المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : القبائل اليهودية الضائعة- د. جعفر هادي حسن


معتصم الحارث الضوّي
31-01-2008, 12:30 AM
د. جعفر هادي حسن: فبركة التاريخ والأنساب
في كتابه حول «القبائل اليهودية الضائعة» لـ«المشاهد السياسي»:

لندن ـ «المشاهد السياسي»

«القبائل اليهودية العشر الضائعة ـ الأسطورة والتاريخ» هو العنوان الأول الذي وضعه الباحث في الإسرائيليات واليهوديات د. جعفر هادي حسن، ويأتي هذا الكتاب بعد ثلاثة مؤلّفات مركّزة وضعها الباحث العراقي المختص بحقل دراسة اليهوديات، أنساباً وفرقاً وقضايا وموضوعات، هي: «فرقة الدونمه بين اليهودية والإسلام» ـ ١٩٨٨، «فرقة القرّآئين اليهود» ـ ١٩٨٩، «اليهود الحسيديم ـ نشأتهم، تاريخهم، عقائدهم، تقاليدهم» ـ ١٩٩٤.

وقد شكّلت هذه المؤلّفات مراجع أساسية للقرّاء والباحثين على حدّ سواء. في كتابه الجديد يواصل الباحث نشاطه الريادي في الكشف عن ظواهر مجهولة بالنسبة للقرّاء العرب على الأقلّ، الذين لم يتح لهم التواصل مع المراجع العبريّة والإنكليزية المتعلقة بالفرق والجماعات اليهودية حول العالم.

هنا في هذا الحوار المركّز يكشف الباحث لأول مرة عن طبيعة بحثه في الشبكة التاريخية واللاتاريخية المعقّدة، التي شكّلت الخلفية لمحاولات العثور على ما يسمّى بـ«القبائل اليهودية الضائعة» في العالم، والتي ادّعى بعض الرحّالة الأوروبيين واليهود أنهم عثروا على بعضها منذ النصف الأول من القرن التاسع عشر.

ولعلّ الموضوعية التي يتحلّى بها الباحث مصدرها ذلك الاعتماد شبه الكلّي على المصادر اليهودية والإسرائيلية نفسها في استقراء الظواهر، وصولاً إلى تفكيك الرواية، بل الروايات اليهودية عن هذه القبائل الضائعة المزعومة.


سألتُ د. جعفر هادي حسن:

> قبل فترة، قادتك أبحاثك ودراساتك إلى وجود فرقة يابانية ذات توجّهات ثقافيّة إسرائيلية.. حدّثنا حول ذلك، فنحن لم يسبق لنا، أو على الأقلّ لم يسبق لأكثرية الناس أن عرفوا شيئاً عن ذلك في اليابان؟

< عندك حق، فالكثير من الناس لا يعرفون أن الفكر الإسرائيلي قد دخل اليابان كما دخل دولاً أخرى. وكان دخوله إليها، على ما يبدو، عن طريق بعض اليابانيين الذين ذهبوا إلى الولايات المتحدة الأميركية للدراسة فيها، مع نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. ولكن تأثر هؤلاء لم يكن بالفكر الإسرائيلي اليهودي مباشرة، وإنما كان تأثّرهم بالإسرائيلية المسيحية التي كانت قد بدأت بالانتشار في الولايات المتحدة في هذه الفترة. وفكر الإسرائيلية المسيحية هذا يعتمد كما هو معروف على تأويلات حرفية لنصوص الكتاب المقدّس. وكان هؤلاء اليابانيون الذين درسوا هناك قد اعتنقوا هذا الفكر وجلبوه معهم عند رجوعهم إلى بلدهم، وأخذوا يعملون على نشره بين المسيحيين في اليابان، وقد وجد قبولاً عند بعض الفرق المسيحية التي أخذت تظهر في هذا البلد منذ بداية القرن العشرين. وكان من هذه الفرق فرقة معروفة بين اليابانيين هي فرقة «مكويا» التي تأثّرت بهذا الفكر كثيراً، حتى أصبحت إسرائيل قبلة لأتباعها يتبرّكون بها ويحتفلون بذكرى إنشائها ولا يتخلّفون عن زيارتها، وهم يعتبرونها أعظم معجزة ظهرت في القرن العشرين. وهذه الفرقة هي اليوم من أكثر الفرق المسيحية نشاطاً وأوسعها شهرة في اليابان.


الإسرائيلية اليابانية

> من أنشأ فرقة «مكويا» ومتى ظهرت على وجه التحديد؟

< الغريب أن فرقة «مكويا» ظهرت في منتصف القرن الماضي، وتحديداً في العام ١٩٤٨، يعني في عام النكبة الفلسطينية، وقد أنشأها ياباني يدعى «أبراهام» إيكورو تشيما توفّي في العام ١٩٧٣. ولا يعرف الشيء الكثير عن حياة الرجل، سوى أنه كان تاجراً مسيحياً متديّناً انضمّ إلى حركة مسيحية جديدة تسمّى «بدون كنيسة»، كان قد أنشأها كانزو أوشيمورا المتوفّى في العام ١٩٣٠. وكانت تدعو إلى مسيحية ليس للكنائس دور فيها. وأصبح من الداعين إليها والناشطين فيها، كما أصبح من المتأثّرين بأفكار كانزو عن طريق أحد تلامذته المعروفين. وكان كانزو قد درس في الولايات المتحدة الأميركية وتأثّر هناك بالفكر المسيحي الإسرائيلي، وكتب عنه في بعض كتبه التي يصل عددها إلى الثلاثين، وأحد هذه الكتب كتاب عن نبوءات الكتاب المقدّس وإنشاء دولة لليهود في فلسطين. كما أشاد بهرتزل وبالحركة الإسرائيلية التي أنشأها، وامتدح وعد بلفور واعتبره تمهيداً لظهور دولة المسيح، كما كان يؤكد دائماً أن الرب إلى جانب اليهود.

ويستعمل أعضاء الفرقة «المنوراه» اليهودية ـ وهي شعار دولة إسرائيل ويضعونها في مكان بارز أثناء أداء طقوسهم، ويستعملونها بدلاً من الصليب الذي لا يستعملونه. كذلك هم يحتفلون بما يسمّى عند اليهود «سمحت توراه» (سعادة التوراة) ولكنهم يسمّونه «سمحت مكويا». وهم يعتبرون يوم السبت يوم راحة ويشعلون الشموع في ليلته كما يفعل اليهود. كما أنهم يستعملون كتاب الصلاة اليهودي في صلواتهم ويطبّقون نوعاً من الكشروت (الطاهر والحلال طبقاً للشريعة اليهودية) ويتعلّمون العبرية أيضاً. كما أنهم يتّخذون لأنفسهم أسماء عبرية إضافة إلى أسمائهم الأصلية، واتّخذ مؤسّس الفرقة الإسم أبراهام.


شالوم إسرائيل

> هل لهذه الفرقة علاقة مباشرة أو خاصة بدولة إسرائيل، أم أن المسألة فكريّة وحسب، وليس هناك أي دعم أو تنسيق أو تواصل بين الفرقة اليابانية واليهودية الرسمية في إسرائيل؟

< هذا سؤال مهم، والجواب عنه.. بنعم، هناك دعم متبادل بين الجهتين. والواقع أن إيكورو تشيما كان قد زار إسرائيل مرّات عدة، وزيارته الأولى جاءت في العام ١٩٦١ ثم ساق مجموعة من أتباعه وسكن إحدى المستعمرات الإسرائيلية لفترة من الزمن. كما ترسل الفرقة وفداً كبيراً كل سنة بمناسبة الاحتفال بإنشائها. والغريب أنه عندما يكون هؤلاء في إسرائيل فإنهم يلبسون اللونين الأبيض والأزرق (لوني علم إسرائيل)، ويرسمون عليها نجمة داود أو «المنوراه» أو كليهما معاً، ويطوفون شوارع القدس حاملين العلم الياباني. وبعض هؤلاء عاش لفترة طويلة في المستعمرات الإسرائيلية لتعلّم التقاليد اليهودية واللغة العبريّة وفنون الزراعة. وألّف بعضهم كتباً عن هذه المستوطنات أشهرها كتاب «شالوم إسرائيل» ألّفته واحدة من هؤلاء في العام ١٩٦٥، وأصبح في حينه من أكثر الكتب مبيعاً في إسرائيل.


تهويد اليابانيين

> أريد أن أسال سؤالاً أكثر تركيزاً، وهو هل يلقى هؤلاء رعاية مباشرة من الأطراف الرسمية الإسرائيلية، أم أنهم يستقبلون من الجمعيات الاستيطانية الإسرائيلية، والهستدروت والأوساط الأكاديمية من غلاة الباحثين في التوراة؟

< أنا لا أفرّق بين هذه الأطراف مجتمعة أو متفرّقة، فهي كل متكامل، ومع ذلك دعني أقل إن الرعاية الرسمية أكيدة، فمؤسّس الفرقة قابل في إحدى زياراته إلى إسرائيل رئيس دولتها الأسبق زلمان شازار، وعرض عليه أفكاره حول العلاقة المفترضة بين بني إسرائيل القدماء واليابانيين ونسبتهم إليهم. وهو قد وضع أفكاره هذه في كتاب بعنوان «شتات اليهود القديم أو قبيلة الهاتا». ويعتقد بأن قبيلة «الهاتا» أو «الهادا» اليابانية هي نفسها قبيلة يهودا هاجرت في القرن الثالث الميلادي إلى اليابان، واستقرّت فيها وبقيت متميّزة حتى القرن الثاني عشر حيث اندمجت ببقيّة الشعب الياباني.

ولكي أدلّل لك على حجم التواصل وعمقه، فقبيل حرب العام ١٩٦٧ أنشأ إيكورو تشيما ما أسماه «لجنة الطوارىء اليابانية لمساعدة إسرائيل»، وأثناء الحرب أخذ مساعدات لإسرائيل وذهب مع مجموعة من أتباعه للدفاع عنها، وقد أصيب أحدهم. وبعد الحرب مباشرة دخل إيكورو تشيما القدس بعد احتلال نصفها الثاني، وذهب إلى «حائط المبكى» وقدّم صلاة شكر هناك، وقال «إن هذا اليوم هو أعظم يوم في حياتي».

كما نظّمت الفرقة تظاهرات أمام مقر الأمم المتحدة في نيويورك في العام ١٩٦٨، وكذلك في العام ١٩٧١ تأييداً لإسرائيل. وبعد هجوم بعض أعضاء منظّمة الجيش الأحمر الياباني على مطار بن غوريون في العام ١٩٧٢، هرع رئيس الفرقة على رأس وفد إلى إسرائيل ليقدّم اعتذاره وتعازيه ويعبّر لحكومتها عن غضبه ورفضه لما حدث.


أسطورة القبائل الضائعة

> هل لهذه الفرقة علاقة بأسطورة «القبائل اليهودية العشر الضائعة»، والتي يعتقد بعض الباحثين والمؤرّخين الأوروبيين والإسرائيليين بأنها ضاعت ما بين آسيا وأوروبا وأفريقيا؟

< قبل أن أجيب عن السؤال أودّ بداية أن أشير إلى أن الزعم بأن أصل اليابانيين يرجع إلى أصول يهودية، هو رأي لا ينفرد به إيكورو تشيما وإنما هناك باحثون يابانيون معروفون، كلّهم أو غالبيتهم مسيحيون، يرون هذا الرأي وكتبوا حوله دراسات وكتباً، ومن هؤلاء كانزو أوشيمورا الذي ذكرناه سابقاً. ومن هؤلاء أيضاً نيكادا جوجي (ت١٩٣٩) وكان قسيساً من المسيحيين الإسرائيليين معتقداً بالأصل اليهودي لليابانيين، وكان من الذين أيّدوا المشروع الإسرائيلي كما أن أتباعه ساعدوا اللاجئين اليهود الذين لجأوا إلى اليابان أثناء الحرب العالمية الثانية. ومن هؤلاء أويبي زنكيرو (ت١٩٤١م) وهو من خريجي جامعات الولايات المتحدة الأميركية أيضاً، وكان قد نشر كتاباً في العام ١٩٢٩ حول علاقة اليابانيين بـ«قبائل إسرائيل الضائعة»، وهو يعتقد أنهم من قبيلة غاد ومنسه. ومن هؤلاء يانيبارا تادوا(ت١٩٦١) الذي كان من تلاميذ كانزو ورئيس جامعة طوكيو الأسبق. ومنهم سيكي يشيرو (ت١٩٦٥) وهو خريج جامعة أكسفورد، ويعتقد أنه أول من قال من اليابانيين بهذه الفكرة. وكان قد نشر بحثاً عن هذا الموضوع في العام ١٩٠٨م ذكر فيه أن بعض قبائل بني إسرائيل دخلت اليابان في القرن الخامس الميلادي.

أخيراً أشير هنا، الى أن عدد أتباع فرقة «مكويا» اليوم يقدّر بحوالى سبعين ألفاً أو أكثر. ولا يقتصر وجودهم على اليابان بل هم يوجدون أيضاً في كوريا الجنوبية وتايوان وهاواي وكاليفورنيا. ويقدّر عدد فروعها بأكثرمن مئة فرع. كما أن الفرقة تصدر مجلتين هما «الإنجيل الأصيل» و«نور الحياة».


البحث في القارّات

> هل هناك بلدان وقارّات محدّدة يبحث فيها المؤرّخون الإسرائيليون عن هذه «القبائل اليهودية العشر الضائعة»، أم أن البحث يشمل العالم كله؟

< الواقع أن البحث عن هذه «القبائل الضائعة» المزعومة إنما يشمل كل القارات من دون استثناء. وعلى الرغم من عدم وجود أدلّة على إثبات أن هؤلاء هم من نسل أولئك، إلا أن المؤسّسات الإسرائيلية تنقل هؤلاء طبقاً لـ«قانون العودة» الإسرائيلي، مع أن هذه المؤسّسات تفرض عليهم التحوّل إلى اليهودية قبل وصولهم إلى إسرائيل أو بعد وصولهم إليها.

> ولكن ما هي مراجعك التي تستند إليها في أبحاثك التي تستعد لنشرها قريباً بالعربية تحت عنوان «القبائل اليهودية العشر الضائعة»؟

< مراجعي متعدّدة، لكن أكثرها مراجع يهودية وإسرائيلية، فضلاً عن المراجع الأوروبية والأميركية بالإنكليزية.


مملكة الشمال

> ولكن على ماذا تعتمد المخيّلة اليهودية الحديثة في تصوّراتها عن هذه «القبائل الضائعة»، فهل هناك مستند توراتي أو مخطوطات يهودية قديمة مثلاً، أو تواريخ وسيطة مكتوبة تتحدّث عن هذه القبائل الضائعة، أو أن المسألة حديثة العهد وتتصل ببدايات نشوء المشروع الإسرائيلي؟

< تعتمد المخيّلة اليهودية في وجود هذه القبائل أساساً على ما ورد في التوراة من تدمير الآشوريين للسامرة (مملكة الشمال) وإزالتها من الوجود، وتهجير سكانها أو غالبيتهم إلى مناطق في أمبراطوريتهم. وكان يسكن هذه المملكة ـ طبقاً لرواية للتوراة ـ عشر قبائل (وهي القبائل الضائعة) من القبائل الإثنتي عشرة. وقد ذكرت حادثة جلاء هذه القبائل في ثلاثة نصوص متشابهة، منها ما جاء في سفر الملوك الثاني ٥ ـ ٦ / ١٧ بالنص التالي «وصعد ملك آشور على تلك الأرض كلّها وصعد إلى السامرة وحاصرها ثلاث سنوات، وفي السنة التاسعة لهوشع استولى ملك آشور على السامرة وجلا إسرائيل إلى أشور وأسكنهم في حلاح وعلى الخابور ونهر جوزان وفي مدن ميديا». وقد وردت عبارة مهمة إضافة إلى ذلك في سفر الأخبار الأول (٥ـ٢٦) وهي «وهم هناك الى هذا اليوم». وكان وقوع هذا الحدث تاريخياً في الربع الأخير من القرن الثامن قبل الميلاد. وأخذ اليهود في العصور اللاحقة يتحدّثون عن بني إسرائيل الذين «هم هناك الى هذا اليوم» في كتاباتهم وقصصهم، وعن وجود هذه القبائل في مكان ما.


أدوار الرحّالة

> نحن نعرف أن بعض الرحّالة الأوروبيين لعبوا دوراً في تكريس فكرة وجود القبائل الضائعة، ولكن هل ذكر الرحّالة الأندلسي اليهودي شيئاً عنها خلال رحلته من الأندلس إلى الشرق؟

< ملاحظتك صحيحة في ما يتعلّق بالرحّالة، فبعض اليهود من رحّالة ومغامرين وغيرهم يشيرون إلى هذه القبائل ويتحدّثون عن وجودها وكأنها حقيقة واقعة. وكان من هؤلاء شخص يهودي اسمه الداد الداني (من قبيلة دان الضائعة) ظهر في القرن التاسع الميلادي في الشرق وانتهى أمره في القيروان، وكان قد ادّعى بأن هناك بعض القبائل الضائعة تعيش في أرض الحويلة، وهي في التقاليد اليهودية قرب أثيوبيا، وذكر منها أربع قبائل ومنها: قبيلة «دان» التي نسب نفسه إليها، وقال إن لها ملكاً يحكمها، وأنها في حرب دائمة مع الممالك التي بجوارها. وذكر هذه القبائل بشيء من التفصيل الرحّالة اليهودي بنيامين التطيلي (من القرن الثاني عشر) ولكنه قال إن الشخص يحتاج إلى ثمانية عشر يوماً في الصحراء ليصل إليها. وظهر مغامر يهودي آخر في القرن السادس عشر اسمه داود الراؤوبيني (نسبة إلى قبيلة راؤوبين الضائعة) في أوروبا، وقال لليهود الذين التقاهم بأن أخاه الملك يوسف يحكم بعض هذه القبائل، وأن له جيشاً من ثلاثمائة ألف مقاتل يترأسه هو (داود)، وذهب الراؤوبيني إلى إيطاليا، وقابل البابا كلمنت السابع (ت ١٥٣٤)، وادّعى أن معه رسالة من أخيه، وأعطاه البابا رسالتين الى ملك البرتغال وملك أثيوبيا. وعندما وصل البرتغال ساور الحكومة الشك من تحرّكه فطردته فذهب (أو أُخذ) إلى أسبانيا وهناك ضاع أثره. كما ادّعى الرحّالة اليهودي مونتزينوس بعد عودته من أميركا اللاتينية العام ١٦٤٤ أنه سمع الهنود الحمر في الأكوادور يقرأون الصلاة اليهودية المعروفة المسمّاة ها«شمع» بالعبرية، وقال إن عندهم تقاليد يهودية أخرى أيضاً.

وأخذ الرحّالة والمبشّرون يتحدّثون عن هذه القبائل في كتب رحلاتهم ومؤلّفاتهم. فعندما ذهب الرحّالة الأسكتلندي جيمس بروس لاكتشاف منابع النيل في القرن الثامن عشر تحدّث في رحلته عن الفلاشا، فاعتقد اليهود أنهم من القبائل الضائعة، فأرسلوا المندوبين لهم، وانتهى نشاطهم بتهجير الآلاف منهم إلى إسرائيل على أساس أنهم من قبيلة «دان» الضائعة. وقبل ذلك تحدّث فرانسيس بيرنر الذي زار الهند في منتصف القرن السابع عشر عن القبائل التي لها علاقة باليهودية، وقال إن هناك الكثير من الدلائل على وجود اليهودية في هذا البلد.


تهويد الباتان

> ذكرت لي أمس خلال حديثنا، أن هناك محاولة اليوم لتهويد قبائل الباتان الموجودة على الحدود بين أفغانستان والباكستان... هل تستند هذه المحاولات إلى روايات تاريخية؟

< بالتأكيد، فمنذ القرن التاسع عشر وربما قبله كثر الحديث عن وجود القبائل الضائعة في أفغانستان وعلى الحدود بينها وبين باكستان. فأخذ هؤلاء يذكرون قصصاً عن الأصل اليهودي لهذه القبائل، ويؤكّدون، أيضاً، المظهر الخارجي لها، وأن شكل رجالها ونسائها يشبه شكل اليهود المميّز. وأخذ بعض الباحثين اليهود ينسبون إلى هذه القبائل أنها من نسل أفغان بن شاؤول (وشاؤول أول ملك لبني إسرائيل طبقا للتوراة).


فبركة التاريخ والأنساب

> وهل هناك مستند لعلاقة الأفغان باليهود، أعني هل ورد اسم «أفغان» في التوراة على أنه ابن أو حفيد لشاؤول مثلاً؟

< كلا، الاسم «أفغان» غير مذكور في التوراة العبرية كابن أو حفيد لشاؤول، كما أن شاؤول وعائلته هم من قبيلة بنيامين التي كانت تسكن في أورشليم في مملكة يهودا في الجنوب كما تذكر التوراة نفسها. (حسب سفر الأخبار الأول: الأصحاح الثامن والتاسع).

لكن أسطورة الأصل اليهودي للبتان أصبحت رائجة، بل وصارت قضية مفروغاً منها عند الباحثين اليهود. فالباحث المعاصر ثيودور بارفت يقول «يوجد اعتقاد على نطاق واسع بأن البتان الذين يعيشون في الشمال الغربي من باكستان والجنوب الشرقي من أفغانستان هم من أصول يهودية... وأنهم ينظرون إلى أنفسهم على أنهم متفوّقون على القبائل الأخرى، وأن أحد الأسباب لذلك هو اعتقادهم أنهم يتحدّرون من أصول يهودية، وأنهم يتحدّثون باعتزاز بأنهم يرجعون في أصلهم إلى إسحق وإبراهيم».


إسرائيل ثانية

> ولكن هل هناك مساع جادّة، أعني مساعي عملية لجلب هؤلاء الأفغان إلى فلسطين، وهم يعدّون بالملايين.. أين سيسكنون؟

< هناك عمل جاد جار منذ زمن طويل لتكريس يهودية هؤلاء المسلمين الأفغان وتحويلهم الى يهود.. ومن المنظّمات اليهودية التي تقوم بنشاط بين هذه القبائل منظّمة «عامي شاب» التي تغيّر اسمها حديثاً إلى «شابي إسرائيل» «العائدون إلى إسرائيل». وقد طلبت هذه المنظّمة من ديبلوماسي أفغاني يعيش في الولايات المتحدة الأميركية أن يترجم أصول الديانة اليهودية وطقوسها إلى لغة البشتون التي يتكلّمها هؤلاء كي تقوم المنظّمة بتوزيع الكتاب بينهم.

أما الجواب عن الشق الآخر من السؤال، فهو يطرح السؤال التالي: ما المانع في إقامة إسرائيل ثانية في بلاد الأفغان؟ بل إن هذه الإسرائيل الثانية ستكون مهمّة وضرورية لدعم دولة إسرائيل الحالية، ولتمكين الإسرائيليين من سيطرة أوسع في العالم..


بؤر يهودية في العالم

> ألا يمكن أن يقود مثل هذا السلوك الصادر عن المخيّلة اليهودية إلى تهويد نماذج بشرية من ثلاثة أرباع أعراق العالم؟ إن مجرّد وجود تفكير من هذا القبيل، يعني أن هناك محاولة غريبة لتهويد العالم بأسره؟

< ما نتحدّث فيه، على غرابته، ليس من عمل الخيال، كل ما ذكرته لك موثّق توثيقاً علمياً أكاديمياً، وهو معتمد في المراجع اليهودية. وإن شئت، وشاء القرّاء الكرام، فيمكنكم العودة إلى المواقع الكثيرة على الإنترنت، فهي تعطي فكرة واضحة عن سعة هذا النشاط وجدّيّته وخطورته. وهذا النشاط سوف لا يوقفه شيء، لأنه مدفوع بدوافع استراتيجية من أهمّها الديمغرافي وهو هاجس يؤرق إسرائيل ويخيفها، وهو كذلك يقلق اليهود بصورة عامة. وربما أن أحد أهداف هذا التخطيط البعيد المدى، هو خلق بؤر من هذه المجموعات تكون سنداً لإسرائيل وظهيراً لها في عالم مضطرب.

رابط الموضوع: http://www.almushahidassiyasi.com/ar/4/5252/

د. عبد الرحمن السليمان
31-01-2008, 02:01 AM
مقال جيد للباحث الزميل د. جعفر هادي حسن المتخصص في التاريخ اليهودي، فشكرا للأستاذ معتصم على نقله إلى هنا.

وأريد أن أضيف بأن القبائل اليهودية "الضائعة" أصبحت بمثابة الورقة المفتوحة بأيدي الحركة الصهيونية كلما احتاجوا إلى بشر استوردوهم إلى فلسطين وقالوا إنهم من القبائل اليهودية "الضائعة" وإن يهوديتهم مشوبة بالشرك فيهودونهم ويجعلونهم يهودا ويضمونهم إليهم كما فعلوا بالفلاشا وبعض الروس الذين زعموا فيهم أنهم من نسل الخزر الذين تهود ملكهم وهودهم في القرن الخامس أو السادس للميلاد. إن أي روسي يريد أن يهاجر إلى فلسطين يزعم أنه "خزري" فيستقبلونه ويهودونه ويضربون بذلك عصفورين بحجر.

وللكاتب اليهودي المستعرب يهودا هاليفي (الأندلس، القرن الحادي عشر) كتاب قيم في مسألة الخزر مكتوب باللغة العربية ولكن مطبوع بالأحرف العبرية عنوانه: "كتاب الحجة والدليل في نصر الدين الذليل" ويعرف بـ "كتاب الخزري" بضم الخاء ثم فتح الزاي ثم كسر الراء، مفيد في هذا المجال. وسأبحث عنه في مكتبتي وأعرف به إن شاء الله.

لا بد من تشجيع هذه الدراسات التي لا يهتم العرب بها كثيرا.

وشكرا جزيلا لكاتب المقال وناقله.

فراس حديد.

معتصم الحارث الضوّي
31-01-2008, 02:50 AM
الأستاذ الفاضل د. فراس حديد
أشكرك على المداخلة القيّمة، وأحييك بدوري. سأسعى للحصول على نسخة من الكتاب، وسأقدم لكم استعراضاً لمحتوياته.

مع فائق احترامي وتقديري