مشاهدة النسخة كاملة : صدور رواية عودة الفَلُّوص للروائي عبد الجواد خفاجي
معتصم الحارث الضوّي
27-12-2010, 10:35 PM
"عودة الفلوص" رواية جديدة للروائي عبدالجواد خفاجي صدرت عن دار"بورصة الكتب بالقاهرة" وهي الرواية الرابعة لمؤلفها في مسيرة النشر، الرواية تأتي في إطار مشروع عبدالجواد خفاجي الروائي الذي يمتاح تواجده من المعطى البيئي والاجتماعي الصعيدي، مركزاً على استغلال الطابع الخاص للتركيبة الحضارية والجمالية والاجتماعية في جنوب مصر، و ما يعتمل فيه من قرصنة روحية وسياسية وقبلية تسطو على حياة شخوص الرواية منحدرة بهم إلى أسفل في عصر متخم بالانهيارات والتغيرات السياسية والفكرية والثقافية. الرواية تعتمد على سارد معتوه يقوم بسرد أحداث أشبه بتاريخ سري لشخصيات مجهولة في عمق الريف الصعيدي، كما أنها تعتمد على الغرائبي والأسطوري والفلكلوري وهي تصور حياة وبيئة الشخوص .
المؤلف في سطور
ـ عبدالجواد خفاجي.. من مواليد قرية القارة بمركز أبى تشت بمحافظة قنا في 14/1./1958م
ـ يعمل مدرساً للغة العربية بالمدارس الثانوية بإدارة أبى تشت التعليمية بمحافظة قنا.
كتب صدرت للمؤلف:
ـ الراقصة والعجوز: رواية ـ عن دار الرقىّ ـ بيروت لبنان عام 1986م
ـ تأريخ لسيرة ما: حلقة قصصية ـ عن فرع ثقافة قنا عام 2001م
ـ بغل المجلي : رواية ـ صدرت عن الهيئة المصرية العامة للكتاب 2007 م
ـ أرض الخرابة (رواية) ـ صدرت عن دار السندباد بالقاهرة عام 2010
له تحت الطبع:
1ـ الحذاء ( رواية)
2ـ خارج البطولة ( مجموعة قصص )
3ـ الحداثة النقيض: نقد أدبى
4ـ شمس ( رواية)
5ـ آلهة وقرابين (رواية)
6ـ جمهورية عتريس (كوميديا 3 فصول)
7ـ استضافة النص ( نقد أدبي )
8 ـ تقول التقارير (مجموعة قصص)
حصل على ما يزيد عن عشرين جائزة في مختلف أنواع الكتابة الأدبية من جهات رسمية وغير رسمية في مصر والوطن العربي، له كثير من الأعمال النقدية المنشورة بمجلة الشعر وغيرها ما الدوريات المتخصصة والمحكمة في العالم العربي، وكثير من البحوث المنشورة في كتب أبحاث المؤتمرات الأدبية في مصر، وكثير من القصص والأشعار المنشورة بالدوريات الأدبية الناطقة بالعربية في مختلف دول العالم.
معتصم الحارث الضوّي
27-12-2010, 10:39 PM
http://i53.tinypic.com/addojc.jpg
معتصم الحارث الضوّي
27-12-2010, 10:41 PM
فصل من الرواية:
كلنا يتذكر الفلُّوص.. عاش بسرِّه ومات بسرِّه، الله أعلم أين ذهب، إن كان قد قُتِل ودُفِن، أم دفنوه حيًّا – كما يقال – ثمة أقاويل كثيرة حول اختفائه، لكنما الأرجح أنه ركب أحد القطارات المتجهة إلى مصر، وأغلب الظن أنه يعيش الآن في القاهرة، ولعل ما قاله النائب "سليم العتقي" صحيح إلى حدٍّ كبير؛ فالفلُّوص لا تخطئه العين، غير أن النائب أقسم أنه رآه يدخل من بوابة مجلس الشعب، على مسمع ومرأى من أعين الجميع، وقد رآه الحرس، ولم يمنعوه من الدخول، وقال أكثر من ذلك: رأيته بأم عيني يقطع مسيرة رئيس المجلس في الممر المؤدى إلى القاعة الكبرى، ويسلم عليه يدًّا بيد، وانتظرت حتى تنعقد الجلسة الأولى، تلفَّت في الوجوه جميعها، كنت أتخيله جالسًا بيننا، حتى تعبت عيناي من البحث، التفتُّ إلى المنصَّة، لقد هالني أنه يقف أمامها، قبالة رئيس المجلس تمامًا، وجهه لنا، رافعًا كلتا يديه، ملوِّحًا بهما للأعضاء، مبتسمًا كابتسامة عبد الناصر للجماهير، وكنا نصفق، لا ندرى لماذا كنَّا نصفق، قال بعضنا إنه سيلقى بيان الحكومة، وقال آخرون: ربما أنه من قدامى الأعضاء، و أن واحدًا أو أكثر قال إنه من قدامى المحاربين، غير أنني قلت إنه الفلُّوص المبارك.. استدار إلى المنصة، قبَّل يدي رئيس المجلس، ثم قفز كالبهلوان فوق المنصة.. قبَّل خدَّيه، ومثله فعل رئيس المجلس عندما قبَّل يدي الفلُّوص، وقفز فوق المنصة كالبهلوان أيضًا. قَبَّل خدَّيِّ الفلُّوص، رفعا بعدها أياديهما لنا، ونزلا، جلس الفلُّوص أسفل المنصة متربِّعًا، كان وجهه لنا وظهره للرئيس، كان كثيرًا ما يصفق، غير أنه على عادته كان اللعاب يسيل من فمه، ويتهته ويثأثئ بكلمات غير مفهومة، غير أنه – وهذا ما أثار تعجبي – كان يرتدى بدلة وكرافتة وحذاء ً لامعًا.
قال رئيس المجلس في كلمة الافتتاح: " يسعدنا أن يكون بيننا الفلُّوص، نتبارك به كثيرًا.. صدقوني هو بالنسبة لي كالتميمة التي أتفاءل بوجودها أمامي، ما اصطحبته في طريق إلا وانتهى بالنجاح، وما أجلسته في جلسةٍ إلا وعمَّها الوفاق، فلتسمحوا لي أيها الأخوة أن يكون بيننا الفلُّوص ".
هذا ما قاله لنا النائب "سليم العتقى" وإذا كان هذا القول صحيحًا فالفلُّوص لا يزال حيًّا، وفيما يبدو أننا لا يجب أن نستبق الأحداث، فلندع الأيام تؤكد الصدق من الكذب، والحقيقة من الوهم.. إذا كان الفلُّوص حيًّا فإن جُحا أولى بلحم ثوره، وعلى النائب أن يعيده إلينا؛ ليعيش بيننا كما كان، لقد ربَّيناه وكبَّرناه، ولم نطرده، كل ما هنالك أنه اختفى، مخلِّفًا لغزًا كبيرًا لم نتوصَّل إلى حلِّه بعد، ليت كلام النائب يكون صحيحًا.. الفلُّوص ولىٌّ من الأولياء، هكذا أكد كل من عاشره، والدليل أن كل من أطعمه لقمة أو اتصل به قفز إلى أعلى، والدليل الآخر هو النائب نفسه، فقد كان طالبًا فاشلاً في سنواته الدراسية، ولم يحصل إلا على دبلوم الثانوي الزراعي بشق الأنفس.. بدأ حياته بوظيفة متواضعة في جمعية زراعية، لكنه استطاع بفضل الفلُّوص وبركته أن يصل إلى أكبر الوظائف، وأعلى المناصب.. كان الفلُّوص لسانه الذي يتكلم به منذ اختاروه في منظمة الاتحاد الاشتراكي؛ ليهتف في اجتماع الرئيس مع قيادات المحافظة. إنني لازلت أتذكر نائبنا وقد قام فجأة في منتصف خطبة الرئيس، هتف بعبارات مجلجلة.. كانت مسجوعة مرتبة منمقة، وكان ينطقها بطريقة مُنَطَّعة، أتذكر أن أولها: عاش الزعيم المناضل...... صانع الحاضر، ونصير العمال و...... أظن الفلاحين.. لست متذكرًا، لقد كنت بصفتي عضوًا من أعضاء منظمة الاتحاد الاشتراكي الشبان حاضرًا الاجتماع، كانوا قد لفتوا انتباهنا إلى أننا مختارون بعناية لأن خصوصيتنا في أكفنا، كنا معنيين بالتصفيق؛ لذلك لم تكن تعنيني العبارات. الحقيقة أن نائبنا مُفَـوَّه لبق، يتراسل الكلام من فمه كسيلٍ مزبدٍ، لا ينقطع.. يتحدث في كل شيء، يقال إن الفلُّوص هو الذي يتكلم، لقد حلَّت بركة الفلُّوص في دمه، الفلُّوص الذي عاش أبكمًا هو في الحقيقة ولىٌّ من الأولياء، يتكلم بكلام لا نسمعه، ولكنه يتكلم بما نسمع لو حلَّ في دم الآخرين، لا يمكن أن يكون كلام "سليم العتقى" كلام بشر عادي، لا يستطيع بشر عادى أن يتكلم لمدة ساعتين دون أن يأخذ نفسًا واحدًا، إنه يتحدث في الكرة والكهرباء والثقافة والمسرح والقصب، وترعة أبو حمار، والصحة والغيط البحري، والغيط القبلي، والكوبري القديم، دون أن يفصل في الحديث بين واحدة وأخرى، سمعتُه قبل سفره الأخير إلى القاهرة يتحدث إلى شاب جاءه يحمل كراسة فيها كتابة، سأله النائب عن المكتوب، فقال الشاب: إنها شعر.
كلمة واحدة قالها الفتى، لكن "سليم العتقى" قال مليون كلمة.. ما أن سمع كلمة (شعر) حتى طفق يزبد والناس تسمع: ـ هل قرأت كتاب "الشعر قنديل أخضر" لنزار قباني ؟.. لا تقل لي قرأته؛ فلا توجد منه ـ في المحافظة كلها ـ إلا نسخة واحدة هي عندي، إذا كنت قد قرأته فأنت تفهم في الشعر، وإذا لم تكن قد قرأته فأنت لا تفهم في المسرح، المسرح أبو الفنون، فيه "الحدوتة" والموسيقى والرسم والديكور والشعر والإضاءة والأزياء، ألم أقل لك إنك لا تفهم في المسرح، المسرح فيه متعة وتسلية وتثقيف للشباب، لو أن الشباب يهتمون بالمسرح سيوفرون الكهرباء، إنهم جميعًا يسهرون أمام التليفزيون حتى الصباح، والتليفزيون يستهلك كهرباء، والكهرباء زادت، زادت في السعر وليس في الكمية، آخر مرة دفعت فيها الفاتورة كانت منذ أسبوع، فوجت أن الزيادة عن الفاتورة السابقة حوالي سبعة عشر جنيها، كله بسبب الأولاد، والكرة.. لاشك كلنا نحب الكرة، لكن أنت تعلم أن المنتخب جعلها خل في خل، الخل أنواع، آخر مرة اشتريت فيها زجاجة خل، كانت من شهر، بجنيهين، كنا نشتريها في السابق بقرش صاغ، الأسعار طفشت، والمنتخب – كما تعلم – لم يفز مرة واحدة بكأس، ولا يحزنون، رغم أنهم يصرفون الملايين على الكرة، لو أنفقت هذه الملايين على المصانع واستصلاح الأراضي لأفدنا البلد أكثر، ولانتصرت مصر في دوري الغذاء بدل البهدلة وقلة القيمة......الخ" حقيقة انصرفت، ولم يكن النائب قد أنهى حديثة مع الشاب بعد، ألم أقل لكم إنه يتحدث بلسان الفلُّوص ؟!
على أية حالة الفلُّوص لنا، وعلى النائب أن يعيده إلينا من مصر، القاهرة تستأثر بكل شىء حتى الفلُّوص. الحكومات المتعاقبة على مصر مصرة على اختزال الوطن ـ كما قال النائب ـ في بقعة صغيرة، يبنون فيها الكباري والعمارات الفخمة ومترو أنفاق ومصانع ووزارات وعندنا ـ لمؤاخذة ـ لا يوجد محل أدب نعملها فيه مثل بقية الخلق.
ربما لو عاد الفلُّوص لَحُلَّت جميع مشاكل الصعيد، إذا كان رئيس مجلس الشعب ـ كما قال النائب ـ يحب الفلُّوص، ويتبارك به، فلا شك أن الفلُّوص هو الذي صنع مجده، ونحن أولى بهذا المجد، نحن هنا أبناء مينا ـ كما قال النائب ـ مينا الذي وحد القطرين، وأبناء عواصم مصر الأولى التي صدرت الحضارة إلى العالم ـ كما قال النائب ـ صدرناها غير نادمين، بيد أن مشكلتنا الآن بسيطة، فقط عودة الفلُّوص، وكل شىء سيكون على ما يرام، هو وليٌّ كما قلت، ولاشك أن بركته ساعدت الكثيرين في مصر على الوصول إلى المناصب والوزارات...لا تقل لي العمل والجهد والنجاح.. لا.. إنه الفلُّوص.. أبناؤنا عاطلون، لا وظائف، ولا زفت، ابني مدرس قَدِّ الدنيا عسكري مرور أحسن منه، مرتبه لا يكفى، شهادات لا قيمة لها، وشباب مثل الورد يتسكعون.. ثروة مصر تتسكع ـ كما قال النائب ـ تحت الحوائط وأمام الدِّش والإنترنت، وعلى المقاهي لحد الصبح، ينامون طوال النهار على أمل أن يأتي المساء ليطفشوا من البيوت، الواحد منهم يذلل عنقه أمام أمه، لوح لطزان يمد يده إلى أمه يأخذ منها ثمن الدخان، أعوذ بالله، الشباب تعلم البانجو.. أعوذ بالله.. أين أنت يا فلوص؟! و بعدما يصبح الشاب في سن الأربعين، إذا ربنا أكرمه بواحد من النُوَّاب يعثر له على وظيفة بقرشين صاغ، وظيفة لا تنفع ولا تشفع، ومع ذلك يعتبرها النوَّاب من أكبر الخدمات التي تحتاج إلى مجهود في زمن الخصخصة، يقولون أن القطاع العام خلاص، لا بأس، لكن أين هو القطاع الخاص؟!.. لا خاص ولا عام، عليه العوض ومنه العوض، الدولة فلَّستْ، الله يرحم أيام زمان، كنا نأكل ونصفق، هذه الأيام مطلوب من الشباب أن يصفق بدون أكل!.. خلصنا من الاتحاد الاشتراكي طلع لنا الحزب الوطني.. أين أنت يا فلوص؟!.. الله يرحم أيام زمان، منذ رحل الفلُّوص عنا الخير بدأ يختفي. ربنا يسهِّل ويعود الفلُّوص على يد النائب، مادامت الحكومات المتعاقبة على مصر – كما قال النائب – مصرَّة على عزل الصعيد، واعتباره مزرعة في الذيل وحسب، علينا أن نزرع وعليهم أن يطفحوا.. يقولون إن هذا كان أيام زمان، الصعيد الآن لا يوفر غذاءه.. هذا ليس ذنبنا، ما دام الشباب نائماً في البيوت، والأب الفلاح مطلوباً منه أن ينفق على الشحوط، إن عودة الفلُّوص قد تصحح الأوضاع، ربيناه، وكبَّرناه واختفى فجأة، وكما قلت آنفًا إن اختفاءه صار لغزًا لم يحله أحد إلى الآن، إلا أن ما قاله النائب مؤخَّرًا – ولعله صادق فيما قال – يعطى أملاً، كلنا يتذكر الفلُّوص وتفاصيل حياته بيننا، إن اختفاءه كان تحديدًا بعد رحيل عبد الناصر مباشرة، والحكاية من أولها معلومة، وإن كان الأولى أن نسردها من البداية، فالأمر بحاجة إلى وضع النقاط – كما قال النائب – فوق الحروف، ولا داعٍ للتجديف الأعمى، خاصة في سيرة الأولياء.
...... لا أحد يعرف له أصلاً ولا فصلاً، كل ما يعرفه الناس بخصوص الأصل والفصل أن واحدة دلفت من بين الركاب أثناء توقف القطار في المحطة، وألقت بلفًّة قماش تحت سور المحطة،وعادت بسرعة إلى القطار الذي ما لبث أن قام بعد لحظة توقف لم تَطُل، ويقال إن الناس فتشوا لفَّة القماش فوجدوا طفلاً رضيعًا ملفوفًا بها، لا يكاد يُرى وجهه وسط تلافيف القماش، حمله أحدهم إلى ضابط الشرطة الذي لم يكن قد مضى على تسلمه العمل في بلدنا غير يوم واحد.. نظر إلى اللفة، وتفحص بعينيه الطفل، ثم سبَّ دين الناس.. كل الناس، وقال: " خذوا ابن الشرموطة ده من قدامى" ورماه إلى "عب عزيز" الخفير الذي حمله بدوره إلى امرأته التي لم تكن قد أنجبت بعد، يقال إنها أرضعته لبن ماعز، ويقال إنها تركته يرضع كلبةً كانت قد ولدت جروين لها في سقيفة البيت.. تعوَّد الطفل على الرضاعة مع الجروين حتى عاف لبن الكلبة، ولمَّا تعلم المشي خرج من الدار، ولم يشأ أن يسـأل "عب عزيز عنه".. ويقال إن واحـدة التقطته من أمـام المحطة، ونسى "عب عزيز" الغلام، إلى أن فوجئ به ذات يوم جالسًا أمام مطعم "حمدون أبو الدردير" يقضم ساندويتش طعميَّة. هنالك سحبه من يده إلى البيت، غير أن امرأته رفضت هذه المرة بقاءه في الدار، وقالت إنها غير مستعدة لتربية ولد الحرام، الأمر الذي اضطر معه "عب عزيز" لأن يسحب الغلام من يده إلى المزلقان، وتركه هناك في "التاية" التي يبيت فيها عمال المزلقان.
وكان "العتقى" عامل المزلقـان قد فوجئ به في منتصف الليل عندما تـرك المصطبة، ودخـل "التاية" لينام بعد أن أغلق المزلقان، قام إلى الفانوس المعلق في عمود المزلقان، التقطه وعاد إلى الداخل... رآه طفلاً عفيًّا أبيض الوجه في حوالي الثالثة من عمره، كان وديعًا مستأنسًا، سأله العتقي كثيرًا من الأسئلة المعهودة في مثل هذا الموقف، وإن كان قد شك أن يكون ملعوبًا من الجنية التي يقال إنها تسكن منطقة المزلقان، ولمَّا لم يجب الطفل عن أي سؤال؛ حمله العتقي أمامه على الجحش وذهب به إلى زوجته، يقال إنه عاش في بيت العتقي لسنوات خمس تقريبًا، تربى مع أولاده، ولمَّا لم يسأل عنه أحد من الأهالي أعطاه العتقي اسم "الفلُّوص" ، ويقال إن العتقي كان يستفيد من الصبي في الغيط، ولما تأكد أن الصبي معتوه طرده من البيت، غير أن الأهالي أعادوه إليه مرة أخرى، ولما كان العتقي مشهورًا في البلد كله بأنه لَوَّاط قيل إنه كان يستعمل الفلُّوص بدلاً من زوجته، ويقال إن زوجته اضطرت إلى ترك البيت، وقالت: "يا أنا يا الفلُّوص في البيت ده " هنالك اضطر العتقي إلى سحب الفلُّوص من يده وربطه في شجرة نبق عتيقة خلف المحطة، ومن يومها أَلِفَ الفلُّوص النوم تحت النبقة، وصارت النبقة بالنسبة له الدار والأهل والصدر الحنون.
كان أولاد العتقي الثلاثة يأتون إلى الشجرة حاملين بعض الرغفان والجبن والتمر.. يفكون الفلُّوص من الحبل الذي يربطه بالشجرة، يأكلون مع الفلُّوص ويستحمون في الترعة، وكثيرًا ما شاهد المزارعون "سليم" الابن الأكبر للعتقي وهو يسحب الفلُّوص عاريًا إلى داخل غطيان الذرة، ويقال – والله أعلم ـ إنه كان يفعل معه مثلما كان يفعل أبوه العتقى، يخرجان بعدها من الذرة إلى التراب الناعم، يمرغان جسديهما عليه حتى يستحيل لون جلدهما سوادًا لا تبين فيه فتحات الأعين والأفواه، وهنالك يخرج الأولاد من الترعة يفعلون مثلهما، ثم يلقون بأجسادهم جميعًا في الترعة التي كان يستحيل ماؤها في تلك البقعة إلى خليط من الماء والتراب والقش. وفى الليالي التي كان يتناوب فيها العتقي النوباتجية في المزلقان كان ما أن يغلق المزلقان، ويشعل الفانوس، ويشرب زجاجة "الكينا" يتمشى إلى المحطة، يعبر الشريط قبل أن يصلها، ميممًا وجهه صوب الشجرة، يفك الفلُّوص، ويسحبه إلى التاية، وفى الصباح كان يعود به إلى مربطه قبل أن يعود إلى بيته.
ذات مرات حضر أولاد العتقي في الضحى إلى الشجرة، ولم يجدوا الفلُّوص ولم يجدوا المربط، قال كبيرهم لو أن الذئاب أكلت الفلُّوص، فمن أكل المربط ؟!.. بحثوا عنه حول الترعة وحول غيطان الذرة، ولمَّا لم يجدوه اتجهوا صوب المحطة.. كان الفلُّوص يتأمل البشر النازلين من القطار، وكان الحبل لا يزال مربوطًا في رجله اليسرى، قبضوا ثلاثتهم على الحبل، نزلوا به إلى الساحة الواسعة أمام المحطة وشاهد الناس الفلُّوص مربوطا من رجله اليسرى وأولاد العتقي يشدونه إلى الأمام وفيما كان وجهه شاحبًا، وعيناه غائمتين، يتدلى لسانه خارج فمه المفتوح، ولعابه يسيل غزيرًا، وأنفاسه تتلاحق، وفيما كان أولاد العتقي يتباعدون به عن المحطة إلى الدروب والحواري كان كثير من الأولاد يتجمعون خلفهم، يقذفون الفلُّوص بالحصى ويغنون: " فلوص يا فلوص أمك كلبه وأبوك جاموس " يقال إن الفلُّوص نطق يومها وكف عن التهتهة والثأثأة وأخرج بعض الأصوات على سبيل السباب، وإن لم يميزها الأولاد إلا أنهم فهموا من البصاق الذي يرشَّه عليهم أنه يسب ويشتم، ويقال إنه تمرد على قيوده منذ ذلك اليوم وقرر أن يعيش حرًا، لذلك عندما أعاده أولاد العتقي إلى الشجرة وحاولوا ربطه رفسهم برجله، ونطح واحدًا منهم، وفـرَّ هاربًا إلى المحطة، دخل مكتب ناظر المحطة الذي كان خاليًا، لَبَدَ تحت المكتب حتى جاء ناظر المحطة وشاهده وهو ينتفض، وينكمش في بعضه، ويشير بإصبعه.. سحبه ناظر المحطة وأجلسه على كرسي، ويقال إنه طلب له شايًا وأعطاه سيجاره، وكانت الأولى في حياة الفلُّوص، ومن لحظتها أصبح الفلُّوص صديقًا لناظر المحطة، يأتى كل صباح إليه يشرب في مكتبه الشاي ويدخن السيجارة ويمضى، غير أن الناس شاهدوه يتجول بكثرة على رصيف المحطة، خاصة عند وصول القطارات.. يحمل الحقائب والأمتعة عن القادمين من السفر، ومن ثم قال الناس: "فلوص الشيَّال" وأصبحت تلك مهنته التي كانت تدرُّ عليه بعض الفكَّة وتغيرت حياة الفلُّوص قليلاً، فلم يعد ينام بالضرورة تحت الشجرة، فقد أمسى يبيت في أماكن عدة: أمام مكتب ناظر المحطة، أو عربة القطار المهجورة في الرصيف الخلفي، أو دورة مياه المحطة حيث يفترش كرتونة على البلاط، وغالبًا ما كان ينام في مقهى "عوكل" بعد أن تنفض عنه حركة الزبائن وإن كان على عادته لا يزال يستحم في الترعة، ويأكل الحشائش، ويبول على نفسه ليلاً، وكثيرًا ما كان المزارعون يقفشونه يتلف زراعاتهم من الفول والحلبة، غالبًا ما كانوا ينهرونه، أحيانًا يُجْلِسه بعضهم ويقدمون له البِتَّاو والمشُّ والفول الأخضر، وعندما تمتلئ معدته يغادر الغيطان إلى المحطة مكانه الأثير.
ولم يعد العتقي يمكنه تحديد مكانه ليلاً ليقفشه ويسحبه إلى التاية، ولم يعد أولاد العتقي يمكنهم تحديد مكانه نهارًا ليمارسوا عليه سطوتهم ورذالتهم، وقد اتسعت خطاه، وامتدت إلى الدروب والحواري والمقاهي، فكثيرًا ما شوهد جالسًا على مقهى "عوكـل" المتاخم للمحطة، ورآه البعض أمام دكـان "عب حميد" غرب البلد، وكان كذلك يذهب إلى مطعم "حمدون أبو الدردير" شرق البلد ليتناول الطعام، وأغرب ما قيل أنه كان يتردد على بيت "فضة" بائعة الترمس، ومن المعلوم أن "فضة" لا تسرح ببضاعتها، وبيتها يقع على أطراف البلد من الجهة القبلية، والمسافة بين بيتها والمحطة يقطعها البغل في ساعة.
يقال إن الفلُّوص يذهب إلى فضة التي كانت تنفِّض جيوبه من الفكة التي كان يَمُنُّ بها المسافرون عليه مقابل حمل حقائبهم، وفى المقابل كانت تضع أمامه صحن ترمس كبيرًا، يأكل حتى يشبع ويعبئ جيوبه، ويمضى، إلا أن بعض الخبثاء تقَوَّلوا أكثر من ذلك، ففضة امرأة عاقر في عقدها الرابع، امتهنت بيع الترمس بعد وفاة زوجها، كانت تستقبل الفلُّوص وتغلق عليه الباب، واعتاد الناس رؤية الباب مغلقًا بعدما اعتادوه مواربًا طيلة النهار، وغير ذلك كانوا يشاهدون الفلُّوص خارجًا من عندها يتصبب عرقًا، وينهج مستندًا على الحائط، هنالك قالوا: " الفلُّوص بيركب فضة" وقالوا آخرون: "فضة بتركب الفلُّوص".. هذا والله أعلم.
لما فاح خبر فضة والفلُّوص وانتشر، سمع به ابن أختها "الأزهري" ؛ فترصد الفلُّوص على أول الدرب وشجَّ رأسه، وإن كان الفلُّوص ـ فيما بدا ـ لم يكن يفهم سبب اعتداء الأزهري عليه، بدليل أن الفلُّوص وبعد أن انتهى منه الأزهري وضع يده على رأسه، والدم يسيل منه وجرى على بيت فضة.. كبست له الجرح بُنًا، وربطت رأسه بقطعة قماش قديمة، وأطلَّت برأسها من الباب. كان "الأزهريُّ" لا يزال يزعق على ابن الكلبة الأهبل ولد الحرام الذي والذي.. ولم تشأ فضة أن تترك الأمر على علاته فتكلمت:
ـ عيب عليك يا أزهري.. خالتك شريفة.
ـ الشريفة ما تغلقش بابها على واحد غريب.
ـ دا ولد درويش.. بركة.. جاي يأكل ترمس.
ـ يأكل ترمس والباب مفتوح.
ـ مفتوح مفتوح.. بس كفاية فضايح.
لم ينقطع الفلُّوص عن زيارة فضة، وأكلِّ الترمس، ولم تعد فضة تغلق الباب، ولكن كلام الخبثاء ظل مستطردًا، لا يكفُّ عن اتهام فضة التي قيل أنها تضيف الفلُّوص طوال النهار والباب مفتوح، ولا تتركه يمضى حتى يجن الليل وتغلق عليه الباب حتى الصباح، وذهبوا إلى أكثر من ذلك، فقد قيل أن فضة تزوجت الفلُّوص زواج سنة (عرفي) ، وقيل إنها ذهبت به إلى المحكمة في قنا وتزوجت به رسميًّا، والله أعلم.
الذين يدَّعون هذا كانوا يؤكدون صحة رأيهم بأن الفلُّوص لم يعد يراه أحد على المحطة مثلما كانوا يشاهدونه عند وصول القطارات، وقالوا ربما أنه استغني تمامًا عن مهنة "الشِّيَالة" ، لكنما هذا الرأي ـ فيما بدا ـ لم يكن صحيحًا، فالفلُّوص كان لا يزال ينام في المحطة، كما أنه لا يزال يمارس مهنته، والدليل ما حدث يوم عودة العمدة من مصر.
يوم عودة العمدة من مصر، ما أن نزل من القطار والتقطت عيناه معالم المحطة حتى بدأ يتفحصها كما لو كان قد غاب عن البلد أعوامًا طويلةً، مع أنه لم يغب أكثر من أسبوعين.. المهم: أستوقف نظره منظر جسد ممدد أسفل الحائط كقتيل، وقد انشلحت ثيابه إلى رأسه وغطتها، وبدت عورته للعيان ـ لمؤاخذة ـ مثل خيارة سوداء متهدلة وسط كومة من حشائش نافرة شديدة السواد، ورغم أن العمدة تبسم للحظة وهو يتأمل المنظر إلا أنه أعرب عن استيائه بالتلفظ: "أعوذ بالله.. الله يلعن صباحك.. قوم يا ابن الكلب " ولكزه بعصاه في جنبه، فهب النائم وتأكد العمدة أن الذي يراه إنما هو الفلُّوص، فردد مبهوتًا: " الفلُّوص؟!.. خيارتك كبيرة يا ابن الكلب".. هب الفلُّوص، وحمل مع خفير المحطة حقائب العمدة وكراكيبه التي أتى بها من مصر، ومضيا مع العمدة إلى الدوار. ودخل الفلُّوص لأول مرة دوار العمدة في ذلك اليوم، وكان أول ما أمر به العمدة بعد أن خلع عباءته واستراح على إحدى الدكك في دواره الواسع: "هاتوا سروال لابن الكلب" ، وكما يقال: إن تاريخ ارتداء الفلُّوص للسروال هو نفسه تاريخ دخوله الأول إلى دوار العمدة، وإن شئنا أن نؤرخ بشكل آخر يمكننا أن نقول إن تاريخ ارتداء الفلُّوص للسروال هو نفسه تاريخ عودة العمدة من آخر زيارة له لمصر، فالعمدة لم يقم بزيارات أخرى بعدها إلى مصر.
ظل الفلُّوص في دوار العمدة ثلاث سنوات كاملة، يأكل مما يأكل العمدة، وينام في الدوار على دكَّة مُنجَّدة، ويتغطى باللحاف، ويقال إن الخدم علَّموه كيف يستحم وكيف يستخدم الصابون، ويقال إن أول مرة يمسك فيها الفلُّوص بقطعة صابون كانت في دوار العمدة، ويقال إنه أكل جزءًا منها، وظلَّ يُخْرِج من فمه ريمًا، وبطنه ظلت تكركب، وقال العمدة: مات الفلُّوص، لكن جدتي الحاجة امرأة العمدة شرَّبته خلطة من اللبن والبيض النيئ، وقام بعدها مثل الجن. المهم: الفلُّوص كان يتبول على نفسه أثناء النوم، الأمر الذي أرهق الخدم، وأشاع رائحة كريهة في دكك الدوار وفرشه.
حقيقة لا يعرف أحد لماذا كان العمدة ـ الله يرحمه ـ مصرَّا على استبقاء الفلُّوص رغم كل هذا العناء، لكن ربما أنه أدرك قبل غيره أن الفلُّوص ولىٌّ، لقد سمعته أكثر من مرة يؤكد لضيوفه أنه يشمُّ رائحة مسْكٍ وهو نائم منذ أن حلَّ الفلُّوص في الدوار. لقد أحب العمدة الفلُّوص واستبشر خيرًا بوجود، لا لشيء إلا لأن الليلة الأولى التي بات فيها الفلُّوص في دوار العمدة ولدت إحدى بقرات العمدة عجلين توأم فيما اعتبر العمدة ذلك الحدث نادرة النوادر، فلم يسبق لبقرة أن ولدت توأماً حسبما يعلم الناس في البلد كله، ربما لهذا استبشر به العمدة، واعتبر وجوده في الدوار خيراً وبركة.
ولأن بيت العمدة يفتح بابه مباشرةً على الدوَّار كان الفلُّوص حرَّ الحركة بين البيت والدوار، لا يثبت في مكان. كان يدخل إلى البيت ومنه إلى زريبة المواشي، وحظائر الطيور، وكثيرًا ما شاهدته النسوة يكسر البيض ويشربه نيئاً، وأكثر من ذلك كان يدخل إلى ساحة البيت ويجلس بين النسوة.
ورغم ذلك لم يستمر بقاء الفلُّوص في دوَّار العمدة، وإن كانت ملابسات اختفائه غير معلومة، البعض قال أن العمدة طرده بعدما شاهده يشلِّح للحريم في الدار، والبعض الآخر قال ذهب الفلُّوص بمحض إرادته، وإن كان الأرجح ما قيل مؤخرًا أن آخرين سرقوا الفلُّوص من أمام دوار العمدة ذات نهار، بعدما تأكد للجميع أن الفلُّوص رجل مبارك من أهل الخطوة، حتى لأن العمدة كان يتمنى لو يغير اسمه إلى "أبو خطوة " بدلاً من الفلوص، أما بعض الخبثاء فقد ادَّعوا أن الذي سرق الفلُّوص هو عمى العتقي عامل المزلقان، لكي يمارس معه اللِوَاط كما كان يفعل في السابق، وآخرون أكدوا أنهم شاهدوا الفلُّوص متجها نحو المحطة ذات ظهيرة، ويعتقدون أن الفلُّوص ركب القطار وغادر البلد.
لكنما الفلُّوص خيب ظن الجميع وعاد بعد غياب ثلاثة أيام، لكنه لم يعد إلى دوار العمدة، بل عاد إلى المسجد، لا لكي يقيم الشعائر والصلوات بل صعد المئذنة ورفع عقيرته من فوقها وتكلم.
سمعه الناس يتكلم لأول مرة، معلنًا أنه سامح الجميع، قال بصوت جهوري واضح النبر والجرس: " يا خراف مصر، يا أهل البلد جميعا أخبركم بأنني على وشك الرحيل، وإن كان يعزُّ علىَّ فراقكم، إلا أنني لن أستطيع البقاء أكثر من ذلك، لقد جاءني الأمر بالرحيل إلى مكان أخر بعد أن ساء بي المقام بينكم، واستغلني الكثيرون منكم في أعمال لا ترضى الله، ورغم ذلك أسامحكم جميعًا، وأشكر كل من قدَّم لي لقمة في يوم ما، أو آواني في بيته.. سأرحل قريبا جدًا لكن لا تسألوني إلى أين، ذلك لأنني لن أجيب........هكذا كان الموقف وبهذا نطق الفلُّوص حسبما روى الرواة، وحسبما تحفظ ذاكرة الناس، لكن الثابت أن الفلُّوص اختفى يوم جنازة عبدالناصر التي أقامها أهل البلد بعد وفاة عبدالناصر بأيام، جاءوا بنعش الميتين وجهزوا لفه من القطن والتبن والقماش، وضعوها فوق النعش، وساروا به تجاه الجامع العتيق، أقاموا صلاة الجنازة ثم رفعوا النعش، وتقدم المشايخ ورجال الطرق الصوفية الصفوف، ورددوا الأدعية والتواشيح والتكبيرات والتهليلات حتى وصلوا المقابر، ودفنوا ما كان في هيئة الجثة، وقرأوا الفاتحة على روح عبدالناصر.
شاركت في الجنازة أعداد غفيرة، وبينما كان البعض منهمكين في الهتاف كان البعض الآخر يزرف الدموع في صمت، كان الغبار يرتفع من تحت أرجل السائرين، وكانت الجنازة تزداد عددًا كلما طال المسير، لدرجة أن البعض أكد أن أحدًا لم يكن بالبيوت، لقد خرجوا جميعًا نساءً ورجالاً وأطفالاً وراء النعش، مودعين عبد الناصر إلى مثواه الأخير.
البعض أكد أن الفلُّوص اختفى في هذا اليوم تحديدًا، والبعض أكد أن الأزهري الذي جهز النعش لم يضع قطنا ولا تبنًا في الكفن، وإنما وضع الفلُّوص حيًّا بعد أن كتفه وإن كان البعض قال: قتله. وإن الذي صلوا عليه صلاة الجنازة ودفنوه لم يكن غير الفلُّوص.
غير أن الأرجح من كل تلك الأقاويل أن الفلُّوص اختفى فعلاً يوم أن شاهده الناس متجهًا نحو المحطة، وأنه بالفعل ركب قطارًا متجهًا نحو القاهرة. وفى رأيي أن قصة نطق الفلُّوص مختلقة في الأساس، وأن حادثة اعتلاء الفلُّوص المئذنة إنما هي فرية من الرواة، والله أعلم.
الحقيقة أنني أقول لكم في بعض المواقف: الله أعلم؛ ذلك لأنني عاهدتكم على الحقيقة؛ وغالبًا ما تغمُّ الحقيقة عليَّ؛ فاضطرُّ إلى إسناد العلم إلى الله، إذ لا يمكنني الادعاء بأنني أعلم كل شيء، خاصة أمام كثير من الأحداث المبهمة أو تلك التي كثرت حولها الأقاويل المتضاربة، فمثلاً الذي حدث بعد اختفاء الفلُّوص يستوجب بالضرورة أن نقول إزاءه: الله أعلم. وماذا يمكنني أن أقول، وأنتم تعلمون أن في كل قرية مقام للشيخ الفلُّوص، يزوره الرجال والنساء، الصغير والكبير، وجميعهم يرفعون الأكفَّ طالبين وساطة الفلُّوص من أجل قضاء حوائجهم ومصالحهم، وبخاصة التعيين في الوظائف الحكومية، أو كما يقولون: "الوظائف الميري" ؟!.. كل أسرة لديها أفراد عاطلون، والحكومة تعلن دائمًا أنها غير ملزمة بتعيين أحد في وظيفة، وأن الزمن الذي كانت تعين فيه الشباب قد ولَّى إلى غير رجعة. إنني كرجل سياسي قديم أقول لكم: إن هذا الوضع سيستمر، ولكن إلى متى؟!.. الله وحده أعلم. كل ما أعلمه أن الناس بدأت تأكل بعضها، وكل ما ندعيه من قيم أضحى عرضة للبيع سدًّا للحاجة، يقولون مصر غنية، وفيها بترول، وقناة السويس، ومناجم ذهب، وزفت، وتوشكا، وما أدراك، لكن أين ؟.. الله أعلم.
دعونا من هذا الغمّ .. الفلُّوص اختفى، ولم يكن قد مضى على اختفائه شهر تقريبًا حتى شاهد الناس "أبوالدهب السمسار" يجلس بجوار جريدة خضراء مغروسة وسط أكبر فسحة في البلد، وقال: "جاني الفلُّوص في المنام، وقال لي: فيه جريدة خضرا مغروسة وسط البلد، ابنِ لي حواليها المقام، وخليه مزار للعباد".
لم يشأ أحد أن يُكَذِّب "أبوالدهب السمسار" وكل الناس متأكدون أن الفلُّوص ـ كما قال العمدة ـ رجل مبارك، عاش بيننا لم يرَ أحد منه غير أنه بنى آدم صاحب سر، وربما أن ما صدَّقه الناس حول نطق الفلُّوص في أيامه الأخيرة واعتلائه المئذنة جعل كلام "أبوالدهب" بردًا وسلامًا على قلوبهم، ومن ثم بنى "أبوالدهب" المقام وساعده الأهالي بالطوب والدبش والجير والخشب والتبن، وأقيم أول مولد للشيخ الفلُّوص بعد وفاة عبد الناصر بعام واحد تقريبًا، وانتم تعلمون أن مولد سيدى الفلُّوص عامر بالزائرين، وربما أنه موسم خير وبيع وشراء وأكل وشرب وانتعاش اقتصادي.
حقيقة أن ما يفعله موسم سيدى الفلُّوص في البلد من انتعاش اقتصادي أفضل مما تفعله خطط الحكومة.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، فقد فوجئنا في كل قرية بجريدة خضراء مزروعة في ساحات كثيرة واسعة، وناسٍ كثيرين يبنون مقامات للشيخ الفلُّوص، وشيء لله يا سيدى فلُّوص.
معتصم الحارث الضوّي
27-12-2010, 10:44 PM
التهنئة القلبية للأستاذ المبدع عبد الجواد خفاجي، مع خالص الأمنيات بالمزيد من العطاء الثر.
vBulletin® v3.8.6, Copyright ©2000-2012, Jelsoft Enterprises Ltd by Support-ar.com