المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : اليسار الوحدوي : دراسة لنديم البيطار


عزالدين القوطالي
06-02-2008, 01:48 PM
اليسار الوحدوي : تحديد اساسي عام د . نديم البيطار في مناسبات عديدة سابقة، منها المقالين السابقين اللذين ظهرا الصيف الماضي في ((قضايا عربية))، شرحت إن العطل الأساسي في الفكر الوحدوي العربي هو تجاهله التام للظاهرة الوحدوية فيما يكتبه حول الطريق إلى الوحدة أو كيفية الانتقال من حالة تجزئة إلى حالة وحدة، وبينت إن النظرية الوحدوية التي يفترض بها التعبير عن هذا الفكر تعني، فيما تعنيه، إن هي أرادت إن تكون علمية، دراسة ومقارنة تجارب التاريخ الوحدوية بغية الكشف عن الاتجاهات الموضوعية الواحدة التي تعيد ذاتها في هذه التجارب وتسودها... هذا يعني إن اليسار الوحدوي الذي يستحق ((علمياً)) هذا الاسم هو اليسار الذي يعتمد نظرية من هذا النوع، أو وعياً علمياً ينتج عن ويترتب على دراسة موضوعية للظاهرة الوحدوية عبر التاريخ، أو الذي يستطيع في كل مرحلة أو تحول إن يكشف، على الأقل، عن الاتجاهات والقوى الوحدوية الصاعدة التي تعمل على دعم ودفع القصد الوحدوي، وإن قليلاً، فيقف معها وإلى جانبها ضد تلك التي لا تقوم بهذا الدور. كل يسار ثوري استطاع إن يسود وضعه يتميز بهذه الكفاءة ويمارسها إلى حد كبير . اليسار الوحدوي العربي عجز عن سيادة وضعه لأنه كان، في الواقع، بعيداً وغريباً جداً عن هذا النوع من الوعي. هذا يعني إن هذا الفكر يمثل عقلاً متخلفاً يقف خارج العقل الحضاري الحديث الذي ينطلق من، يرجع إلى، ويجد قاعدته في المفهوم العلمي الذي يرى إن الظواهر الاجتماعية والتاريخية وليس الظواهر الطبيعية فقط تخضع لقوانين أو علاقات انتظامية واحدة، وأن الإنسان يجب إن يحدد سلوكه في ضوئها وبالانطلاق منها، لأن ذلك وحده يوفر له طريقاً إلى تحقيق درجة من الحرية منها وبالتالي القدرة على سيادتها . هذا المفهوم يسود العقل الحضاري الحديث في جميع أبعاده ولا يقتصر على جانب معين منه. إن ((كانت)) نفسه، وهو أحد فلاسفة المثالية الكبار، يكتب في ((أفكار لتاريخ عام)) بأن القرارات الفردية حرة، ولكنها رغم ذلك تشكل جزءاً من اتجاه جماعي يتميز بعلاقات انتظامية خاصة به. إنني هنا أشير فقط إلى آخر كتاب انتهيت من قراءته وكان ذلك منذ ثلاثة أيام. ففيه نجد إن الكاتب يميز بين ((الثقافة الحديثة)) و((الثقافة الأوربية في القرون الوسطى)). فيقول بأن الثانية كانت تجد أساسها في الإيمان بإله أعلى، بينما الأولى تجد هذا الأساس في الاعتقاد بأن الإنسان والمجتمع يجسدان مع الطبيعة، قوانين يمكن الكشف عنها وتمثل الحقيقة النهائية، بدلاً من حقيقة الله. العقلية الدينية تنظر، على عكس هذه العقلية الحضارية الحديثة، إلى الأحداث التاريخية والوقائع الاجتماعية كأحداث ووقائع فردية منفصلة، دون أية وحدة موضوعية أو ديالكتيك خاص مستقل يحدد علاقاتها وترابطها وتسلسلها، وذلك لأنها محض امتداد لقوى ما ورائية مسؤولة عنها، تتدخل فيها وبها كما تريد وتشاء . أية وحدة تراها أو تعترف بها هذه العقلية في هذه الأحداث والوقائع هي وحدة خارجية، عارضة وطارئة . لهذا ليس من الغريب إن نرى بأن الفكر الوحدوي العربي يخضع لتجزئية تعبر عن انفصالية وفردية الأحداث التاريخية والاجتماعية . عجز هذا الفكر التام عن التعبير عن العقل الحضاري الحديث فيما يتعلق بالطريق إلى الوحدة يدل بوضوح أنه لايزال، في الواقع، جزءاً من العقلية الدينية التي تسود الوجود العربي والتي نشأ فيها. هذا المفهوم العلمي الذي يشكل سمة العقل الحضاري الحديث الأولى كان أساس جميع إنجازات هذا العقل الكبرى . إن التكنولوجيا التي يقودها العلم تقدم مفهوماً اجتماعياً تاريخياً يختلف عن المفهوم الديني . ((إنه مفهوم يعني القدرة على توجيه التاريخ والاجتماع توجيهاً واعياً، وهو بذلك ينفض من الجذور المفهوم الآخر الذي يضع التاريخ والاجتماع في يد قوى غيبية )) . ولكن كي يمكن توجيه التاريخ والاجتماع يجب أولاً إدراك حركتهما الموضوعية المستقلة عن إرادة الإنسان. لهذا نجد أنه، منذ القرن الثامن عشر على الأقل، إن وجهة الفكر الحديث كانت دائماً ضد الدين. فالعلمانية التي ميزت هذا الفكر كانت تعني أولاً وقبل كل شيء سلخ الإنسان عن قواعده الغيبية، من دينية وميتافيزيقية وتفسير وجوده بالرجوع إلى قوانين طبيعية واجتماعية تاريخية. القرن الثامن عشر الذي أعلن وكشف عن أكبر منعطف فكري في التاريخ، دعي من قبل مفكريه بعصر العقل أو التنوير لأنهم أرادوا بذلك إن يحتفلوا بتحرير العقل من الدين واللاهوت، والمفهوم الذي يرى إن أحداث التاريخ والطبيعة هي من صنع كائنات وقوى ما ورائية وغير طبيعية. فبدلاً من كسب رضى وإرادة هذه الكائنات والقوى، أراد ذلك العصر من الإنسان إن يسود الطبيعة والتاريخ عن طريق معرفته وإدراكه لهما وللقوانين التي يعبران عنها لهذا رأى علم الاجتماع عند ولادته في بداية القرن التاسع عشر إن حرية الإنسان ترتبط بوعيه وإدراكه لضرورة اجتماعية تاريخية موضوعية تعمل بالاستقلال عنه. إن ((لابلاس))، عالم الفلك الكبير أعطانا خير صورة عن هذا العقل الحضاري الحديث عندما زاره، وهو يحتضر، نابليون بونابرت معرباً عن تقدير ه واحترامه لعلمه. أثناء هذه الزيارة قال نابليون له، لقد قرأت كتاباتك ولكنني لم أجد فيها أية إشارة إلى الله، فأجاب ((لابلاس)): وهو بالكاد يستطيع الكلام، لم أجد يا سيدي أية حاجة لفرضية كهذه في تفسير العالم، إن قوانين هذا العالم الداخلية كافية في تقديم هذا التفسير . هكذا أعلن العقل الحضاري الحديث عن ولادته الكاملة النهائية. إنه عقل يرجع إلى الظواهر الموضوعية في ذاتها، في موضوعيتها المستقلة، في القوانين والعلاقات الانتظامية الواحدة التي تسودها، ويحدد سلوكه في ضوئها. هذا يعني من ناحية أخرى، إن الفكر الذي يتجاهل موضوعه، فلا يدرس الظاهرة التي يدور حولها. ويعطي كالفكر الوحدوي العربي، الأحكام في تحديدها دون الرجوع إليها وإلى الاتجاهات أو العلاقات الانتظامية الواحدة التي تكشف عنها، يكون في الواقع فكراً متخلفاً، منغلقاً على العقل الحضاري الحديث، يعيش في دنيا أخرى لا صلة حية لها بهذا العقل، الفكر الوحدوي كان فيما يتعلق بالطريق إلى دولة الوحدة، يعمل خارج العقل أو الواقع الموضوعي، ويعبر عن ((قدرته)) في تخريج لفظي محكم ومنمق العبارة وليس في أي منهج علمي أو وعي موضوعي في معالجة موضوعه. إن دوره كان تحفيز المشاعر والانفعالات وخلق صور شعرية تزداد قوة كلما ازدادت بعداً عن الواقع الاجتماعي السياسي التاريخي. فمن يستطيع الكلام ببلاغة، ورنة شعرية، إن يتلاعب باللمسات ويخرجها إخراجاً بيانياً قوياً، يلقى الترحيب والحماس، وإن كان من أعجز الناس وأكثرهم تخلفاً فكرياً. هذا الفكر كان، في أحسن حالاته، فكراً مثالياً أو إرادياً يعني أنه من الممكن إحداث أية نتائج نريدها في الحياة السياسية عن طريق تعبئة الطاقات والنشاطات الإنسانية. ولكن ما يتجاهله هذا الموقف هو إن تعبئة من هذا النوع تكون ممكنة فقط عندما تكون الأهداف التي تسعى إليها ممكنة، أي عندما تكون التحولات الاجتماعية التاريخية السابقة قد أفرزت الأوضاع الموضوعية الضرورية لذلك، أو عندما تكون تعمل مع الاتجاهات الموضوعية الواحدة التي تسود الواقع الذي تعالجه. العقل الحضاري الحديث يعني، فيما يعنيه، إن المثال لا يفرض على الواقع من الخارج لا يقف خارج هذا الواقع بل يمثل، كمستقبل ممكن، القانون الداخلي، أو الاتجاهات الموضوعية المستقلة التي تفسر الظواهر وحركتها. لهذا فإن الثوري هو، في الواقع، إنسان يتحرك مع، وتقترن أعماله بالاتجاه الذي يتحرك فيه مجتمع معين، مرحلة أو ظاهرة معينة، نحو المستقبل. ففي كل مرحلة أو مجتمع يتحرك تحركاً ثورياً نجد مواقف وسياسات صاعدة، وأخرى هابطة. الثوري هو من يستطيع إن يتبين الأولى، فيرتبط بها، ويدعمها في تجاوز ذاتها. الفكر الثوري الصحيح هو، في الواقع، فكر يستطيع إن يتقدم على زمانه الخاص ويحدد تحولات وضعه المقبلة، لأنه فكر يستطيع بالضبط تحديد مواقفه في ضوء وعي موضوعي صحيح- أو بالأحرى صحيح بقدر كبير- للاتجاهات والقوى الموضوعية التي تسود الظاهرة أو المرحلة التي يعالجها. اليسار الوحدوي العربي لم ينطلق من هذا الموقف ولهذا عجز عن التأثير في حركة الواقع ودفعها نحو القصد الوحدوي، ولم يستطع الإفادة من الاحتمالات والتحولات الإيجابية التي كان يكشف عنها هذا الواقع في خدمة دولة واحدة والتقدم نحوها. بما إن العمل الثوري يرمي إلى دفع الواقع أو تحويله نحو مقاصد معينة، وبما إن هذا الواقع يتميز بموضوعية مستقلة خاصة به، فإن العمل الذي يستطيع ذلك يكون العمل الذي يعي هذه الموضوعية أما العمل الذي لا يدرك هذا، فإنه يخرج عن الواقع وحركته، ويصبح عاجزاً عن ممارسة دوره. عندما تصطدم رغباتنا بجدران الواقع فلا تنفتح هذا الأخيرة لتلك الرغبات يتحول الفكر إلى الشطحات المثالية والتبشيرية يعبر فيها عن ذاته. العمل الثوري هو، في طبيعته ذاتها، عمل تصاعدي، عمل يتخطى الواقع القائم في سبيل مقاصد تتجاوزه. ولكن يجب إن نحذر – وهنا نجد السمة الأولى الأساسية التي تميز الفكر العلمي الثوري عن الفكر التبشيري - من الانزلاق في هذا التجاوز إلى درجة ينفصل فيها عن الواقع والتاريخ الذي يعانيه ويعمل على صنعه. هذه التطلعات التصاعدية تستطيع تجاوز الوقع فقط بالقدر الذي نستطيع به الربط بين مرحلة اجتماعية تاريخية ومرحلة أخرى، أو بالقدرة التي نستطيع ممارستها في العبور من الأولى إلى الثانية. تحقيق تحول ثوري ما يتوفر فقط عندما تزيد مفاهيم وآمال التحقيق عن إمكانات الواقع الحقيقية. عندها فقط نستطيع تعبئة قدر كاف من الطاقة الجماعية نستطيع بها تحقيق تحول صحيح. ولكن هذا التباين بين المقاصد الثورية وبين الإمكانات الواقعية يجب إن لا يتجاوز حداً معيناً تصبح فيه المقاصد حقاً مثالية. هذا التباين ضروري في كل حركة ثورية لأنه يفرض على الواقع الكشف عن جميع الطاقات التي ينطوي عليها . ولكن هناك حداً يجب إن لا يتخطاه لأن تخطيه يفصل عندئذ فصلاً جذرياًً بين صاحبه وبين الواقع، ويولد بالتالي العجز أمام هذا الواقع . كي يمكن لهذا التخطي إن يتجنب هذه النتيجة يجب عليه إن يعكس وعياً موضوعياً لحركة الواقع، لإمكاناته واحتمالاته. إن ((برغسون)) دل بأن الذاكرة نفسها عملية من التفاسير المتكررة. فعندما نذكر الماضي فإننا نبنيه ونكونه تبعاً لأفكارنا الحالية التي تحدد لنا ما هو مهم، وما هو غير مهم، ما هو نافع وغير نافع . هذا ما يسميه علم النفس الحديث بـ ((الإدراك الانتقائي)) هذا يعني أننا في أي وضع نجد أنفسنا فيه نلاحظ ونتفاعل فقط مع الأشياء والأحداث التي تهمنا وتؤثر بنا أكثر من غيرها، وأن تأثرنا الآني بها يميل إلى قطع صلتها بالتاريخ، بدفعنا إلى فصلها عن الوضع الذي يحيط بها وإلى تجاهل هذا الوضع . الوعي الموضوعي العلمي يتناقض مع هذا الميل النفسي العفوي إلى تشويه الواقع في ضوء رغباتنا، وهذا يزيد من صعوبة ممارسته، ويتطلب جهداً إضافياً في توكيده. النوازع الأخلاقية والتطلعات المثالية تصاب سريعاً بالضمور إن لم تمارس وتعكس ذاتها في الواقع، في تحويل الواقع في وجهتها . الأدب الروسي أعطانا صورة واضحة عن هذه النتيجة في إبطال تورجينيف، وتشيكوف الذين كانا يعيشان في تصوراتهم الذاتية المحضة، دون أية طاقة على العمل في الواقع. تورجنيف كتب عن ((رودين)) بأن الطبيعة جردته من القابلية على العمل، من الطاقة على تنفيذ ومتابعة مقاصده. هذه النماذج كانت ترمز في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين إلى عجز كان يعانيه المتحرر والمتمرد أمام واقع المجتمع الروسي الجامد الذي يحيط به من كل جانب. فهو واقع كان قد ابتدأ ينكشف عن ظواهر تفسخ وتفكك ولكن ليس بقدر كاف يجعل تدميره ممكناً. وعن قوى جديدة لا تنسجم معه، ولكن قوى لم تبلغ بعد درجة كافية من القوة والتفجر عمودياً وأفقياً يجعل من الممكن لها تحويله وتجاوزه. هذا ما يحدث للعمل أو الفكر الثوري عندما لا يكون الواقع منفتحاً له، أو عندما لا يستطيع إن يدرك الاتجاهات والقوانين التي تسود تحوله فينطلق منها. في كثير من الأوساط الفكرية واليسارية نرى إن الثورة تقترن بصورة من الرفض، بأكثر الأفكار ترفاً ومبالغة،وتتحول إلى مسألة عنف وكفاح مسلح . هذا طبعاً قد يكون جزءاً من الثورة، ولكن الثورة هي أكثر وأبعد من هذا. فجوهرها هو أولاً وقبل كل شيء ديالكتيك انتقالي موضوعي من نموذج اجتماعي سياسي إلى نموذج آخر، والقدرة على التعبير عن ومساعدة ودفع هذا الديالكتيك. المشاعر والأعمال النضالية ليست كافية لكسب انتصارات للثورة أو في دفعها إلى الأمام ضد القوى المناوئة لها. العقل الواعي الذي يستطيع إن يلتمس بوضوح حركة الواقع الموضوعية وما يمكن إن تنفتح له من إمكانات التجاوز في فترة معينة، أو القوانين العامة التي تسود الظاهرة الاجتماعية السياسية التي يدرسها، هو ما تحتاج إليه المواقف النضالية إن أرادت إن تكون في خدمة الثورة وليس عبئاً عليها. استخدام أكثر الشعارات تطرفاً، أكثر الحناجر حدة (فرازيولوجية)، أكثر المواقف ((نقاء)) وحدوياً، لا يؤدي إلى النتائج الوحدوية التي نتوخاها، ولا يفرز الأعمال الإيجابية التي تحتاجها دولة الوحدة. ما يؤدي إلى ذلك هو الأعمال وأشكال الصراع التي تستطيع إن تنطلق من وعي للديالكتيك الوحدوي المستقل الذي كان يرافق عبر التاريخ الظاهرة الوحدوية. وتحقق درجة عليا من التجاوب مع القوى والاتجاهات الأساسية التي تسود المرحلة التي تعانيها. ((الإنسان ليس))، في كلمة سارتوري، ((كائناً ذا أجنحة . منذ ابتداء التاريخ كان كل من يتجاهل هذه الحقيقة الابتدائية يقودنا دائماً إلى حافة الهاوية، ولكن كي يفسر لنا، بعد إن نكون قد سقطنا فيها، بأنه كان يجب علينا إن نتعلم كيف نطير)). الفكر الوحدوي كان، فيما يتعلق بالطريق إلى الوحدة من هذا النوع، لأنه كان في حالة إدمان شعائري دائمة. أهم النتائج التي تترتب على فكر أو يسار وحدوي تبشيري كهذا هي، أولاً، تعثير الحركة الوحدوية، ومضاعفة الصعوبات والحواجز التي تواجهها، وذلك لأن هذا اليسار يخلق أمامها مشاكل ومشاغل هي في إنى عنها، غير موجودة أولاً مبرر لوجودها. وثانياً تجميد أو بعثرة طاقات وإمكانات تصبح غير مفيدة، وذلك في طور تحتاج فيه هذه الحركة إلى كل ذرة من الجهد أو الطاقة الفعالة. بما إن هذا اليسار لا يرتبط بالقوانين التي تكشف عنها الظاهرة الوحدوية، أو بديالكتيك الواقع الموضوعي في مرحلة معينة، فإنه يخرج بالتالي من العمل المرحلي المنتج المثمر الذي يجب إن يكون ميزة كل يسار إن هو أراد ممارسة إستراتيجية فعالة. ثالثاً، إضعاف يصيب القصد الوحدوي ذاته بسبب الفشل المستمر الذي يترتب عليه، والذي يؤدي إلى انسحاب الكثيرين منه وإلى تحييد آخرين، أو إلى دفعهم ضد القصد نفسه. اليسار، أي يسار، يصبح دون قصد أو تبرير، إن لم يكن مرتبطاً بممارسة ثورية تحقق على الأقل قدراً من الفعالية، من النجاح في تحويل الواقع. الاستسلام للواقع لا يعبر عن ذاته فقط بالجمود، باللامبالاة، بالحياد، بالسلبية، بالسكون، الخ.. بل أيضاً بأشكال من التمرد اللافعالة، أو بتصورات تعبر فقط عن أشواق وأهواء لا ترتبط بالواقع ومجراه. عندما تعجز حركة ما عن اعتماد قوي موضوعية تستطيع تغيير الواقع الموضوعي في ضوء مقاصدها ولمصلحة هذه المقاصد، فإنها تميل إلى توكيد العناصر الذاتية على حساب القوى الموضوعية. الوعي التبشيري الذي تنطلق منه الحركة ((الثورية)) يكشف لها عبر الممارسة أنها تعمل، في الواقع، خارج التيار التاريخي الذي يسود المرحلة التي تعانيها. هذا يزيد من عزلتها في الواقع الذي تعيش فيه، وبالتالي من عجزها على الرؤيا الموضوعية، بما أنها لا تستطيع الرجوع إلى الواقع الموضوعي الثوري لأنه واقع يمارس عملية صنع ذاته دونها، ولأنه يعني وقائع وتحولات تنفي دورها، فإنها تلجأ بشكل متزايد إلى التصورات الذاتية والمواقف التبشيرية تنتهي بها في انتهازية تعادي وتناقض، وإن كان دون وعي، مقاصدها ذاتها. هنا يلتقي اليسار الثوري مع اليمين الرجعي، اليسار الوحدوي مع اليمين الإقليمي، لأن كلاهما يخرج في الواقع، من التاريخ، ويلتقيان في أرضية واحدة، هي العجز عن مجاراة حركته في مرحلة معينة، التجاوب والعمل معها. هذا النوع من اليسار يسلك وكأن كل شيء ممكن له. فكما إن اليمين يعيش في الماضي دون صلة وثيقة مع الحاضر، فإن هذا اليسار يعيش في مستقبل دون صلة حية مع الحاضر، كلاهما يقطع صلته مع التاريخ كما يستطيع إن يصنع نفسه، أو كما يصنع نفسه، ولذلك ليس من الغريب إن نرى الاثنين يلتقيان في الكثير من مواقفهما. هذا واضح في تجارب التاريخ الثورية التي كان عليها إن تشق طريقها ليس فقط ضد يمين يحاربها لأنه تقلص عنها وخسر القدرة على مجاراتها، بل ضد يسار لا ينسجم معها لأنه قفز فوق الحاضر الذي يجب إن يعمل فيه ومعه إلى مستقبل يعاين فيه ما يجب إن يكون عليه الحاضر، الثورة تعني تغيير الواقع ودفعه نحو مقاصد معينة، ولهذا فإن الثورة المضادة تتمثل ليس فقط بالقوى الرجعية، بل بجميع القوى ((اليسارية)) التي تعجز عن الإسهام في هذا التحويل، والتي تتصدى معادية للتيار الثوري الذي يجري هذا التغيير، وذلك باسم مقاييس مجردة حول ما يجب إن تكون عليه الثورة. الثورة ليست ضرورة ((أخلاقية)) فقط، بل هي ضرورة موضوعية. إنها علم والعلم يعني وقائع وحقائق واتجاهات قد تأباها الثورة لضرورة أخلاقية، ولكن يجب عليها العمل معها كضرورة موضوعية. المهم ليس فقط إن يكون الفرد مؤمناً بالثورة أو الوحدة مخلصاً لهما، صادق النوايا في خدمتهما، لأنه قد يلتقي مع أعدائهما في ممارسة منحرفة تسيء إليهما إن لم يتميز بالوعي الثوري أو الوحدوي الموضوعي الذي يستطيع الإسهام في تحويل الواقع في ضوئهما اليمين يأبى إن يرى أي شيء خارج إطاره، وهذا ينطبق أيضاً على اليسار المتطرف وذلك لأن كلاهما خرج من التاريخ . ((روح التشيع تعني)) كما حددها كثيرون من الماركسيين (( بأنها تفكير ذاتي بان ليس هناك من أحد خارج المجموعة المألوفة يتميز بأي خير أو بأي شيء)) . اليسار الطفولي هو، في الواقع، الثمن الذي يجب على الثورة، كل ثورة، إن تدفعه كنتيجة للانتهازية المثالية. ما يميز المرحلة الطفولية هو نزوع الطفل إلى تحقيق رغباته رأساً ومباشرة، دفعة واحدة، وعندما يتعذر ذلك عليه يبدأ بالبكاء، الصراخ، أو تكسير ما يمكن إن تصل يده إليه. هذا يعني إن الطفولة هي مرحلة لا يستطيع فيها الطفل إن يعي مبدأ الواقع الموضوعي، إن هذا الواقع يتشكل من اختيارات عديدة يجب إن نوازن ونختار بينها، إن اختياراتنا محدودة بالواقع الذي نتعامل معه، وأن الاختيار هو بالتالي اختيار نسبي. الحلول الثورية هي حلول جزئية ومرحلية، والثورة لا تستطيع مهما كانت فعالة ومهما كانت الأوضاع مؤاتية لها، إن تزيل ما يعترضها أو إن تحقق ما تريده دفعة واحدة. من الحقائق المعروفة إن المعنى الكامل أو الواضح لمرحلة ما، سواءً كان إيجابياًًًً أم سلبياً، لا ينكشف إلا في القليل النادر لمعاصري المرحلة. هذا الانغلاق على المعنى الذي ينطوي عليه، في المدى البعيد، ديالكتيك مرحلة ما، يميز عادة بشكل خاص الطبقات والعقليات المحافظة والرجعية، ولكنه، من ناحية أخرى، لا يقتصر عليها، بل يمتد أيضاً إلى الحركات الثورية حيث نجد إن بعض الجماعات التي تشارك فيها تعجز، هي الأخرى، عن إدراك ذلك. عندما نراجع أحداث التاريخ الثورية، نرى بوضوح كم كان من ((السهل)) على اللذين خرجوا من التاريخ، إن يميناً أو يساراً، لو أنهم فقط تميزوا بحد أدنى من الفكر الموضوعي، إن يكشفوا عن ذلك الديالكتيك. ولكن اللاعقلانية كانت ولا تزال تلعب دوراً أساسياً في صنع العمل السياسي والثوري. فالطبقات التقليدية الحاكمة تعجز أو تمتنع عن رؤية الواقع كما يصنع نفسه، عن صنع ما يجب أو يمكن صنعه بسبب مصالحها وأفكارها ومفاهيمها الإيديولوجية المتحجرة. واليسار الطفولي أيضاً يعجز أو يمتنع عن رؤية هذا الواقع، بسبب أفكاره المجردة ومفاهيمه المتسرعة التي تفقده أية علاقة موضوعية ديالكتيكية متينة مع التاريخ كما يصنع نفسه. واجب الثوري الأول هو إن يلتزم ويعمل . ولكن كي يصنع ذلك بفاعلية، يجب عليه إن يتمكن من الكشف عن اتجاه التاريخ الأساسي في مرحلة معينة، فيقف إلى جانبه يعبر عنه. التحولات الثورية تتبع ديالكتيكا موضوعياً مستقلاً خاصاً بها يتجاوز عادة تخطيط ومقاصد الذين يوحون ويقومون بها. هنا نجد أحد الأسباب التي تفسر اتجاه الأحزاب الثورية الجذرية إلى فرض نظام مركز السلطة تحاول فيه ضبط الثورة ومجراها. هناك في كل ثورة ضرورة ((باطنية)) خاصة بها. وهذا ما جعل بعض المفكرين يرون فيها قوة غير إنسانية. فالثوار لا يقودون الثورة، بل الثورة هي التي تقود عادة الثوار. لهذا كان إدراك هذه الضرورة الطريق الوحيدة التي توفر القدرة على التأثير في مجراها وضبطه إلى حد ما. اليسار الثوري الصحيح، اليسار الذي ينطلق من موقف علمي هو اليسار الذي يتميز بهذا الإدراك أو بقدر منه. دور الثوريين والأحزاب الثورية في الثورات الحديثة كان كبيراً جداً، ولكنه لم يعبر عن ذاته في إحداث هذه الثورات أو الوضعيات الثورية التي قادت إليها. حدوثها كان في معظم الأحيان يدهش ويفاجئ، في الواقع، هؤلاء الثوريين والأحزاب الثورية. في عام 1848 لاحظ ألكسي دي توكفيل إن الملكية لم تسقط تحت ضربات الثوريين المنتصرين، بل قبل وقوع هذه الضربات. فهؤلاء دهشوا، في الواقع، من انتصارهم السريع، كما دهش المغلوبون من هزيمتهم. في عام 1789 لم يكن قادة ثوريون من أمثال ميرابو، وسيايس، فقط ملكيين بل أيضاً قادة من أمثال روبسبير ودانتون. ديالكتيك الثورة نفسه هو الذي فرض على الثوريين نزع ولاءاتهم السابقة والانتقال إلى المرحلة اليعقوبية. وهكذا دواليك! الأوضاع المتحولة المتغيرة التي تشكل منها الوضعية الثورية ويكشف عنها مجرى الثورة تفرض، كي تكشف عن فعالية ثورية وتحقق أحسن أشكالها، مطابقة الوعي لها، وتقدمه عليها وليس التذيل بها. العمل الثوري الكبير هو الذي يحقق هذه المطابقة . التحول الثوري الذي ينقل الثورة بديالكتيك خاص مستقل عبر مراحل مختلفة ومترابطة يفقد الأحزاب والأفكار التي لا تجاري ذلك وتعبر عنه دورها الثوري، فتتحول عن قصدها الأول وتصبح جزءاً من قوى الثورة- المضادة. هذه ظاهرة تطالعنا في جميع الثورات الحديثة الكبيرة . ففي الثورة الفرنسية أول هذه الثورات نرى، مثلاًً، إن ((الجيروند)) كان حزباً ثورياً في الجمعية التشريعية. ولكن أوضاع الثورة المتحولة، والتي لم يستطع التكيف معها، جعلت منه حزباً رجعياً في جمعية العهد. الجيرونديون، وقد رأوا أنهم خسروا زمام الأمر في المرحلة الجديدة، أخذوا يفتشون عن حلفاء في اليمين، على الرغم من إن اليمين كان يشكل خطراً كبيراً على الثورة. إن نفورهم من وتناقضهم مع الاتجاه اليعقوبي الذي كان يمثل المرحلة الجديدة، دفعهم خطوة خطوة إلى ما يمكن اعتباره موقفاً رجعياً. إن المؤرخ الفرنسي الكبير، ميشاليه، كتب ((بأن سوء تصرفهم قادهم في النهاية إلى موقف أخذوا يظهرون فيه وكأنهم ملكيون)). ما يمكن تسميته ((بالانحرافية الجيروندية)) كان يشكل ظاهرة تعيد ذاتها في جميع الثورات التي حدثت فيما بعد. إنها ظاهرة المنشفيك في الثورة الشيوعية السوفياتية، ظاهرة حركة مصالي الحاج أو حركة حسين ايت أحمد ومحمد خيضر في الثورة الجزائرية..الخ التمثيل على هذه الظاهرة في العصر الحديث يتطلب، في الواقع، مجلداً ضخماً. إنها تشكل، دون شكل، أحد الاتجاهات الأساسية الواحدة التي تعيد ذاتها في هذه الثورات. هذه الظاهرة تدل إن لا قيمة للنوايا في ذاتها، وأنها مهما كانت بريئة وصحيحة في بداية الأمر، فإنها تنتهي بالانحراف وتعثير الثورة، وحتى الخيانة نفسها إن هي انحرفت عن حركة التاريخ وتناقضت مع اتجاهات الواقع الموضوعية . الحركات والأحزاب التي تمثل هذه الظاهرة التقت مع اليمين في أرضية واحدة تمثل الخروج من وعلى التاريخ، أو التيارات والقوى التي تسوده في مراحل معينة. بالإضافة إلى هذه الحركات الثورية التقت مع اليمين لأنها انحسرت عن حركة التاريخ وعجزت عن مجاراة هذه الحركة، هناك حركات ثورية أخرى، من نوع آخر التقت مع اليمين غير واعية لأنها حاولت إن تتجاوز قدرة التاريخ في مرحلة معينة على التحول. هذه الحركات كانت تتخذ مواقف تتجاوز إمكانات هذه التحولات فتصاب بالانحراف الذي يقذف بها إلى صفوف الثورة- المضادة. الموقف الثوري الذي يستطيع إن يسود التاريخ هو الموقف الذي يستطيع إن يميز بين الاحتمالات التي يمكنها إن تدفع التاريخ إلى صعيد أعلى، وتلك التي تعجز عن ذلك، فيعمل على تقديم الأولى على الثانية، ولكن دون إن ينسى أبداً علاقتها بمقاصده أو الرجوع إلى هذه المقاصد كقياس نهائي يقيسها به. الموقف الثوري الصحيح هو الذي لا يترك هذه الاحتمالات تطغى عليه وتغرقه، فيضيع بينها وفيها، بل يستطيع إن يتركز على أحدها أو أهمها من الزاوية السياسية أو الإيديولوجية التي ينطلق منها، ثم يصل بينها وبين الاحتمالات الأخرى في ترتيب يضعها في درجات مختلفة من الأهمية. الثورات الشيوعية الناجحة وهي أهم ثورات العصر الحديث، أكثرها جذرية وتكاملاً على سيادة الواقع والتاريخ، تكشف بوضوح إن نجاحها يعود بقدر كبير إلى قدرة فائقة في ممارسة هذا الموقف، هذه القدرة على إدراك الاتجاهات والاحتمالات الثورية التي يكشف عنها الواقع المتحول في مرحلة معينة، والاختيار بينها بشكل يدفع الثورة إلى الأمام، وترجمة الماركسية بشكل تتجاوب فيه معها، هو الذي كان أحد الأسباب الأولى في سيادة اللينينية، وانتصار الماوية، والكاستروية…الخ التقليد اللينيني خلق في الواقع، بعض النعوت الازدرائية للشيوعيين الذين يعجزون عن ممارسة ذلك، يرفضون التسويات والإصلاحات واستخدام أجهزة النظام البورجوازي بغية دفع الثورة إلى الأمام. لينين أدرك ضرورة ذلك فاستطاع نقل الماركسية من نظرية إلى قاعدة لدولة ثورية شطرت التاريخ شطرين. لينين رأى إن الانتهازية هي الاستعداد على التكيف مع المرحلة الراهنة إلى درجة كبيرة لا تنسجم مع الثورة وتقود إلى تجاهل مقاصدها الأساسية . الانتهازي هو الذي يتجاهل هذه المقاصد وينسى إن عمله في الواقع يجب إن يكون موجهاً ومنضبطاً بها. إنه بدلاً إن يكون، كثوري، سيد الواقع الذي يتعامل معه، يتحول إلى فريسة لهذا الواقع، أما اليسار المتطرف أو الطفولي فإنه يعني اتجاهاً ينشغل بالمقاصد الثورية النهائية إلى درجة ينسى فيها إن عمله الثوري يعني وعياً للموانع والصعوبات التي تعترض سيره إلى هذه المقاصد، التي تفصل بينه وبينها، وأن عليه تطويعها مرحلياً في نضاله نحوها. إنه في خوفه من تلوث بتسويات وتحالفات يدخل فيها مع الواقع بغية تطويره، يقف خارج هذا الواقع كلياً، وبذلك يخسر القدرة على التأثير فيه إيجابياًًًً . إن لينين كان يميل إلى الاعتقاد بأن اليسار المتطرف يشكل خطراً أشد على الحزب من اليسار الانتهازي. هذا الخط واضح يهيمن على التجارب الشيوعية الظافرة الأخرى، وفي طليعتها ومقدمتهاالماوية. إن ماوتسي تونغ يفسر، مثلاًً، ما أسماه بالبوتشية بأنها أولاً (( العمل الأعمى بصرف النظر عن الأوضاع الموضوعية والذاتية .. إن الرفاق الذين يكابدون الطيش الثوري يغالون في تقدير قوى الثورة الذاتية، ويقللون من قيمة قوى الثورة-المضادة. هذا التقييم يعود أساسياً إلى الذاتية، وفي النهاية يقود إلى البوتشية)). إنه يتكلم في كثير من الأحيان عن الصراع الثوري ضد أشكال الانحراف اليميني واليساري كأهم أنواع هذا الصراع، ولكنه يؤكد بشكل خاص خطر الثاني. فاللجنة التنفيذية كانت تقاوم ((الانحرافات اليسارية واليمنية في الحزب، ولكن بشكل خاص الانحرافات اليسارية)). كل حركة ثورية تواجه، في الواقع، في صعيدها الخاص يساراً يحاول أن يتجاوزها دون وعي موضوعي للواقع، ويميناً يحاول إن يعثر سيرها لأنه يخاف من مجابهة الواقع. فعندما يبالغ الثوريون من قوة العدو أو عنصر المقاومة أو الجمود في الواقع، يتحولون إلى يمين ثوري، وعندما لا يعطون العدو والواقع الذي يحاربوه ما يجب من أهمية وصحة تقدير يصبحون يساراً ثورياً أي يساراً يريد إن يتخطى المراحل المختلفة سريعاً دون أي تقدير صحيح للقوى الموضوعية التي تسود هذا الواقع. هذا الخط الماوي كان في الواقع، استمراراً للخط اللينيني . فقد كتب لينين في ((البرافد)) في فبراير،21،22،عام 1918، محذراً من مخاطر اليسار المتطرف أو الطفولي، ((يجب إن نناضل ضد الجملة الثورية، علينا إن نقاومها، يجب إن نقاومها مقاومة مطلقة، وذلك كي لا يمكن للناس في المستقبل إن يشيروا إلينا بالحقيقة المرة. إن جملة ثورية حول حرب ثورية خربت الثورة…)) ثم وصف صنع الكلام الثوري واليسار المتطرف كـ ((حكة))، كجلد يتطلب الحك، ثم أشار بأن هذا التشويه يبرز غالباً من أحسن، أنبل، وأعلى الحوافز.. ((ولكن هذا لا يعني إن الحكة غير مؤذية)). ثم يفسر بأن عبارة صنع الكلام الثوري الذي أشار إليها تعني ترديد شعارات ثورية بصرف النظر عن الأوضاع الموضوعية القاتمة في منعطف معين للأحداث وفي الوضعية الخاصة التي تسودها.الشعارات ممتازة، جذابة، مسكرة، ولكن ليس هناك من أرضية لها. هذه هي طبيعة الجملة الثورية. ماو يشير بأن التجربة الثورية الطويلة هي التي كشفت عن هذين الانحرافين، الانحراف اليميني والانحراف اليساري . ((من ناحية عامة، إن حزبنا تعلم من السبعة عشر عاماً الأخيرة استخدام سلاح الصراع الإيديولوجي الماركسي- اللينيني ضد الأفكار الخاطئة في الحزب، على جبهتين- ضد الانتهازية اليمينية وضد الانتهازية اليسارية)). ولكن ((نظرية اليسار المتطرف تخلق المشاكل ولا تزال تشكل الخطر الأول في الحزب)). من يتابع ملاحظات ماو تسي تونغ في هذا الصدد يرى أنه يتحدث باستمرار عن ((الانتهازية اليسارية)) لأن ((الميل إلى الطيش اليساري الذي يهمل كلاً من العناصر الذاتية والعناصر الموضوعية يضر كثيراً بالحرب الثورية، وبأية حركة ثورية)) إنه يتكلم في أمكنة ومناسبات عديدة عن ((الأذى الذي لحق بالحزب من جراء الانتهازية اليسارية)). إنه يحذر ((من المتحجرين في صفوف الثوريين الذين يفشل تفكيرهم في التقدم مع الأوضاع الموضوعية المتحولة والذي يعبر عن ذاته تاريخياً كانتهازية يمينية، لأنه لا يرى إن صراع الأضداد قد دفع العملية الموضوعية إلى الأمام، فتبقى معرفته ثابتة في مرحلة سابقة، منفصلة عن الممارسة الاجتماعية، عاجزة عن السير إلى الأمام كدليل لعجلة المجتمع… )) ولكنه من ناحية أخرى يحذر من اليسار اللفظي (أو المتاجرة باللفظ) لأن تفكيره يقفز فوق مرحلة معينة في تطور العملية الموضوعية، فيعتبر بعضه إن تخيلاته حقيقة، بينما يحاول البعض الآخر إن يحقق في الحاضر مثالاً يمكن تحقيقه فقط في المستقبل، فينفصلون بسبب ذلك عن الممارسة السائدة التي تشمل أكثرية الشعب، وعن حقائق الحاضر الموضوعية فيكشفون عن أنفسهم كمغامرين في أعمالهم. ثم يضيف بأن ((المثالية والمادية الآلية، الانتهازية والمغامرة، تتسم كلها بانفصام بين الذاتي والموضوعي، بانفصال بين المعرفة والممارسة)). إنه يكتب بأنه كان على الحزب إن يناضل ضد الانحرافات اليمينية والانحرافات اليسارية، ولكن بشكل خاص ضد الثانية. ثم يضيف وكان ذلك عام 1948 بأن الانحرافات اليسارية تتشكل أساسياً من الاعتداء على مصالح المزارعين المتوسطين والبرجوازية الوطنية، التأكيد المتحيز في حركة العمال على مصالح هؤلاء المباشرة، عدم التمييز في معاملة الإقطاعيين والمزارعين الأإنياء، المتوسطين، والصغار، أو بين الإقطاعيين الذين كانوا مستبدين وبين الذين لم يمارسوا الاستبداد، عدم إعطاء الإقطاعيين وسائل العيش الضروري كما يجب تبعاً لمبدأ التوزيع المتساوي… رفض وجود أحزاب سياسية تمثل البرجوازية الوطنية، رفض الأرستقراطية المتنورة.. في مكان آخر يكتب ((إن كنا بالنسبة إلى الوضع ككل نبالغ في قوة عدونا، وبالتالي لا نتجاسر على إسقاطه وكسب الانتصار، فإننا نرتكب خطأ انتهازياً يمينياً . وإن كنا، بالنسبة إلى كل جزء وكل مشكلة، غير حذرين، لا درس بعناية، لا نحسن فن الصراع ولا نركز جهودنا للمعركة، ولا ننتبه إلى كسب جميع الحلفاء الذين يجب إن نكسبهم (المزارعون المتوسطون، الحرفيون، التجار الصغار المستقلون، البورجوازية المتوسطة، الطلاب، الأساتذة الجامعيون المدرسون، المثقفون العاديون، موظفو الحكومة العاديون، المهنيون والأرستقراطية المتنورة) فإننا سنقترف خطأ انتهازياً يسارياً، في النضال ضد الانحرافات اليسارية واليمينية في داخل الحزب، يجب إن نقرر سياستنا تبعاً لأوضاع محددة)). في الإشارة إلى بعض الانحرافات اليسارية المتطرفة يخلص إلى القول في مناسبة أخرى، بأن هذه النظريات كانت ((نظريات المتهورين والجهلة، بأنها لم تكن تتميز بأية نكهة ماركسية، بل كانت في الواقع ضد الماركسية)). هذا الخط واضح كل الوضوح في التجارب الشيوعية الأخرى، ولا حاجة في مجال ضيق كهذا الرجوع إليها في التمثيل عليه. إن كاسترو مثلاًً كتب مرة، ((لو سئلت من هم أهم حلفاء الإمبريالية في أمريكا اللاتينية لما قلت بأنهم البحارة الأمريكيون ومدفعيتهم، الفئات الأوليغاركية أو الطبقات الرجعية، بل لقلت بأنهم الثوريون المزيفون)). وموريس توريز، سكرتير الحزب الشيوعي الفرنسي الراحل، كتب بأن ((.. خطر اليسار يستطيع إن يتحول في فترة معينة إلى الخطر الأكبر لأننا لم نقاومه كما يجب منذ مدة طويلة)). لهذا كانت هذه التجارب الشيوعية الناجحة تحارب التروتسكية لأنها لا تنفتح لهذا الديالكتيك المرحلي والعمل معه، والذي يفرض الارتباطات والتسويات والمساومات الآنية المتحولة معه. فهي تركز بشكل أساسي على طبيعة الثورة الاشتراكية، على برنامجها في المستقبل وتريد إن يحكم عليها على أساس هذه المسألة ((الفيزيولوجية)) اللفظية المحضة، وكأن الإعلان ألف مرة بأن الثورة يجب إن تكون اشتراكية يساعدها وإن قليلاً على الولادة. ولكن عقدة المسألة ليست نظرية. إنها تقاوم في أشكال التنظيم التي يمكن لها تحقيق ((الثورة الاشتراكية)) . عندئذ يتضح ليس فقط بأن الثورة التي يدور الحديث عنها هي ثورة طوبائية ((بل إن الوسائل التي تعتمد في سبيلها لا تقود إلى الثورة، بل إلى تصفية غير طوبائية للحركات الشعبية الموجودة)). هذه الملاحظات العابرة تدل من ناحية عامة إن التجارب الشيوعية الناجحة كانت تحاول فيما يواجهها من أوضاع، تحولات واختيارات، إن تعمل مع التحول، الاتجاه، الاختيار المرحلي الذي يبدو بأنه يعبر عن الضرورة الموضوعية المتحركة، يخدم الثورة بشكل أحسن، أو الذي يشكل في فترة مرحلة معينة أحسن ما يتوفر في دعم الثورة ودفعها نحو مقاصدها العليا. لهذا نرى هذه التجارب تجمع ليس فقط على شجب ومحاربة القوى التي تقف إلى يمينها، بل تلك التي تقف إلى يسارها. هذا لا يعني أنها كانت لا تخطئ، وفي كثير من الأحيان، أخطاء كبيرة، ولكن أنها من ناحية عامة كانت تدين بنجاحها بقدر كبير إلى قدرتها على التعبير عن الضرورة الموضوعية والعمل أساسياً مع القوى والاتجاهات والمنعطفات التي تكشف عنها. كان أرسطو أول من قدم الفكرة القائلة بأن لكل مناسبة عملاً واحداًً يطابقها بشكل ملائم، إنه دعا هذا العمل ((بالوسيلة)) ورأى إن كل انحراف عنه يشكل خطوة متطرفة، أو طرفاً غير مناسب، لأنه يعني أعمال تقدم أقل مما تتطلب المناسبة، أو أكثر مما يمكن لها تحمله إن كان هناك مثلاًً فرقة عسكرية تسيطر على موقع من الممكن الدفاع عنه، فإن الوسيلة أو العمل الشجاع يعني البقاء في هذا الموقع. فإن هي انسحبت منه، فإنها تكشف عن جبانة، ولكن إن هي تقدمت إلى الأمام فعرضت نفسها وغامرت بخسارة الموقع، فإنها تكشف عن تهور. ولكن إن أصبح الموقع الذي تسيطر عليه الفرقة العسكرية موقعاً لا يمكن الدفاع عنه، واستمر الجنود في الاحتفاظ به، فإنهم يكشفون عن تهور بدلاً من الشجاعة، ولكن إن أصبح الهجوم ممكناً، واستمر هؤلاء في موقعهم، فإنهم لا يكشفون عن شجاعة بل عن جبانة. هذه النظرية التي تشكل إحدى الإضافات الأساسية التي قدمها أرسطو للفكر الإنساني تقدم في الواقع، حقيقة كل تخطيط استراتيجي أو تكتيكي صحيح. إننا نجد أولاً تحليلاً للوضع الموضوعي، كما هو يشكل نقطة الانطلاق والمرجع إليه ونرتبط به ارتباطاً وثيقاً في كل تخطيط من هذا النوع. وأن القدرة على ممارسة ذلك، القدرة على إدراك هذا الوضع الموضوعي كما هو، في الاتجاهات والتحولات التي تسوده وتحيط به، هي أساس كل تخطيط استراتيجي وتكتيكي صحيح، لأنها تحرر العمل من الأهواء والرغبات الاعتباطية وتربطه بالإمكانات والاحتمالات التي تكشف عنها الضرورة الموضوعية. العمل في ضوء تخطيط من هذا النوع هو العمل الذي يميز، كما قال أرسطو، ((رجل الحكمة العملية)) أو في موضوعنا الحالي، الوعي اليساري العلمي. كل موقف وحدوي أو ثوري يكون ((لا عقلانياً)) إن كان من الممكن التدليل بأنه يشكل وسيلة غير ملائمة في تحقيق المقاصد الجماعية، أو الأهداف التي يضعها لنفسه، أو بأن هناك وسائل أخرى ممكنة وأكثر فاعلية في تحقيق هذه المقاصد والأهداف. ولكن كي يصح له ذلك يجب عليه إن يتميز بدرجة عليا من القدرة العلمية يستطيع بها إن يكشف عن الاتجاهات الموضوعية الصاعدة فيعمل معها، وعن الاحتمالات والإمكانات المتوافرة فيتمكن من اختيار ما يساعد ويدفع إلى الأمام هذه المقاصد. لكل عمل سياسي ((ثمن)) ليس بمعنى إمكان شراء كل شيء، ولكن بمعنى إن كل شيء في هذا العمل يكلف شيئاً، إن كل إنجاز يتطلب التضحية بشيء ما، ففي كثير من الأحوال والأوضاع لا نستطيع تقديم وإنجاح قصد دون التضحية، إهمال أو إرجاء مقاصد أخرى. المسألة الاستراتيجية الأولى إذن هي تعيين الوسائل التي تتوفر والتي يمكن إن تخدم هذه المقاصد، أو تعيين المقاصد التي يجب إن تتقدم مرحلياً على غيرها والتركيز عليها. كل استراتيجية فعالة تتميز بنظام من الأولويات ترتبط به وتعرف كيف تستخدم التكتيك الملائم في خدمته. هذا يعني مرة أخرى ضرورة توفر وعي موضوعي علمي يقيس ذلك. هذه الملاحظات العامة في إعطاء تحديد علمي لليسار الوحدوي تعني بوضوح إن هذا اليسار غير موجود، مفقود في العمل الوحدوي العربي، وأنه يجب تجديده أو خلقه من جديد، وذلك لأن الوعي الذي رافق هذا العمل كان اعتباطياً، لا يعتمد ليس فقط أية نظرية وحدوية علمية، بل لا يعي حتى ضرورة الرجوع إلى الظاهرة الوحدوية في تحديد طريقه إلى دولة الوحدة. لهذا فإن المشكلة الفكرية الأساسية التي تواجه هذا العمل هي خلق هذا الوعي. المصدر مجلة " قضايا عربية " – المؤسسة العربية للدراسات والنشر – السنة السابعة – العدد الثاني – شباط 1980