محمد فتحي المقداد
01-12-2010, 02:10 AM
الذَّنَبُ .. و .. الأذناب
بقلم ( محمد فتحي المقداد)*
في جلسة عامرة عند أحد الأصدقاء , وقد اجتمع الكثير منهم ممن لم نره من سنوات وفترات طويلة , وطالت ساعات الجلسة تلك , وتشعبت الأحاديث فيما
بين ذكريات الطفولة والدراسة, وتطرق الحديث عن شخص, أتعب أيامه بشقاوة غير معهودة , من أكل للحقوق ونصب واحتيال , وكذب و دجل, واختلفت الآراء في هذا الشخص, حتى قالوا عنه :أنه صلُح و تاب عن قبيح أفعاله, فاندفع أحدهم بحماس, بقوله: ( سيبقى ذَنَبُ الكلب أعوج , ولو وضعوه في القالب مائة عام)
وهنا توقفت عند الحس المرهف و لتحسس مثل تلك الحالات الاجتماعية , ما حسُن منها وما قَبُح , ومثل تلك المقولة و التي ما صدرت إلاّ عن تجربة وخبرة طويلة في أطباع البشر , حتى قيل قديماً ( إنّ الطبع غلب التطبّع) . وفي المَثَلِ: ( ما لي ذَنْبٌ إلاَّ ذَنْبُ صُحْر ) و صُحْرٌ: اسْمُ ابْنَةِ لُقْمَانَ بن عادٍ.
ومن باب المزح ,يقال: لمن تتجمع عليه المصائب الكثيرة :( هذه ذنوبُ قديمة) بمعنى أن هذه عقوبة لتلك الذنوب التي سبقت, ومن هنا انطلقت للبحث في مادة
( ذ – ن - ب) وهذه الأحرف التي تشكل كلمة ( ذَنب) و لأغوص في أعماق هذا المعنى , بدأت البحث بمختار الصحاح الذي جاء فيه, في هذه المادة :
[ ذنب- ( التَذْنوب) كالمفعول ,وهو البُسْر الذي بدأ به الإرطاب من قِبَلِ ذّنّبِه , وقد (ذّنّبَتِ) البُسرة بفتح الذال( تذنيباً) فهي ( مُذَنِّبة) و ( الذَنوب) النصيب وهو أيضا الدلوالملأى ماء, وقيل التي فيها ماء قريب من المِلْء ,تؤنث وتذكر, ولا يقال لها و هي فارغة ( ذَنوبُ)]
ولكن في المصطلح الشرعي , استخدمت الكلمة بمعنى المعصية لله , مما يخالف أوامر الله وتعاليم رسله وأنبيائه, وكانت هناك درجات لهذه الذنوب و منها الصغير ومنا الكبير الذي وصل لدرجة الكبائر التي إن فعلها شخص قد يستحق بفعلته دخول جهنم , أو أن يعفو الله عنه .
ومن هنا كان دعاء المؤمنين في آخر سور البقرة (ولا تحمل علينا إِصراً) أَي عُقُوبةَ ذَنْبٍ تَشُقُّ علينا. وقوله تعالى:( ويَضَعُ عنهم إِصْرَهم )أَي ما عُقِدَ من عَقْد ثقيل والإِصر: الذَّنْب والثَّقْلُ، وجمعه آصارٌ.
أما الذّنْبُ والذي هو الإثم والإصر فنجمعه على صيغة ذُنوب , والذّنَبّ والذي نقصد به ذيل كل دابة لها ذنب كالفيل والحمار والكلب والنمس والثعلب وكثيرة هي , فإننا نجمعها على صيغة أذناب , وعلى اعتبار أن الذّنَب جزء يأتي في مؤخرة كل المخلوقات التي خلق الله لها الذيل , فقد استخدم في هذا المعنى مصطلحاً مجازياُ لمجموعة البشر الذين يتبعون جهة ما , وأطلقوا عليهم مصطلح ( الأذناب) أي التابعين لجهة ما يأتمرون بأوامرها , ويلتزمون بطاعتها , وهم في غالب الظن أنهم مأجورون, قد قبضوا ثمن خدماتهم مسبقاً, وقد يتأخر القبض في كثير من الأحيان لحين تنفيذ الخطط , وكذلك كانوا قديماً يستخدمون ذيل الفيل للعقوبات ويقوم مقام السوط وقد حظي ذيل الفيل بسمعة سيئة لدى الطلاّب القدامي, حينما كان يستخدمه بعض المعلمين لمعاقبة طلابهم, ولو أنهم زاولوا مهنة التعليم في الوقت الحاضر مع تطبيق الأساليب التربوية الحديثة, التي تحرم عقوبة الضرب, بكل تأكيد سيكون مصيرهم السجن, وفي مرحلة الدراسة, وفي درس الرياضة كانت إحدى الألعاب أن يتشكل التلاميذ على شكل دائرة كبيرة يهرولون وهم يصفقون و يغنون ( فات الثعلب فات فات , بذيلو سبع لفّات) و لم نكن ندرك ما نغنيه حتى جلست هنا أمام الذنب والأذناب , وتأملت الكلمات والحركات التي تبين مكر الثعالب , وكبر ذيله المكسو بالفرو نسبة لحجم جسم الثعلب الماكر الصغير, وعلى عظم حجم الفيل الذي اكتسب مهابة في قلوب الناس منذ القديم, عندما استخدم أبرهة لهدم الكعبة المشرفة , وناب العاج الذي حرمت تجارته عالمياً لكي تحافظ على الفيل وأنواعه النادرة من الانقراض , ورغم فوائده الكثيرة , لكن ذيله قد سبب له هذه النقطة السوداء في نفوس التلاميذ , وبما أن الثعلب الماكر المؤذي و المخرب لكثير من الممتلكات في الحقول, و لا تزال صورة ذلك الديك الجميل, الذي أغراه الثعلب بالصياح ماثلة أمام عيني, مع ذلك فقد حظي بأغنية أطفال جميلة اقترنت باللعب والمرح والسرور.وكذلك في هذا المقام فقد ورد في الأثر عن النبي صلى الله
, في باب علامات يوم القيامة و الظلم الذي يفشو على أيدي الحكام وأعوانهم يسوقون الناس بالقوة الأدوات , وبأيديهم أذناب الإبل , يضربون الناس بها.وقد ورد كذلك في مقام أذناب الإبل والبقر , كناية عن كثرة الأموال وانشغال الناس بها عن أوامر الله , مما يستوجب عقوبته .
والحِنْثُ ذَنْبٌ عَظِيْمٌ, وحَنِثَ في يَمِيْنِه إِذا لم يُبْرِرْها,وقد ورد هذا المعنى في قوله تعالى:( وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنثِ الْعَظِيمِ )الواقعة 46 الذنب (العظيم) وهو الشرك, أي ليس لي ذَنْبٌ. فإذا قلنا ذَنَبٌ أجرد فهي مثل رأس أصلع ,وأصل ذَنَبُ الطائر يقال له ( الزِّمكِّي) ويقال لما غلظ من الشعر كشعر ذَنّب الفرس ( الهُلْب), وإذا قص ذلك الشعر في ذيل الفرس يقال له:( حَذَفَ ذَنَبَ الفَرَسِ ) و الحَذْفُ قَطْعُ الشَّيْءِ من الطَّرَفِ، كحَذْفِ ذَنَبِ الدّابَّةِ.والعَزَالانِ: الريشتَانِ اللتانِ في طَرَفِ ذَنَبِ العُقَاب، وجَمْعُها (أعزِلَة).و الكُسْعَةُ: الريشُ المجْتَمِعُ الأبيضُ تحتَ ذَنَب الطيْر. والنُكْتَةُ البَيْضاء ُ وعَسكْتُ ذَنَبَ الدّابًةِ: أي عَقَدْتَه., ومن ينتقل للفن والعزف على العود فإننا نجد أن أجود أوتاره ما أخذ من ذنب الفرس, والرباية الآلة الشعبية
ذات الصوت الجميل الذي يترافق مع قصيدة من شاعر شعبي يقولها باللهجة المحكية. وأما المذنبات والشهب والنيازك التي تتهاوى إلى الكرة الأرضية, فكثيراً ما تثير الرعب في قلوب البشر من سرعتها ووميضها الساطع, وهنا تكون الوقفة الجميلة للتأمل العميق أمام روعة اللغة العربية التي تستوعب كل أدوات الحياة , وهي قادرة على أن تستوعب لغة العلم الحديث
وكانت جامعة دمشق رائدة في تعريب العلوم بكل أنواعها وأشكالها, ومما يجعلنا نطلق العنان لمخاوفنا الكثيرة تجاه كثير من القضايا المعاصرة, وخصوصاً العولمة وانتشار وسائل الاتصال السريعة و الانترنت , وتدفق السيل الجارف من المعلومات ودخول أنماط جديدة في كل المجالات بدءاً من تعلم اللغات الأجنبية, والانصراف عن لغتنا العربية , والتي هي الوعاء الحقيقي لحياتنا وتاريخنا.مما سيكون له السيء الذي ينعكس على حاضرنا ومستقبلنا.
============= انتهى
بصرى الشام 30-11-2010م
بقلم ( محمد فتحي المقداد)*
في جلسة عامرة عند أحد الأصدقاء , وقد اجتمع الكثير منهم ممن لم نره من سنوات وفترات طويلة , وطالت ساعات الجلسة تلك , وتشعبت الأحاديث فيما
بين ذكريات الطفولة والدراسة, وتطرق الحديث عن شخص, أتعب أيامه بشقاوة غير معهودة , من أكل للحقوق ونصب واحتيال , وكذب و دجل, واختلفت الآراء في هذا الشخص, حتى قالوا عنه :أنه صلُح و تاب عن قبيح أفعاله, فاندفع أحدهم بحماس, بقوله: ( سيبقى ذَنَبُ الكلب أعوج , ولو وضعوه في القالب مائة عام)
وهنا توقفت عند الحس المرهف و لتحسس مثل تلك الحالات الاجتماعية , ما حسُن منها وما قَبُح , ومثل تلك المقولة و التي ما صدرت إلاّ عن تجربة وخبرة طويلة في أطباع البشر , حتى قيل قديماً ( إنّ الطبع غلب التطبّع) . وفي المَثَلِ: ( ما لي ذَنْبٌ إلاَّ ذَنْبُ صُحْر ) و صُحْرٌ: اسْمُ ابْنَةِ لُقْمَانَ بن عادٍ.
ومن باب المزح ,يقال: لمن تتجمع عليه المصائب الكثيرة :( هذه ذنوبُ قديمة) بمعنى أن هذه عقوبة لتلك الذنوب التي سبقت, ومن هنا انطلقت للبحث في مادة
( ذ – ن - ب) وهذه الأحرف التي تشكل كلمة ( ذَنب) و لأغوص في أعماق هذا المعنى , بدأت البحث بمختار الصحاح الذي جاء فيه, في هذه المادة :
[ ذنب- ( التَذْنوب) كالمفعول ,وهو البُسْر الذي بدأ به الإرطاب من قِبَلِ ذّنّبِه , وقد (ذّنّبَتِ) البُسرة بفتح الذال( تذنيباً) فهي ( مُذَنِّبة) و ( الذَنوب) النصيب وهو أيضا الدلوالملأى ماء, وقيل التي فيها ماء قريب من المِلْء ,تؤنث وتذكر, ولا يقال لها و هي فارغة ( ذَنوبُ)]
ولكن في المصطلح الشرعي , استخدمت الكلمة بمعنى المعصية لله , مما يخالف أوامر الله وتعاليم رسله وأنبيائه, وكانت هناك درجات لهذه الذنوب و منها الصغير ومنا الكبير الذي وصل لدرجة الكبائر التي إن فعلها شخص قد يستحق بفعلته دخول جهنم , أو أن يعفو الله عنه .
ومن هنا كان دعاء المؤمنين في آخر سور البقرة (ولا تحمل علينا إِصراً) أَي عُقُوبةَ ذَنْبٍ تَشُقُّ علينا. وقوله تعالى:( ويَضَعُ عنهم إِصْرَهم )أَي ما عُقِدَ من عَقْد ثقيل والإِصر: الذَّنْب والثَّقْلُ، وجمعه آصارٌ.
أما الذّنْبُ والذي هو الإثم والإصر فنجمعه على صيغة ذُنوب , والذّنَبّ والذي نقصد به ذيل كل دابة لها ذنب كالفيل والحمار والكلب والنمس والثعلب وكثيرة هي , فإننا نجمعها على صيغة أذناب , وعلى اعتبار أن الذّنَب جزء يأتي في مؤخرة كل المخلوقات التي خلق الله لها الذيل , فقد استخدم في هذا المعنى مصطلحاً مجازياُ لمجموعة البشر الذين يتبعون جهة ما , وأطلقوا عليهم مصطلح ( الأذناب) أي التابعين لجهة ما يأتمرون بأوامرها , ويلتزمون بطاعتها , وهم في غالب الظن أنهم مأجورون, قد قبضوا ثمن خدماتهم مسبقاً, وقد يتأخر القبض في كثير من الأحيان لحين تنفيذ الخطط , وكذلك كانوا قديماً يستخدمون ذيل الفيل للعقوبات ويقوم مقام السوط وقد حظي ذيل الفيل بسمعة سيئة لدى الطلاّب القدامي, حينما كان يستخدمه بعض المعلمين لمعاقبة طلابهم, ولو أنهم زاولوا مهنة التعليم في الوقت الحاضر مع تطبيق الأساليب التربوية الحديثة, التي تحرم عقوبة الضرب, بكل تأكيد سيكون مصيرهم السجن, وفي مرحلة الدراسة, وفي درس الرياضة كانت إحدى الألعاب أن يتشكل التلاميذ على شكل دائرة كبيرة يهرولون وهم يصفقون و يغنون ( فات الثعلب فات فات , بذيلو سبع لفّات) و لم نكن ندرك ما نغنيه حتى جلست هنا أمام الذنب والأذناب , وتأملت الكلمات والحركات التي تبين مكر الثعالب , وكبر ذيله المكسو بالفرو نسبة لحجم جسم الثعلب الماكر الصغير, وعلى عظم حجم الفيل الذي اكتسب مهابة في قلوب الناس منذ القديم, عندما استخدم أبرهة لهدم الكعبة المشرفة , وناب العاج الذي حرمت تجارته عالمياً لكي تحافظ على الفيل وأنواعه النادرة من الانقراض , ورغم فوائده الكثيرة , لكن ذيله قد سبب له هذه النقطة السوداء في نفوس التلاميذ , وبما أن الثعلب الماكر المؤذي و المخرب لكثير من الممتلكات في الحقول, و لا تزال صورة ذلك الديك الجميل, الذي أغراه الثعلب بالصياح ماثلة أمام عيني, مع ذلك فقد حظي بأغنية أطفال جميلة اقترنت باللعب والمرح والسرور.وكذلك في هذا المقام فقد ورد في الأثر عن النبي صلى الله
, في باب علامات يوم القيامة و الظلم الذي يفشو على أيدي الحكام وأعوانهم يسوقون الناس بالقوة الأدوات , وبأيديهم أذناب الإبل , يضربون الناس بها.وقد ورد كذلك في مقام أذناب الإبل والبقر , كناية عن كثرة الأموال وانشغال الناس بها عن أوامر الله , مما يستوجب عقوبته .
والحِنْثُ ذَنْبٌ عَظِيْمٌ, وحَنِثَ في يَمِيْنِه إِذا لم يُبْرِرْها,وقد ورد هذا المعنى في قوله تعالى:( وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنثِ الْعَظِيمِ )الواقعة 46 الذنب (العظيم) وهو الشرك, أي ليس لي ذَنْبٌ. فإذا قلنا ذَنَبٌ أجرد فهي مثل رأس أصلع ,وأصل ذَنَبُ الطائر يقال له ( الزِّمكِّي) ويقال لما غلظ من الشعر كشعر ذَنّب الفرس ( الهُلْب), وإذا قص ذلك الشعر في ذيل الفرس يقال له:( حَذَفَ ذَنَبَ الفَرَسِ ) و الحَذْفُ قَطْعُ الشَّيْءِ من الطَّرَفِ، كحَذْفِ ذَنَبِ الدّابَّةِ.والعَزَالانِ: الريشتَانِ اللتانِ في طَرَفِ ذَنَبِ العُقَاب، وجَمْعُها (أعزِلَة).و الكُسْعَةُ: الريشُ المجْتَمِعُ الأبيضُ تحتَ ذَنَب الطيْر. والنُكْتَةُ البَيْضاء ُ وعَسكْتُ ذَنَبَ الدّابًةِ: أي عَقَدْتَه., ومن ينتقل للفن والعزف على العود فإننا نجد أن أجود أوتاره ما أخذ من ذنب الفرس, والرباية الآلة الشعبية
ذات الصوت الجميل الذي يترافق مع قصيدة من شاعر شعبي يقولها باللهجة المحكية. وأما المذنبات والشهب والنيازك التي تتهاوى إلى الكرة الأرضية, فكثيراً ما تثير الرعب في قلوب البشر من سرعتها ووميضها الساطع, وهنا تكون الوقفة الجميلة للتأمل العميق أمام روعة اللغة العربية التي تستوعب كل أدوات الحياة , وهي قادرة على أن تستوعب لغة العلم الحديث
وكانت جامعة دمشق رائدة في تعريب العلوم بكل أنواعها وأشكالها, ومما يجعلنا نطلق العنان لمخاوفنا الكثيرة تجاه كثير من القضايا المعاصرة, وخصوصاً العولمة وانتشار وسائل الاتصال السريعة و الانترنت , وتدفق السيل الجارف من المعلومات ودخول أنماط جديدة في كل المجالات بدءاً من تعلم اللغات الأجنبية, والانصراف عن لغتنا العربية , والتي هي الوعاء الحقيقي لحياتنا وتاريخنا.مما سيكون له السيء الذي ينعكس على حاضرنا ومستقبلنا.
============= انتهى
بصرى الشام 30-11-2010م