معتصم الحارث الضوّي
03-07-2007, 02:34 PM
سؤال طالما تردَّد في هذه المرحلة، وازدادت وتيرة هذا الترديد. وهنا نتساءل، بدورنا:
ما هي أسباب طرح مثل هذا السؤال في الوقت الذي تزداد فيه الهجمة على الأمة العربية؟
كما تزداد فيه المشاريع التي يريد أصحابها قطعة من الأمة من شرقها وذاك يريد قطعة من غربها. هذا يريد قطعة من جنوبها يواجهه آخر بالعمل من أجل اقتطاع حصة له في شمالها. إن طرح إشكالية، في وقت ما، لا بدَّ من أن تخفي وراءها أغراضاً وأهدافاً ترتبط بطبيعة المرحلة. وترتبط، أيضاً، بأهداف من يعملون على تعميقها. قل لي من هم الذين يطرحون هذه الإشكالية، وهذا السؤال، أقل لك ما هو الغرض من ورائه. لكن هذا لا يعني –على الإطلاق- أننا نريد أن نشكك بنوايا الصادقين، الذين يريدون جواباً لتطمئن قلوبهم، وليواجهوا به أصحاب الأغراض والأوطار البعيدة عن مصلحة الأمة.
من خلال متابعتنا لموضوع المسألة القومية، سواء على صعيد الفكر أو صعيد السياسة، نرى أن الذين يطرحون هذا السؤال –من موقع التشكيك بجدوى الوحدة العربية- يستندون إلى أسس فكرية وسياسية وإيديولوجية قطرية أو ذات ارتباط مع مشاريع العولمة.
إن الاتجاه القطري ذو ارتباط مع المفهوم الاستعماري القديم –المستند إلى تقسيمات اتفاقية سايكس – بيكو- وهو تيار أصبح معروفاً بأغراضه وأهدافه لأنه مرتبط مع خرائط التقسيمات الجغرافية المرسومة الآن، والتي يحاول الاستعمار المعاصر أن يمنع تغييرها. أما عن العولمة فهي وجه متطور ومتقدم للاستعمار. فكيف ننظر إلى العولمة وكيف نفهمها، ومن هم أولئك الذين يطرحون العولمة كبديل للقوميات؟
هناك تياران يناديان بالعولمة، وعلينا التمييز بين أهدافهما وأغراضهما: الأول يستند إلى رؤى وأهداف رأسمالية، لها علاقة بتوسيع الأسواق أمام إنتاج الدول الرأسمالية، ولا يمكن توسيع تلك الأسواق إلاَّ من خلال سيطرة تامة على إرادة الشعوب وقرارها السياسي، أي بإلغاء كل ما له علاقة بقيم السيادة الوطنية والقرار الوطني المستقل وحماية الثروة والأسواق الوطنية وتنظيمها. أما التيار الآخر، فهو تيار العولمة على مقاييس رؤى فكرية: تستند الأولى إلى رؤية سياسية دينية لها أهدافها وأغراضها الدينية القائمة على بناء دولة دينية تحكم باسم الشرائع السماوية. أما الأخرى فتستند إلى رؤية فلسفية مادية، وتعبِّر عنها الفلسفة المادية الماركسية التي تعمل من أجل توحيد العالم تحت سيطرة القوى العمالية العالمية، أي تحت قيادة طبقة البروليتاريا. وطالما أن العولمة بالقياس الديني تقوم على إلغاء الحواجز والحدود، بما يسمح للقوى السياسية الدينية ببناء أنموذج سياسي ديني في مكان ما من العالم، ويعمل على توسيع حدوده بشتى الوسائل المنصوص عليها في كتبهم. ويعتقد أصحاب مشاريع العولمة الدينية أن حدود الدول القومية الحديثة تشكل عائقاً جدياً أمام مشاريعها. مع وجوب التمييز بين أهداف التيارين –العولمة الاستعمارية والعولمة الدينية والماركسية- وأغراضهما نرى أن اتجاهات العولمة مسؤولة عن التشكيك بجدوى الاستمرار في الدعوة إلى الوحدة العربية. ولعلَّ الإخفاقات التي أُصيبت بها التيارات القومية، منذ أوائل الستينيات من القرن العشرين، تكون قد أسهمت في تعزيز مواقف القطريين والعولميين للتشكيك بجدوى الوحدة العربية. لكن تلك الإخفاقات كانت ذات أسباب موضوعية وذاتية، ونرى نحن بدلاً من إلغاء وإسقاط المشاريع القومية الوحدوية السياسية والفكرية أن نقوم بدراستها دراسة نقدية موضوعية، لنستخلص منها الدروس والعبر بما يسهم في تصويب مساراتها، ووضعها على المسار الصحيح. ولهذا مجال آخر وبحث آخر. متجاوزين أغراض التشكيك الذي مارسته تيارات العولمة، خاصة تلك المرتبطة بدوائر الفكر والسياسة الاستعمارية بفائدة الوحدة العربية، لنطرح السؤال من موقع الصادق في أغراضه وأهدافه من إيجابيات الوحدة العربية. هنا نرى، من المنطلق الفكري، أن الجامع القومي لمجتمعات مفتتة –كمثل واقع أقطار الأمة العربية في وضعها الراهن- هو، بالدرجة الأولى، شعور إنساني سليم. وسلامة هذا الشعور يستند إلى رؤية إنسانية عملية في انتماء الفرد إلى مجتمع ما. وبمجرد أن ينتفي وجود هذا الشعور تنتفي معه حاجة الفرد إلى الشعور بانتمائه إلى أسرة. لكن على قاعدة الضرورة في تثبيت انتماء الفرد إلى أسرة تستند الحاجة في انتماء الفرد والأسرة إلى مجتمع، وتستند حاجة انتماء المجتمع إلى جامع قومي بخصوصيات قومية. ومن مجرد الشعور بالانتماء إلى قومية نرى ضرورة تعريف القومية بوضوح. وهذا يطرح الحاجة إلى تعريف لقوميتنا العربية، وتحديد تعريف لبنائها السياسي. فإذا سلَّمنا بوجود قومية عربية، ولهذا مجال آخر وبحث آخر، واستجابة لحاجة السؤال موضوع المحاضرة نحصر معالجتنا في موضوع التساؤل حول ما إذا ما زالت الوحدة العربية تشكل حاجة قومية عربية. كبداية للجواب على التساؤل، نرى، أنه إذا كان واقع العالم البشري موزَّع بين القوميات، وإذا كان لكل قومية مميزاتها وخصوصياتها، فالقومية العربية هي التي تفصح عن مميزات العرب وخصوصياتهم. وتأتي الوحدة العربية لتشكل المظهر السياسي للنظرية القومية العربية. فإذا كانت القومية العربية تعبِّر عن شخصية العرب وخصوصياتهم الثقافية، فإن الوحدة العربية هي الترجمة الواقعية والعملية لمضمون النظام السياسي الذي يوحِّد بين أبناء المجتمع العربي، ويعمل من أجل مصلحة شتى التنوعات القطرية فيه. فما هي المكاسب التي يحصل عليها العرب من خلال وحدتهم السياسية؟ إذا كان كل جيل عربي يتناقل الثقافة العربية عن الجيل الذي سبقه، وإذا كانت الثقافة العربية هو ذلك التراكم الحضاري الذي أسهمت في صناعته شتى الشعوب التي عاشت في المنطقة الممتدة بين الخليج العربي والمحيط الأطلسي، وإذا كانت منطقة ما بين النهرين –أكثر المناطق عمقاً ثقافياً وحضارياً في المنطقة العربية، وفي العالم أيضاً- قد انصهرت مع الثقافات والحضارات اللاحقة–مروراً بآخر تجربة حضارية وثقافية ثبتتها الثورة الإسلامية- وشكَّلت بناء ثقافياً وحضارياً عربياً. لكل تلك الأسباب يشكل النتاج الثقافي والحضاري العربي عصارة انصهار تجارب شعوب عديدة كانت تعيش في المنطقة الجغرافية المعروفة اليوم بالمنطقة العربية. فإذا كانت مرحلة تاريخية ما، أو إيديولوجية ما، قد أسهمت أكثر من الأخرى في هذا البنيان الثقافي والحضاري، فلن يكون مميزاً إلاَّ بالدرجة لأن كل الإيديولوجيات قد وحَّدت كل تلك التجارب في ثقافة عربية واحدة أفادت الثقافة والحضارة الإنسانية جمعاء كما استفادت –بدورها- من تلك الثقافات والحضارات. فإذا كان شعب ما يفاخر ويعتز بحضارته وثقافته، ويعمل من أجل أن يستمر دوره الثقافي والحضاري، فإن العرب هم من الشعوب الذي يفاخرون بمثل هذا الدور ويعملون على أن يبقى مستمراً، وهنا تأتي أهمية أن يكون للعرب مظهر سياسي يستطيع أن يحافظ على التُراث الثقافي والحضاري للأمة العربية، ومن هنا تأتي حاجة العرب لبنيان سياسي وحدوي يحافظ على دور العرب في الإسهام بإغناء الحضارة الإنسانية. فالوحدة العربية، هي أولاً وقبل أي شيء آخر، حاجة ضرورية للمحافظة على وحدة الثقافة العربية وحمايتها من الشطب والإلغاء. لكن ليست الحاجة للوحدة مقتصرةً على هذا الجانب، على الرغم من أهميته في الدفاع عن حق للعرب في أنهم أسهموا إسهاماً جدياً في صناعة تاريخ العالم الحضاري، فإنه يحفِّز العرب لكي يلعبوا دوراً في مستقبله أيضاً. فإذا ما ناموا على حرير الدور التاريخي، من دون أن يتمموه، فإنهم سينامون على أشواك الحاضر والمستقبل. تأتي الوحدة العربية حاجة ضرورية للمحافظة على تُراث العرب الثقافي والحضاري، ولإعدادهم في الحاضر في سبيل بناء مشروع نهضوي عربي ينقذهم من مظاهر التخلف ووقائعه، من أجل أن يستـأنفوا دورهم التاريخي في المستقبل. وهذا الاستئناف لن يكون بمعزل عن توحيد جهودهم على شتى المستويات. ففي عصر العولمة لا مكان للدول الضعيفة والمجتمعات المتخلفة. ولأن للانقاذ من التخلف، والمسير نحو التقدم ، شروطاً يجب أن تتوفر للمجتمعات، فإن توحيد إمكانيات الأمة على شتى الصُعُد تشكل حاجة ضرورية ومهمة وجدية في عصر العولمة الاستعمارية. فما هي المظاهر والمهمات التوحيدية التي تجعل من الوحدة العربية حاجة ضرورية للنضال العربي من أجل أن يعمل على فرض دور للأمة العربية في عالم الأقوياء؟ ولأن الحاجة إلى الوحدة العربية أصبحت واضحة نظرياً، فإن النضال من أجلها وطريقة تحقيقها، والسُبُل المؤدية إليها هي من الإشكاليات التي نحن بحاجة إلى الإسهام في توضيح بعض الوسائل العملية التي تسهم في تحقيقها. وعلى هذا الأساس سوف أسهم في بعض تلك الجوانب:
يتبع ...
ما هي أسباب طرح مثل هذا السؤال في الوقت الذي تزداد فيه الهجمة على الأمة العربية؟
كما تزداد فيه المشاريع التي يريد أصحابها قطعة من الأمة من شرقها وذاك يريد قطعة من غربها. هذا يريد قطعة من جنوبها يواجهه آخر بالعمل من أجل اقتطاع حصة له في شمالها. إن طرح إشكالية، في وقت ما، لا بدَّ من أن تخفي وراءها أغراضاً وأهدافاً ترتبط بطبيعة المرحلة. وترتبط، أيضاً، بأهداف من يعملون على تعميقها. قل لي من هم الذين يطرحون هذه الإشكالية، وهذا السؤال، أقل لك ما هو الغرض من ورائه. لكن هذا لا يعني –على الإطلاق- أننا نريد أن نشكك بنوايا الصادقين، الذين يريدون جواباً لتطمئن قلوبهم، وليواجهوا به أصحاب الأغراض والأوطار البعيدة عن مصلحة الأمة.
من خلال متابعتنا لموضوع المسألة القومية، سواء على صعيد الفكر أو صعيد السياسة، نرى أن الذين يطرحون هذا السؤال –من موقع التشكيك بجدوى الوحدة العربية- يستندون إلى أسس فكرية وسياسية وإيديولوجية قطرية أو ذات ارتباط مع مشاريع العولمة.
إن الاتجاه القطري ذو ارتباط مع المفهوم الاستعماري القديم –المستند إلى تقسيمات اتفاقية سايكس – بيكو- وهو تيار أصبح معروفاً بأغراضه وأهدافه لأنه مرتبط مع خرائط التقسيمات الجغرافية المرسومة الآن، والتي يحاول الاستعمار المعاصر أن يمنع تغييرها. أما عن العولمة فهي وجه متطور ومتقدم للاستعمار. فكيف ننظر إلى العولمة وكيف نفهمها، ومن هم أولئك الذين يطرحون العولمة كبديل للقوميات؟
هناك تياران يناديان بالعولمة، وعلينا التمييز بين أهدافهما وأغراضهما: الأول يستند إلى رؤى وأهداف رأسمالية، لها علاقة بتوسيع الأسواق أمام إنتاج الدول الرأسمالية، ولا يمكن توسيع تلك الأسواق إلاَّ من خلال سيطرة تامة على إرادة الشعوب وقرارها السياسي، أي بإلغاء كل ما له علاقة بقيم السيادة الوطنية والقرار الوطني المستقل وحماية الثروة والأسواق الوطنية وتنظيمها. أما التيار الآخر، فهو تيار العولمة على مقاييس رؤى فكرية: تستند الأولى إلى رؤية سياسية دينية لها أهدافها وأغراضها الدينية القائمة على بناء دولة دينية تحكم باسم الشرائع السماوية. أما الأخرى فتستند إلى رؤية فلسفية مادية، وتعبِّر عنها الفلسفة المادية الماركسية التي تعمل من أجل توحيد العالم تحت سيطرة القوى العمالية العالمية، أي تحت قيادة طبقة البروليتاريا. وطالما أن العولمة بالقياس الديني تقوم على إلغاء الحواجز والحدود، بما يسمح للقوى السياسية الدينية ببناء أنموذج سياسي ديني في مكان ما من العالم، ويعمل على توسيع حدوده بشتى الوسائل المنصوص عليها في كتبهم. ويعتقد أصحاب مشاريع العولمة الدينية أن حدود الدول القومية الحديثة تشكل عائقاً جدياً أمام مشاريعها. مع وجوب التمييز بين أهداف التيارين –العولمة الاستعمارية والعولمة الدينية والماركسية- وأغراضهما نرى أن اتجاهات العولمة مسؤولة عن التشكيك بجدوى الاستمرار في الدعوة إلى الوحدة العربية. ولعلَّ الإخفاقات التي أُصيبت بها التيارات القومية، منذ أوائل الستينيات من القرن العشرين، تكون قد أسهمت في تعزيز مواقف القطريين والعولميين للتشكيك بجدوى الوحدة العربية. لكن تلك الإخفاقات كانت ذات أسباب موضوعية وذاتية، ونرى نحن بدلاً من إلغاء وإسقاط المشاريع القومية الوحدوية السياسية والفكرية أن نقوم بدراستها دراسة نقدية موضوعية، لنستخلص منها الدروس والعبر بما يسهم في تصويب مساراتها، ووضعها على المسار الصحيح. ولهذا مجال آخر وبحث آخر. متجاوزين أغراض التشكيك الذي مارسته تيارات العولمة، خاصة تلك المرتبطة بدوائر الفكر والسياسة الاستعمارية بفائدة الوحدة العربية، لنطرح السؤال من موقع الصادق في أغراضه وأهدافه من إيجابيات الوحدة العربية. هنا نرى، من المنطلق الفكري، أن الجامع القومي لمجتمعات مفتتة –كمثل واقع أقطار الأمة العربية في وضعها الراهن- هو، بالدرجة الأولى، شعور إنساني سليم. وسلامة هذا الشعور يستند إلى رؤية إنسانية عملية في انتماء الفرد إلى مجتمع ما. وبمجرد أن ينتفي وجود هذا الشعور تنتفي معه حاجة الفرد إلى الشعور بانتمائه إلى أسرة. لكن على قاعدة الضرورة في تثبيت انتماء الفرد إلى أسرة تستند الحاجة في انتماء الفرد والأسرة إلى مجتمع، وتستند حاجة انتماء المجتمع إلى جامع قومي بخصوصيات قومية. ومن مجرد الشعور بالانتماء إلى قومية نرى ضرورة تعريف القومية بوضوح. وهذا يطرح الحاجة إلى تعريف لقوميتنا العربية، وتحديد تعريف لبنائها السياسي. فإذا سلَّمنا بوجود قومية عربية، ولهذا مجال آخر وبحث آخر، واستجابة لحاجة السؤال موضوع المحاضرة نحصر معالجتنا في موضوع التساؤل حول ما إذا ما زالت الوحدة العربية تشكل حاجة قومية عربية. كبداية للجواب على التساؤل، نرى، أنه إذا كان واقع العالم البشري موزَّع بين القوميات، وإذا كان لكل قومية مميزاتها وخصوصياتها، فالقومية العربية هي التي تفصح عن مميزات العرب وخصوصياتهم. وتأتي الوحدة العربية لتشكل المظهر السياسي للنظرية القومية العربية. فإذا كانت القومية العربية تعبِّر عن شخصية العرب وخصوصياتهم الثقافية، فإن الوحدة العربية هي الترجمة الواقعية والعملية لمضمون النظام السياسي الذي يوحِّد بين أبناء المجتمع العربي، ويعمل من أجل مصلحة شتى التنوعات القطرية فيه. فما هي المكاسب التي يحصل عليها العرب من خلال وحدتهم السياسية؟ إذا كان كل جيل عربي يتناقل الثقافة العربية عن الجيل الذي سبقه، وإذا كانت الثقافة العربية هو ذلك التراكم الحضاري الذي أسهمت في صناعته شتى الشعوب التي عاشت في المنطقة الممتدة بين الخليج العربي والمحيط الأطلسي، وإذا كانت منطقة ما بين النهرين –أكثر المناطق عمقاً ثقافياً وحضارياً في المنطقة العربية، وفي العالم أيضاً- قد انصهرت مع الثقافات والحضارات اللاحقة–مروراً بآخر تجربة حضارية وثقافية ثبتتها الثورة الإسلامية- وشكَّلت بناء ثقافياً وحضارياً عربياً. لكل تلك الأسباب يشكل النتاج الثقافي والحضاري العربي عصارة انصهار تجارب شعوب عديدة كانت تعيش في المنطقة الجغرافية المعروفة اليوم بالمنطقة العربية. فإذا كانت مرحلة تاريخية ما، أو إيديولوجية ما، قد أسهمت أكثر من الأخرى في هذا البنيان الثقافي والحضاري، فلن يكون مميزاً إلاَّ بالدرجة لأن كل الإيديولوجيات قد وحَّدت كل تلك التجارب في ثقافة عربية واحدة أفادت الثقافة والحضارة الإنسانية جمعاء كما استفادت –بدورها- من تلك الثقافات والحضارات. فإذا كان شعب ما يفاخر ويعتز بحضارته وثقافته، ويعمل من أجل أن يستمر دوره الثقافي والحضاري، فإن العرب هم من الشعوب الذي يفاخرون بمثل هذا الدور ويعملون على أن يبقى مستمراً، وهنا تأتي أهمية أن يكون للعرب مظهر سياسي يستطيع أن يحافظ على التُراث الثقافي والحضاري للأمة العربية، ومن هنا تأتي حاجة العرب لبنيان سياسي وحدوي يحافظ على دور العرب في الإسهام بإغناء الحضارة الإنسانية. فالوحدة العربية، هي أولاً وقبل أي شيء آخر، حاجة ضرورية للمحافظة على وحدة الثقافة العربية وحمايتها من الشطب والإلغاء. لكن ليست الحاجة للوحدة مقتصرةً على هذا الجانب، على الرغم من أهميته في الدفاع عن حق للعرب في أنهم أسهموا إسهاماً جدياً في صناعة تاريخ العالم الحضاري، فإنه يحفِّز العرب لكي يلعبوا دوراً في مستقبله أيضاً. فإذا ما ناموا على حرير الدور التاريخي، من دون أن يتمموه، فإنهم سينامون على أشواك الحاضر والمستقبل. تأتي الوحدة العربية حاجة ضرورية للمحافظة على تُراث العرب الثقافي والحضاري، ولإعدادهم في الحاضر في سبيل بناء مشروع نهضوي عربي ينقذهم من مظاهر التخلف ووقائعه، من أجل أن يستـأنفوا دورهم التاريخي في المستقبل. وهذا الاستئناف لن يكون بمعزل عن توحيد جهودهم على شتى المستويات. ففي عصر العولمة لا مكان للدول الضعيفة والمجتمعات المتخلفة. ولأن للانقاذ من التخلف، والمسير نحو التقدم ، شروطاً يجب أن تتوفر للمجتمعات، فإن توحيد إمكانيات الأمة على شتى الصُعُد تشكل حاجة ضرورية ومهمة وجدية في عصر العولمة الاستعمارية. فما هي المظاهر والمهمات التوحيدية التي تجعل من الوحدة العربية حاجة ضرورية للنضال العربي من أجل أن يعمل على فرض دور للأمة العربية في عالم الأقوياء؟ ولأن الحاجة إلى الوحدة العربية أصبحت واضحة نظرياً، فإن النضال من أجلها وطريقة تحقيقها، والسُبُل المؤدية إليها هي من الإشكاليات التي نحن بحاجة إلى الإسهام في توضيح بعض الوسائل العملية التي تسهم في تحقيقها. وعلى هذا الأساس سوف أسهم في بعض تلك الجوانب:
يتبع ...