخيآ على أرض محددة ، وذات " نمط حضاري " متميز – وليس متمايز – ممتد وعميق في المجالين المعنوي والمادي . ولايمكن أن نفهم الأصل المشترك والذي هو من مكونات الأمة ، بمعنى أن هذه الجماعة ذات أصول أثنية أو عرقية مشتركة ،إلا بإضعاف رابطة الدم أو إنتفائها في فهم الأصل المشترك . إذ ليس هناك بالمطلق ، أمة من أصل عرقي واحد . بل أن الأصل المشترك في قناعتنا ، يرمز إلى دلالة مركبة هي : ( الإستمرار والإستقرار ) .
فالإستقرار : يميز الأمة عن التجمعات القبلية ، والتجمعات العارضة .
والإستمرار: يعني الإستمرار التاريخي الطويل ، تمييزآ عن الجماعات قبل القومية ، حتى إذا كانت جماعات قروية فلاحية ، مستقرة على الأرض الزراعية ، أو جماعات مدنية أو حضرية مستقرة ، وليس لها صفة الإستمرار . أي : أنها جماعة يجب أن تحمل صفة " الإستمرار " .
إن الإستمرارية التاريخية ، مهمة جدآ .. فهي تعني ( الثبات والديمومة ) .. فإذا إنقطعت أو تقطعت هذه الإستمرارية بشكل " جوهري " وليس بشكل عرضي أو مؤقت ، فإن هذا يؤدي إلى قطع مسيرة تكوين الجماعة البشرية ، كأمة .
أما بكونها ذات ( نمط حضاري ) متميز وممتد وعميق في المجالين المعنوي والمادي . فهذا يعني أن تكون لها خصائص مشتركة حضارية ، ممتدة أفقيآ على رقعة المجتمع كله ، وعميقة رأسيآ متغلغلة في الحياة الإجتماعية النفسية . أي : السيكولوجيا الإجتماعية مما يسمى العادات والتقاليد والقيم المشتركة والأعراف والثقافة العامة والشعبية .
وفي المجال المعنوي : فإن مجرد وجود لغة مشتركة ، لايكوّن أمة ، على أهمية اللغة المشتركة كاساس . فكثير هي الجماعات ذات اللغات المشتركة ، ولكنها لم تكوّن أمة وقد تكون قد عاشت أحداث تاريخية مشتركة لفترات تطول أو تقصر .. ذلك أن اللغة لم تندرج في سياق " حضارة " . أي لم تنجب ثقافة مشتركة ذات حد أدنى من الإنتشار والعمق وفق ظروف العصر . كما أن هناك أممآ مختلفة تكوّن مجتمعات قومية متباينة ، مع أنها ذات لغة مشتركة . لأن من اللغة .. وبالتعامل مع الظروف الإجتماعية الخاصة لكل مجتمع ، إنبثقت ثقافات قومية مختلفة ومتباينة .
إن اللغة لاتعمل وحدها .. بل تعمل في الإطار الإجتماعي المركب . كذلك التاريخ : فلا معنى له إن كان مجرد " زمان " .. مجرد تتابع زمني .
ويكون للتاريخ : مدلول كعنصر من عناصر تعريف الأمة ، بإرتباطه بعامل " الإستقرار والإستمرار". وبكونه مشكّل " لنمط حضاري متميز وممتد وعميق " . وهو بذلك – التاريخ – يعني ( الحضارة ) أو التاريخ الحضاري .
من جهة أخرى .. فالعروبة بالوصف " جبرية " ، وليست إختيارية . لكن الإختيار فيها .. يتحول من: جبرية الولادة والجغرافيا والتاريخ واللغة والمشاعر ، إلى " إختيارية " العقل والعقيدة والمصلحة .
إن الجبرية مرتبطة في مرحلة منها : بالإختيار الإنساني .. فليس هناك جبرية حتى في القدرة الإلهية المطلقة ، منفصلة عن إختيار الإنسان . إن الجبرية الإلهية هي ( علم الله السابق على الوجود ) والمرتبط في ضمنياته بإختيارات الإنسان اللاحقة .
وعندما يختار البعض .. الإختيار بالإنفصال .. الإنفصال عن ظروف ولادته ، عن جغرافيته ، عن تاريخه ولغته وأحاسيسه ، عن مصلحة ما .. فإن إختياره ذلك لايتم بشكل " عشوائي " . وإنما يختار ذلك ( بعقله ومحاكاته ) . وهذا ليس بشيئ شاذ عن الطبيعة الإنسانية . فالأمر هنا متعلق أساسآ :
( بالهوية والإنتماء ) والتي لايؤاخذ عليها المختار كحالة إنسانية .
وأخيرآ فالعروبة أساسآ وبكل وضوح " لايجب أن تتحول إلى شكل من أشكال العقيدة " . وبالتالي يجب الإنتباه دائمآ إلى إخراج العلاقة بين العروبة والإسلام من تلك الثنائية المصطنعة .
القومية : -
ان القومية العربية بالنسبة للفرد العربي ، هي بمثابة " هويته الثقافية والحضارية " ، وهي صلة إجتماعية وجدانية تنشأ من الإشتراك في الوطن / الجغرافيا ، واللغة / الفكر ونمط الحضارة ، والتاريخ / الإستقرار والإستمرار ، و المنافع / المصالح المشتركة .
وإذا كانت العروبة : تمثل واقعة إجتماعية ونفسية ذات جذور تاريخية ، وبعيدة عن أن تمثل " عقيدة خاصة " أو " فلسفة محددة " ، فإن :
القومية العربية : هي واقع تاريخي ولغوي وثقافي وجغرافي للعرب / القوم .
والقومية العربية ككل نظرية سياسية أو ايديولوجية في العالم ، توضع أساسآ لخدمة شعب ما أو مجموعة بشرية ما ، من حيث كون النظرية عمومآ يجب أن تخدم وطن وشعب واضعيها ، عندها تكون الغاية من إعتناق النظرية أن تكون ذات فائدة للوطن والمواطن ، وخدمة مصالحه والحفاظ عليها ، وهو ماتحققه نظرية القومية العربية .
إن نظرية القومية العربية ليست بثابته متقوقعة ، أو شوفينية ، بل هي – ويجب أن تكون – متطورة كحصيلة نمو وإضافات تتحقق من خلال الحل الجدلي لمشكلات التطور الإجتماعي الذي سبق القوميات ، وتكون أكثر منه تقدمآ ، وتكون حصيلة تفاعل تاريخي بين الإنسان والإنسان ، وبين الإنسان والأرض . وصاعدة نحو تجديد جذري دائم للحياة العربية وبناء إنسان عربي جديد ضمن تطور الحالة الإنسانية عامة في أزمانها ومعطياتها . قائمة على تحقيق " وعي علمي " تتجنب الإنحرافات والإنجرافات والمآسي وخلق الإشكاليات التي تترتب على تحديد غير علمي ، وإعتباطي وعاطفي .
ان علينا أن نتجاوز المفهوم الميتافيزيقي القائم على منهج غير علمي لايعتمد على المفهوم التاريخي والثقافي . فمفاهيم سابقة ميتافيزيقية ، تفصل " الجوهر " عن الوقائع والتحولات الخارجية بدلآ من ربطه معها ، قامت عليها النظرية القومية العربية ، كرابطة الدم ، واللسان / اللغة المجردة عن الثقافة – المستمدة من المفهوم الألماني للقومية - ، لاتبني ولا تظهر سوى مفهوم عرقي للقومية العربية . وهذا ما تجاوزه وظهر تجاوزه بجلاء في التجليات الفكرية والسياسية لمدرسة القومية العربية ، مع صاحب التجربة العربية الناصرية : جمال عبد الناصر بعد 1952 .
وعلى عكس تلك المفاهيم الميتافيزيقية للقومية العربية ، فإن المفهوم " السوسيولوجي " التاريخي، يرى أن الهوية القومية تعني في أحسن الحالات ، " طرق التفكير " ، وشعور وسلوك متماثل ومهيمن بشكل نسبي ، وتتغير مع حركة التاريخ وتحولاتها الجذرية . مستندة على الفكر الإجتماعي الحديث الذي يقول بأن خصوصيات أي شعب هي : نتائج عوامل التاريخ الديناميكية . كالإحتكاك الثقافي ، والحروب ، والهجرة ، والأزمات ، والصراعات الإجتماعية والسياسية ، والتصورات الأيديولوجية .. الخ . هذه العوامل ، وليس عوامل أخرى لوحدها ثابته ، مثل : الجغرافيا والغريزة والطبيعة الإنسانية والعرق ، هي التي تحدد هوية الأمة . بل عوامل ديناميكية ، كالثقافة والحضارة ، متحولة عبر التاريخ ، تصنع الهوية القومية بالتغيير والتحول نحو واقع إحلالي وحلولي إنساني وإجتماعي متقدم .
وهذا المفهوم " السوسيولوجي " للقومية العربية ، يخرجنا من صعوبات وإشكاليات " التأصيل " و
" الإنسجام " ، التام .
ان القومية العربية " المتمايزة " – وليست المميزة – ليست أسطورة ، بل هي واقعة تاريخية . لكن الأسطورة هي في إرجاع هذا " التمايز " إلى أسباب بيولوجية أو نفسية أو عقلية ثابته .
والقوميون العرب ، كأمة وقوم لابد من أن يكون لهم ( هوية قومية ) . فالهوية القومية هي حالة تتخذ فيها الجماعة صورة واضحة . وهي كإفتراض علمي وواقع تظهر أن " الأمة " أهم جماعة يمكن للفرد الإنتماء إليها ويعطيها ولاءه . والتي تجب التضحية في سبيلها ، بالولاءات الأخرى .. أسرية ، عشائرية ، شعوبية ، حزبية .. الخ ، إن هي " تناقضت " مع الولاء لها . وهي لاشك حالة من ضمن مسألة أوسع وهي ( الهوية الجماعية ) التي تقترن بالجماعات المختلفة .
والهوية القومية : هي في حالة ( دائمة من التطور والتكون والتحول ) ، متماشية مع ( وظيفتها ) . إنها كينونة مستمرة ومتصاعدة شكلآ ومضمونآ من حيث علاقتها بذاتها ، وعلاقتها بالآخر . فالوعي بالذات ، معرضآ دائمآ لتيارات التحول الطوعي أو القسري ، فيعيد المجتمع الفاعل بالتاريخ ، والمنفعل به ، نحو تجديد هويته المتوارثة ، ويمنحها أبعادآ جديدة بما فيها ، وربما تلك التي لم يكن يقبلها سابقآ ، وتدخل في صلبها عناصر لم تكن موجودة أصلآ .
إن " الهوية العربية " هي مشروع تاريخي يكافح العرب لإنجازه ، وليست " حتمية " ذات نزوع إتكالي . ومن هنا نستطيع أن نطرح تعريفآ للهوية على أنها :
[ وعي بالذات وبالمصير التاريخي الواحد ، ومن موقع الحيز المادي والثقافي الذي نشغله في البنية الإجتماعية ، وبفعل السمات والمصالح المشتركة التي تحدد توجهات الناس وأهدافهم لأنفسهم ولغيرهم ، وتدفعهم للعمل معآ في تثبيت وجودهم ، والمحافظة على إنجازاتهم ، وتحسين وتطوير وضعهم في التاريخ والحضارة . إنها – الهوية – من حيث كونها أمرآ ذاتيآ وموضوعيآ معآ ، هي "وعي الإنسان " بإنتمائه إلى مجتمع أو أمة ، في إطار الإنتماء الإنساني العام ] ..
هذا التعريف ، يعتمد على فهم التاريخ وتحولاته ، كحركة علمية مفتوحة . إذ أن " المعرفة الإنسانية " هي في الواقع ، جهد فكري ناجح ومتواصل للكشف عن أسرار الطبيعة والعالم الإجتماعي التاريخي . وهذا مايحاول تحقيقه الفكر العلمي . وهو على تضاد مع الفكر الميتافيزيقي ، سواء في أشكاله الدينية أو العلمانية ، كتخطيط إلهي سابق ، أو قصد متأصل في طبيعة الأشياء . أي : بمعنى محاولة
" ضبط " أو " إدراك " ظاهرة ديناميكية ودياليكتيكية ، في إطار ثابت إستاتيكي ، وبالتالي يلتقي الفكر الديني مع الفكر العلماني فيما يمكن تسميته ( بالمغالطة الإستاتيكية ) .
ومن ذلك .. فإن " الهوية القومية " ظاهرة تتشكل تاريخيآ وفي عملية تاريخية . وان الطريق إلى تحديدها وإكتشافها هي بالتالي طريق تاريخية .
فالدليل العلمي المقبول حاليآ في العلوم الإجتماعية ، يشير بوضوح : بأن الإختلافات التي نجدها بين الشعوب والقوميات المختلفة ، تعود إلى تنوع في تجاربها : الثقافية والإجتماعية التاريخية . فكل شعب يقوم في وسطه الإجتماعي والثقافي التاريخي الخاص ، بأعمال ومنجزات مرتبطة بهذا الوسط ويتفاعل معه . وليس هناك أي سبب يدعو إلى تفضيل منجزات شعب على آخر من الناحية الإنسانية ، أو من ناحية القدرة على الخلق والإبداع والتطوير . فتاريخ الإنسانية يبرهن بأن تقدم الثقافة يرتبط بالفرص التي تتوفر لجماعة إجتماعية ، بأن تتعلم من تجربة جيرانها . حيث أن إكتشافات جماعة معينة تمتد وتنتشر إلى جماعات أخرى . وكلما زاد الإحتكاك زادت فرص التعلم والتعليم . فالإحتكاك بحضارات وعادات أخرى ، كانت عبر التاريخ العامل الذي يؤدي إلى إنهيار مجموعة متحجرة من الأنظمة والمفاهيم ، ويعطي الناس الآخرين نظرة أكثر تنورآ وإنفتاحآ إنسانيآ . وعلى الأرجح .. فليس هناك ثقافة موجودة حاليآ ، تدين بأكثر من 10 % من جميع عناصرها إلى إختراعات وتقدم في النمط الحضاري ، حققها ( أفراد مجتمعها الخاص ) ..
على أنه وإضافة لهذا العامل الأساسي .. هناك عامل آخر لايقل عنه أهمية ويجب الإشارة والتركيز عليه أيضآ . وهو : " الكيفية " التي يتأثر بها كل تحول وكل تغيير يطرأ على هذه الهويات القومية بالماضي الذي يقترن به . وبما أن التحول يحدث في ضوء خلفية ما ، وبالتناقض معها ، فإن مجراه – التحول – يتأثر بنوعية هذه الخلفية ، وهذا التناقض . فالعلاقة بين الإثنين هي علاقة دياليكتيكية محكمة . وفي إطار هذين العنصرين ، تحدث تقريبآ جميع التحولات العامة الأخرى . وخاصة التي تنقل " الهوية القومية " من مرحلة إلى أخرى ، ومن نموذج إلى آخر .
إن مخاطر المعتقدات " الأيديولوجية السياسية " التي تقدم نماذج سلوكية عامة تدعو إلى " تقليدها " ، هي عندما تتحول إلى : ( جزء من التركيب النفسي / العقلي ، عندها تمارس أثرآ يفوق أثر الحقيقة الموضوعية .
كما أن من المخاطر التي تحيق ( بالقومية ) ، هي رهنها وسجنها فقط في مفهوم " الوحدة السياسية " . فالقومية هي أساسآ ( وجود وهوية ) ، والعمل على تحقيق الوحدة السياسية من خلالها ، هي إحدى " وظائفها " وتطلعاتها المستندة على الوجود والهوية . فالوجود الموضوعي للأمة ، هو الخالق الدائم للوعي القومي ودافع حركته .
ومن المخاطر التي يجب أن نحذرها من خلال القيام بمراجعة فكرية نقدية للفكر القومي ، هي في عدم تحريره من جملة إلتباسات أحاطت به ، ومن شوائب علقت بممارسات سلطوية وسياسية محسوبة عليه . بل حتى لتحريره من نزعات أيديولوجية حولت الفكر القومي الذي ينبغي أن يكون جامعآ ، إلى متراس وخندق وعصبيات من متاريس الصراع الأهلي العربي وخنادقه وعصبياته .
ومن أسف .. – وهذا مايجب أن نتجاوزه - ، أن خطر هذا التناقض ينبع من أن النظرة العلمية الفاحصة لواقع الإنسان الحضاري أو سلوكه " السياسي الأيديولوجي " ، لاتدعو إلى التفاؤل بقدرة الإنسان ضمن عامل النسبية ، بقدرته على تجاوز هذا التناقض .
الحركة القومية : -
هي حالة إنسانية فاعلة تتعلق ( بفعل الإختيار ) . فإختيارنا العروبة كواقع إنساني إنتمائي يعيش في ظله ملايين البشر ، لايحتم بالضرورة إختيار ( الفعل القومي ) .
فحركة القومية العربية ، هي : " إختيار " بالإنتقال من واقع العروبة ، إلى واقع " الفعل " ، لتفعيل هذا الإنتماء وأدائه لوظيفته .
إن ( الحركة القومية ) هي المسار الفاعل " الإرادي " لنقل الإنتماء من الواقع " الميتافيزيقي " ، إلى الفعل الإنساني لتحقيق الآمال والمصالح لهذا الإختيار .. فهي قناعة بضرورة المشاركة بالفعل . وهي قناعة بضرورة تمثل " الإرادة " في التوجه نحو الهدف المنشود لهذا الإنتماء . وهي ترجمة لهذه الإرادة على أرض الواقع ، ببرامج وخطط عمل للتأثير في التاريخ وفي الواقع ، نحو المكان المتقدم والحضاري لهذه المجموعة البشرية المحكومة " بالعروبة " كإنتماء لها .
إنها – الحركة القومية – هي " الفاعل " ، وهي " الشرط الحاكم " في التاريخ وفي الوجود لتحقيق آمال وتطلعات ومصالح هذه الأمة العربية . وعلى العروبيين المساهمة في تفعيل الحركة القومية . إلا أن عدم مساهمتهم لاتعني إنتقاصآ لإنتمائهم العروبي . ويمكننا فهم أن " الحركة القومية " هي الطليعة القائدة لهذا الإنتماء العروبي وممثلة له .
فالحركة القومية : تخرج عن اللاوعي افنتمائي ، إلى مرحلة الوعي والإرادة والفعل الإنتمائي ، على طريق ممارسة " وظائفها " وصولآ إلى أهدافها ..
وكان الظلم الفادح الذي لحق بالحركة القومية العربية ، والذي أدى كأحد أسباب عدة لإضعافها والهجوم عليها ، هو ذاتي المنشأ يمكن التعبير عنه : بالسلطات القومية ، والأحزاب والقوى السياسية القومية بحد ذاتها . وكان من أهم أسباب تأخر وإنكفاء المشروع القومي العربي :
1- تم تكوّن وممارسة التفكير القومي العربي / العقل ، على أيدي " رومانسيين " تاريخيين إعتبــروا ( حكمآ ) أن البلاد العربية كتلة واحدة . وغاب عنهم عدم غستطاعتهم على أرض الواقع ، أن يتعاملوا مع كتل ودول عربية أصبح لها بنى وتكوينات إجتماعية وإقتصادية وسياسية مختلفة .
2- ويعزى فشل المشروع القومي العربي ، إلى عدم الربط بين الواقع والفكر والإرادة .. فيما البحث كان يعفي نفسه من إقامة الدليل على محسوسية غياب هذا الربط .
3- كان هناك غياب لإدراك العلاقة الوثيقة المتبادلة بين الأفراد والجماعات في البنية الإجتماعية الإقتصادية ، وبين الإختلاف في تحديد مفهوم الهوية القومية . فالجماعات التي تحتل " موقع القوة والجاه والثروة " ، وتهيمن على النظام السائد ، وتستفيد من العلاقات مع القوى الخارجية المهيمنة ، ( تختلف ) في فهمها للهوية القومية وممارساتها ، عن تلك الجماعات التي تشغل " مواقع تحتية " ، وتكون أكثر تضررآ من الأوضاع القائمة ، وعن تلك الجماعات التي تقع في الوسط " بين بين " . فيأتي الخوف لدى البعض من فكرة الفروق الطبقية ، تحسبآ من أن يأتي الصراع الطبقي ، على حساب الصراع القومي والقهر الطبقي .
4- الممارسات السياسية الإستبدادية التي إتبعها البعض بإسم القومية ، وإن كانت قد مارستها " القطرية " في أبشع مظاهرها . والتي كان ضحاياها كثيرون من العرب ، ومن غير العرب . هذه الممارسات من الأقلية الحاكمة والتي كانت أيضآ من العرب ر، ومن غير العرب ، كانت تعبيرآ عن أنظمة وسلطات غارقة في الإستبداد . ولم تكن تعبر عن " حركة سياسية قومية عربية جماهيرية " . إن ( القومية الحاكمة ) في الوطن العربي ، هي بمثابة إحتلال داخلي . إستعمار للشعوب من الداخل . وهيأت الظروف لخنوع الشعوب العربية عبر التحالف البغيض بين الإستعمار الداخلي ، وبين افستعمار الخارجي . بين سيطرة وإستبداد البرجوازية والرأسمالية ، وبين الدولة والطبقة الحاكمة من جهة .. وبين الإستعمار الخارجي العسكري والرأسمالي .
فكانت " القومية الحاكمة " معادية للحرية وللتنمية وللوحدة . أي أنها غير قومية " جوهريآ " ، وإن كانت تستخدم مصطلحات وخطابات قومية في جوهرها الأيديولوجي ، والمتناقضة كليآ مع ( القومية الكامنة للطبقات الشعبية ) التي تقوم على الإيمان بالحرية والتنمية والإشتراكية والوحدة .
ومن هنا .. فلا بد من إدانة كل الأخطاء والخطايا التي إرتكبتها دول وأنظمة وأفرادنسبوا أنفسهم للتيار القومي ، وتسببوا في حالة شديدة من الإحباط الشعبي ، أثرت سلبآ على فكرة القومية العربية والوحدة ، لصالح التجزئة .
إن الوجود الموضوعي للأمة العربية ، هو الخالق الدائم " للوعي القومي " . كما أن " الوحدة القومية " لم تعد بحاجة لإثبات ضرورتها ، لكن الحاجة تبقى بضرورة الإجابة عن : كيف ؟ .. ومتى ؟
وتبقى الحاجة إلى ضرورة تحقيق : الدولة / الأمة ، والتي هي ظاهرة تاريخية . فالدولة هي التي تنقل القوم إلى مستوى الأمة بدون الإستسلام إلى العامل الأيديولوجي لتحقيق الوحدة ، كشكل من أشكال " القدرية المستترة " .
ومن هنا يبرز سؤالآ آخر وجوديآ .. كيف يتحول العرب إلى : الأمة / الدولة ؟؟ .
-------------------------