المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : أهو العقل أم المنهج أم الممارسة ؟


فائز البرازي
11-02-2008, 11:42 AM
أهو العقل أم المنهج أم الممارسة ؟
===================

منذ عقود طويلة تجاوزت قرن وأكثر من الزمان ، كانت هناك دعوات لمفكرين ودعاة إصلاحيين عرب في ساحات الفكر العربي ، للتخلص من الإستبداد وتنكب طريق الديمقراطية ، والتخلص من الفساد على طريق الإصلاح الشامل ، مع إنشغال الساحات العربية بمعاركها ضد الإستعمار والإحتلال. وإستمرت هذه الدعوات فيما بعد مرحلة الإستقلال ، ووصول قيادات وطنية إلى قمة النظم والحكم في البلاد العربية .
ومنذ بدايات مرحلة الإستقلال وحتى اليوم ، سادت الفردية والديكتاتورية الإستبدادية في مراكز القرار بحجة محاربة مخلفات الإحتلال من المتآمرين المناهضين للتغير والمتواطئين مع الإستعمار ، وبمعارك التحرر الإجتماعي من الإقطاع والرأسمالية والإستغلال .. القوى الطبيعية المتساوقة مع الإستعمار الذي يحفظ مصالحها ويمدها بأسباب القوة للسيطرة والهيمنة على المجتمع بشكل مباشر، وعلى مراكز القرار السلطوي بشكل غير مباشر . وفي ذات الوقت تحافظ وتراعي المصالح الإستعمارية ونفوذها في الأوطان المتحررة .
ومع هذه الحجج والدفوعات المبررة والمفهومة والمحقة ، إلا أنها كانت واهية إستخدمت – مع وجودها – كستار ظاهر لتغييب ظواهر الإستبداد والفساد والفردانية والتسلط لصالح ( النخب الحاكمة ) على إختلاف أشكالها وتوصيفاتها ، التي تكاد محصورة في : النخب الوطنية ، النخب القومية ، النخب الإسلامية ، النخب الليبرالية . وكانت جميعها " نخب نظم سلطوية " ، حاكمة أو غير حاكمة ، غير منسجمة في ممارساتها مع كل إدعاءاتها بالإنتماء لهذا الفكر أو ذاك المنهج .
فالنخب الوطنية القطرية : - سادت وإستبدت قطريآ ، وكان من طبائع الأمور المساهمة في إستقرارها وإستمرار هيمنتها : الإنعزالية القطرية ، سيادة منظومة الفساد بكل مناحيه السياسية والإجتماعية والإقتصادية والمؤسساتية .
والنخب السلطوية القومية : - وبخطابها السطحي القومي الذي ركبت من خلاله الفكر والمد القومي ، آخذة شرعيتها من الخطاب ، لامن الممارسة والنتائج ، وبقيت معزولة وعازلة لنفسها في المجال القطري الذي تدّعي التمرد عليه وضرورة تغييره . فكانت ممارساتها الإستبدادية والإفسادية والفردانية ، وبالآ على الفكر والمد القومي .
والنخب الإسلامية : - بدءآ من فكر تيارها الإسلامي العريض – بسبب تجذر الدين في المجتمع – إستغلت هذه الواقعة ، ومتلازمة مع إنحسار المد القومي ، طارحة نفسها ( كبديل وحل ) لما عاناه العرب والمسلمون ، مدعية أن اسباب جميع الهزائم المحيقة هو " الإبتعاد عن الإسلام " ، مع ما ظهر ونتج عن هذا الفكر الإسلامي من دكتاتورية الرأي ، وإستبدادية الممارسة ، ومحاولة سرقة المجتمع وتأطيره الإشتراعي ، من جميع القوى السياسية الإسلامية ، وبعض نخبها " السلطوية " كما كاد يحصل في الجزائر ، وما حصل في السودان ، وإرهاصاته الأولية في فلسطين .
والنخب السلطوية الليبرالية : - وبعيدآ عن كونها ليبرالية أو متمسحة ببعض معطياتها ، كانت تدّعي وتهاجم تلك الأفكار والنظم السابق ذكرها . وكأن إنجازاتها في أقطارها وفي مجتمعاتها ، يعطيها الحق في ذلك ويميزها عن غيرها بالممارسة والنتائج .. بل أن إستبدادها وفسادها ونهبها المنظم المشرعن ، فاق الكثير من النظم الأخرى .
والنتجة عند الجميع ... إستبداد ، هيمنة ، فساد ، تخلف مناهض للتنمية .
فأين يكمن الخطأ ؟ .. وكيف تُوصف هذه المشكلة ؟ ..
يكاد يظهر أن الخطأ والفشل لايكمن في ( الفكر ) .. فالبعد الوطني القطري " بعموميته " لابد من تنميته مؤسساتيآ ليكون مؤهلآ لرحاب أوسع ، وصولآ إلى : الأمة / الدولة . والبعد القومي " بعموميته " لابد من أن يكون أداة ووسيلة إحتضان إجتماعي وإقتصادي وسياسي ضمن منظومة : التحرر ، والمواطنة ، والديمقراطية ، والعدالة ، والتنمية . والبعد الديني بفكره الإنساني هو الوعاء الروحي والوجداني والحضاري والأخلاقي القيمي لهذه الأمة . والبعد الليبرالي " بعموميته " التي تعتمد " الحرية " كقيمة إنسانية ، تقود بوظائفها – الحرية – الفرد والمجتمع ، وتكاد تكون – الليبرالية – ببعدها الإنساني والسياسي ، جزءآ من الأفكار المتنوعة :وطنية و قومية وإسلامية .
أويكمن الخطأ في الممارسة والتجربة ؟؟
وهو يكاد الأكثر ترجيحآ بالدرجة الأولى .. إذ أن معظم شعوب ومجتمعات ودول العالم إن لم تكن جميعها ، عاشت ذات المأزق الذي يعيشه العرب الآن وبأشكال متعددة متنوعة . وإستطاعت في كثير منها ، الإنتقال من هذا الطور ، إلى أطوار أخرى متقدمة إنسانيآ وتنمويآ وسياسيآ ، وإستطاعت بناء ( الدولة المؤسساتية ) التي تفاعلت جدليآ مع المجتمع ، وتفاعل معها على طريق التحديث والتطوير والإصلاح والممارسة الديمقراطية ، في : القمة / النظام ، وفي القاعدة / المجتمع . بينما بقينا نحن العرب في طور " الإشكالية الكبرى " لمفهوم ( الدولة ) وأسلوب تأسيسها وبنائها والتعاطي معها . من حيث البقاء في موضع التناقض والإصطدام بين : " فكرة الدولة " في وعينا المجتمعي المستند إلى مواريث قبلية وعشائرية تحمل الكثير من صفات التمرد وعدم الإنصياع لسلطة أعلى تجرد الفرد من فردانيته ونفوذه ، وتحمل من جهة أخرى الكثير من صفات الهيمنة والتسلط والفرض العلّوي على سائر الأفراد التابعين . وبين فكرة " الدولة المؤسساتية الحديثة " . وبذلك بقينا : سلطة ، ومجتمع ، نشكل الطور الأدنى العصبوي في وعينا وممارساتنا .
ومع هذا الطور .. ورغم مآسيه وخسائره وتخلفه ، ومع كل الدم الذي بذل مقدمآ في سبيل التحرر والبناء ، ولتجاوز هذا الطور ، من :
- مليونا شهيد في الجزائر .
- مليون شهيد للصراع العربي الصهيوني .
- مليون شهيد فلسطيني .
- مليون شهيد عراقي .
- ملاين الشهداء الموزعين بين : الصومال ، والسودان ، وليبيا ، والمغرب ، والخليج العربي ، ولبنان .
ومع كل هذه الدماء التي دُفعت وسالت في سبيل الهدف النهائي : الأمة العربية الحرة الموحدة المتقدمة .. لم تكن كما يظهر في " وعينا " كافية . ولا زلنا بعد كل معاركنا ، ومواجهاتنا ، وتضحياتنا ، نعود لنسكن ، ونهمد ، ونستسلم لمنظومتنا الموروثة ..
ما العمل ؟ ومن أين نبدأ ؟
1- لابد من الإستيعاب والوعي بأن الفكر الذي يبحث ويقدم حلولآ لواقع أو لمشكلات ، على تنوعه ، ليس هو الذي يفعل بقدر ما ينير . وبالتالي فإن الحكم على فشل الفكر أي فكر أو نجاحه ، إنما ياتي بعد تجسد هذا الفكر ومتغيراته مع واقع التطبيق والممارسة . متلازمان صادقان لايتناقض أحدهما مع الآخر .
2- أن : الممارسة / السياسة .. لايجب أن تستدعي وتسرق وتتبرقع بالفكر إدعاءآ ، لتنفيذ رؤاها ورغباتها وهيمنتها وفسادها على المجتمع .
3- ان بناء " الدولة المؤسساتية الحديثة " يتطلب التخلص ( بالوعي والإرادة ) من منظومة مورثات : إجتماعية وسياسية ، اثبتت التجربة والدراسات عقمها على طريق تحقيق البناء والتحديث والتقدم والتنمية .
4- ان الديمقراطية ليست شعارآ يرفع ، ولا هي مجرد أداة توظيف . لأنها بدون : ( الوعي ، والحرية الوظيفية ، والسير على طريق التنمية المجتمعية الإنسانية والإقتصادية ) ، ماهي إلا أضغاث أحلام ، إسمها : ديمقراطية .
وأخيرآ .. فإن ( العقل ) وانماط التفكير ، هما المسند الرئيسي والحامل الأساسي لكل هذا . إن ضعف (العقل ) : المعرفي والإجتماعي والعلمي والسياسي ، هو الحاضن لكل " معوقات " التحرر والتطور والإصلاح .
ومن اسف .. فإننا لانشعر بهذه الأزمة / المشكلة الكبرى ، ونتمسك بأن الله أنعم علينا بالعقل ، ونحن معجبون به كما هو ، وأنه أقصى مايمكن الحصول عليه : تميزآ ، وإستفرادآ ،وقبولآ .. فلا نشعر بما يسببه هذا العقل المريض من نتائج .
ان جميع " الأمراض " .. تلاحظ ، وتؤلم ، وتعالج .. إلا مرض العقل .. فالمثل يقول :
( لو كانت قلة العقل موجعة .. لكنّا سمعنا صراخآ شديدآ ) .
===================
فائز البرازي – كاتب سوري
10/2/2008