المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الأستاذ الدكتور دريد عبد القادر نوري مؤرخا


ابراهيم خليل العلاف
30-06-2010, 03:23 PM
الأستاذ الدكتور دريد عبد القادر نوري مؤرخا
ا.د.إبراهيم خليل العلاف
أستاذ التاريخ الحديث –جامعة الموصل
تمتد علاقتي العلمية، والشخصية بالدكتور دريد عبد القادر شيخ نوري الأستاذ في قسم التاريخ بكلية الآداب وعميد كلية العلوم الإسلامية بجامعة الموصل الأسبق، إلى أكثر من أربعين عاما. وهي – منذئذ - تتجدد وتتواصل، ولعل أحدث لقاء لي به، كان في أنقرة بتركيا في شهر يونيو/حزيران 2010، حيث يشغل حاليا منصب معاون المستشار الثقافي العراقي وبدرجة دبلوماسية متقدمة.
وقد وجدته – والحق يقال - نشيطا، ودؤوبا، وحريصا على إبراز وجه بلده العراق العزيز.
هذا فضلا عن أنني شعرت بأهمية العلاقات العلمية والثقافية التي أقامها مع العديد من الجامعات والمراكز البحثية والمؤسسات العلمية والثقافية في تركيا، وبما يساعد على تعميق الصلات التاريخية والثقافية مع الجارة الشمالية تركيا.
هو الأستاذ الدكتور دريد عبد القادر نوري محمد الشيخ نوري. ولد في مدينة الموصل – محافظة نينوى بالعراق سنة 1949، وأكمل دراساته الابتدائية والمتوسطة والإعدادية فيها. دخل قسم التاريخ بكلية الآداب – جامعة الموصل، وكان من الطلاب المتميزين الأوائل حيث كان ترتيبه الثاني على الكلية، فقبل في الدراسات العليا في جامعة بغداد، وحصل على شهادة الماجستير في التاريخ الإسلامي عام 1975، عن رسالته الموسومة "سياسة صلاح الدين الأيوبي في بلاد مصر والشام والجزيرة 570-583هـ/1174-1193"، ثم نال شهادة الدكتوراه من الجامعة نفسها عن أطروحته الموسومة "انتشار الإسلام في السودان الغربي من القرن 5-11هـ/11-16".
عمل تدريسيا في قسم التاريخ كلية الآداب منذ عام 1976. وبفعل نشاطه العلمي الجم تدرج في الألقاب العلمية حتى حصل على لقب أستاذ سنة 1985. شغل مناصب عديدة منها منصب عميد كلية العلوم الإسلامية – جامعة الموصل.
ومن كتبه المنشورة:
1- سياسة صلاح الدين الأيوبي في بلاد مصر والشام والجزيرة.
2- شرح الدائرة الهندية في معرفة سمت القبلة.
3- حقيقة الديمقراطية: تحليل لأسباب الإخفاق والنجاح في البلاد العربية.
4- الوطن العربي والغزو الصليبي.
5- ما وراء الزمن في إدراك بعض آيات القران الحكيم.
6- تاريخ الإسلام في أفريقيا جنوب الصحراء.
7- انتشار الإسلام في السودان الغربي: دراسة في التأثيرات السياسية والإدارية والاقتصادية.
8- المنهج التطبيقي لكتابة بحث الدراسات الإسلامية والدراسات الإنسانية.
9- علم التصوف بين الواقعية والتطرف.
10- المستشرقون والدراسات الإسلامية.
فضلا عن بحوثه الأخرى الكثيرة، وشارك في الكثير من المؤتمرات العلمية داخل وخارج العراق.
كتب عنه الدكتور ذنون يونس الطائي مدير مركز دراسات الموصل بحثا ضافيا نشره في مجلة "دراسات موصلية" قال فيه: إن للدكتور دريد عبد القادر نوري إسهامات علمية في التراث والأدب حيث أنجز بعض الدراسات الأدبية منها: الموصل قبل مئة عام، حكاية قصاص، الملا نصر الدين أو جحا بين الواقع والخيال. وهي قصص واقعية مستمدة من واقع الحياة الاجتماعية، وذات دلالات تربوية ومعان توجيهية في سياق مجرياتها التاريخية.
وللدكتور دريد عبد القادر نوري منهجه التطبيقي في كتابة التاريخ عموماً والتاريخ الإسلامي بشكل خاص: "فالعلم عنده له منهجيته، وهي ذات قواعد وأصول متفق عليها، ويجب أن لا تضيع تلك القواعد والأصول بين أهواء الطلبة والآراء الخاصة لبعض الأساتذة وبحجج لا أساس لها تؤدي إلى ضياع العلم وهيبته وفقدان المنهجية".
ويمضي الدكتور دريد في التركيز على أهمية دراسة التاريخ الإسلامي والاهتمام بمنهجية البحث فيه فيقول: "إن العلوم الإسلامية شبيهة بالعلوم الأخرى، فهي من جهة أخرى أفضل من سواها من العلوم لأن مجال بحثها علوم القرآن الكريم وعلوم الحديث النبوي الشريف، وهي علوم شريفة لأن مصدرها الله تعالى ورسوله الكريم سيدنا محمد (صلى الله عليه وسلم)، وفضلهما وكمالهما واضح للجميع، ولذلك لا بد من الاتفاق على منهجية علمية رصينة للدراسات الإسلامية تليق بدقة وضبط قواعد الدين الحنيف".
ويشدد على ضرورة توافر عدد من الشروط لدى المتصدي للكتابة في التاريخ الإسلامي وهي:
1-الاستقامة.
2-أن يكون لدى الباحث علم بالتوثيق واستخدام له.
3-أن يكون للباحث دراية بعلم السير.
4-أن يكون ملما بالبرامج الحاسوبية والإنترنت.
5-الإلمام بقواعد منهج البحث العلمي الرصين في استدراك المعارف والوصول إلى الحقيقة بأسلوب سليم.
6-على باحث الدراسات الإسلامية أن يتعرف وبدقة على الأرضية التاريخية والاجتماعية والنفسية للمسلمين قبل البحث في مصادر معلوماتهم.
ويتوسع الدكتور دريد في بحوثه ودراساته ومؤلفاته بالكتابة عن تاريخ السودان منذ وصول الإسلام إليه والوسائل الأساسية التي مكنت العرب والمسلمين من خلالها الوصول إلى تلك الأصقاع من أفريقيا ونشر الإسلام فيها. وفي ذلك يقول: "نظراً لعدم وجود الموانع العسكرية والاجتماعية مع أفريقيا جنوب الصحراء، وحب العرب للتجارة. ودفع الإسلام لهم من أجل نشره في العالم، فقد اندفع العرب بعد القرن الأول الهجري إلى بلاد السودان الغربـــي الواقعة إلى الجنوب من بلاد المغرب العربي، ويفصل بينهما الصحراء الكبرى، ولقد عاش سكان تلك الأرض سنوات طويلة جداً، قبل اختلاط العرب بهم، بشكل بدائي، وكانت صناعاتهم بسيطة كما كانت زراعتهم بدائية وحياتهم الاجتماعية مختلفة، لا وجود للأسرة المتماسكة عندهم، كذلك لم يألفوا الحكومات والدول المنظمة، وما أن حل القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي)، حتى بدأ أولئك السكان يألفون نوعاً جديداً من الحياة الثقافية والاقتصادية والاجتماعية المشبعة بروح الإسلام، والمستمدة أصولها من الحياة العامة".
وهو يرى أن الإسلام في السودان انتشر بفعل عوامل قوته الذاتية لا بدعاية الأموال والأسلحة وعن التسامح ومخاطبة العقل، وتمكن السودانيون من أن يتفاعلوا مع الحياة الإسلامية بصدق ويكونوا امتداداً للعالم الإسلامي في أصقاعه المختلفة، وبذلك فقد وجدت أواصر قوية بين السودان للعروبة والإسلام من خلال وسائل متعددة كما يحددها الدكتور دريد عبد القادر نوري وهي:
1- اندفاع السودان نحو اعتناق العقيدة الإسلامية طواعية ومن غير إكراه.
2- دور السودان الوطني في نشر الإسلام والثقافة العربية وتحملهم مسؤولية الجهاد.
3- محبتهم للغة العربية واندفاعهم في تعلمها والتحدث بها ونشرها.
4- تمسك سلاطينهم بالخلافة الإسلامية.
5- الاندفاع في أداء فريضة الحج ومشاركة العرب في الشعائر الإسلامية.
6- سخاؤهم غير المحدود في سبيل الإسلام، ونقلهم كميات كبيرة من مصادر الذهب للبلاد العربية وللفقراء المسلمين منهم.
7- شدة تعلقهم بالثقافة العربية واندفاعهم نحو الاقتباس من الحضارة العربية الإسلامية.
ويوضح نوري أهمية انتشار اللغة العربية في أفريقيا جنوب الصحراء بقوله: "لقد كانت روابط الأخوة متينة بين شمال الصحراء وجنوبها في أفريقيا خلال القرون (10-16) حيث تسابق السكان على شراء الكتب العربية وتعلمها وأخذوا يشعرون بالانتماء الثقافي والسياسي المشترك، وكانت اللغة العربية هي لغة الدولة والحكومات ولغة الدواوين والسجلات إضافة لكونها لغة الدين والحضارة".
ويركز على أن العرب قاموا بدور الوسيط التجاري في نقل منتجات أفريقيا جنوب الصحراء إلى الأسواق العالمية وبخاصة مع أوروبا. ويشدد على أهمية دراسة وإبراز تاريخ أفريقيا في علاقاتها مع الوطن العربي والبلاد العربية وربطها بالتاريخ المعاصر أمر مهم: "وذو ميزات إيجابية لكلا الطرفين".
ويؤمن الدكتور دريد عبد القادر نوري بأن على الباحث المؤرخ التصدي للموضوعات التي تهدف إلى تنوير الأذهان، وأبرزها المفاهيم الحقيقية لطبيعة الأشياء المراد بحثها على الصعيد القيّمي أو التاريخي أو الاجتماعي وحتى السياسي.
وعليه فقد كانت إسهاماته في مجال الكتابة بالموضوعات المتعددة ثرة. فله آراؤه وطروحاته الخاصة حول أعمال المستشرقين العلمية وفي الدراسات الإسلامية. وفي هذا الصدد يقول: "الاستشراق جهد علمي غربي موصول ومتصل استمر لقرون من الزمان، بلا انقطاع بل في تطور حتى انتهى إلى منظومة فكرية مركبة ومعقدة، وقد أريد بهذا الجهد إنشاء خزانة معرفية واسعة، منظمة وهادفة عن الشرق عامة والعالم العربي الإسلامي على وجه التخصيص، ويجري الاعتقاد دائماً في كل الدوائر الثقافية العربية، أن الاستشراق مقرون بالاستعمار والتبشير، فهو بهذا المعنى صدر عن مواقف تتصل بتكوين مؤسسات ساعدت على نمو كل الذين عملوا في الاستشراق، فالاستشراق قرين الاستعمار، لأن عصر الاستعمار اعتمد على أولئك الرجال الأوروبيين الذين أوغلوا في معرفة العربية والشرق، وساعد على تكوين المؤسسات الاستعمارية بالرأي والمشورة والحكم والمباشرة".
وهو يرى أن الاستشراق يمكن أن يتسم بسمة العلم حينما يكون موضوعياً، أما إذا انحرف عن ذلك فلا يكون علماً لأن ينبئ عن أغراض أخرى مقصودة.
كما يتوجه إلى الدارسين والباحثين حاثاً إياهم على أهمية إيلاء تحقيق المخطوطات أهميتها القصوى التي تنطوي عليه من أبراز الجوانب العلمية وتسهم في حركة إحياء التراث العلمي العربي.
لقد طرق الأستاذ الدكتور دريد عبد القادر نوري أبوابا عديدة من التاريخ، فكتب في موضوعات التاريخ السياسي والاجتماعي والاقتصادي والعلوم العقلية والنقلية، فاستحق أن يكون صاحب مدرسة متميزة في البحث التاريخي يشار إليها بالبنان.
*منشورة في موقع ميدل ايست اون لاين (الالكتروني ) بعنوان : "نوري يحدد شروطا لمن يكتب التاريخ الاسلامي " يوم 25 -6-2010 .