المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الإنسان الجماهيري والإنسان العمومي


عبدالغفور الخطيب
13-11-2010, 01:11 PM
الإنسان الجماهيري والإنسان العمومي

منذ إنشاء الدولة قديماً والخروج بالإنسان من حالته البدائية وانتقاله ليضع قدميه على طريق التطور الحضاري، أدرك القائمون على إدارة الدولة أن لكل إنسان ثلاثة مستويات للتعامل مع محيطه الضيق والواسع.

المستوى الأول، كونه شخصاً له أشيائه التي يحبها ويكرهها، فحبه لنوع من الموسيقى أو الطعام أو الألوان أو النساء، لا يستطيع من حوله أن يغيره. والمستوى الثاني، بكونه فرداً ينتمي لمجموعة طبيعية كالعشيرة أو الطائفة أو الجنسية، أو ينتمي لمجموعة اصطناعية كابن شركة أو مهنة أو حزب أو نقابة، والمستوى الثالث كونه مواطناً يتأثر بما يتأثر به جميع المواطنين.

وعندما يتم للإنسان التوفيق بين المستويات الثلاثة، فإنه يصبح مواطناً عمومياً يفكر ويعمل ويحاول التغيير بإبداء رأيه والعمل ضمن منظومة قوانين وضوابط تضعها الإدارة القائمة للدولة بآليات مختلفة بالتعاون مع ممثليات المواطنين، ويحدد حجم التعاون بين إدارة الدولة وممثلي المواطنين على مدى قوة هذا التمثيل ودقته.

وفي حالة غياب التمثيل الحقيقي والقوي للمواطنين، فإن الإنسان سيتراجع من كونه مواطناً عمومياً الى مواطنٍ جماهيري، وليس للدرجة العلمية أو الثقافة أو حتى الهوى الأيديولوجي أي تأثيرٍ يُذكر. فيصبح كل مواطن مشروعاً لخلية نائمة تستيقظ عندما تتهيأ لها الظروف.

الإنسان الجماهيري (Mass Man) ظِلٌ معزولٌ ومسكونٌ بقلقه، وهو النقيض التام ل (الإنسان العمومي Common Man) الذي تهيئ له أوساط المجتمعات الراقية حرية العمل.

من الخطأ الحديث عن الإنسان الجماهيري بوصفه مواطن، فهو مجرد شخص يقيم هناك. ومن الخطأ أن يُحاكم على أنه جاهل، فإنه عندما يُستَفَّز سيعلن أنه سيتنازل عن الكثير مما آمن به وتعلمه في الكتب عن القيم السامية والعُليا، فالتخريب والفوضى والانحراف والاستعداد للتضحية القصوى حتى في الروح، وهذا ما نشاهده في استعداد الكثير من الشباب لتفجير أنفسهم في مناطق كثيرة من بلداننا العربية...

يتراجع الاستماع لصوت الوعاظ والمعتدلين، وستصنف أصواتهم بأنها أصوات متخاذلة ومُعيقة لحماس هؤلاء الشباب. وعندها تكون البيئة خصبة لنمو التطرف وبذور الإرهاب.

إن مهمة تحويل المواطن من إنسان جماهيري الى إنسان عمومي، تقع بالدرجة الأولى على الحكومات وعلى النُخب الفكرية، ونقل المواطن من مجرد رقم أو خلية جماهيرية نائمة الى مواطن يشترك في مناقشة أمور وطنه كونه شريكاً حقيقياً في هذا الوطن أو ذاك... وهذا يتطلب رصفه في منظمات مجتمعٍ مدني حقيقية لا مجرد عناوين و(قارمات) لمباني تحمل أسماء منظمات مجتمع مدني، لكنها خاوية من الداخل..

عمر أبو حسان
19-11-2010, 09:27 PM
الأخ عبد الغفور الخطيب..
تحياتي و تقديري لشخصك الكريم..
في كلماتك سعي واضح نحو الفعل.. اثابك الله و منحك القوة..
في قراءة متأنية لكلماتك :
"أدرك القائمون على إدارة الدولة "
"ضمن منظومة قوانين وضوابط تضعها الإدارة القائمة للدولة"
"وليس للدرجة العلمية أو الثقافة أو حتى الهوى الأيديولوجي أي تأثيرٍ يُذكر"
لم تغير الدول التي قامت عبر التاريخ اي جزء من منظومة العلاقات بين الحاكم و المحكوم..
و لم تعمل الإدارات على منح الإنسان حريته العادلة- أشدد على العادلة- و ما الأنظمة و القوانين التي وضعتها هذه الدول إلا من أجل الحفاظ على مصالح الفئة الحاكمة..-في كل العصور-
في الفقرات الثلاث :
"أدرك القائمون على إدارة الدولة "
"ضمن منظومة قوانين وضوابط تضعها الإدارة القائمة للدولة"
"وليس للدرجة العلمية أو الثقافة أو حتى الهوى الأيديولوجي أي تأثيرٍ يُذكر"
أراك تحاول -كلام أخوي- جرنا نحو الإعتدال بمفهومه العربي الحديث..
فالفكر لدى الدولة - الحاكم -و العدل لدى الدولة-الحاكم- و في النهاية أتحفتنا بنيجة تقول أن الفكر -و هو مجموع الدرجات العلمية و الثقافة و القدرة على الإعتقاد الإيدولوجي -
لاقيمة لها و لا قوة أمام قدرات الدولة -الحاكم- الخارقة أو سأكون أكثر صراحة - الموهوبة من الخالق-

و قد وصلنا معك في نهاية الموضوع إلى الفكرة الضبابية :"يتراجع الاستماع لصوت الوعاظ والمعتدلين، وستصنف أصواتهم بأنها أصوات متخاذلة"
و كان من الممكن أن أمرر كل هذه الأفكار -على مضض- لولا النهاية السعيدة التي أوصلتنا إليها بكلماتك - المعتدلة - "وعندها تكون البيئة خصبة لنمو التطرف وبذور الإرهاب"

أخي الكريم:
الوعاظ و المعتدلين هم ذاتهم "القائمون على إدارة الدولة" و"الإدارة القائمة للدولة"،
أو أن المقصود هو آخرين في المجتمع لديهم دراية و حكمة قادرة على كشف "الخطأ" الذي يرتكبه هؤلاء"القائمون على إدارة الدولة" و"الإدارة القائمة للدولة"
فهل تتحول الدولة و إدارتها من "مدرك قائم على إدارة الدولة" في بدابة المقال إلى نقيضها في آخره؟
و السؤال الآن: مادخل التطرف و الإرهاب في موضوع الحديث؟؟
التطرف يا سيدي لايمكن وجوده دون تطرف آخر ، أما الإرهاب فهي و صدقاً هذا ما اشعر به كلمة دخلت الموضوع بمناسبة رواجها الزائد ليس إلا.
لنعود إلى لآخر كلماتك :"إن مهمة تحويل المواطن من إنسان جماهيري الى إنسان عمومي، تقع بالدرجة الأولى على الحكومات وعلى النُخب الفكرية" هل يمكنني أن اسأل سؤالاً مباشراً لايحتمل إلا جواباً واحداً:
عن أي مجتمع تتحدث؟ أرجوا مثال من الواقع. هناك أفكار تحتاج لأمثلة..
لك شكري.

عبدالغفور الخطيب
20-11-2010, 03:49 PM
الأستاذ الفاضل عمر أبو حسان

أحييك تحيةً أخوية لتأني حضرتكم بالقراءة، ومناقشتها بتلك الروح الشفافة المهذبة..

تساؤلاتكم القيمة كثيرة، والرد عليها بتفصيل سيحتاج الى إطالة قد تصبغ الموضوع وطبيعة الرد عليه بالابتعاد عن أعراف التعليق والرد عليه. لكن سأحاول التوفيق بين النهجين الإطالة والابتسار، مُركزاً على ما جعلكم تكونون صورة تحتاج من طرفنا الى توضيح..

لم تغير الدول التي قامت عبر التاريخ اي جزء من منظومة العلاقات بين الحاكم و المحكوم..
و لم تعمل الإدارات على منح الإنسان حريته العادلة- أشدد على العادلة- و ما الأنظمة و القوانين التي وضعتها هذه الدول إلا من أجل الحفاظ على مصالح الفئة الحاكمة..-في كل العصور-
بل غيرت يا سيدي الدول أو ما يُصطلح عليه ب (المجتمع السياسي الحاكم) من منظوماتها التي تضبط العلاقة بين الإدارة والمجتمع المحكوم، فقد تطرق لها الكثير من الفلاسفة القدماء (أرسطو وأفلاطون وابن الأزرق وابن خلدون وغيرهم) الى ما وصل إليه العالم من نُظم حديثة قادها رواد الفكر السياسي والفلسفي بمدارسهم المختلفة حتى وصلت النظم لما وصلت إليه، وما الاختلاف بتحقيق العدالة بين مجتمعات الدول الراهنة، إلا تفسير لمدى تأثر المجتمعات المختلفة بما تشبعت به النُخب الحاكمة أو المعارضة التي تغير من سلوك الأولى بضخها في الفضاء الذهني ما تصبو إليه.

أما العدالة المُطلقة، فهي بالتأكيد لم ولن تتحقق عند البشر، أما الاقتراب من حدودها المطلقة بمسافات، هو ما يميز مجتمعٍ على آخر.


أراك تحاول -كلام أخوي- جرنا نحو الإعتدال بمفهومه العربي الحديث..
فالفكر لدى الدولة - الحاكم -و العدل لدى الدولة-الحاكم- و في النهاية أتحفتنا بنيجة تقول أن الفكر -و هو مجموع الدرجات العلمية و الثقافة و القدرة على الإعتقاد الإيدولوجي


في مدارس الفكر الحديث، هناك اتجاهان: الأول، أن تُحل مشاكل المجتمع ككل، وعندها تُحل مشاكل أفراده، كأجزاء مكونة طبيعية له، وهو ما يسمى بالفكر (التكاملي)، وسعت وتسعى إليه تيارات قومية وإسلامية ويسارية. والثاني: أن تُحل مشاكل الأفراد فرداً فردا، من خلال أنشطة ليبرالية، وعندها ستُحل مشاكل المجتمع... وأنا بكل تأكيد من أتباع الاتجاه الأول.

أما استغراب حضرتكم في تلمس الاستخفاف من أثر الوعاظ والمفكرين، فهؤلاء ـ بنظري ـ لن يكون لهم دور في إثارة الهمم الطيبة الفاعلة، عندما يكون المجتمع مبتعداً عن إمكانية التغيير التي لن تتحقق إلا برصف الناس في أوعية فاعلة، حزبية، نقابية، تثقيفية فاعلة يكون للإهابة والشرح والتوجيه عندها دورٌ فاعل، كما هي الحال في تشجيع جمهور أو توجيه مُدرب لفريق كرة قدم، فإن كانت لياقة أفراد هذا الفريق ضعيفة وتدريبهم قليل، فلن تنفع معهم توجيهات المدربين ولا صيحات الجمهور...

شكراً مجدداً لحضوركم الفاعل

عمر أبو حسان
20-11-2010, 10:42 PM
الأخ الكريم عبد الغفور الخطيب حياك الله !
الحقيقة أنني و رغم تعدد الأسئلة التي طرحتها، إلا أنني كنت أهدف في اسفساراتي إلى الإنتقال بحديثنا من البعد النظري القابل للإتساع و الضيق و المحتمل للتعمق على الأغلب..و هذا ما يمكننا سلوكه في الوقت الأنسب إلى ما هو أقرب .
الأيام التي نعيشها ،لا تمنحنا الحق بالبحث عن غذاء الروح..نحن الآن في حالة البحث عن غذاء -دواء- يوقف انتشار وباء الموت البطيء.
ما أردت طرحه في اسئلتي هو اننا عمال وفلاحين و مثقفين و غيرهم ، نساء و رجال لازلنا حتى هذه الساعة نعيش عصر ما قبل الدولة .
فباعتقادي أن مفهوم الدولة لايمكن حتى إطلاقه على كيانات يصطنعها مجتمع ما لمجتمع آخر. نحن لا نمثل دول.
نحن نمثل نتاجاً لمصالح دول . و في اللحظة التي نعي بها ذلك ، يتحول بنا السؤال إلى عالم آخر ..عالم الباحث عن الإنقاذ و ليس عن الإستقرار.
أما البحث عن الإستقرار في كيان لم يكن لولا إرادة الغير .. فهو أمر عديم الفائدة..
أي مصرهذه؟ أية سوريا؟؟ و أي عراق و أية جزائر..؟؟
ربما كتب علينا التزام الأدب ، و لكن لم يكتب علينا التزام الصمت..و من هنا فإن اقتراب أي فرد و أي نظام من الحقيقة هو المعيار الفكري أولا و الأخلاقي ثانيا ..
أما أن تبحث عن ازدهار لاشباه دول..فقد مضى نصف قرن و لانتائج .. و كل ما نملك أو ما حققناه لا يتعدى الإحتفال بانتصار الغزاة علينا..
هناك حقيقة و لا اشك برؤيتك لها.. ما يحيطنا ليست دول و لا هي أنظمة.. مجموعات من العصابات بالمعنى الجنائي و الروائي للكلمة .
فلنبحث في وسائل التخلص من العصابات..
هنا نبدأ بالبحث في ما رماه لنا هؤلاء المغتصبون..اقصد أشباه الأنظمة..
هل بدأت تشعر بالتطرف في حروفي؟؟
هذا هو بالضبط مارماه لنا هؤلاء..، مفاهيم لم تكن قائمة حينما كانوا يطبخون لحم أطفالنا باسم الحضارة..-و هم اليوم يعيدون إنتاجهم هذا- و لكن بمباركة ممن يريدون لنا أن نسميه أنظمة و دول.
البحث عن الحرية الحقيقية يا صديقي لايمكن تسميته تطرف..و لا باي شكل كان..
إن عدوك ينهش ما تبقى منك..و حركة الدم العطالية في عروقك لايمكن تسميتها تطرفاً..
لا، بل يمكنني اختصار كل افكار النصف قرن الماضي بسؤال واحد:
ما الذي أنجزته هذه (أشباه) الأنظمة لجماهيرها، و ما الذي أنجزته لصالح أعداء هذه الجماهير؟؟
لك تحياتي و أمان الله .