محمد فتحي المقداد
26-02-2011, 10:26 PM
الطّلُّ .. و الأطلال
بقلم( محمد فتحي المقداد)
يا فؤادي لا تسل أين الهوى, كان صرحاً من خيال فهوى, بهذا البيت الجميل العميق تبدأ أم كلثوم تشدو, برائعة الشاعر ابراهيم ناجي, تلك القصيدة القديمة المتجددة, والتي لا تمل الأذن من سماعها, لأنها تحلق بعيداً في عالم جميل من الرومانسية, بشفافية الروح المنسجمة مع دواعي القلب, وما زالت الأطلال ندية كالندى, عبقة كالورد تعشش بين ثنايا الزمان والمكان,مما حدا بمنظمة اليونسكو للثقافة و العلوم, لجعل قصيدة الأطلال بصوت أم كلثوم من التراث العالمي, وبعد ذلك ترجمت لكل لغات الدنيا.
وكانت قصائد العرب الأوائل قديماً, تبدأ بالوقوف على الأطلال, وأول من وقف على الأطلال هو الملك الظليل امرؤ القيس, الذي وقف و استوقف, وبكى واستبكى, وذلك في بداية معلقته الشهيرة: قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل .. بسقط اللوى بين الدخول فحومل.
وفي دخولنا لدوحة الأطلال لنتقصَ ذلك المعنى في مضانه, ستكون البداية من عند الآية الكريمة [وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ وَتَثْبِيتاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ] البقرة265, أي إذا لم يصبها المطر الشديد الوابل فالمطر الخفيف وهو الطل فإذا أصابها يكفيها, لأن تثمر وتزكو سواء أكثر المطر أم قل فكذلك نفقات من ذكر تزكو عند الله كثرت أم قلّت. وفي العودة لمعين اللغة الصافي, فقط أتوقف عند كتاب "فقه اللغة و سر العربية" للثعالبي فيكون أول معنى للطل طلأ و هو أوَّلُ المَطَرِ رَشٌّ وَطَشُّ ثُمَّ طَلّ وَرَذَاذ ثمَّ نَضْح ونَضْخ ( وهو قَطْر بَيْنَ قَطْرَيْنِ ) ثمَّ هَطْلٌ وَ تَهْنانً ثمَّ وَابِلٌ, فيكون الطَل: المَطَرُ الضَعِيْفُ القَطْرِ الدّائِمُ.. والطَّلُّ: المَطْلُ للديَاتِ وإبْطالُها. وطُل دَمُه فهو مَطْلُوْل. والطِّلُ - بالكَسْر - : مِثْلُه. وأطِلَّ، وطَلَّ الدمُ نَفْسُه. وذَهَبَ دَمُه طِلاً: أي هَدَراً. وشَيْء طَل: أي طَرِيء ناعِمٌ. وأطْلَلْتُ عليه: ألْحَحْتُ. والإِطْلالُ: الإِشْرَافُ على الشيْءِ. وأطَلَّ على حَقَي فَذَهَبَ به: أي ألْمَا عليه. وطَلَلُ الدّارِ: ما شَخَصَ من آثَارِها، والجَميعُ الأطْلالُ و الطُّلُوْلُ. وطَلَلُ السَّفِيْنَةِ: جِلالُها، والإِنْسَانِ: شَخْصُه. وتَطَالَلْتُ للشيْءِ وتَطَاوَلْتُ: بمعنىً. وطَلالَة الرَّجُلِ: وَجْهُه وعُنُقُه. وهو الحُسْنُ أيضاً. و الطَلالَةُ - أيضاً - : الحَلاوة والفَرَحُ، وليستْ له طَلالَةٌ: أي لَيْسَ له ما يُفْرح به. و الطَلِيْلُ: الحلْوُ؛ في كَلام هُذَيْلٍ. ورَجُلَ طَل، وامْرَأةَ طَلّةٌ: حَسَنًةٌ لَطِيْفَةٌ طَرِئَةٌ. وخَمْرٌ طَلَّةٌ: لَذِيْذَةٌ. ومِيَاهٌ طَلةٌ: عَذْبَةٌ. و الطَلةُ: امْرَأةُ الرَّجُلِ. والرطْبَةُ من الرِّيَاح. وما ذُقْتُ عِنْدَهُ طُلاً، وما بها طُل: وهو اللَّبَنُ. والطَّلْطَلَةُ: تَحْريك اليَدَيْنِ في المَشْي. وطُلاء بالوَرْسِ: أي طُلِيَ به. والطلاّءُ: الدمُ نَفْسُه، وقيل: شِبْهُ جُلَيْدَةٍ على وَجْهِه.. ومَشى على طَلَلِ الماءِ: أي على ظَهْرِه.. والتطَالُ: الاطلاع من فَوْقِ المَكانِ.
وإذا أطلّت الفتنة بمكان فالتعاسة واللعنات تكون قد حلّت به وبأهله, والفتنة تكون أشبه بالنار التي تلتهم كل شيء في طريقها, حتى يقيض الله من يطفئ نار تلك الفتنة ويخمدها إلى الأبد, وعندما مالت الأندلس برأسها للذة العيش وبحبوحته, والتفت للتكاثر فقد حاقت الفتنة بأنوار طليطلة التي قضت نَحْبَها مع أخواتها قرطبة واشبيلية, وكانت نهاية المجد الذي انكسر, وانحنى لموجة التعصب الصليبي الحاقد الذي قتل وأباد حضارة عريقة, بعد أن كانت قبلة الدنيا في عصرها.
وفي تراثنا يستعملون كلمة " طلَّ " بمعنى من زار شخصاً آخر, وخصوصاً في حالة المرض أو غيره, وإذا أخذ له شيئاً من الفواكه أو الطعام فتسمى( مطلّة), كما يستخدمونه لمن ارتقى سطح البيت أو سور أو شرفة, فيقولون: "طل " أي نظر من علٍ, و يتطلطل على بيت الجيران أو غيره, وكذلك لمن أراد تنبيه آخر لينظر إليه يقول له "طِلْ " أي انظر , ولم أبارح ذلك المكان وأنا أترحم على جارتنا الحجة "طلّة" تلك المرأة الرائعة, التي كانت كقابلة تساعد النساء على الولادة ومن أصابه الوجع في رأسه يذهب لكي تُسَمّي عليه أي ترقيه, ولم أكن أعلم معنى اسمها إلاّ الآن بعد أن ولجت في دهاليز اللغة الفريدة لتكون طَلّةٌ تلك المرأة الحَسَنة اللَطِيْفَة الطَرِئَة و الطَلةُ أيضاً امْرَأةُ الرَّجُلِ, فكانت اسماً على مسمى رحمها الله. وكان الملك طلال بن الشريف حسين هو أشهر من حمل هذا الاسم الجميل, و تكون طَلالَة الرَّجُلِ: وَجْهُه وعُنُقُه. وهو الحُسْنُ أيضاً.وأيضاً الأمير طلال أرسلان ومواطنه الصحفي طلال سلمان, وعندما تكون متجهاً من مدينة السويداء في جنوب سوريا إلى مدينة دمشق لا بد من المرور بقرية المطلّة الصغيرة التي تتربع في سهل فسيح عندما تجتازه وأنت في السيارة, يأتيك شدو الصبّوحة (أهلا بها الطلّي أهلاً, أهلا بهالعين الكحلا), وما إن تصل دمشق وتصل عند محلات التسجيلات, حتى تسمع ضجيج المطرب "علي الديك" بأغنيته التي اكتسحت الساحة الشعبية: علّوش( طل الصبيح و لك علّوش), كذلك من طلى بيته بالدهان و الأصبغة الملونة يكون قد جدد ونظر للحياة بتفاؤل, ومن أنّب شخصاً على فعل فيقول له ( بَيْنٌ يطلي هامتك) أي الهم والغم يلبسك من أعلى إلى أسفل جسمك.ولا يغيب عن بالنا أن الذي لا يؤدي ما عليه من ديون مستحقة فهو المَطْلُ ومماطل, ,وإذا أصاب الطَل و هو المَطَرُ الضَعِيْفُ وهو القَطْرِ الدّائِمُ. الأرْضُ تكون قد ارتوت, و حلّ الخير وأمرعت الربوع والنجود, وفرح الفلاحون عند حصادهم لموسم الغلال, وتتحسن أحوالهم وتكثر الأموال بين أيديهم, وشكروا الله على نعمه وآلائه.
------------------------------- انتهى
بقلم( محمد فتحي المقداد)
يا فؤادي لا تسل أين الهوى, كان صرحاً من خيال فهوى, بهذا البيت الجميل العميق تبدأ أم كلثوم تشدو, برائعة الشاعر ابراهيم ناجي, تلك القصيدة القديمة المتجددة, والتي لا تمل الأذن من سماعها, لأنها تحلق بعيداً في عالم جميل من الرومانسية, بشفافية الروح المنسجمة مع دواعي القلب, وما زالت الأطلال ندية كالندى, عبقة كالورد تعشش بين ثنايا الزمان والمكان,مما حدا بمنظمة اليونسكو للثقافة و العلوم, لجعل قصيدة الأطلال بصوت أم كلثوم من التراث العالمي, وبعد ذلك ترجمت لكل لغات الدنيا.
وكانت قصائد العرب الأوائل قديماً, تبدأ بالوقوف على الأطلال, وأول من وقف على الأطلال هو الملك الظليل امرؤ القيس, الذي وقف و استوقف, وبكى واستبكى, وذلك في بداية معلقته الشهيرة: قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل .. بسقط اللوى بين الدخول فحومل.
وفي دخولنا لدوحة الأطلال لنتقصَ ذلك المعنى في مضانه, ستكون البداية من عند الآية الكريمة [وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ وَتَثْبِيتاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ] البقرة265, أي إذا لم يصبها المطر الشديد الوابل فالمطر الخفيف وهو الطل فإذا أصابها يكفيها, لأن تثمر وتزكو سواء أكثر المطر أم قل فكذلك نفقات من ذكر تزكو عند الله كثرت أم قلّت. وفي العودة لمعين اللغة الصافي, فقط أتوقف عند كتاب "فقه اللغة و سر العربية" للثعالبي فيكون أول معنى للطل طلأ و هو أوَّلُ المَطَرِ رَشٌّ وَطَشُّ ثُمَّ طَلّ وَرَذَاذ ثمَّ نَضْح ونَضْخ ( وهو قَطْر بَيْنَ قَطْرَيْنِ ) ثمَّ هَطْلٌ وَ تَهْنانً ثمَّ وَابِلٌ, فيكون الطَل: المَطَرُ الضَعِيْفُ القَطْرِ الدّائِمُ.. والطَّلُّ: المَطْلُ للديَاتِ وإبْطالُها. وطُل دَمُه فهو مَطْلُوْل. والطِّلُ - بالكَسْر - : مِثْلُه. وأطِلَّ، وطَلَّ الدمُ نَفْسُه. وذَهَبَ دَمُه طِلاً: أي هَدَراً. وشَيْء طَل: أي طَرِيء ناعِمٌ. وأطْلَلْتُ عليه: ألْحَحْتُ. والإِطْلالُ: الإِشْرَافُ على الشيْءِ. وأطَلَّ على حَقَي فَذَهَبَ به: أي ألْمَا عليه. وطَلَلُ الدّارِ: ما شَخَصَ من آثَارِها، والجَميعُ الأطْلالُ و الطُّلُوْلُ. وطَلَلُ السَّفِيْنَةِ: جِلالُها، والإِنْسَانِ: شَخْصُه. وتَطَالَلْتُ للشيْءِ وتَطَاوَلْتُ: بمعنىً. وطَلالَة الرَّجُلِ: وَجْهُه وعُنُقُه. وهو الحُسْنُ أيضاً. و الطَلالَةُ - أيضاً - : الحَلاوة والفَرَحُ، وليستْ له طَلالَةٌ: أي لَيْسَ له ما يُفْرح به. و الطَلِيْلُ: الحلْوُ؛ في كَلام هُذَيْلٍ. ورَجُلَ طَل، وامْرَأةَ طَلّةٌ: حَسَنًةٌ لَطِيْفَةٌ طَرِئَةٌ. وخَمْرٌ طَلَّةٌ: لَذِيْذَةٌ. ومِيَاهٌ طَلةٌ: عَذْبَةٌ. و الطَلةُ: امْرَأةُ الرَّجُلِ. والرطْبَةُ من الرِّيَاح. وما ذُقْتُ عِنْدَهُ طُلاً، وما بها طُل: وهو اللَّبَنُ. والطَّلْطَلَةُ: تَحْريك اليَدَيْنِ في المَشْي. وطُلاء بالوَرْسِ: أي طُلِيَ به. والطلاّءُ: الدمُ نَفْسُه، وقيل: شِبْهُ جُلَيْدَةٍ على وَجْهِه.. ومَشى على طَلَلِ الماءِ: أي على ظَهْرِه.. والتطَالُ: الاطلاع من فَوْقِ المَكانِ.
وإذا أطلّت الفتنة بمكان فالتعاسة واللعنات تكون قد حلّت به وبأهله, والفتنة تكون أشبه بالنار التي تلتهم كل شيء في طريقها, حتى يقيض الله من يطفئ نار تلك الفتنة ويخمدها إلى الأبد, وعندما مالت الأندلس برأسها للذة العيش وبحبوحته, والتفت للتكاثر فقد حاقت الفتنة بأنوار طليطلة التي قضت نَحْبَها مع أخواتها قرطبة واشبيلية, وكانت نهاية المجد الذي انكسر, وانحنى لموجة التعصب الصليبي الحاقد الذي قتل وأباد حضارة عريقة, بعد أن كانت قبلة الدنيا في عصرها.
وفي تراثنا يستعملون كلمة " طلَّ " بمعنى من زار شخصاً آخر, وخصوصاً في حالة المرض أو غيره, وإذا أخذ له شيئاً من الفواكه أو الطعام فتسمى( مطلّة), كما يستخدمونه لمن ارتقى سطح البيت أو سور أو شرفة, فيقولون: "طل " أي نظر من علٍ, و يتطلطل على بيت الجيران أو غيره, وكذلك لمن أراد تنبيه آخر لينظر إليه يقول له "طِلْ " أي انظر , ولم أبارح ذلك المكان وأنا أترحم على جارتنا الحجة "طلّة" تلك المرأة الرائعة, التي كانت كقابلة تساعد النساء على الولادة ومن أصابه الوجع في رأسه يذهب لكي تُسَمّي عليه أي ترقيه, ولم أكن أعلم معنى اسمها إلاّ الآن بعد أن ولجت في دهاليز اللغة الفريدة لتكون طَلّةٌ تلك المرأة الحَسَنة اللَطِيْفَة الطَرِئَة و الطَلةُ أيضاً امْرَأةُ الرَّجُلِ, فكانت اسماً على مسمى رحمها الله. وكان الملك طلال بن الشريف حسين هو أشهر من حمل هذا الاسم الجميل, و تكون طَلالَة الرَّجُلِ: وَجْهُه وعُنُقُه. وهو الحُسْنُ أيضاً.وأيضاً الأمير طلال أرسلان ومواطنه الصحفي طلال سلمان, وعندما تكون متجهاً من مدينة السويداء في جنوب سوريا إلى مدينة دمشق لا بد من المرور بقرية المطلّة الصغيرة التي تتربع في سهل فسيح عندما تجتازه وأنت في السيارة, يأتيك شدو الصبّوحة (أهلا بها الطلّي أهلاً, أهلا بهالعين الكحلا), وما إن تصل دمشق وتصل عند محلات التسجيلات, حتى تسمع ضجيج المطرب "علي الديك" بأغنيته التي اكتسحت الساحة الشعبية: علّوش( طل الصبيح و لك علّوش), كذلك من طلى بيته بالدهان و الأصبغة الملونة يكون قد جدد ونظر للحياة بتفاؤل, ومن أنّب شخصاً على فعل فيقول له ( بَيْنٌ يطلي هامتك) أي الهم والغم يلبسك من أعلى إلى أسفل جسمك.ولا يغيب عن بالنا أن الذي لا يؤدي ما عليه من ديون مستحقة فهو المَطْلُ ومماطل, ,وإذا أصاب الطَل و هو المَطَرُ الضَعِيْفُ وهو القَطْرِ الدّائِمُ. الأرْضُ تكون قد ارتوت, و حلّ الخير وأمرعت الربوع والنجود, وفرح الفلاحون عند حصادهم لموسم الغلال, وتتحسن أحوالهم وتكثر الأموال بين أيديهم, وشكروا الله على نعمه وآلائه.
------------------------------- انتهى