المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : محمد فائق:الثورة المصرية في القارة السمراء


جميل السلحوت
29-11-2010, 11:21 AM
الثورة المصرية في القارة السمراء
محمد فائق: الثورة حررت إفريقيا وأسهمت في بناء نهضتها
حوار: غريب الدماطي

يستحق محمد فائق عن جدارة واستحقاق لقب “مهندس العلاقات الإفريقية”، فقد أمضى الرجل ما يزيد على عقدين من عمره مسؤولاً عن هذا الملف الحيوي منذ العام الثاني لقيام الثورة وحتى رحيل الزعيم جمال عبدالناصر في 28 سبتمبر/ أيلول في العام 1970 . حتى عندما تولى محمد فائق مسؤولية حقيبة الإعلام ظل الملف الإفريقي واحداً من أهم الملفات التي تعاملت معها الثورة، فانطلقت من القاهرة 25 إذاعة ناطقة بمختلف اللهجات واللغات الإفريقية، ولدعم حركات التحرر والاستقلال بها .

كيف تعاملت ثورة يوليو مع الدائرة الإفريقية؟ وما الثمن الذي حصلت عليه مصر من التعاطي مع هذا الملف؟ وما الحل لأزمة المياه الدائرة حالياً؟ الإجابة تالياً:

بداية: متى بدأت علاقتك بالثورة وكيف توطدت مع الرئيس عبدالناصر؟

بدأت علاقتي بالرئيس الراحل جمال عبدالناصر منذ عام 1951 فقد كان أستاذي في مادة علم “التحركات” في مدرسة الشؤون الإدارية، واعتقد أنني لفت نظره خلال فترة دراستي من خلال الحوارات التي كانت تحدث بيننا والمشروعات الدراسية، واستمرت علاقتي به منذ ذلك الحين .

توليت حقيبة وزارة الإعلام في فترة من الفترات فكيف كان يتم توجيه الإعلام المصري حينذاك؟ وكيف لعب دوراً مهماً وبارزاً في “تنوير” المنطقة العربية والإفريقية؟

الإعلام لا يخلق صورة وإنما يعكس صورة، ولقد ارتبط الإعلام المصري في ذلك الوقت بالسياسة المصرية للثورة، وكشأن الثورات الكبرى لم تقف ثورة يوليو عند حيز مصر الجغرافي، بل خرجت بتأثيرها إلى المنطقة العربية والإفريقية بصفة خاصة، كما لعبت ثورة يوليو دوراً دولياً من خلال حركة عدم الانحياز، وركزت كثيرا في دوائرها الثلاث “العربية الإفريقية الإسلامية” وبطبيعة الحال كان الإعلام يعكس الدور الكبير الذي كانت تقوم به مصر في ذلك الوقت .

أضف إلى ذلك أن عبدالناصر دخل معارك كثيرة جداً أبرزها مع الاستعمار التقليدي، الذي كان يعتبر مصر محور حركات التحرر في العالم، وهو ما أعطى صورة واقعية لثورة يوليو ولمصر بأنها باتت لاعباً رئيسياً وصاحبة دور مهم وأساسي، وبخاصة مع شعوب المنطقة التي كانت تسعى نحو الاستقلال وحق تقرير المصير .

لكن بعض القوى اتهمت الزعيم جمال عبدالناصر في ذلك الوقت بالعمل على “تصدير الثورة” فهل كان الأمر كذلك؟

قضية تصدير الثورة لم يعمل بها عبدالناصر قط، لكن مصر كانت تقود حركة تحرر واستقلال واسعة الانتشار في العالم كله، وكان لابد على مصر أن تدعم تلك الحركات التحررية الراغبة في الاستقلال، وأعتقد أن كثير من المعارك التحررية التي خاضها عبدالناصر كانت مدعومة من الشعب العربي .

توليت الملف الإفريقي خلال فترة الستينات وأطلقت عليك الأوساط السياسية في مصر حينذاك لقب “مهندس العلاقات المصرية الإفريقية”، متى بدأت تلك المهمة وما أبرز ملامحها؟

توليت الملف الإفريقي منذ عام 1953 وكانت البداية في السودان باعتباره العمق الاستراتيجي لمصر، وكانت أمامنا مشكلتان في ذلك الوقت . . الأولى تتمثل في وجود 82 ألف جندي بريطاني يحتلون منطقة قناة السويس، وكان يتعين علينا العمل من أجل إجلاء تلك القوات عن مصر، ولم يكن لهذا الجلاء معنى دون تحرير السودان . لذلك فقد بقيت أمامي المشكلة الثانية متمثلة في كيف يمكن إخراج الإنجليز من السودان؟

وقد أصر عبدالناصر على أن تكون بداية عملنا في إفريقيا من خلال السودان، وهو ما دفعنا إلى الدخول في تفاوض مع القوى السياسية المختلفة حول تقرير المصير قبل طرد الإنجليز على أمل أن يعود السودان للانضمام إلى مصر في إطار الوحدة وهو يتمتع بكامل استقلاله .

كان السودان هو البداية لأسباب أخرى، منها أنه يرتبط بحدود مع سبع دول إفريقية أخرى، ومن ثم لو اختار السودان الوحدة فستكون حدودنا ممتدة إلى تلك الدول السبع التي كانت حينها تحت الاستعمار الفرنسي والإنجليزي والبلجيكي، لكن السودان اختار في النهاية حق تقرير المصير وانفصل عن مصر، فأدركنا أنه لابد من تأمين استقلال السودان وإنهاء الاستعمار في الدول المجاورة له لحفظ أمننا وأمن السودان وكذلك أمن منابع النيل .

كيف تعامل الرئيس الراحل جمال عبدالناصر مع الملف الإفريقي بشكل عملي؟

ساعدت مصر حركات التحرر وتبنت إشكالية التفرقة العنصرية في جنوب إفريقيا، وعبدالناصر قال تحديدا إننا لن نستطيع أن نقف مكتوفي الأيدي أو بعيدين عن الصراع الدائر في جنوب إفريقيا الذي كان طرفه 5 ملايين أوروبي (أبيض) و200 مليون إفريقي، وقد بدأنا في مساعدة حركات التحرر من خلال فتح مكاتب سياسية لهم في القاهرة، كما قمنا بتأسيس رابطة أطلق عليا “الرابطة الإفريقية” لا يزال مقرها قائما حتى الآن، وأطلقنا 25 إذاعة باللغات الإفريقية لتخاطب كل إذاعة شعبها في جنوب ووسط وشرق وغرب إفريقيا .

وساعدت الثورة في تأسيس منظمة الوحدة الإفريقية عام 1963 وخرجت منها لجنة تحرير إفريقيا التي ضمت بجانب مصر ثماني دول إفريقية أخرى كانت تعمل على تقديم المساعدات العسكرية اللازمة لكل الدول الراغبة في التحرر، وبعد استقلال تلك الدول امتدت المساعدات إلى أمور أخرى تساعد في الحفاظ على هذا الاستقلال، بالإضافة إلى أن مصر فتحت أبوابها أمام الطلاب الدارسين من القارة السمراء وأنشأت مراكز ثقافية عديدة في تلك الدول .

لماذا اختار الرئيس عبدالناصر الملف الإفريقي من خلال معاركه ضد الاستعمار؟

لأن الثورة كانت قائمة على محاربة الاستعمار وتحقيق الاستقلال وهذا الأمر كان محورا أساسيا في فكر الرئيس عبدالناصر، كما أنه كان يؤمن بأن ما يحدث في الداخل هو انعكاس للسياسة المصرية في الخارج، فقد كان لا يزال بها الاستعمار وكان على الثورة محاربته وقد انعكس هذا الأمر على السياسة الخارجية .

فالدول المحيطة بمصر محتلة وبالتالي فإن أي استقلال حقيقي لمصر لن يتحقق إلا باستقلال تلك الدول، كما أن الثورة أدركت أن الاستقلال لن يتم إلا في إطار أوسع عربياً وإفريقياً، وبالتالي فإن قضية مساعدة الشعوب للتحرر كانت أحد أهم الأهداف لثورة يوليو .

كيف واجه الرئيس عبدالناصر بعض الانقلابات التي حدثت في بعض دول إفريقيا؟

ثورة 23 يوليو أخذت على عاتقها بعد استقلال دول إفريقيا عدم التدخل في الشؤون الداخلية لأي من هذه الدول، بل عملت على تحسين العلاقات مع كافة الأطراف بما يحقق الاستقرار في تلك الدول .

هل ركزت الثورة فقط على ملف التحرر، وأين الجانب الاقتصادي المصري في الملف الإفريقي؟

الثورة لم تقف عند حدود المساعدات العسكرية أو دعم حركات التحرر فقط، بل امتدت إلى أنشطة اقتصادية، لأنه لا قيمة للاستقلال من دون بناء تنمية حقيقية، وقد استطاعت مصر من خلال مجلس الوحدة الإفريقية تشكيل وحدة اقتصادية للمساهمة في التنمية حسبما هو وارد في ميثاق المنظمة، كما فتحت مصر آفاقاً للتعاون التجاري والاقتصادي مع دول إفريقيا حتى يمكن لها أن تقف في مصاف الدول الآخذة في التنمية الحقيقية، ودعني هنا أقص عليك قصة واحدة تتعلق بالصومال، فعندما امتنعت الشركات الإيطالية عن شراء محصول “الموز” الذي يعتبر الثروة الرئيسية في الصومال استدعاني الرئيس عبدالناصر وقال لي: “أبلغ الجانب الصومالي أن مصر لديها استعداد لشراء كل إنتاجهم من الموز”، وعندما أعلنت ذلك من خلال وسائل الإعلام هرولت الشركات الإيطالية لشراء الموز وبأسعار خيالية .

لقد كان الموقف الإيطالي بمثابة تأديب للصومال بسبب سياسة رئيس وزرائها حينذاك عبدالرشيد الشرناقرتي التقدمية والمعادية للغرب، لكن الرئيس عبدالناصر نجح في خداع الإيطاليين ليشتروا “الموز” بأسعار خيالية لصالح الصومال، وقد لعبت مصر دوراً كبيراً في تقديم المساعدات اللازمة لدول إفريقية أخرى مثل مالي ومالاوي ولم تكلفنا تلك المساعدات كثيراً .

لكن البعض يقول إن مصر أنفقت أموالاً طائلة على دعم هذه الدول ولم تجن منها شيئاً؟

بالعكس فتكلفة تلك المساعدات كما قلت كانت قليلة مقارنة بالمكاسب التي جنتها مصر من خلال تواجدها في إفريقيا، ودعني أقول إن أبرز تكلفة كانت إلى جانب دعم حركات التحرر هي فتح أبواب الجامعات المصرية أمام الطلاب الأفارقة، وأعتقد أن هذا كان بالنسبة لمصر أكبر استثمار لأن هؤلاء الدارسين عندما يعودون إلى بلادهم كانوا يحملون ثقافة عربية إسلامية، ومن ثم فقد تم ربط تلك الثقافة وتلك الحضارة بالثقافات الإفريقية، أضيف إلى ذلك أن مصر بعدما اتجهت إلى التسليح العسكري نحو الكتلة الشرقية تخلصت من الأسلحة التي كانت لديها من الغرب من خلال منحها كمساعدات للدول الإفريقية، وعندما وقفنا مع نيجيريا في حربها مع برافيا استفدنا من مساعداتنا لنيجيريا، فقد قمنا ببيع بعض الأسلحة لها، وقمنا، بما حصلنا عليه من عملة صعبة، بشراء بعض الرادارات والأسلحة المتطورة، كما فتحنا فرص استثمار جديدة أمام شركات الطيران المدني التي امتد عملها إلى دول إفريقيا وحققت مكاسب كبيرة مقابل خدمة نقل الأفارقة .

ودعني أعطيك مثالاً آخر، لقد كنا نرسل بعض المدرسين إلى الصومال وكانت تكلفة هؤلاء في العام لا تزيد على مليون جنيه فقط، لكننا في مقابل ذلك كسبنا الصومال عندما دخلت إلى الدائرة العربية لأنها ببساطة تعلمت اللغة العربية .

البعض قد يقول، لكنها في النهاية دولة إفريقية، فهل اللغة وحدها كافية للدخول في المنظومة العربية؟

العلاقات العربية الإفريقية عميقة الجذور ومعروف أن إفريقيا سطرت تاريخها القديم باللغة العربية، كما أن اللغات الإفريقية كانت تكتب بالحروف العربية مثل السواحيلي والهوسة وغيرهما، وعندما دخل الاستعمار إفريقيا حاول إبعاد إفريقيا عن الدول العربية، كما حاول إعادة كتابة تاريخ إفريقيا، معتبرا أن تاريخها بدأ مع دخول الاستعمار القديم الذي كان يحمل حضارة غربية طاردة لأي حضارات أخرى، عكس الثقافة الإسلامية العربية التي اندمجت مع الثقافة الإفريقية وكوّنت منتجاً جديداً .

وخلال عملي في الملف الإفريقي اكتشفت مبكراً أن ساحل منطقة شرق إفريقيا يسكنه المسلمون الأفارقة الذين يقرؤون القرآن بالحروف العربية، فأطلقت إذاعة موجهة لهم لتعليم اللغة العربية وأصدرنا كتاباً لتعليم اللغة العربية، واكتسبنا من وراء ذلك آلاف الأفارقة الناطقين باللغة العربية، أضف إلى ذلك المراكز الثقافية التي أسستها مصر في كافة دول إفريقيا، فكل ذلك ساهم في دمج الحضارة العربية والإسلامية مع الحضارات الإفريقية .

نهر النيل يظل هو محور اهتمام الحكام المصريين على مر الزمان فكيف تعامل الرئيس عبدالناصر مع دول إفريقيا بشأن هذا الملف؟

عبدالناصر أدرك أن عصر الفتوحات قد انتهى وحل مكانه عصر العلاقات والمنفعة والمصالح المشتركة والمتبادلة، لذا فقد سعى منذ البداية إلى إقامة علاقات مع دول حوض النيل، ورأى عبدالناصر أن إقامة تلك العلاقات وتوطيدها يتطلب ضرورة مساعدتها من أجل التحرر وتحقيق الاستقلال، لذلك قامت الثورة بمساعدة كينيا وأوغندا وبروندي ورواندا، وقد حققت الثورة نجاحات كبيرة في إقامة تلك العلاقات خاصة مع أوغندا، ولم تترك مصر مشكلة بين أي من الأطراف الإفريقية إلا وتدخلت لحلها مثل مشكلة السودان وأوغندا وكينيا، وأعتقد أن الطريق الوحيد لاكتساب علاقات مع إفريقيا هو تقديم المساعدة في تحقيق التنمية .

في إطار ملف نهر النيل كان لمصر مشروع قومي في إقامة السد العالي، ماذا كانت ردود الفعل الإفريقية إزاء هذا المشروع العملاق؟

عندما شرعت مصر في إقامة المشروع كانت دول الحوض لا تزال تحت الاحتلال فيما عدا السودان وإثيوبيا، وكانت السودان تمثل آنذاك العائق أمام إقامة المشروع وذلك بدافع من الإنجليز الذين حرضوا السودان ضد مصر والمشروع، رغم أن السد العالي سيعود بالنفع أيضاً على السودان وعقب الانقلاب الذي حدث في السودان بقيادة الجنرال عبود الذي كان مدعوماً من الإنجليز رأت إنجلترا حينها أنه في سبيل تثبيت أقدام “عبود” في الحكم لابد للسودان أن توافق على اتفاقية مصر وإثيوبيا بشأن حصة المياه ومشروع السد العالي، وبالفعل وقعت السودان مع إثيوبيا ومصر على الاتفاقية، كما التزمت مصر بكل الاتفاقيات القديمة التي وقعت إبان الاستعمار عند تنفيذها لمشروع السد العالي .

ماذا عن المردود الاقتصادي الذي حصلت عليه مصر جراء علاقاتها الإفريقية في الستينات؟

سعت مصر أثناء الثورة إلى إقامة نهضة صناعية واعتبرت دول إفريقيا سوقا لهذه النهضة، وكانت نهضتنا الصناعية في ذلك الوقت بحاجة إلى مواد خام، ودول إفريقيا مملوءة بالمواد الخام والمعادن، وبالفعل كانت مصر تغزو الأسواق الإفريقية بالمنتجات المصرية، وأنا أرى في هذه اللحظة أن التعاون العربي الإفريقي بالغ الأهمية، لأن إفريقيا لا تزال أرضاً مملوءة بالمعادن والثروات التعدينية، وقد طلب مني الأفارقة حث الدول العربية على الاستثمار في إفريقيا .

أصدرت كتاباً عن إفريقيا خلال فترة اعتقالك في سجون السادات، فماذا كنت تقصد من ذلك؟

كنت أخشى على تراث العلاقات المصرية الإفريقية وهذا الخوف على هذا التراث هو ما دفعني للكتابة، ومن المفارقات أن هذا الكتاب أصبح اليوم هو الدليل الأساسي لمن يريد أن يعرف الاستراتيجية التي يجب أن تتبع في التعامل مع إفريقيا .

أزمة المياه الأخيرة واحدة من أبرز تجليات غياب مصر عن الساحة الإفريقية، فكيف ترى جذور هذه الأزمة وما سبل الحل؟

لا يوجد مفتاح سريع لحل الأزمة، لكن أعتقد أن الأزمة ليست عصية على الحل وذلك في إطار استراتيجي أوسع من خلال الاهتمام بإفريقيا كاملة وليس الاهتمام فقط بدول الحوض، وهذا لن يتأتى إلا بالحوار من دون التلويح بأي تهديدات، دعني أقول لك إن دولة مثل إثيوبيا التي تصلنا نسبة 85% من مياه النيل من خلالها تملك 12 حوض مياه آخر، وأعتقد أن مشاركتنا في تنمية إثيوبيا مدخل مهم لحل الأزمة، ولابد أيضاً ألا نترك الخبراء “الإسرائيليين” يعملون وحدهم في إثيوبيا، ولابد أن أرسل أنا أيضاً خبرائي هناك لفضح السياسات “الإسرائيلية” التي يتبعونها في مشروعات إثيوبيا وأوغندا على سبيل المثال .

على مصر أن تجد لنفسها موطئ قدم في هذه المناطق مع مراعاة مصالح هذه الدول، وأعتقد أنه لابد من استراتيجية طويلة المدى، تتوازى مع إقامة علاقات شخصية بين حكام تلك الدول كما كان يفعل عبدالناصر .